أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - الحربُ على النَّقد















المزيد.....

الحربُ على النَّقد


هشام آدم

الحوار المتمدن-العدد: 5113 - 2016 / 3 / 25 - 08:54
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


رُبَّما من أكثر ما يخشاه المُسلمون على الإطلاق، هو النَّقد، وهنا أقصد نقد الدِّين ونقد المُعتقدات، وهو شيءٌ لا يخشونه فحسب؛ بل ويكرهونه جدًا، فعندما يسمع أو يقرأ المُسلم أيَّ نقدٍ موجهٍ إلى دينه، أو قرآنه، أو نبيِّه فهو -حرفيًا- يشعر بغصَّة في قلبه، وكأنمَّا تسلُّ فيه خنجرًا، فهم لا يُطيقون عملية النَّقد، ولا يرغبون في سماع أو قراءة كُل ما مِن شأنه أن يطعن في عقيدتهم أو يُثير داخلهم الشُّكوك. هُم فعلًا يتمنون أن لو استطاعوا فقأ أعين النُّقاد أو قطع ألسنتهم حتَّى لا يتفوَّهوا بأي نقد. وفي سبيل تحقيق ذلك فقد ابتكروا حججًا كثيرةً جدًا، وكُل تلك الحجج تهدف إلى شيءٍ واحدٍ فقط، وهو مُحاربة النَّقد، وقد اضطروا إلى ذلك ليس شيءٍ وإنَّما لرسوخ مبدأ حُريَّة الرَّأي والتَّعبير، التي أصبحت أحد أهم معايير التَّطور والرُّقي في أي مُجتمع، فهم ليسوا قادرين على قمع النَّقد بالوسيلة الوحيدة التي يعرفونها، ويُؤيدونها سرًا، وهي القتل، فلجأوا إلى استخدام أساليبٍ مُعاصرةٍ في قمع حُريَّة الرَّأي والتَّعبير، وفيما يلي سوف نستعرض بعضًا من هذه الوسائل البديلة عن الوسيلة الأصليَّة التي لا يُمكن مُجابهة نقد المُقدَّس إلا بها.

الحجة الأولى: احترام المُقدَّسات
الفئة الدِّينيَّة الوحيدة التي تُطالب باحترام المُقدَّسات، هم المُسلمون. فما المقصود باحترام المُقدَّسات تحديدًا؟ عندما تُناقش أحدهم فإنَّه يرتدي أمامكَ صوف الحِملان، وهو يقول: "نحن مع النَّقد ونُرحب به، ولكن دون سُخرية ودون تجريح. احترموا مُقدَّساتنا." أو: "علينا أن نحترم أفكار بعضنا البعض." وقد تبدو هذه المُطالبة مُطالبةً مشروعةً بطبيعة الحال، ولكن واقع الأمر أنَّه لا يعني شيئًا سوى إلزامكَ أنتَ باحترام مُعتقده، ومُقدَّساته، لأنَّه لا يُريد -أثناء حواره معكَ- أن تجرح مشاعره الرَّقيقة بأي جُملةٍ أو معنى قاسٍ، يمس بمُعتقده ومُقدَّساته، ولا أعرف كيف يُمكننا نقد الفكرة دون المساس بها؟ كيف يُمكن نقد الفكرة دون تبيان خطئها أو فشلها أو عيبها؟ إنَّ النَّاظر بعُمقٍ لهذه الحجة، سيجد أنَّه أمام مطلبٍ صعب التَّحقق، فأي وسيلةٍ سوف يتَّبعها النَّاقد في نقد المُقدَّس سوف تُعتبر مساسًا بهذا المُقدَّس، طالما أنَّ النَّتيجة هي التَّعييب فيه. فكيف يُمكن أن تُوصل فكرة إنكار النُّبوة أو إظهار الجانب الدَّموي من الإسلام، أو الجانب اللاأخلاق فيه مع المُراعاة التَّامة للمشاعر، أو دون أن يُعتبر ذلك مساسًا بمُقدَّسه؟ وبكلماتٍ أُخرى: كيف يُمكن أن تُوصل للقبيح رأيكَ في قُبحه دون أن تمس بمشاعره؟ إنَّها مُطالبةٌ مُستحيلةٌ، وهي ليست فكرةً مقبولةً أو قابلة للتحقُّق أصلًا. فالفكرة الأساسيَّة هي مُحاولة السَّيطرة على النَّاقد، وإلزامه بشيءٍ غير مُمكن أصلًا. ومن ناحيةٍ أُخرى هو نفسه لن يكون قادرًا على الالتزام بهذا الشَّرط، فهو لا يحترم فكرة أن يكون لله ولدٌ مثلًا، ولن يحترم فكرة أنَّ الله غير عادل، أو أنَّ مُحمَّدًا كاذبٌ وليس نبي. هو نفسه لا يُمكنه الالتزام بما يُريد أن يُلزم به النَّاقد، كما أنَّ القرآن الذي يُقدِّسه مليءٌ بنقد المُقدَّسات الأُخرى والإساءة إلى اتباعها، ابتداءًا من قصَّة إبراهيم الذي تعدَّى على مُقدَّسات قومه من أصنام وتحطيمه لها، وانتهاءً بقصَّة مُحمَّد الذي تعدَّى على مُقدَّسات قومه من أصنام وسبه وتحطيمه لها. وسوف تجده يُدافع عن ذلك ويُبرِّر له. فهي مُطالبة عصيَّةٌ على التَّحقق، الهدف الأساسي منها هو المُحافظة على المُقدَّس الإسلامي من النَّقد، ولا أعرف مُسلمًا واحدًا، قال ما معناه: "جزى الله فلانًا خيرًا، فقد قدَّم نقدًا موضوعيًا للإسلام." المُطالبة بالنَّقد الموضوعي أو احترام المُقدَّسات هو إنَّما وسيلة دفاع مُعاصرة بديلةٌ عن القتل، كوسيلة قمع للأفكار الأخرى.

الحجة الثَّانية: لماذا ينتقدون الإسلام فقط؟
هذه واحدة من أسخف الحجج التي سمعتها، وفكرتها شديدة الوضوح، وهي: لفت أنظار النَّاقد إلى مادةٍ أُخرى والانشغال بها عن نقد الإسلام. ومثل هذه الحجج البلهاء تستشري وتنتشر كالوباء، فيبدأون في ترديدها كالببغاء دون وعي ودون فهم. ومثل هذه الحجَّة تُذكرني بتلك الحجج الطُّفوليَّة التي كُنَّا نستخدمها ونحن صغار، عندما يُعاقبنا آباؤنا على شيءٍ فعلناه، فلنجأ عندها إلى لفت أنظارهم إلى أخوتنا: "لماذا لا تُعاقبون بقيَّة أخوتي؟ لماذا أنا فقط؟" فهي حجَّة طفوليَّة ساذجةٌ وسخيفة، ورغم ذلك فهي مُنتشرة وتتردَّد كثيرًا، وكأنَّها حجَّة منطقيَّة ومُفحمة، وواقع الأمر أنَّهم يبحون عن أيٍ شيء يشغل النُّقاد عن تناول الإسلام كمادةٍ للنَّقد. العجيب في الأمر أنَّهم يستعملون هذه الحجَّة بغباء، في الوقت الذي يزعمون فيه بأنَّ الإسلام هو دين الحق، وهو الدين الخاتم والنَّاسخ للأديان السَّابقة، في حين أنَّ بقيَّة الأديان باطلةٌ ومُحرَّفة. فهل من المنطق أن يشغل النَّاقد نفسه بنقد أفكارٍ مُحرَّفة وملغيَّة، أم من الواجب أن يتناول النُّسخة الحديثة والأخيرة من هذه الأفكار؟ واقع الأمر أنَّها مُجرَّد حجَّة الغرض منها اعتراض طريق النَّقد بأيَّة طريقة، ولكل موقفٍ حُجَّته، فعندما يكون المقام مقام نقد الإسلام من طرفٍ مسيحي مثلًا، عندها تأتي حُجَّة ختم الرِّسالة وتحريف الأديان الأخرى، وهيمنة الإسلام على بقيَّة الأديان، فلا تكون الأديان مُتساويةً أبدًا، ولكن عندما يكون المقام مقام نقد الإسلام من طرفٍ إلحادي أو لاديني، تُصبح الأديان مُتساويةً ويجب أن يتم نقد الأديان على قدم المُساواة. وهُم عندما يستخدمون هذه الحجَّة فإنَّ لسان حالهم يقول: "انقدوا أي فكرة وأي دين إلا الإسلام، أرجوكم."

الحجَّة الثَّالثة: المُلحدون يشُكُّون في إلحادهم
هذه الحجَّة مُستخدمةٌ بكثرةٍ أيضًا. وهي مُحاولةٌ ساذجةٌ جدًا لمُحاربة النَّاقد نفسيًا، فلا يُظهرون خوفهم أو حرصهم على الإسلام فقط؛ بل على كُل الأديان، مُعتقدين أنَّ المُلحد بما أنَّه قرَّر عدم وجود إله، وتوصَّل إلى بشريَّة الأديان، فلا يحق له نقد الأديان وإلا سيكون مُتشككًا حول موقفه. والحقيقة لا أعرف كيف تسنَّى لهم خلق هذا الرَّبط الغريب والعجيب، الذي لا يمتُ للمنطق بأيَّة صِلة. ومثله أيضًا ما قد نسمعه أحيانًا من قول أحدهم: "المُلحِد يقتل إلهه، لبقية العُمر يتسلّى على ذكراه" والمُختصر المُفيد من مثل هذه الحجج هي مُطالبتنا بالتَّوقف عن نقد الأديان طالما أنَّنا تركناها، وهي مُطالبة غريبةٌ جدًا، فمتى يكون النَّقد إذن إن لم يكن بعد اكتشاف الخطأ؟ ثمَّ من قال أنَّ المُلحد يُمارس نوعًا من النُّوستالجيا عندما ينتقد الأديان؟ كارل ماركس أمضى وقتًا طويلًا من عمره في نقد الفِكر والاقتصادي الرَّأسمالي، فهل كان يتسلَّى على ذكرى الرَّأسماليَّة، أم كان ذلك حرصًا منه على التَّوعية والتَّنوير؟ إنَّ مثل هذه الحجج -في حقيقتها- تحمل أيضًا طابعًا طفوليًا، يُذكرني بتلك المُمارسات الطُفوليَّة التي كُنَّ نقوم بها ونحن صغار، عندما نمنع أحدهم من الأكل معنا لأنَّه صرَّح بأنَّه شبعان أو بأنَّ الوجبة لا تُعجبه. ومُجمل الفكرة تتلَّخص في مُحاولات قمعكَ وإسكاتكَ بحجَّةٍ واهيةٍ وهي: أنَّك لم تعد تُؤمن بهذه الأفكار، والواقع أنَّني أنقد هذه الأفكار لأنَّني لم أعد أؤمن بها(!)

وهنالك حججٌ كثيرةٌ تدور في الإطار نفسه، قد تختلف أساليب التَّعبير، والصِّياغات، ولكن الفكرة تظلُّ هي ذاتها: "أرجوكم لا تنتقدوا ديننا" وسوف يظلَّون يبتكرون الحجَّة تلو الحجَّة للوصول إلى هذا الهدف، وقبل أن أختم مقالي هذا أُريد أن أطرح تساؤلًا لاشك أنَّ أحدهم قد يطرحه أو قد يدور في خَلده: "أليس الدِّفاع عن الأفكار حقًا مشروعًا؟ فلماذا نلوم على المُسلمين عندما يُدافعون عن دينهم ومُعتقداتهم؟" والواقع أنَّ الدِّفاع عن الأفكار هو حقٌ مشروعٌ فعلًا، ولكن كيف نُدافع عن أفكارنا؟ هل بقمع النَّقد والأفكار المُضادة؟ بالتَّأكيد لا، ولكن الدِّفاع عن الأفكار يكون بتحمُّل مسؤولية نشر هذه الأفكار على العلن، ومن ضمن هذه المسؤولية هو: تقبُّل النَّقد، والنَّقد لا يُواجه إلا بنقدٍ مثله، فهكذا تتصارع الأفكار: فكرة في مُقابل فكرة. ولكن تلك الحجج التي تهدف إلا إخراس النَّقد ومُحاربته ليس من الحقوق ولا يُمكن أن يكون دفاعًا مشروعًا عن الأفكار، وكما أنَّهم أيضًا ينتقدون الأفكار الأخرى، فعليهم أيضًا أن يتقبَّلوا نقد الآخرين لهم. على المُسلمين أن ينضجوا ويتركوا هذه الأفعال الصِّبيانيَّة وأن يتحمَّلوا مسؤولية فكرتهم التي ارتضوا أن ينشروها على الملأ. عليهم أن يخرجوا من دائرة الضَّحيَّة ويُواجهوا النَّقد بشجاعةٍ ورُشد، بدلًا من تستُّرهم وراء حججٍ واهيةٍ غرضها الوحيد هو قمع النَّقد. إنَّها عجلة التَّاريخ التي لا ترحم، فالأفكار لابُد أن تتصارع، وتبقى الأفكار الصَّالحة التي تستطيع أن تثبت في هذا الصِّراع، أمَّا الأفكار الضَّعيفة والواهية فتذهب إلى مزبلة التَّاريخ غير مأسوفٍ عليها.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,424,177,221
- جناية الإسلام المُعتدل
- ميكانيزم النفي
- الإيقاع والموسيقى في الشِّعر
- أزمة اللاأدرية العربيَّة
- دكتاتورية -الله- في القرآن – 2
- دكتاتورية -الله- في القرآن – 1
- الكوزمولوجيا الدينية
- هل تذكرون كاجومي؟
- النار كأداة تعذيب
- كشف أكاذيب برنامج الدليل (الأخيرة)
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 8
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 7
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 6
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 5
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 4
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 3
- كشف أكاذيب برنامج الدليل 2
- كشف أكاذيب برنامج الدليل
- في الرد على إسلام بحيري 3
- في الرد على إسلام بحيري 2


المزيد.....




- اتحاد الشغل في تونس يطلب تحييد المساجد والإدارة قبل الانتخاب ...
- راهب برازيلي يحظر الجنة على البدينات ويثير على مواقع التواصل ...
- قبل إسرائيل.. تعرف على محاولتين لإقامة -وطن- لليهود في أمريك ...
- أردنيون ضد العلمانية، وماذا بعد؟
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- الأرجنتين تحي الذكرى الـ25 للهجوم على الجمعية اليهودية وسط م ...
- نائب كويتي: وصول الإخوان إلى متخذ القرار سيؤدي إلى تدمير الك ...
- بعد مهاجمة ترامب لها.. كيف استقبلت النائب المسلمة الهان عمر؟ ...
- سلطة الآثار الإسرائيلية: اكتشاف مسجد أثري من عهد وصول الإسلا ...
- انفجار في مدينة -مذبحة المسجدين- النيوزيلاندية


المزيد.....

- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - هشام آدم - الحربُ على النَّقد