أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد مضيه - حارس الذاكرة الفلسطينية -2















المزيد.....

حارس الذاكرة الفلسطينية -2


سعيد مضيه

الحوار المتمدن-العدد: 5119 - 2016 / 3 / 31 - 10:16
المحور: القضية الفلسطينية
    


حارس الذاكرة الفلسطينية -2
بعث سلمان ناطور من خلف ستار النسيان تلك الجرائم التي املتها ضرورات تشريد شعب من وطنه وإقامة دولة نقية من الأغيار ، على عداء مزمن مع محيطها العربي، لديها اليد الطولى والمطلقة في انتهاج دروب العدوان، والتخريب في الأقطار العربية المحيطة . لم تقصر الصهيونية مكائدها على شعب فلسطين وحده؛ وبصمات أصابعها ماثلة في العديد من المحن والفتن التي عمت العالم العربي. لم تطفئ مجزرة صبر وشاتيلا ظمأ شارون للدم الفلسطيني، ففجر العنف المسلح مع المقاومة الفلسطينية في بدايات القرن الحالي كي يضرب بالصواريخ والطائرات أحياء المدن والقرى والمخيمات؛ ثم استدار ليظهر امام العالم ضحية إرهاب يمارسه الفلسطينيون. ومن قبله أطلق بن غوريون صيحات الاستغاثة من محرقة يعدها الفلسطينيون ، بينما راح ينفذ مخطط الإبادة والتهجير ضد الشعب الفلسطيني. يتقنون تمثيل دور الضحية وأيديهم تقطر بدماء ضحاياهم.
وكذلك مناحيم بيغن استحضر خيانة ميونيخ( المعاهدة التي قدمت لهتلر تشيكوسلوفاكيا استرضاء له بوهم أيقاف تزعته العدوانية) يلطم بها وجه الرئيس الأميركي آنذاك، جيمي كارتر، ردا على رفضه مشروع الاستيطان الذي اعدته حكومته لغرض –كما صرح بيغن – منع إقامة دولة فلسطينية بالضفة الغربية. وصرخ مستغيثا نحن لسنا دولة موز.
صدر لسلمان ناطور سبعة وعشرون كتابا بينها كتاب باللغة العبرية واربعة كتب للأطفال، مضافا إليها خمس ترجمات عن العبرية. في مؤلفيه "وما نسينا" و" الذاكرة"، وكذلك في المسرحيات أتقن سلمان ناطور الحفر في الذاكرة الفلسطينيّة 1948. سبر زيوف الأساطير التي كونت الرواية الصهيونية وفندها بالوثائق المضادة ومزق الأقنعة عن السحنة الشوهاء .

يوم أصدر سلمان ناطور كتابه "وما نسينا" (1983) كتب الدكتور نبيه القاسم، "وما نسينا كان الوثيقة الدّامغة والسّجل الأمين والرواية الطويلة المبنيّة على حلقات متتابعة... الكاتب الذي يسوح في كلّ أقسام بلادنا، يُفتّش عن البطل – الحاضر الغائب- والبطل نفسه في كلّ الحلقات ، وهو شيخ مشقّق الوجه، يحفظ في ذاكرته تاريخ هذا الوطن وما انتاب هذا الوطن والشعب من النوائب السود."
استمع إليه بهدوء، ويروح يُسجّل كل كلمة يتفوّه بها كما يلفظها، لا يُغيّرُ فيها ولا يُبدّل. فتاتي الكلمة طبيعيّة صادقة. ويرسم ملامح الوجه وحركات اليدين وحزن العينين، فيشدّنا للبطل المشقّق الوجه، فنستمع حتى نجد أنفسنا نعود إلى أيّام زمان فنفزع لصوت طلقة النّار، ونثور لتلكؤ وصول المَدَد، ونشتم الخَونة، ونركب المراكب، وندفن موتانا وفجأة ننتفض لنجد أنفسنا أمام الشيخ المشقّق الوَجْه، فنعرف أيّ شعب نحن، وأيّ حزن رافقَنا، وأيّ ظلم يربض علينا، فنغضب ونفكر ونسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلامَ؟." (في الرواية الفلسطينيّة) (1991) ( ص114-115(.
كان سلمان ناطور القامة الثقافيّة الكبيرة الذي ترك بصماته في كلّ المواقع والأحداث على مدار السنوات الثلاثين الأخيرة، وقد تميّز في إبداعاته بأسلوب السخرية ذي النكهة الجميلة حيث يقول: "الكتابة السّاخرة قريبة جدا إلى نفسي، وفي كلّ ما أكتب ألجأ إلى السخرية لأنّ أفضل الطرق لمواجهة الواقع القاسي والمؤلم هو روح السخرية التي تبعث الأمل، وهي تعبّر عن قوّة في المواجهة وليس عن ضعف."

نقلت بثينة عرار عن المثقف الفلسطيني الراحل قوله : إن موقفي الشخصي، كما هو موقف مثقفي الداخل هو ضد التطبيع مع إسرائيل، ونخوض صراعا مريرا معهم منذ أكثر من 60 عاما على هويتنا ولغتنا وبقائنا في وطننا. إننا مهددون بالترانسفير من وطننا وهذا التهديد معلن وليس خفيا، يعلنه صراحة وزير خارجية حكومة إسرائيل ليبرمان، فكيف يمكن التشكيك بهذا." المهدد من إسرائيل يتهم أيضا بالتطبيع معها. "منذ النكبة ونحن نؤكد أننا جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني والأمة العربية، ... وعندما ندخل أي بوابة في وطننا العربي لا ندخلها كإسرائيليين، بل ندخلها كعرب فلسطينيين، ندخلها باعتبارنا ذاهبين إلى وطننا، كما هو وطن كل العرب، والتقسيمات القائمة كما نفهمها هي ضرورات سياسية وليست لضرورات بناء هوية او ثقافة، فالثقافة العربية واحدة من المحيط الى الخليج. من مصلحة إسرائيل أن تمنعنا من الوصول إلى الوطن العربي، وأرى قبل كل شيء أن نقوم بالتطبيع مع بعضنا نحن العرب".
لكنه، شأن أقرانه من الكتاب الفلسطينيين، لم يسقط في وحل العنصرية، بقي ذلك المثقف الذي ميز الجماهير ، حتى المخدوعة والمضللة عن القادة الذين امتهنوا التحريض على الكراهية وما انفكوا يروجونها. يقول:
"أعتقد أنه بالرغم من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يجب أن نبتعد عن الرسم النمطي المؤدلج للشخصيات وأبطال القصص. يمكن الكتابة عن بشاعة سلوك الإسرائيلي الفرد أو الأفراد دون أن يبدو ذلك تصويرا لكل من هو إسرائيلي أو يهودي وهكذا الفلسطيني، فليس هناك شعب كله من الملائكة وليس هناك شعب كله من الشياطين، والأدب الجيد يكتب عن الإنسان كإنسان بما فيه من خير وشر"
في العام 2006 نشر روايته" الذاكرة"، ضمنها صورأ حيّة للألم التاريخي الذي عانته الأجيال الفلسطينية المتعاقبة في ظل عنصرية دامغة. تقول الأديبة بثينة عرار، " إن ذاكرة تقول بوضوح: لا يمكن لأي شعبٍ أن ينال حريته واستقلاله إذا تخلّى عن هويته وذاكرته:
(ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة...ستأكلنا الضباع)
"ذاكرة" سلمان ناطور تنفض ما تراكم من صدأ وغبار وسيطرة وألم، تتحرّك لتشق طريقها وتفرش ظلالها في كل حارةٍ وقرية، تقف في هذا الشارع وتلك المدينة، تجلس أمام هذا البئر أو تلك المقبرة...تتفيأ ظلّ شجرة بلوط أو شتلة صبّار...تروي حكاية شعبٍ كان هنا، تعرّض للذبح والنهب والطرد والاستلاب...لسانها يروي مأساةً لا تزال صخور وأتربة الأرض تحمل أوجاعها وصراخها...تنتظر من يسمعها أو يشفيها من آلامها.
لم تتوقف إسرائيل عن الكيد للفلسطينيين والسعي لاجتثاث جذورهم من وطنهم فلسطين . في مناهج التعليم طمست إسرائيل التاريخ العربي وأصرت على تجهيل العربي بتاريخه ولغته تمهيدا لسوقه قطيعا منبت الأصول، بدون كيان ولا تقاليد عريقة تربطه بعروبته التي تجسد هويته المنقطعة عن الهوية الإسرائيلية.

لم أسمع أن لجنة دولية تشكّلت للتحقيق في هذه الجرائم التي حاولت إسرائيل أن تطمسها وأن تمنع أي ذاكرة حية من كشفها...ربما هناك لا يزال شهداء في قبور جماعية أو في أماكن لم يستطع أحد الوصول إليها مما يستوجب المطالبة بإعادة التحقيق في جرائم الصهيونية التي ارتكبتها في فلسطيني خلال النكبة:
"ذاكرة" سلمان ناطور تتهم إسرائيل وعصاباتها بأنها صاحبة ومُؤسسة ثقافة الإرهاب وقتل المدنيين من خلال ما روته ال"ذاكرة" من قيام تلك العصابات بزرع القنابل في الأسواق والأماكن العامة وحتى في مجاري المياه؛ ثم تنثني وتتهم الشعب الفلسطيني بالإرهاب!!!
(بعد دقائق انفجر "الغرض"، السوق كان يغص بالناس...انقتل حوالي 25 إنسان...القنبلة حفرت في الأرض متر مربع، لحم الناس كان ملزّق على الحيطان)
دعت الهيئة الإدارية لمركز أوغاريت في رام الله لعقد ندوة " القدس في كلمة"يومي 5و6 حزيران 2009 ووجهت الدعوة لسلمان للمشاركة. سجلت من كلمته ان الكتابة الصهيونية تتحدث عن أشواق وحنين من بعيد وتعيد خرافات وفبركات، ولا تتحدث عن معايشة وجودية . وفي رواية "ذاكرة" يواجه ذاكرة موتٍ عند الإسرائيليين، فإذا كان الإسرائيليون قد استعمروا هذه البلاد قادمين على أسطورة المحرقة، فإن الفلسطينيين يواجهون الإبادة والنفي بما زرعوه وتركوه من حياة على هذه الأرض المثمرة بالحضارة والتاريخ والثقافة والإنسانية، فلا يحتاج الفلسطينيون إلى خرافةٍ لتأويل أسطورتهم وتبرير وجودهم.
وربما تستهدف "ذاكرة" أيضاً الأجيال اليهودية التي ولدت بعد نكبة 1948، المضللة والمخدوعة والمعبأة بنزعات العدوان والعنصرية والعسكريتارية وكره الآخرين، لتضعها ‘ذاكرة’ أمام الحقائق المفجعة والمخيفة التي قام بها آباؤهم وأجدادهم بحق الفلسطينيين، تسألهم ذاكرة الفلسطيني: ما هي المسافة التي يمكن أن يلتقي بها القاتل مع القتيل؟ سؤال سياسي مؤرق تجده في كلّ سطرٍ وكلمة من الكتاب:
(ربما بنسمع وزير عندهم بحذرنا من اللي صار سنة ال48، أولادهم ما بتأثروا...أما أولادنا بوقف شعر راسهم)
في لقاء جمع نتياهو برئيس وزراء بريطانيا تطرق الأخير بتلعثم إلى الاحتلال، فعاجله نتنياهو بفظاظته وكذبه المتأصلين في طبعه ان العرب في إسرائيل يرفلون في سعادة لا تتاح لعرب الشرق الأوسط كافة. وكأن سلمان يرد على هذه الكذوبة : الاحتلال ليس بنعمة، ولسنا سعداء، ولا يمكن لحالة القمع أن تمتص المقموعين إلى درجة الرضى والقناعة واليأس من النضال والمطالبة بالحقوق:
كتاب "ذاكرة" يطفح بدلالات كثيرة تستحق القراءة الواعية لأن سؤال الكاتب ما زال يحلّق فوق رؤوسنا ليلاً ونهاراً وهو يسألنا:
(هل نحن جيلٌ بلا ذاكرة...أتساءل دائماً ويقسو عليّ السؤال ويؤنّبني لأننا منشغلون حتى الموت بحاضرنا الأني".
غيب الموت المباغت سلمان ناطور . ولا نخط في الرمل إن قلنا ان طاقته الإبداعية تعد بالكثير الذي لن نحصل عليه. وستظل الأجيال تردد من بعده "وما نسينا"، تفضح زيوف المحتلين الصهاينة وانتهاكاتهم الفظة لحقوق الإنسان.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,397,807,910
- حارس الذاكرة الفلسطينية
- اقحام السياسة على الدين يفسد الطرفين
- إمبراطورية الشر وضعت العالم في قبضة الموت
- تدهور التعليم وتدهورت معه المكانة الاجتماعية للمعلم
- وتكشف التزوير في الرواية الصهيونية
- وحدة كفاحية تدمج نضال الأميركيين السود مع نضال الشعب الفلسطي ...
- ربيع ام خريف زمننا العربي الراهم، ام هو التضليل يغيب الصراعا ...
- التربية عتلة السلطوية المحافظة وقد تشحن عناصر التغيير الديمق ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية ...
- الامبريالية الأميركية تكثف الجهود للإطاحة بالأنظمة اليسارية- ...
- مصدات في طريق التطهير العرقي
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية-3
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية -2
- يحدث في غفلة القيادة الفلسطينية
- ثقافة العنف وازدراء الديمقراطية
- سنستان بدل داعش.. إصرار على مؤامرة التمذهب
- هل يقدم الحلف السعودي قارب نجاة لشعب تعصف به هوج الإرهاب؟
- تزاحم الطيران الحربي نذر بكوارث مبيتة
- امبريالية الغرب مستنبت العنف والإرهاب والعنصرية
- الموت ولا المذلة


المزيد.....




- أبرز ما جاء في كلمة كوشنر في أول أيام -ورشة البحرين-
- أبرز ما جاء في كلمة كوشنر في أول أيام -ورشة البحرين-
- فتح: الدول العربية المشاركة في ورشة البحرين زادت من طعناتها ...
- تهديد أمريكي جديد لتركيا بشأن صفقة صواريخ إف-35
- الفلسطينيون يحتجون على ورشة البحرين وصفقة القرن
- تهديد أمريكي جديد لتركيا بشأن صفقة صواريخ إف-35
- مساع أمريكية لجمع 50 مليار دولار في مؤتمر البحرين لتمويل صفق ...
- تعز.. إصابة ثلاثة مواطنين بقصف للانقلابيين استهدف أحياء سكني ...
- الانقلابيون يقصفون منازل المواطنين في قرى التحيتا جنوبي الحد ...
- -بيت المعظمية-.. عقار آخر على مائدة المستوطنين في القدس


المزيد.....

- على هامش -ورشة المنامة- -السلام الاقتصادي-: خلفياته، مضامينه ... / ماهر الشريف
- تونى كليف ضد القضية الفلسطينية ؟ / سعيد العليمى
- كتاب - أزمة المشروع الوطني الفلسطيني / نايف حواتمة
- كتاب -اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام- / غازي الصوراني
- حركة حماس والكيانية الفلسطينية المستقلة / فهد سليمان
- في راهنية الفكر السياسي للجبهة الديمقراطية.. / فهد سليمان
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمودفنون
- مخيم شاتيلا - الجراح والكفاح / محمود عبدالله كلّم
- فلسفة المواجهة وراء القضبان / محمود فنون
- المملكة المنسية: تاريخ مملكة إسرئيل في ضوء علم الآثار(1) / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - سعيد مضيه - حارس الذاكرة الفلسطينية -2