أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بتول قاسم ناصر - النظرية الأخيرة : ( القانون المطلق )















المزيد.....



النظرية الأخيرة : ( القانون المطلق )


بتول قاسم ناصر

الحوار المتمدن-العدد: 5112 - 2016 / 3 / 23 - 12:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


القانـون المطلـق

د. بتول قاسم ناصر











































إهـداء


الى العقل الإنساني الساعي الى اظهار الحقيقة الجوهرية الكاملة المتضمنة فيه ، والتي استمر عبر تاريخه يظهر منها ماتسمح به قدراته حتى ينتهي الى العقل الأعظم الذي يحقق الوصول الى غايات العقل النهائية والى التطابق مع مضمونه والالتحاق بعلة خلقه والفوز بانتصاره...










































مقدمة :

المعرفة المطلقة والقانون المطلق ..
هذا الكتاب محاولة لطرح فلسفة إسلامية معاصرة في هذه المرحلة التي تواجه الفكر الإسلامي مهمات كبيرة وتحديات كبيرة . تتمثل مهماته الكبيرة بالسعي الى بناء الأمة الإسلامية وإعادة صياغة الثقافة الإسلامية وصيانتها والحفاظ على خصوصيتها في مواجهة التحديات الكبيرة التي مثلتها الأفكار الغربية والمحاولات الغربية لغزو البلاد الإسلامية والفكر الإسلامي ومحاولة طمس الهوية الثقافية الإسلامية . ولم يكن طرحنا الفكري يرقى الى مستوى مايجتاحنا من أفكار الغرب ونظرياته ومذاهبه. وبقي دون مستوى التحديات بسبب الإفتقار الى الطرح الفلسفي الشامل الذي بدونه لانستطيع مواجهة الثقافة الغربية المتنوعة ومحاججتها ورد دعواتها . فبقي طرحنا للقضايا طرحا جزئيا بعيدا عن الطرح الفلسفي الكلي . ولولا بعض المحاولات التي حاولت أن تقدم صياغة معاصرة لفلسفة إسلامية مفارقة للرؤية الغربية لبقي الفكر الإسلامي في العصر الحديث وفي مواجهة الأفكار الغربية المعمقة الوافدة بكثرة دون مستوى الطرح الغربي مقتصرا على المحاولات التوفيقية _التي اتصف بها قديما كذلك_ والتي حاولت صياغة المفاهيم الفلسفية الإسلامية من خلال مفاهيم الفلسفة الغربية، ولبقي مقتصرا على المواقف الدفاعية العاطفية الإنفعالية، هذه المواقف القاصرة التي اتسم بها الفكر في بداية العصر الحديث والتي لم تكن تنطلق من استيعاب فلسفي عميق للثفافة الإسلامية وكذلك المعاصرة.
والمحاولة الفلسفية التي نطرحها تنطلق من نفسها وفروضها الخاصة مع أنها تحاور الفلسفة الغربية ممثلة بواحدة من أهم علاماتها الفكرية ألا وهي فلسفة هيجل وتحاول قراءتها قراءة نقدية وتحليلية من خلال فروضنا الفلسفية ومفاهيم وأفكار استخلصناها من القراءة النافذة للقرآن الكريم والمفاهيم الإسلامية فأعدنا طرح قضايا ميتافيزيقية في الوجود وما ورائه والعقل والمعرفة وعلاقتها بالغيب ثم حاولنا أن نجد لها تطبيقا في جوانب كثيرة .
نذهب في طرحنا هذا الى وجود حقائق مطلقة ثابتة تنتظم كل الظواهر والموجودات_ بما فيها الإنسان والعقل الإنساني _، وأنها تكمن وراء هذه الظواهر والموجودات مما يجعلها الحقيقة الجوهرية لها وبنيتها الأساسية وقانونها الداخلي الثابت الذي يحكمها ويوجه مسيرة تطورها . ونحاول أن نقدم وصفاً لمبادئ هذه البنية أو النظام أو القانون العام المطلق . وإننا بهذا نفترض أننا نقدم معرفة عامة مطلقة ، ونحن نعرف أن هناك من لا يؤمن بهذه المعرفة المطلقة. ونريد هنا أن نرد على من يذهب الى أن لا وجود لمعرفة مطلقة ثابتة ، وأن نظرية المعرفة مستحيلة، وأننا نخلع على الوجود تصورنا وتفسيرنا، فلا كنه ولا أساس حقيقياً للأشياء قائما بذاته، ولا وجود مطلق للاشياء، أو لا وجود لها خارج المعرفة البشرية، فلا إمكان لمعرفة ثابتة مطلقة للعالم. ونحن نتبع القول بوجود الأشياء مستقلة عن إحساسنا ومعرفتنا، وأن العالم في ذاته موجود بدوننا، والحقيقة موجودة مستقلة عن الإنسان، وأن انكار الحقيقة الموضوعية هو ذاتية ولا أدرية مرفوضة. وهذه الحقيقة الموضوعية قابلة للمعرفة بوساطة العقل البشري، فهو أداة الأدراك ، وأن الإدراك يتطابق مع الحقيقة المدركة المستقلة في وجودها عن الأداة المدركة، وإن كان هناك من يشكك في قدرة هذه الأداة ويرى أن كل ما يملكه العقل هو أن يقدم تفسيراً للأشياء لا يجوز اعتباره صحيحاً دون سواه ، ومتى أصبح الفكر تفسيراً امتنع أن يكون حقيقة . فالحقيقة على هذا الرأي لا سبيل اليها ولا أساس ترتكز عليه المعرفة ، وإن ما نحسبه معرفة ليس إلا تفسيراً لأمور لا نعرفها. وهذا رُد عليه بأنه تضعيف للعقل بالعقل نفسه، وإنكار للمعرفة بالمعرفة نفسها.
لقد أنكر القول بأمكان الاهتداء الى معرفة كلية شاملة. وذهب المنكرون الى أن من ظن أنه يصل الى الكل فهو واهم لم ير الا سراباً. فلا يمكن للفكر البشري أن يعبر عن الحقيقة الموضوعية بصورة مطلقة، إنما يعبر عن معرفة نسبية. فالحقائق نسبية، أي انها تعبير عن قدرة العارف، أي انها على وفق قدرته لا على وفق الحقيقة الموضوعية مستقلة عنه . ونقول إن المعرفة تعكس قدرة العارف، ولكنها تصف الحقيقة الخارجية وهذه لها استقلالها، ولابد أن يكون لهذا الوصف بعض التطابق معها إن لم يكن تطابقاً تاماً. ثم إن المعرفة جدلية ومتطورة وبحثنا يؤكد ان المعرفة عملية تطور مستمرة يتجاوز فيها العقل الانساني نقسه على الدوام في حركة ضرورية تدفعه للسير قدما حتى يبلغ غاياته النهائية . إن عملية المعرفة لابد لها من أن تنتهي الى المعرفة الكلية من خلال الحقائق النسبية(1)، أي إنها لابد لها من أن تتطابق مع الحقيقة الموضوعية أو تقترب منها. والعلوم لم تبلغ حد اليقين مرة واحدة. وقد ارتكزت على افتراضات أولية تستند الى وقائع يركبها العقل ويؤلف بينها. وقد تتغير هذه الافتراضات بعد أن كانت مسلماً بها ، فالمعرفة تتغير وتتطور والتطور لا يكون نفياً او هدماً فقط، إنما يكون إضافة وتراكماً في المعرفة، ومازال العلم يتابع سيره وهو يسعى الى المعرفة الكاملة ولا يريد أن يأبه بأقوال التعجيز ولا يبالي بمن يصف سعيه هذا بأنه خيالات لا تستطيع تجاوز حد الوعود.
إن ما سميناه الحقيقة المطلقة او القانون المطلق، إنما هو نظام عام ينتظم الأشياء والظواهر جميعاً، هو عقل موضوعي عام مجرد مبثوث فيها تسعى الى التطابق معه عقولنا النسبية المحدودة أي انها تسعى الى التطابق مع العقل الموضوعي الكلي المتضمن فيها..إنه تطابق النسبي المحدود مع المطلق اللامحدود .
ومن خلال تحليل عام لفكرة القانون المطلق نستطيع أن نقدم مجموعة أسس عامة تسعى الى إيضاحه :
1 - القانون المطلق مبادىء عامة مجردة تنظم العلاقة بين الأشياء أوالأطراف المرتبطة بهذه العلاقة ، فهي مبادىء تتميز بالتجريد والعمومية ومن هنا جاءت تسمية القانون بـ(المطلق) . 2 - أن هذا القانون ينتظم الكون كله ويضمن تحقيق النظام فيه ، وهو يسري على كل الموجودات ويخلو من الشروط او الصفات الخاصة التي قد تؤدي الى تطبيقه على طرف أو شيء معين بذاته أو على واقعة محددة بذاتها . 3 - وهو كامن في طبيعة الأشياء يهيمن على سلوكها ، وبهذا فإن العقل الإنساني لا يضعه إنما يكتشفه وهو مطبوع عليه كذلك .. 4- إن هذا القانون ثابت لا يتغير لا في الزمان ولا في المكان .. 5- إن للقانون المطلق هدفا أو غاية ينطوي عليها ، وهي التي تضفي عليه قوة إلزامية من الناحية المعنوية ، وهذه الغاية تقوم في طبيعة الأشياء وتصدر عن هذه الطبيعة . 6- انه يسعى الى تنفيذ هذه الغاية وهو يلزم الأشياء أو الوحدات المرتبطة بطاعتها وتنفيذها بوساطة سلطة عليا تمنع مخالفته أي أن هنالك نوعا من الجبر يضمن عدم الخروج على القواعد الواجبة الإتباع . 7- ويتبين من هذا أن القانون له مصدر توجيه وتحكم هو الذي يضعه وهو الذي ينظم العلاقة بين أطرافه وهو الذي يوجه سيره بما يخدم أهدافه ويطور مسيرته ويمنع الأطراف المخالفة من الخروج عليه .
ولقد آمن الفكر الإنساني ومنذ أقدم عهود التفكير الفلسفي ، بوجود قانون عام مطلق ونظام متسق أو عقل كوني يحكم الوجود كله ، ويمكن إدراكه بالعقل النير الذي يكتشفه ولا يوجده . كانت بداية التفكير بالقانون المطلق مع وجود الإنسان لإن الفلسفة من تكوين الإنسان واصل خلقته لذا فإنه يتساءل عن علاقته بالكون وما وراء الكون وعن مصيره وعن قوانينه العامة المسيطرة وعن الجوهري والعارض فيه ، وغير ذلك .. وهذه الأسئلة تراود كل عقل مهما كان بسيطا وإن له موقفا منها وإجابة عليها مهما كان مستوى هذا الموقف وهذه الإجابة . والفرق بين العقول البسيطة والكبيرة أن هذه تحاول الإجابة بصورة منطقية وقد توفق الى مدى محدود أو واسع . وتبقى الفلسفة مهما كان مستوى طرحها وسداد نظرتها فروضا مجردة حتى تصدقها الحقيقة العلمية التي أصبحت متاحة في هذا العصر وفي ضوئها يمكننا أن نرجع الى العناصر المهمة في الطرح الفلسفي لنرى كيف استطاع الفيلسوف بعقله المجرد ان يسبر غور الحقيقة الشاملة التي لاترى ولا تحس وهذا ما يؤكد حقيقة الوجود اللامحدود للإنسان .
وفي عهد الفلسفة التي سبقت الفلسفة اليونانية كان هنالك إيمان بشيء من قانون عام يحكم سير الحوادث ويضبط نظام الأشياء . ولقد تنبه الصينيون الى وجود نظام دائم في العالم هو الذي يحقق الانسجام والاستقرار في العالم ويرتبط الإنسان بهذا النظام ويساهم فيه . ولاحظوا ان من مباديء أو قواعد هذا النظام أن الكون يزخر بالاختلاف والتناقضات التي تتعارض ويرتبط بعضها ببعض ويكمله في ثنوية تختلف عن ثنوية فارس ، فالضدان لا يصارع احدهما الاخر وانما يكمله ولا يوجد الا بوجوده وبتعاونهما يتحقق النظام الكوني .
ولقد مر الفكر الفلسفي بمراحل عكست تطوره وتأثره بطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها .. لقد كان التفكير الفلسفي لدى الأمم القديمة ممتزجا بالروح الديني ولم يتخلص من شوائب الأفكارالإسطورية والخرافات والسحر والخوارق فلم يكن مستقلا عنها فكان بعيدا عن المعقولية الى ان جاء عهد الفلسفة اليونانية فوضعوا له الأسس العقلية لذلك يقال إن الفلسفة في أصلها وروحها وعبقريتها يونانية وما قبل الفكر اليوناني لا يصلح أن يكون أساسا لفكر فلسفي ايجابي معطاء(1) .
لقد ذهب اليونان وهم أهل التفسير العقلي الى أن العالم خاضع لقانون ثابت ومن الممكن تفسيره بالعقل وحده وما هذا القانون الا قانون العقل الذي تسير وفقه الأشياء جميعا ، وفي عهد الفلسفة التي سبقت سقراط كان هنالك إيمان بشيء من قانون عام يحكم الأشياء . وكان الفلاسفة قبل سقراط في سبيل اكتشاف العام الكامن أو الوحدة الكامنة وراء الاختلاف يبحثون في أصل الكون ومنهم من أرجعه الى عنصر واحد فهو يرى من خلال تعدد صور الأشياء وتباينها وحدة شاملة تكمن وراءها ، فما يكمن وراءها هو الجوهري وما يظهر للسطح فأمر سطحي عرضي . وهذا يعني أنهم بحثوا عن الحقيقة البسيطة الواحدة التي تضرب في الأعماق دون النظر الى ما يبدو للحس الظاهر . لقد كانت محاولات فلسفية تنظر الى الكون نظرة فلسفية شاملة وتضع له تفسيرا يستوعب جميع جزئياته . فذهب طاليس المالطي الى أن أصل الكون ماء وانكسمندريس الى أنه اللامحدود او اللامتناهي وانكسيمنس الى أنه الهواء أوالتراب أو النار أو أنه هذه العناصر الأربعة وذهب آخرون الى أنه الوجود أو أنه الذرات وقد عبرالفيثاغوريون بأن منطق الأشياء هو فكرة العدد والتناسق والنظام والوحدة والقانون والرياضة... إن هذه الأقوال نظرت الى العالم في إطار من الكلية الشاملة واستوعبته في فكرة واحدة أو أفكار قليلة فأذابت الفوارق بين الأشياء وتجاهلت ما بينها من اختلاف وتنوع وربطتها بشبكة من العلاقات جعلتها شيئا واحدا بعد أن كانت أشتاتا مبعثرة ، إلا ان هذه البدايات الفكرية في البحث عما هو عام وراء الأشياء كانت بسيطة متناثرة لم تأت في نظرية عقلية عميقة ولم تتخلص من شوائب الأفكار المختلفة .
ثم جاء فلاسفة اليونان الكبار وهم سقراط وإفلاطون وأرسطو فآمنوا بوجود نظام متسق وقانون عام يكشفه ذوي العقول المقتدرة ولايضعونه. ويكون هذا القانون أساسا للقوانين الوضعية التي يستنبطها البشر ويتعارفون عليها ، وسمي هذا القانون بـ(القانون الطبيعي) . إن فكرة القانون الطبيعي هذه تتمثل في ان هناك قانونا يعم الأشياء جميعا على العقل البشري في سبيل اكتشافه ان يتمعن في نظام الكون ومنطق الأشياء وطبيعة الروابط فيما بينها فيستخلص منها هذا القانون الطبيعي . وان عليه ان يصوغ قوانينه الوضعية والأحكام القضائية والعلاقات الاجتماعية على مثاله حتى يصبح معيار صلاحية أو فساد أي فعل إنساني . فالقانون الطبيعي إيحاء توحي به الطبيعة ناتج عن التأمل بما تنطوي عليه من نظام وانسجام وتناسق . وقد عرف الرومان فكرة القانون الطبيعي عن اليونان ويرجع الفضل في ذلك الى خطيب روما الشهير شيشرون .
لقد حاول فلاسفة اليونان الكبار أن يتلمسوا القانون الكلي الشامل المختبيء وراء الموجودات والمتموضع فيها ، ولقد وجدنا الحديث عن هذا القانون أكثر اقترابا من كونه بحثا فكريا منظما لدى هؤلاء الفلاسفة الذين عدوا من أعظم فلاسفة العالم القديم والحديث في الإطلاق وقد أعطوا فكرا كان علامة على عصرهم ورمزا لحضارتهم وسمة مميزة لها .
فلدى سقراط نجد أنه ليس ثمة من فكرة فلسفية كان لها من التأثير في حياته بقدر ما كان لفكرة القانون الذي يكن له كل احترام وتقديس و كان ذلك لنزعته العقلية الصريحة في الأخلاق ومن النتائج المنطقية الهامة لاكتشاف الكلي عنده . وقد كان السفسطائيون يعتقدون انه تعاقد وضعي مصطنع وليس ذي قواعد راسخة في طبائع الأشياء لكن سقراط الذي جعل العقل رائده في كل شيء ذهب الى أنه لابد أن تكون هناك قواعد ثابتة للعمل كلية عامة مطلقة كما ان هناك قواعد ثابتة للفكر كلية عامة مطلقة . وهذه القوانين يجب على العقل ان يكتشفها كما يجب على الإرادة ان تطيعها , فالقوانين ليست اصطناعية وإنما تقوم على أصل ثابت وجذور راسخة في بناء الفرد والمجتمع والطبيعة ونظام الأشياء . ويعد سقراط أول من حاول إيجاد معايير عقلية عامة ومبادئ موضوعية ثابتة تصدق في كل مكان وزمان تقاس بها الأفعال الصالحة وتميز من غيرها . هذه المبادئ العامة تحكم الكون والطبيعة ويمكن الوصول إليها بالعقل . وهو يذهب الى ان القوانين العامة والعادلة إنما يستشفها العقل الإنساني من عقل أو روح الطبيعة التي هي بمنزلة قانون غير مكتوب ترتبط به ظاهراتها ومكوناتها وينعكس هذا القانون على عقول وقلوب البشر . كان سقراط يؤمن بوجود عدل إلهي يمكن للإنسان اكتشافه عن طريق العقل الإنساني ، فهناك عقل عام وقانون عام له السيادة وتجب طاعته. ولهذا القانون أصل إلهي فإذا كان القانون حقيقة ثابتة مطلقة تجب طاعته فهو اذن شيء مقدس إذ لابد أن يكون صادرا عن قوة حكيمة عادلة شاملة تقوم بالحق وتحرك الكون بأصول أزلية أبدية ثابتة ليست عرضة للتبديل والتغيير ولا تختلف باختلاف الزمان والمكان والدليل على وجود هذه القوة إنما هو وجود الإنسان وعقل الإنسان الذي ينعكس فيه العقل الإلهي والحكمة الإلهية فللكون صانع حكيم وعقل مدبر وهو خاضع في وجوده وفي سيره لتدبير عقل الهي في ظل قانون العناية الإلهية وهو موجه الى غاية مرسومة . هذا القانون يرتبط إذن بجانبين : الأول يمثل العقل الإلهي وهو مصدره الذي هو الأصل الثابت المطلق وجانب يمثل العقل الإنساني الجزئي المحدود الذي ينعكس فيه العقل الإلهي ولكن باختلاف عقول البشر .
ولقد دافع إفلاطون عن مبدأ القانون والعقل ضد مبدأ اللذة والمنفعة والغريزة . وكان كأستاذه يعد القوانين حقائق أزلية ثابتة مطلقة لا تتبدل ولا تتغير . ويؤكد على حكم العقل الإلهي الذي يسمى الناموس المشترك فالله هو مشرع القوانين التي تحكم الكون كله والتي يكتشفها العقل الإنساني المحدود ، ومنها نستنتج المبادئ العامة والموجهات العامة للخير والعدل والقيم العليا ، وعندما نستشعر هذه القيم في نفوسنا نكون قد استشعرنا القانون العام بداخلنا .
أن فكرة القانون المطلق أو الطبيعي العام اكتسبت طابعاً فلسفياً على يد أفلاطون وأرسطو. فقد ذهبا الى أن هناك قوانين كونية لا دخل للإنسان في وضعها وليست عملا إراديا له. هذه القوانين الكونية يكتشفها الإنسان بالتأمل العقلي المجرد الذي يقود الى عالم المثل الذي يرتقي فيما وراء الواقع في العالم الميتافيزيقي .. إن عالم المثل يمثل أصل القانون المطلق ، القانون المثالي وهو موجود في هذا العالم المثالي ، عالم المثل .
ويرى أرسطو أن هنالك نظاما ثابتا لا يتغير يحكم الأشياء وليس تبعا للصدفة . وما يدل على وجود قانون واحد ثابت وراء الأشياء هو انتظام العالم وتناسب الحركات بعضها مع بعض . ان الحركة الأزلية حركة متصلة تجري على وتيرة واحدة في كل أجزائها ولا بد ان تكون علتها واحدة أيضا ومحركها واحد .
وكان أرسطو قد قسم القانون الى قانون عام طبيعي وقانون خاص مدني . ان القانون الطبيعي لدى أرسطو هو جوهر الأشياء وهو يعتقد بأن الأشياء الموجودة في الطبيعة لا تعبر بذاتها عن الوجود ، وإنما الوجود الحقيقي هو جوهر هذه الأشياء . ولذا كانت الفلسفة لديه هي البحث عن حقائق الأشياء وجوهرها أي البحث عن القوانين الموجهة الكامنة وراءها ، حيث رأى أن القانون الطبيعي هو غاية أو جوهر الوجود المادي وهو جوهر القانون الوضعي الذي يضعه الإنسان أو تضعه الشعوب المختلفة بصورة مكتوبة أو غير مكتوبة (أعراف وعادات) انه محاكاة للقانون الإلهي الذي يجده الإنسان في نفسه والذي يحاول من خلاله أن يحقق العدل الطبيعي والقانون الطبيعي ، لذلك فإنه خاص من جانب وعام من جانبه الآخر . ان القانون العام هو قانون الطبيعة وهو ما يعتقد الناس جميعاً ببديهيتهم الطبيعية ان يكون معيار التفرقة بين الصواب والخطأ حتى لو لم يضمهم أي مجتمع أو اتفاق .
إن الطبيعة تنطوي على علتها الغائية كما يذهب أرسطو وهي تتجه بحكم طبيعتها الباطنة إلى تحقيق تلك الغايات ، وهذه الغايات مرتبطة بالقانون المتضمن فيها وهو يوجهها من باطن ولا ينفصل عنها . وهذا ما يختلف به أرسطو مع أفلاطون فجوهر أو صورة المادة لا توجد مفارقة لها وللموجودات الجزئية وإنما هي توجد في الوجود الجزئي العيني ، فالشيء نفسه يحمل في طياته جوهره وقانونه ، ومهمة الفلسفة اكتشاف هذا الجوهر وهذا القانون .
ولقد نمت وتطورت فكرة هذا القانون عبر تاريخ ممتد استمر حتى عصرنا الحاضر وتجسد بنظريات معاصرة . وقد حملت الفلسفة مهمة اكتشاف هذا الجوهر الكامن أو القانون المطلق في كل عصورها حتى العصر الحديث وبحثنا هذا إحدى المحاولات السائرة في هذا الطريق والحاملة للغاية ذاها .
إن ما نود الإشارة اليه من هذه الأفكار والمعارف والعلوم التي تسعى في العصر الحديث الى معرفة هذا القانون الكلي ما يسمونه(Systemique) وهو علم ما زال في بدايته يسعى لتحصيل هذا النظام الشامل وغايته تقريب العلوم أو دمجها وهو ينطلق من هذه الرؤية الكلية. وتنطلق منها بعض الأفكار مثل البنيوية وهي التي نعرفها منهجاً في النقد او الأدب فهي تستجيب لهذه الرغبة في المعرفة الشاملة وتفترض أن هناك بنية عامة او نظاماً عاماً يحاول الوصول اليه او إيجاده جميع البنيويين في العلوم المعاصرة(3).
إن هذه البنية العامة او النظام العام او المنهج العام أو الجوهر العام المطلق إنما هو مشروع الفلسفة وغايتها منذ وجدت وعلى اختلاف مستوياتها في تحقيق هذه الغاية او الاقتراب منها . ونحن نرشح من الفلسفة او من الفلاسفة (هيجل) لنحاور محاولته للاقتراب من هذا النظام الكلي الذي أراد أن يفسر به كل الحقائق وهو مايراه بعض أساتذة الفلسفة الأوربيين مشروعاً مستحيلاً لأنه لا يمكن للمرء أن يحيط بكل اللغات، لغة العلوم، ولغة الفيزياء، ولغة الكيمياء، ولغة الاقتصاد و…(4). وسبب ترشيحنا لهيجل أنه ملتقى كل الفلسفات الجدلية قبله وبعده ، فلقد استوعبها كلها وأخذ منها وصاغ لنا مايعد أعظمها وأشملها وأوفرها مضموناً . وكما تأثر بما قبله أثر بما بعده من الأفكار والفلسفات حتى لانجد منها مالم يتأثر به إن سلبا وإن ايجابا . ولكل ذلك رشحناه لنحاوره لأننا أردنا أن نحاور من خلاله الفكر الفلسفي كله ولأننا كذلك على صلة بمنهجه الجدلي ونخالفه أيضاً.
وهذا النظام أو المنهج الجدلي الذي اهتدى اليه هيجل إنما هو منهج فلسفي أراد تعميمه، لأن المشروع الفلسفي مشروع شامل. وحاول اكتشافه في كل الظواهر و الاهتداء به الى الحقيقة الكلية مع أن هناك من يشكك بمعرفة هذه الحقيقة الكلية عن طريق الفلسفة، لأنها تقصر عن حد اليقين وترتكز على افتراضات أولية تخص الفلاسفة، غير مسلم بها، يعارض بعضها بعضاً، ولا أحد يدري اين ستستقر كما يقولون . ونحن نقول إن هذه الافتراضات الفلسفية بحاجة الى معرفة يقينية هي المعرفة العلمية لكي تؤكد نتائجها ولهذا اعتبرنا الفلسفة – غير العلمية أو غير المؤيدة علميا - معرفة جزئية في مقابل المعرفة العلمية التي ترقى بعد تأكيد نتائجها الى المعرفة الكلية التي أوحى بها الغيب عن طريق الدين. وإننا في المبحث الثاني من هذا الكتاب ظاهرنا المعرفة الفلسفية التي نفترضها او التي نؤمن بها بالنظريات العلمية التي تتعامل مع الحقيقة الخارجية وتنقلها بموضوعية تامة. أي اننا تعاملنا مع المعرفة الفلسفية التي أصبحت أو توشك أن تصبح حقائق علمية مؤكدة .
ونحن نجد الآن محاولة للتعاطي والحوار المعرفي بين الفلسفة والعلم. وقد استمدت العلوم المختلفة من المعرفة الفلسفية في محاولة لتعميم نتائجها مما أظهر أن المعرفة العلمية تتجرد وتكون أكثر اطلاقاً عندما تلبس ثوب الفلسفة ، وهوما أكد أن العلوم التفصيلية تلتقي مع العلم الفلسفي المجرد، تأخذ منه وتعطيه من نتائجها . إن علم الطبيعة يقدم للفيلسوف محفزات لتطوير الفلسفة، وقد اتخذت التيارات الفلسفية لها موقفاً من جميع النظريات العلمية الحديثة وحاول بعض الفلاسفة أن يؤولها تأويلاً يلتقي مع فلسفته ويؤيدها. وكذلك فإن العديد من العلماء صرحوا برأيهم حول العلاقة بين العلم والفلسفة ومنهم آينشتاين وبلانك وبور وغيرهم ممن قدر أهمية الفلسفة تقديراً عالياً. وإن وجد لدى بعض آخر موقف رافض لها، فإن هذا لا يعني أن من يرفض الفلسفة او ينفي أهمية العمل الفلسفي بلسانه لا يعبر بذاته عن أفكار فلسفية، أو لايعتمد عليها في تصريحاته . ونذكر بأن هناك ميداناً معرفياً يسمى فلسفة العلم، او الفلسفة العلمية التي تعمل على تعميم المعرفة العلمية وإقامة الصلة بين المقولات الفلسفية والحقائق العلمية والطبيعية ومواصلة تطوير الفلسفة بالنقد الموضوعي للآراء الفلسفية اللاعلمية والطلسمية. إن كل عالم طبيعة ينجز بعمله شيئاً للثقافة البشرية، وبهذا يقدم للعلماء الآخرين محفزات وللفلاسفة مسائل جديدة، ويسهم في حل أخرى مما يعمل على تطوير الفلسفة. فالفيزياء الحديثة مثلاً تطرح مسائل فلسفية مختلفة، وهكذا تكون مختلف العلوم كالأدوات التي يشيد بها صرح المعرفة وهي متماسكة لا تستغني أداة عن الأخرى(5). والذي فعلناه نحن أننا وقفنا على ما تشترك به ويعين بعض منها به بعضها الآخر. وإن خطتنا التي سرنا عليها هي تقديم ما افترضته الفلسفة عن القوانين العامة التي تحكم الكون كله بوصف هذه الافتراضات تمثل المعرفة الجزئية المحدودة, معرفة الإنسان في جدل علاقتها مع المعرفة اللامحدودة ومحاولتها للإلتقاء بها. ويمثل العلم المؤيد للمعرفة الفلسفية الخطوة التي تهتدي بها المعرفة الجزئية المحدودة الى المعرفة الكلية المطلقة – ممثلة بالدين - وتعود بها الى بداياتها التي انطلقت منها.

















هوامش المقدمة

(1) ينظر: المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي/ كيدروف/ ترجمة محمد عيتاني وسهيل يموت/ دار المعجم العربي/ بيروت، ص12.
(2) ينظر: (مع الفلسفة اليونانية ) الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، الطبعة الثالثة 1988 . ص57 – 76 .. وينظر الكتاب نفسه في الأفكار الفلسفية الواردة للفلاسفة اليونانيين ..
(3) ينظر: البنيوية، جان بياجيه/ ترجمة عارف منيمنة وبشير اوبري، منشورات عويدات، بيروت. باريس،ص7.
(4) ينظر: حوار مع انطوان مقدسي حول الحداثة والتحديث اجراه سعد الله ونوس/مجلة قضايا وشهادات/ العدد3/1991/ص5.
(5) ينظر: (الفلسفة والفيزياء) د.محمد عبداللطيف مطلب/ الموسوعة الصغيرة (163) دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد -العراق ص47-48 و(علماء فلاسفة) د.محمد عبداللطيف مطلب الموسوعة الصغيرة(400)/ دار الشؤون الثقافية العامة/ بغداد ـ العراق، ص10ـ14.




































ـ 1 ـ

في الفلسفة : المبادىء العامة والحركة الدائرية





















حاولت الفلسفة الجدلية صياغة المبادىء العامة لما سميناه القانون المطلق أو الحقيقة الجوهرية الكامنة التي تتخلل الموجودات والتي تقف خلفها ، ووصفت العلاقة العامة بين هذه المبادىء والحركة التي تتوجه بها أطراف هذه العلاقة وغايات هذه الحركة . ونحن في هذا المبحث سنتعرف الى محاولة العقل الإنساني للتعرف الى هذا القانون أو هذه الحقبقة وسعيه اليها وحركته في هذا السعي . وسنجد أن الخطوات التي يخطوها الى هذه المعرفة هي مبادىء وركائز هذا القانون الجوهري وأن حركته اليها هي صورة الحركة في هذا القانون وأن غايته المعرفية هي الغاية نفسها التي تتجه اليها أطراف هذا القانون وهذا يعني اتحاد نظرية المعرفة مع المنطق وفلسفة الوجود وهذا ما يعبر عنه المنهج الجدلي لهيجل الذي يرتبط بفكرة العقل ارتباطا جوهريا ولذا وصفه بأنه رحلة العقل في طريق المعرفة .
ترى الفلسفة القديمة أن العقل يسيرالى هذه الحقيقة الجوهرية سيرا دائريا، وانه يبلغ ذاته غير مرة(1)، والى مثل هذا ذهبت بعض الفلسفات الحديثة ، ونقصد فلسفة هيجل التي نسعى لمناقشة مبادئها ، فالعقل يسير في حركة دائرية في رحلة المعرفة . والمعرفة علاقة بين الذات والموضوع ، بين الذات المفكرة أوالعقل والموضوع الذي هوهنا المطلق . والعقل ينطلق في البدء من فكرة غير محددة لديه عن المطلق ، فكرة مباشرة مجردة ، فالمطلق هنا لا يعرفه العقل الإنساني وليست له علاقة به . ثم ينتقل العقل الى الخطوة الثانية التي تجمع بين العقل والمطلق حيث يدرك العقل المطلق ولكن من خلال نسبيته فهي المعرفة النسبية الجزئية إذ يقف الجزء وهو العقل الإنساني في مقابل المطلق اللامحدود على أنه ضده الجزئي المحدود فهي مرحلة التناقض . ثم يبلغه ويدركه في الخطوة الثالثة وينتهي تناقضه معه وهذا يمثل تحققا للمطلق في الجزئي أو عودة للجزئي الى المطلق الذي انطلق منه فكرة مجردة وعاد اليه واقعا متحققا والعود حركة دائرية ..
إن الخطوة الثالثة تمثل تصالحا بين الخطوتين السابقتين أو جمعا بينهما ، ونقصد بالمصالحة أو الجمع بين الخطوتين أن حركة المعرفة انتهت الى الجمع بين العقل الإنساني والمعرفة المطلقة أي ان المعرفة المطلقة المجردة أصبحت متجسمة في المادة ولا يعني أنها تجمع بين الإطلاق والنسبية وهذا الخطأ وقع فيه بعض من فسر معنى المصالحة التي تقوم بها الخطوة الثالثة في حركة المنهج الجدلي لدى هيجل ، فالمصالحة هي مصالحة بين التجرد أو الاطلاق من جهة والمادية أو الوجود العيني من جهة أخرى أي تجسم المطلق في المادة واتساع المادة للمطلق بنفي نسبيتها ، وهذا يعني انتصار الخطوة الأولى (المطلق)بنفي الخطوة الثانية (النسبية) ولهذا تعني الخطوة الثالثة عودة الى المطلق ، الى الخطوة الأولى أي تحقيق غايات المطلق وهو مقصد الحركة .
إن هذه الخطوات الثلاث للعقل وللحقيقة من الفكرة الى ضدها الى الجمع بينهما والحركة الدائرية لهذه الخطوات وغايات هذه الحركة التي قررها الفكر الفلسفي يلتقي عليها معه الفكر العلمي ويلتقي عليها معهما _ بوصفهما يمثلان الفكر الإنساني المحدود_الفكر الديني بوصفه يمثل الفكر الإلهي اللامحدود. هذه الحقيقة سنطرحها أولا من خلال الفكر الفلسفي ممثلا بما لدينا من أفكار تمثل محاولة الفكر الإنساني للوصول إلى الأفكار المطلقة .
لقد بدأنا بالفكر الفلسفي مع أنه لايمثل الحقيقة الأولى أو الخطوة الأولى من خطوات العقل في رحلة المعرفة , فهذه يمثلها الفكر الإلهي الذي سنعرضه من خلال مايقوله الدين الذي يمثل الحقيقة الأخيرة كما أنه يمثل الخطوة الأولى ، فالفكر الإلهي هو الخطوة الأولى للعقل أو هو الركيزة الأولى له لأن العقل الإلهي لا يخطو وليس هو العقل الإنساني ، هو الركيزة الأولى للعقل إلإنساني الذي يخطو ويتحرك والذي كان وقبل أن يخلق الإنسان بصورة قبلية سوف نصطلح عليها في بحثنا بـ(أصل الحركة ) أو ( أصل العلاقة ) عندما كان الإنسان الذي هو ( علاقة تناقض ) كما سيتضح من بحثنا بصورة نقيض واحد يعكس الوجود الإلهي أو العقل الإلهي أو يمثله . فالإنسان العلاقة كان ( أصل العلاقة ) وهذا يمثل الخطوة الأولى من خطوات الوجود الإنساني أو العقل الإنساني قبل أن يوجد الإنسان وكان يمثل العقل الإلهي أو يعكسه ولا يختلف معه ، وكان العقل الإنساني في هذه الخطوة يمثل المعرفة المباشرة ثم ينتقل الى الخطوة الثانية الى الإنسان أو العقل الإنساني الذي هو الوجود الجزئي أو العقل الجزئي المحدود لأنه علاقة تناقض يجمع مع جانبه الإلهي الجانب السلبي الشيطاني والسلب نقص . وهذه هي الخطوة الثانية حيث الانتقال الى الضد ثم يعود الإنسان أو العقل الإنساني في الخطوة الثالثة الى جانبه الإلهي بعد أن يطرد نقيضه عنه فيعود في مسيرة دائرية الى التطابق مع الله أو العقل الإلهي وهو مصدره الذي انطلق منه . لذا نحن نعرض اولا في هذا المبحث ما يقوله العقل الإنساني ممثلا بالعقل الفلسفي ولا نبدأ بمرحلته (قبل الأنسانية ) لأن هذه مرحلة المعرفة المباشرة كما قلنا ولم تتعرف الى نقيضها بعد لكي تكون معرفة انسانية وهذا ما سنتحدث عنه . ويمثل العقل الإنساني في الطرح الفلسفي المعرفة الجزئية أو الناقصة لأن الفلسفة فروض عقلية انسانية قد تصدق وتصح وقد لا تكون صادقة وصحيحة . ثم نعرض الحقيقة النهائية ممثلة بالحقيقة العلمية والحقيقة الدينية . فالفلسفة هي الخطوة الأولى من خطوات العقل الإنساني في سعيه إلى المعرفة المطلقة ولكنها الخطوة الثانية من خطوات العقل,لأنها مسبوقة بالعقل الإلهي الذي يمثل الحقيقة الأولى كما انها الأخيرة. ويمثل العلم – بمعناه الواسع - الخطوة الثالثة والأخيرة من خطوات العقل الإنساني الذي يهتدي الى المطلق الممثل بالفكر الديني الذي يصدر عن العقل الإلهي. فالعقل الألهي المطلق هو الأول والأخير من حيث أن الخطوة الأخيرة للعقل الانساني تعود اليه. إن هذا الترتيب لخطوات العقل في سيره الجدلي نختلف به مع هيجل الذي جعل الفلسفة الخطوة الاخيرة وجعل الفن والدين الخطوتين الأولى والثانية على الترتيب, مراعياً العلاقة بين مضمون المطلق وأشكال تجليه في العقل الإنساني ومنجزاته، ولقد أثيرت اعتراضات على تقسيمه هذا. وهو يقسم كل خطوة من هذه الخطوات الى ثلاث خطوات ، وهكذا لأن كل خطوة الى المعرفة تتضمن ثلاث خطوات ، فنحن ننتقل في عملية المعرفة من الشيء الى ضده في الخطوة الثانية الى ما يمثل جمعا بينهما في الخطوة الثالثة .
إن هذه الخطوة التي تمثلها المعرفة الفلسفية الساعية الى المعرفة الكلية ، معرفة القانون المطلق هي الخطوة الثانية من خطوات العقل الانساني في مسيرته الكلية والى أن يعود الى الله . وقد جعلنا هذه المعرفة الفلسفية ضمن المعرفة الانسانية الجزئية قبل توصلها أو التحاقها بالمعرفة الكلية التي يمثلها الدين . ونود أن ننوه الى أننا ننظر الى المعرفة الفلسفية بمعناها العام وهو( حب الحكمة) ومعرفة الحقيقة وبهذا المعنى فإننا نشمل الفنون والشعر والأدب وكل الميادين التي تتجلى فيها معرفة الانسان . فهذه الميادين المعرفية تفصح عن محاولة الانسان استكناه حقيقة الوجود الذي يلفه ومعرفة القوانين العامة له . ولكننا عندما نتناول المعرفة الفلسفية في هذا المبحث فإننا نتناولها في أخص خصوصياتها وعن طريق الفروض الفلسفية .
وستؤكد الأفكار الفلسفية التي سنطرحها ماأوحت به الأديان بوصفه المعرفة الاولى السابقة على المعرفة الإنسانية ومصدرها ولكننا نعدها هنا الخطوة الثانية للعقل وليس الثالثة لأنها هنا ما تزال فروضا مجردة حتى تتحقق بالمعرفة العلمية التجريبية التي تعود بالفكرالانساني الجزئي ليلتقي مع بدايته الكلية المطلقة بعد ان حقق نفسه في ميادين المعرفة المختلفة.
سوف نتناول في هذا المبحث حقيقة القانون المطلق والمسيرة الدائرية اليها ، نرويها من خلال فروض فلسفية نناقش بها الفلسفة الجدلية القريبة من هذه الفروض لاسيما فلسفة هيجل. وسنحاول في المباحث الأخرى أن نقرأ الحقيقةالعلمية والحقيقة الدينية وحقيقة الانسان وحقائق أخرى من خلال الحقيقة الموحدة التي توصلنا اليها والتي قالت بها كل الحقائق في كل ميادينها .
* * *

إن لمسيرة العقل الدائرية قصتها التي تحكيها الفلسفة الجدلية منذ نشأتها وحتى اكتمالها على يد هيجل ونحن نطرح في هذا المبحث تصورنا لهذه المسيرة مستفيدين ومحاججين هذه الفلسفة ومنطلقين من المبادىء العامة التي انطلقت منها . فهذه الفلسفة تذهب الى أن السير الى الحقيقة مؤلف من خطوات يحكمها التناقض . فالتناقض هو المبدأ الأول الذي تسلم به هذه الفلسفة ، ولقد حاولت ولوج باب الحقيقة عن طريق قضية التناقض الذي يتخلل الوجود والذي يحكم هذه المسيرة الدائرية. والفكر يسير بهذه الصورة في كل معرفة وليس فقط في سعيه للمعرفة الكلية المطلقة التي تمثل خطواتها مراحل طويلة في تاريخ الفكر الإنساني أو التي تستنفد كل تاريخ الفكرالإنساني. ولكن هذا التاريخ الطويل يمكن اختزاله بالخطوات الثلاث التي ذكرناها كما ان كل معرفة هي خطوات ثلاث.
إن وجود التناقض ومعرفة المتناقضات ببعضها إنما هو من المعارف العامة التي اهتدى اليها العقل الانساني لدى كل الأمم . ومع أن تاريخ الجدل قديم يعود الى فلاسفة اليونان، ويمتد الى فلاسفة العصر الحديث، الا أن بحثنا يركز على فلسفة هيجل – كما قلنا - من هذه الفلسفات لأنها أعمقها وأكثرها تفصيلاً وأقربها من طبيعة منهجنا ولأنها تعد فاصلا بين تاريخين للفلسفة : قديم وحديث ولهذا ينظر الى هيجل بأنه أبو الحداثة ، وأن كل الأفكار والفلسفات الحديثة تأثرت به إن سلبا وإن إيجابا . فنحن إذن نناقش الفكر الفلسفي كله إذ نناقش فلسفة هيجل . وبحثنا يعترض على بعض مبادئها ويناقشها ويناقش من خلالها الفلسفات التي تأثرت بها واثرت فيها، فهيجل لا ينقطع عن الفلسفة القديمة، فمنهجه الجدلي امتداد وتطوير للجدل القديم، بل ان كلمة الجدل نفسها مشتقة من الكلمة اليونانية (ديالكتيك) التي تعني الحوار اوالمناقشة ، كما ان هيجل أخذ فكرة الجدل عن (كانت) فضلاً عن فلاسفة اليونان(2)، " فإذا كانت فلسفة هيجل " ثمرة" لتاريخ الفلسفة فهي تحمل في جوفها مبادئ الفلسفات السابقة كلها"(3)… ونحن سنعرض فلسفة هيجل عرضا تدريجيا نأخذ منها ما نريد ان نقرر به الحقائق التي نؤمن بها فنحن لسنا بصدد العرض التفصيلي لفلسفته إنما ما يؤيد أفكارنا منها ، أما ما يتقاطع مع أفكارنا فنحن نعترض عليه ونفنده لكي نبني فلسفة جدلية جديدة نعتقد انها لا فلسفة هيجل هي ما يعكس الحقيقة والقوانين المطلفة أو يمثلها .
تنطلق فلسفة هيجل من مبدأ مهم وهو أن التناقض يتخلل عالم الفكر والمادة وأن " جميع الاشياء هي في ذاتها متناقضة"(4). وترى "أن هذا المبدأ هو من أكثر المبادئ تعبيراً عن حقيقة الأشياء وماهيتها (5). ثم ان المتناقضات تعرف ببعضها، وببعضها تتميز ومن هنا اقترنت نظرية المعرفة بفلسفة الوجود .
إن هذا يعني ان الفكر لا يستطيع إدراك حقيقة الشيءعن طريق ضرب من الإدراك المباشر، يكشف بوساطته ماهيته الجوهرية، لأنه "ليس ثمة معرفة مباشرة (غير موسطة) وهذا القول لا ينفي فقط إمكانية إحراز الحقيقة بحدس حسي مباشر، بل ينفي ايضاً إمكانية بلوغ الحقيقة بواسطة مفهوم منعزل"(6).. إنك لا تدرك الشيء الا اذا أدركت نقيضه، فالضدان هما الشرط لمعرفة كل منهما، ولوجود كل منهما، "كل شيء في الطبيعة، كما في الفكر يشترط وجود ضده، آخره، الذي هو معيه ومناسبه الضروري"(7) لأنه لا معنى له الا به، لا معنى له الا بالانتقال اليه، لا معنى له الا بالخطوة الثانية اليه.
وقد وجدنا في تراثنا القديم أن اصحابه وهم يؤسسون لنظرية المعرفة أدركوا أن الاشياء تعرف بأضدادها، وبأضدادها تتميز، فقالوا: "بضدها تتمايز الأشياء"، وقرروا أن التناقض يتخلل الأشياء، ومما وجدناه من ذلك كلام للجاحظ يبين فيه أن التناقض يتخلل بناء الكون وأن المتناقضات يقترن بعضها ببعض، ويذكر أن من علة ذلك أن تعرف المتناقضات بعضها ببعض: "أعلم أن المصلحة في أمر ابتداء الدنيا الى انقضاء مدتها، امتزاج الخير بالشر، والضار بالنافع والمكروه بالسار، والضعة بالرفعة، والكثرة بالقلة.ولو كان الشر صرفاً هلك الخلق، او كان الخير محضاً سقطت المحنة، وتقطعت أسباب الفكرة. ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة. ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ولم يكن للعالم تثبت وتوقف وتعلم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبيين، ولا دفع مضرة ولا اجتلاب منفعة ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب ولا تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظفر وعز الغلبة. ولم يكن على ظهرها محق يجد عز الحق ومبطل يجد ذلة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، وشاك يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم . ولم تكن للنفوس آمال، ولم تتشعبها الأطماع، ومن لم يعرف الطمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس جهل الأمن، وعادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، ومن الأنس الذين فيهم الأنبياء والأولياء إلى حال السبع والبهيمة.. فسبحان من جعل منافعها نعمة ومضارها ترجع الى أعظم المنافع. وقسمها بين ملذ ومؤلم، وبين مؤنس وموحش، وبين صغير حقير، وجليل كبير. وبين عدو يرصدك وبين عقل يحرسك، وبين مسالم يمنعك وبين معين يعضدك. وجعل في الجميع تمام المصلحة، وباجتماعها تتم النعمة، وفي بطلان واحد منها بطلان الجميع قياساً قائماً وبرهاناً واضحاً"(8).
إن التمييز بين المتناقضات، يعني التفريق بينها، فصلها. وهو في الأصل اللغوي عزل للشيء او "فصل بعضه من بعض"(9) ولعله من البديهة أن نقول، إن تمييز الأمور والأشياء، وفصل بعضها من بعض وعزله، يعني اجتماعها وارتباطها اولاً. أي ان الفكر يجمع بين الشيء ونقيضه، ثم يفصل بينهما. ومعنى هذا الجمع أنه يقيم بينهما علاقة أو وحدة يرتبطان بها تسمى وحدة الضدين. ولقد أكد لنا الأصل اللغوي القديم معرفة بهذه الوحدة في تعريفه السابق للتمييز بأنه فصل للشيء المتحدة أجزاؤه، الموجود بعضها مع بعض حتى كأن أحد النقيضين في عدم انفصاله عن الآخر، او في وحدته مع الآخر، كأنه هو آخره. وهذا يقرره أبو حيان التوحيدي في كلام له: "العالم من حيث هو كائن فاسد، ومن حيث هو فاسد كائن. فلذلك نظمه بدد، وبدده نظم، ومتصله مفصول ومفصوله متصل, وغفله موسوم, وموسومه غفل, ويقظته رقاد, ورقاده يقظة، وغناه فقر، وفقره غنى، وحياته موت، وموته حياة…"(10).
إن معرفة المتناقضات، أوالتمييز بينها، يعني إدراك هذه العلاقات التي تجمع بينها، فالعلاقة التي تجمع بين الأشياء تولد خصائصها(11). ومعنى هذا أنه لا معنى لها خارج العلاقة، خارج الوحدة التي تجمع بين المتناقضين. وهما فيها "غير قابلين للفصل"(12) فأحدهما لا معنى له مفصولاً عنها، وبهذا "يصبح الجوهري هو العلاقة"(13) في عملية المعرفة، وان فهم الشيء يقتضي "الأنتقال من الشيء الى العلاقة"(14) و"في هذه اللحظة يدخل الوعي حقاً في مملكة الفهم"(15) فالفهم والمعرفة علاقة. واذا كانت العلاقة جوهر عملية المعرفة، واذا كان بها يفهم أحد النقيضين، او يعرف او يوجد ويكون له معنى يعدها هيجل "الحقيقة العينية الأولى"(16) التي ينبثق عنها الشيء ونقيضه، أو يوجدان، وهما خارجها محض عدم أو تجريد. وكون العلاقة الحقيقة العينية الأولى، هو ما نتفق به معه، فالنقيضان في داخلها متعينان، ولكنها ليست الحقيقة الأولى وهذا ماسنقرره. وهو يسمي الخطوة الأولى (الوجود الخالص) الذي يعده كالعدم، او أنه والعدم سواء، وهذا ما نختلف به عنه.
إن هذه العلاقة أو الجمع ـ التي هي الخطوة الثانية والتي تعقب الانتقال الى الضد ـ دل عليها القدماء لغوياً بلفظة المقارنة. والمقارنة عندهم" قرن الشيء بالشيء.. شده اليه"(17) و"القران: الحبل"(18) وهو وسيلة القرن أو الشد. و"القرون، والقرونة، والقرينة، والقرين"(19) هي النفس، وهي وسيلة القرن او الشد عند الانسان.. ورادفوا هذه اللفظة بلفظة اخرى، هي: الربط: "ربط الشيء.. شده"(20) و"الرباط.. ما ربط به"(21) وهو وسيلة الربط او الشد، و"الرباط: الفؤاد"(22)وهو وسيلة الربط أوالشد في الانسان.. ورادفوا هذه اللفظة بأخرى، هي:ـ العقل: "العقال: الرباط، الذي يعقل به"(23) و"الحبل، هو العقال"(24) وهو وسيلة الربط او العقل، و"العقل: القلب، والقلب، العقل"(25)، وهو وسيلة الربط او العقل في الانسان.
رادف القدماء إذن بين هذه الألفاظ، (القرن، الربط، العقل) كما رادفوا بين النفس، الفؤاد، والعقل، فهي أدوات القرن او الربط او العقل او الجمع بين الأمور في الأنسان، كما يربط الحبل (القران او الرباط او العقال) بين الأشياء المادية.. فالعقل، إنما سمي عقلاً، لأنه يجمع بين المختلفات، فهو أداة للجمع، "أداة للكشف عن الوحدة الكامنة وراء الاختلاف"(26) لينتهي الى التمييز بينها: "العقل، هو التمييز"(27) والتمييز معرفة، والعقل معرفة لأنه تمييز: "وعقل الشيء يعقله عقلاً، فهمه"(28). وهكذا استطاع القدماء أن يتصوروا عملية المعرفة تصوراً صحيحاً، يلتقي مع ما تقرره نظريات الفلسفة وما انتهينا الى تقريره فيها. لقد استطاعوا أن يدركوا أن أصل المعرفة الإنسانية هو العلاقة او الجمع او المقارنة او العقل، ولذا أطلقوه على وسيلة المعرفة في الانسان، العقل. العقل انتقال من أحد النقيضين الى الآخر، جمع أحد النقيضين الى الآخر لذا يقال : إن العقل سلب والتفكير سلب أي انتقال من أحد النقيضين الى سلبه أو نقيضه . العقل يحول الشىء الى علاقة لكي يدركه من خلال العلاقة .
إن المعرفة هي إدراك التناقض ، إدراك أحد النقيضين بالآخر ، وهذا يعني الإنتقال من أحد النقيضين الى الآخر ، فالمعرفة هي الخطوة الثانية ، والمعرفة حركة . إن التناقض حالة للفكر هي حالة حركة، "إن التناقض منطق للحركة "(29) وهي حركة تتمثل بالرفض أو الفصل أو النفي أو الثورة ، إنها حالة صراع . واذا كان التناقض حركة هي صراع بين نقيضين، فإن أحد النقيضين خارج علاقته بالآخر سكون،(30) لأن وجود أحد النقيضين وحده يعني أن لا وجود لأحد معه يصارعه ، وهو ليس له إمكان أن يصارع لأنه فناء وعدم إذ لا وجود لللآخر الذي يتعرف به أو يوجد . السكون إذن عدم لأننا قلنا أن لا معنى أو لا وجود لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، فهو عدم أو تجريد خارجها. فالسكون يعرف ويتحدد معناه بالتناقض الذي هو حالة حركة، ولا يمكن تعريف السكون انطلاقاً من السكون، لا يمكن تعريفه الا انطلاقاً من نقيضه: "إنه يمكن تعريف السكون انطلاقاً من الحركة لا العكس، إذ ان الحركة وحدها واقعية بينما السكون ما هو الا تجريد"(31).
السكون عدم كما قلنا، لأنه احد النقيضين خارج علاقته بالآخر، والحركة وجود لأنها تناقض، نقيضين، وأحد النقيضين يتعرف بالآخر او يوجد به. ولما كانا في داخلها وجود فهي وجود، ووجود واقعي: "إن الحركة هي التناقض في وجوده المرئي "(32) أي الظاهر او المتعين او المحسوس، إذ ان "الحركة الخارجية التي تدركها الحواس ليست الا الوجود الفعلي المباشر للتناقض"(33) وإذا كانت الحـركة هي التي تعـرف السكون او توجده، أي اذا كانت هي علة وجوده، فإن هذا يعني حقيقة أسبقية وجودها على وجوده، لأن العلة سابقة على المعلول . واذا كانت الحركة نقيضين، والسكون بعد وجوده هو أحد هذين النقيضين، فإن أسبقية وجود الحركة على وجود السكون يعني أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها..
ما صورة الحركة، إذن، عندما كان أحد طرفيها غير موجود؟… نقول: إنها بصورة نقيضين، أحدهما موجود والآخر عدم غير موجود، أي انها بصورة نقيض واحد هوالوجود وهو الطرف الفاعل. وهذا يعني أن هناك تناقضا آخر بين صورة الحركة عندما كانت سابقة على وجود أحد طرفيها وصورة الحركة بعد وجود هذا الطرف أي الحركة بكلا طرفيها . وهنا نسأل: كيف تكون الحركة بأحد طرفيها سابقة على الحركة بكلا طرفيها وقد قلنا إن وجود أحد النقيضين يقترن بالآخر وإنه يتطلب وجوده ؟..لقد ذكرنا أن صورة الحركة عندما كانت سابقة اي قبل وجود أحد طرفيها كانت بصورة نقيضين أحدهما وجود والآخر عدم والوجود والعدم تناقض ، وهكذا يستطيع وجود( الواحد) أن يسبق وجود (الاثنين) وأن يسبق وجود التناقض لأن هناك تناقضا ولكن بلا تناقض ونقصد بلا تناقض موجود وجودا فعليا ظاهرا لأن الوجود الفعلي لهذا النقيض المتأخر يجعل كلا الطرفين لهما وجود فعلي ظاهر وغيابه يجعله وجودا كامنا . فأحد النقيضين عندما كان سابقا كان وجودا كامنا والاخر كان عدما وكان التناقض كامنا وهذا معنى قولنا بلا تناقض كما ذكرنا . ماذا نسمي الحركة عندما كانت بأحد طرفيها ؟.. نستطيع أن نستعمل تعبير "أصل الحركة" ليدل على الحركة عندما كان أحد طرفيها عدماً، عندما كانت بأحد طرفيها. وهذا يعني أن نقيض السكون (الذي هو الحركة) له صورتان، هما: الحركة وأصل الحركة، فهو أصل الحركة قبل أن يوجد نقيضه (السكون)، وهو الحركة بعد وجوده . وهذا يعني أن وجود الحركة يرتبط بوجود النقيض الآخر، فوجودها ليس سابقاً على وجوده، بل أحدهما مرتبط بوجود الآخر..إن أسبقية الحركـة تعني أسبقية أصل الحركة. وكما أن وجود الحركة ليس سابقاً على وجود السكون، بل السابق هو أصل الحركة، كذلك فإنها ليست علة وجوده لأنها معلولة وانها تكون بعد إذ لم تكن موجودة فهي ليست أصل الوجود ولا علته . وإذا لم تكن أصلا للوجود فإن أصلها السابق ( أصل الحركة ) ليس كذلك أصلا للوجود ولا علة له لأنه يوجد بصورة ثم يكون بصورة أخرى فهو متغير متحول وما كان كذلك لا يكون أصلا ، وان هناك ما غيره وحوله وكان علة وجوده وتغيره وتحوله وهذا هو الطرف الثابت في الوجود الذي لم يتغير ولم يتحول وهو النقيض السابق الذي هو أحد الطرفين المكونين للحركة ، الطرف الذي كان موجودا في أصل الحركة في حين أن الطرف الآخر كان غائبا .إن هذا الطرف الثابت الذي لا يتغير له استقلاله عن (أصل الحركة) لأنها موجودة ومتغيرة ومعلولة به كما قلنا ولا يمكن أن تكون العلة والمعلول واحدا. إن هذا النقيض الذي كان موجودا في ( أصل الحركة ) يمثل أو يعكس الوجود السابق الذي له استقلاله عن ( أصل الحركة ) والذي هو أصل الوجود مطلقا والذي كان وليس معه نقيض يكافئه ، والذي تفرد في الوجود واتصف بالوحدانية . ان(الواحد) وهو الوجود السابق هوعلة وجود (الحركة) وهو علة وجود ( أصل الحركة ) وهو علة وجود الطرف الآخر العدم أو السكون ، فهو الأصل السابق وهو مصدر الوجود .. (الواحد) يوجد السكون ، وهو بذلك يوجد الحركة. إن أسبقية (الواحد) على الحركة تعني أسبقية الواحد على الاثنين ، فالواحد هو السابق.. وهنا نرد على فلسفة هيجل التي ذهبت الى أن علاقة التناقض التي عبر عنها بالصيرورة هي الحقيقة الأولى، أما الوجود السابق عليها، فهو كالعدم، تجريد خاو أو هو العدم كما يقول : "إن الصيرورة هي أول فكرة عيانية، ومن هنا هي المفهوم الأول، في حين أن الوجود والعدم هما تجريدات خاوية"(34) فالصيرورة لديه هي أول حقيقة عينية لأن النقيضين لا يوجدان الا في الصيرورة(35). وهما مختلفان أي متعينان فيها(36). أما قبل الصيرورة فليس هنالك اختلاف او تناقض، هنالك الوجود (او الكائن) في لاتحدده : "في بداية الفكر ليس عندنا الا الفكر في لاتحدده الخالص، إذ ان التحدد يحوي سلفاً التعارض، وفي البداية لا يوجد ضد. اللاتعين الذي لدينا هنا هو اللاتعين المباشر. وهو اللاتعين الذي يسبق كل تعين، اللامعين كنقطة انطلاق مطلقة. هو ذا ما ندعوه بالكائن. عن هذا الكائن لا يمكن أن يكون لنا أحساس ولا حدس ولا تمثيل، إذ انه الفكر الخالص وبوصفه كذلك يصنع البدء"(37).هذا الوجود السابق او الجوهر أوالماهية الذي ليس لدينا عنه إحساس ولاحدس ولا تمثيل، كالعدم ـ لدى هيجل ـ لأنه غير محدد او غير متعين مثله فهما شيء واحد:(38) "إن البداية هي الوجود الخالص، وهذا الوجود الخالص هو من ناحية فكر خالص.. هو فكر خالص لأنه لا يحتوي على أي موضوع من موضوعات الفكر وإنما هو بالأحرى ليس الا هذا الفكر المجرد. فنحن حين نبدأ في التفكير"لا يكون أمامنا سوى الفكر في لا تعينه الخالص..وهذا اللاتعين عبارة عن فكر ـ وفكر صرف ـ وهو بما هو كذلك يشكل البداية.." لأن البدء الأول لايمكن أن يتوسط له شيء "فهو لا يرتبط بغيره ولا يشير الى شيء وراءه.." ومعنى ذلك أنه خلو من كل تحديد او تعيين لأن أي تحديد سوف يضفي عليه طبيعة جزئية تقوم بإزاء طبيعة جزئية أخرى، سوف يجعله "س" وليس "لا س". وكل ما نستطيع أن نحدد به الوجود الخالص هو أن نقول إنه الهوية الخالصة او "الحيادية" المطلقة، فهو لا يدل على شيء بالذات له وجود معين. ومن هنا يمكن أن ينعت بأنه تجريد صرف، الا اننا لابد أن نسارع ونقول إنه ليس نتيجة عملية تجريد قمنا بها، والا لتضمن توسطاً، وإنما هو "..إنمحاء أصيل للسمات يسبق كل طابع، وهو أولها جميعاً.." والواقع إن هذا الوجود الخالص او هذا اللاتعين المباشر هو العدم لا أكثر ولا أقل: "لأن الشيء الذي يخلو تماماً من كل تحديد او تعين هو بالضبط ما نقصده بالعدم".. الوجود الخالص ـ إذن ـ هو اللاتعين الخالص او هو السلب الخالص لأنه خلو من كل تحديد ومن ثم فهو فكر فارغ أو عدم(39)". وهذا ما نعترض عليه، فهو يصف الوجود الخالص السابق على الصيرورة، الذي هو الخطوة الأولى من خطوات الجدل لديه بأنه عدم. ويقول عن الماهية وهي الوجود الخالص بأنها وجود للذات بدون علاقة بأشياء أخرى وهي بهذا عدم او تجريد(40). فالوجود عنده هو وجود متعين هو وجود الصيرورة التي يعدها الحقيقة الأولى وما قبلها عدم وفراغ ، أما قبل هذا الوجود المتعين، فهناك الوجود الخالص والعدم، وهذان لا فرق بينهما عنده ونحن قلنا إن بينهما فرقا هو الفرق بين الوجود والعدم . واذا كان الوجود الخالص عدماً فما هو العدم الذي يضعه في مقابل الوجود الخالص اذا كان لا فرق بينهما، ولماذا يفرق بينهما في اللفظ؟… وهو في حديثه عن الصيرورة _التي يذهب الى أن الوجود والعدم يتحول أحدهما الى الآخر فيها_ يقول إن بينهما فرقاً وتبايناً والا فلا معنى للتحول، لكنه في حديثه الآخر عن الوجود والعدم يقول إنه لا فرق بينهما ويصفهما بصفات واحدة فيذكر أن الوجود والعدم كلاهما أفكار، وأن العدم شيء موجود غير متعين كالوجود الخالص(41). ويقول إننا اذا حاولنا الوصول الى الوجود المطلق لا نصل الا الى العدم، وبالعكس(42)، وإن النور المطلق هو ظلام مطلق(43)، وإن فعل الإثبات هو فعل الانكار(44)، ذلك لأنه ليس هنالك تناقض ظاهري بينهما، يؤكد وجودهما في الظاهر، فالوجود عنده هو وجود صفات ظاهرة، ولما كان الوجود الخالص والعدم بلا صفات ظاهرة - لأن هذه ناشئة من تأثير أحد النقيضين بالآخر وتأثره به(45)، أي انها تشترط وجود علاقة وتناقض واقعي ظاهر – لذلك فهما كما يصفهما عدم وتجريد.
إن ما وصف به الوجود الخالص والعدم جره الى نتائج غير معقولة، فهو يقول أن لافرق بينهما، ويقول إن بينهما فرقاً في الصيرورة . والقول بعدم الفرق والتناقض بينهما ينفي أهم مبادىء الجدل لديه وهو مبدأ التناقض . ولقد وصف الماهية التي يقول بأنها وجود بالذات او عدم لأنها لا تعين بأنها قوة فاعلة نشطة سالبة تسلب نفسها أي تخلق سلباً لها(46). فالماهية التي هي عدم هي قوة فاعلة نافية عنده ، وقلنا إنه لا ينبغي لها ذلك على وفق كلامه لأنها عدم ليس له مع الآخر علاقة ضدية واختلاف فهو ليس نفيا له فكيف ينفيه ويسلبه . فأحد النقيضين ـ وكما نفهم منه - ينفي نقيضه اذا كان وجوداً متعيناً ( كل تعين سلب ) إما ان يكون عدماً فهو لا ينفي الآخر لأنه لا علاقة له بالآخر، فلكي يكون أحد النقيضين نفياً للآخر ينبغي أن يكون ضده، داخلاً معه في علاقة تناقض، أي أن يكون وجوداً متعيناً، وعندما يكون عدماً فهو خارج هذه العلاقة.
إن الوجود ليس وجوداً متعيناً حسب وكما يذهب هيجل ، فلقد توصلنا إلى أسبقية أحد النقيضين على الآخر, فهذا النقيض السابق لا يشترط وجود نقيضه، فهو سابق على وجود التناقض أو ظهوره وتعينه. أي إن هنالك وجوداً قبل وجود التناقض وظهوره ، قبل أن يخلق التناقض أو يظهر . وشرح هيجل يؤكد هذا، فهو يصف الماهية التي هي الوجود الخالص والتي تسبق وجود الصيرورة هي والعدم بأنها تسلب نفسها، أي تخلق سلبها وتتجلى. فهي قوة فاعلة خالقة لسلبها الذي هو موجود بموجد، أي انه ليس فاعلاً انما منفعل يتلقى تأثير غيره فيه، وان وجوده متأخر عن وجود( الوجود) الذي يخلقه. فالماهية قوة خالقة، فهي ليست عدماً او كالعدم، كما يصفها هيجل لأن العدم لا يخلق ، فهي الوجود الخالق، وسلبها مخلوق. ولم يكن هذا السلب موجوداً، أي انه كان عدماً وهي تخلقه. فما يسبق الصيرورة او العلاقة, وهما الوجود الخالص والعدم انما هما متميزان بأن أحدهما وجود والآخر عدم وبأن أحدهما خالق والآخر مخلوق، او سيخلق. والخالق وجود، والمخلوق قبل خلقه عدم. وهو يصفهما بأنهما وجود وعدم، ولكنه يقول إنه لا فرق بينهما. فهناك اذن تميز بينهما وليس صحيحاً أنه لا فرق بينهما، حتى قبل ظهور التميز وتعينه وتحوله الى تميز او تناقض واقعي محسوس.
واذا كان الوجود الخالص عدماً ـ لدى هيجل ـ أو هو والعدم سواء، لأن أحدهما لم يتعين من الآخر، فهذا يعني أنه يكون (وجوداً) بعد أن يتعين من نقيضه بعد ظهور التناقض ( في الصيرورة )، وهذا يعني أن نقيضه (العدم) يبقى عدماً بعد التعين وظهور التناقض. فلكي يكون هو وجوداً متعيناً، يكون نقيضه (عدماً) متعيناً. وبهذا لا يكون الوجود هو التعين فقط، لأن (العدم) أصبح متعيناً ولكنه نقيض للوجود بعد تعينه ايضاً. فالوجود ليس تعيناً فقط، فهنالك وجود قبل التعين والظهور، وهنالك وجود بعده وهناك عدم قبل التعين وهناك عدم بعده .
لقد توصلنا الى أسبقية وجود (الواحد) على الاثنين (الحركة) وفسرنا ذلك. وقلنا إن الحركة التي هي نقيضين اثنين كانت بصورة أحد طرفيها ممثلة بـ( أصل الحركة) وإن الطرف الثابت في (أصل الحركة) يمثل أو يعكس هذا الأصل (الواحد) السابق في الوجود.. وهنا نذكر بأننا قلنا إنه لا وجود لأحد النقيضين في علاقة التناقض الا بالآخر.. كيف يمكن إذن لهذا النقيض السابق في (أصل الحركة) أن يسبق نقيضه، كيف يمكن أن يكون له وجود بلا وجود نقيضه؟ ولقد أجبنا ضمنا بأن قلنا إن كون أحد النقيضين موجوداً، وكون النقيض الآخر (السكون)، عدماً، هو ما يكفل وجود التناقض ، لأن الوجود والعدم تناقض، ولكن بلا تناقض، ونقصد بلا تناقض ظاهر او متعين، ذلك لأن عدم وجود أحد النقيضين، يؤثر في الآخر ويجعله وجوداً كامناً او غير ظاهر، فعندما يختفي وجود العدم وهو وجود ظاهر، يختفي وجود نقيضه الظاهر ايضاً.. ووجود نقيضه الظاهر هذا هو الشرط لوجوده ( أي وجود العدم ).. فإذا لم يكن هذا الوجود الظاهر لنقيضه( أي الوجود السابق) موجوداً، كان هو عدماً. فالوجود الظاهر لهذا الوجود السابق كان غير موجود، وكان وجوداً محضاً إزاء عدم محض، وهذا تناقض، لكنه تناقض غير متعين، او غير ظاهر، هو تناقض كامن حتى يوجد العدم فيصبح متعيناً او ظاهراً. ولو كان هيجل قد ذكر أن الوجود الخالص هو نقيض كامن قبل أن تخلق العلاقة اوالصيرورة فيصبح كل منهما وجوداً متعيناً، لما بدا على كلامه شيء من الاضطراب، وهو له أقوال تنص على الوجود الكامن وهو الماهية قبل أن تصبح وجوداً متعيناً عند خلق التناقض(47). إن هذا الوجود الكامن هو غير العدم، هو غنى مطلق إزاء فقر مطلق، هو ثبوت إزاء محو، وهذه أوصاف هيجل نفسه. ونفضل نحن أن نسميهما حياة وموتا أو امتلاءً وخلواً او فراغاً، والفراغ هو المصطلح الذي تطلقه الفيزياء على العدم . والامتلاء والفراغ يكونان قبل التعين والظهور ويكونان بعده، فالوجود والعدم ـ كما قلنا ـ ليسا هما التعين والظهور أو عدم التعين والظهور فقط .
إن العدم الخالص والوجود الخالص ، ، يمثلان تناقضا كما قلنا ولكن بلا تناقض لأن (العدم) لم يوجد بعد . والعدم الخالص في مقابل الوجود الخالص يكتسب تميزاً ما او تعريفاً مع أنه عدم. وخير ما يوضح لنا هذه الحقيقة، هو ما وجدناه في تراثنا القديم مما كتبه النحاة عن (العامل المعنوي) الذي فسروه بأنه عدم العوامل اللفظية، وقالوا إنه كالعوامل اللفظية في كونهما عوامل او علامات، إذ شبهوه هو والعوامل اللفظية الموجودة في الكلام بثوبين يريد صاحبهما أن يميز أحدهما من الآخر، فيصبغ أحدهما ويترك صبغ الآخر، فيكون عدم الصبغ في أحدهما كصبغ الآخر من حيث كونه علامة، فيتبين بهذا أن العلامة تكون بعدم الشيء كما تكون بوجود الشيء، واذا ثبت هذا جاز أن يكون عدم العوامل اللفظية (أي العامل المعنوي) عاملاً(48). أي انه في مقابل العامل اللفظي يكتسب تعريفاً كما يكتسبه الثوب غير المصبوغ في مقابل المصبوغ . ولا يرى هيجل هذا التمييز بين العدم والوجود، فالوجود الخالص الذي يسبق العلاقة أو الصيرورة ، وبه يبدأ الجدل لا يمكن تمييزه من العدم، ولا يمكن التفريق بينهما: (نحن لا نستطيع أن نفرق بين الوجود والعدم، لأن كل تفرقة تتضمن شيئين، وان بينهما صفة توجد في الواحد دون الآخر، ولكن الوجود خلو من كل صفة وكذلك العدم، فليس ثمة للتفرقة بينهما من سبيل، وفضلاً عن ذلك فإننا حين نفرق بين شيئين فلابد أن نجد ثمة شيئاً مشتركاً يندرجان تحته فإذا فرقنا بين نوعين، فإن هناك شيئاً مشتركاً بينهما هو الجنس، وفي حالة الوجود الخالص والعدم الصرف ليس ثمة شيء مشترك يمكن أن تقوم عليه التفرقة، فلا مجال من هذه الناحية كذلك الى التفرقة بين الاثنين، وقد يعترض معترض"(49) ونحن نعترض على هذا بأن بين الوجود الخالص والعدم_كما قلنا_ تميزا هو صفة الوجود و صفة العدم . فالتميز هو الوجود واللاوجود أو العدم. الوجود امتلاء يعني حياة، والعدم خلو مما يمتلئ به الوجود. والوجود وعدم الوجود أو الامتلاء والخلو,أوالحياة والموت يخلق تفرقة وتميزا بينهما.
ونعترض على فلسفة هيجل، إذ ذهبت الى كمون كلا النقيضين، أحدهما في الآخر على معنى أن أحدهما هو الآخر وأنه يكمن في الآخر:ـ "كل منهما يخفي في داخله آخره"(50)، نرد عليها بأن أحد النقيضين المتأخر عن نقيضه في الوجود وهو (العدم) او (السكون) له صفة أنه يكمن في نقيضه (الحركة) فيكون عدماً غير ظاهر ويكون نقيضه (الوجود) بصورة (أصل الحركة) فالعدم هو أحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، أي إنه خارج نطاق العلاقة (الحركة) ومكانه فارغ فيها فهو فراغ وهذا الفراغ يمثل كمونا . وإننا لانعني بكمون العدم في الحركة أنه يكمن في هذا النقيض الذي يكون أحد طرفي الحركة وهو الوجود السابق فهذا النقيض صاف في جوهره لايتضمن تناقضا ونحن نأخذ بمبدأ الهوية الثابتة التي لاتتضمن تناقضا بالنسبة الى هذا النقيض . أما لدى هيجل فأحد النقيضين يمكن أن يكون هو الآخر أو أن يتحول الى الآخر وأن يتضمن الآخر ولا فرق بينه وبين الآخر وهذا ما يختلف به مع الفلسفة القديمة التي تنطلق من مبدأ الهوية وإن أحد النقيضين لا يمكن أن يكون هو الآخر إنما يكون هو ذاته وإن النقيضين لا يجتمعان معا في مكان واحد. أما اجتماعهما في (الحركة) أو العلاقة_ وهو ما ذهبنا اليه_ فهذا الاجتماع لايعني أن تختلط هويتهما وأن لا يكون بينهما فرق. ونرد على فلسفة هيجل كذلك إذ ذهبت الى أن كلا من النقيضين يعتمد وجوده على وجود الآخر، فكل منهما يكون أساساً للآخر يعتمد عليه وجوده(51)، نرد عليها بأن هذا النقيض المتأخر يعتمد وجوده على وجود الآخر، ولا يعتمد النقيض السابق على وجود نقيضه ليوجد بدليل أنه كان سابقا في الوجود قبل أن يوجد الآخر.
لقد أخطأ هيجل إذ ضرب مبدأ الهوية الثابتة الذي يتضمنه المنطق القديم، منطق أرسطو وبعمله هذا فإنه كما يرى بعض من الباحثين قضى على مشاكل القلسفة القديمة وأسس للمنطق الجديد الذي يلغي منطق أرسطو . فالشيء يكون مطابقا لذاته لدى أرسطو ولا يمكن أن يكون ذاته وغير ذاته وهذا يؤكده مبدأ عدم التناقض لديه كذلك فالنقيضان لا يجتمعان وينص مبدأ الثالث المرفوع بأن الشيء إما أن يكون أو لا يكون . إن احتفاظ الضدين كل بهويته هو الذي يضمن وجود التناقض فالخير هو ضد الشر وسلبه والشر هو ضد الخير وسلبه ولو كان أحدهما هو الآخر فلا يكون تناقض فالتناقض هو أن يقف النقيضان أحدهما في مواجهة الآخر وأن ينفي كل منهما االآخر ، فهوية كل منهما أنه سلب للآخر ولا يمكن أن يكون هو وسلبه في آن معا . وهذا أمر بديهي يقول به العقل . أما الرد على هذا الكلام بتحول أحد النقيضين الى الآخر وأن التغيير والتطور امر واقع في الأشياء فنقول إن التطور والتغير لا يعدو أن يكون ناتج أحد امرين : إما الصراع بين الوجود والعدم وإما الصراع بين الوجود الجزئي (الحركة) والوجود الكلي (أصل الحركة) وفيهما لا يتحول الوجود الى العدم بل العدم هو الذي يتحول ويقضى عليه ، والوجود الجزئي هو الذي يتحول الى الوجود الكلي ويقضى عليه وهو أمرسنشرحه . وأرسطو يشرح التطور والتغير بأنه تطور للأعراض فقط حيث تختلف الأعراض وتتناقض على ظاهر الشيء أما جوهره فلا يتغير وحركة الظاهرهذه يسميها حركة الكون والفساد حيث أن هناك صراعا أو تفاعلا أو تجاذبا بين صورة الشيء أو جوهره وبين الهيولى وهي مادته أو ظاهره او عرضه ، وفي هذا الصراع او التجاذب يحاول الجوهر أو الصورة أن يجذب الهيولى او المادة لكي تتطابق معه فإذا استطاع أن يجذبها اليه فإن عرضا جديدا أي مادة جديدة تخلف العرض القديم وهكذا على مراحل تختلف فيها الأعراض في كل مرة من مرات التجاذب أو التفاعل أو تتناقض وهذا الاختلاف أو التناقض يكون في نسبة ما تعكسه المادة من الجوهر الذي يسعى في كل مرة أن يجذب المادة اليه ، فالجوهر واحد وثابت في احتفاظه بهويته والأعراض متغيرة ، وهذا التغير والتطور لدى أرسطو يشبه ما ينتج عن الصراع بين الوجود الجزئي (الحركة) والوجود الكلي (أصل الحركة) في شرحنا الذي سيأتي .
لقد ضرب هيجل مبدأ الهوية ولم يقم الحجة والدليل على نبذ هذا المبدأ . ولم يفسر لنا كيف يتغير الوجود والعدم أحدهما الى الآخر في الصيرورة وتبقى محتفظة بكينونتها ، فعندما يتغير الوجود الى العدم لا يكون هنالك غير العدم وعندها لا تكون الصيرورة لأنها تناقض ، وعندما يتغير العدم الى الوجود لا يكون هنالك غير الوجود وعندها لا تكون الصيرورة لأنها تناقض كما قلنا ، ثم لماذا يتغيران أحدهما الى الآخر .. لم يفسر ذلك . أما التغير فله تفسيره لدى أرسطو ولدى طرحنا الفلسفي .
ذهب هيجل الى أن الأشياء متناقضة في ذاتها وأن الشيء ينقلب الى ضده ويتحول اليه. ولقد أوقعه هذا في مأزق لايمكن تفسيره أو قبوله وضرب مبدأ الصيرورة وهو من المبادئ المهمة في منهجه الجدلي. فالصيرورة تعني انتقالاً بين مختلفين والا فلا معنى للأنتقال، فلا انتقال بدون اختلاف ولاصيرورة. ولكن هذا الانتقال وهذه الصيرورة يكونان من الشيء الى نفسه لديه وبهذا تتحطم مقولة الصيرورة فلا معنى لبقائها : ((الصيرورة هي أولاً انتقال الوجود الى العدم ولكن العدم هو الوجود فالصيرورة هي انتقال الوجود الى الوجود، لكن ذلك ليس صيرورة ومن ثم فقد اختفت الصيرورة. والصيرورة ثانياً: هي انتقال العدم الى الوجود ولكن الوجود هو العدم ولذا فالصيرورة هي انتقال العدم الى العدم. وهذا الانتقال كذلك ليس صيرورة وهكذا تنهار الصيرورة وتتحطم. ولن تكون نتيجة هذا الانهيار أن نصل الى العدم لأن معنى ذلك أن نرتد الى إحدى المقولتين ولن تكون النتيجة أيضا وجوداً وإنما هي اتحاد متوازن للوجود والعدم هو الوجود المتعين: وهذا الاتحاد المتوازن يصيب كلا منهما بالشلل على حد تعبير هيجل فتتوقف الحركة او الصيرورة.))(52) ولم يوضح لنا هيجل كيف يكون الوجود المتعين هو النتيجة التي تنتهي اليها الصيرورة ما دامت عملية التحول لكل من الوجود والعدم هي الفناء . إن هذا دفع أحد شراح هيجل الى القول بضرورة الاستغناء عن لفظة الصيرورة واستبدالها بغيرها: ((إن مقولة الصيرورة قد يفهم منها أنها تتضمن فكرة التغير إلا أن ذلك غير صحيح على الاطلاق... إن سير الجدل سيكون أكثر وضوحاً لو أننا استغنينا عن لفظة (الصيرورة) وأطلقنا على مركب الوجود والعدم اسم الانتقال الى الوجود المتعين.)) (53)
واذا كنا نؤمن بمبدأ الهوية ولانؤيد هيجل بألغاء هذا المبدأ ودعواه بأن الشيء هو ضده وأنه يتحول اليه ، فنحن بحاجة الى تفسير قولنا بوحدة الأضداد والعلاقة بين الضدين. والحقيقة اننا نقصد بذلك أن النقيض يستدعي نقيضه، فهو يوجد ويعرف من خلال علاقته به. وهذه العلاقة هي مانقصده بوحدة الضدين او العلاقة بينهما وهي علاقة لاتمس حقيقة وجوهر كل منهما، فالحركة مثلاً هي وحدة الضدين وهما يتفاعلان في داخل هذه الوحدة. وليس أحدهما هو الآخر. وفي داخل كل الأشياء هناك وحدة للأضداد لاتعني أن هذه الأضداد تزدوج هويتها فتكون هي الشيء وضده في الوقت نفسه( 54). ومن ضمن هذه الأشياء الإنسان والعقل الإنساني الذي يوحد بين الأضداد ليعرفها، هو وحدة أضداد أوعلاقة، وقبل أن يكون علاقة (اثنين) كان مسبوقا بالواحد الذي هو العقل الإلهي الكلي والهوية الخالصة.
قلنا إن حركة الفكر تمثلت بالرفض او الثورة، فالحركة صراع يسعى فيه أحد النقيضين الى نفي الآخر، أو القضاء عليه او هدمه، فإذا كانت المناقضة مخالفة: "وناقضه في الشيء مناقضة ونقاضاً: خالفه.. ونقيضك الذي يخالفك(55) فإنها عملية صراع تقضي بأن يسعى أحدهما إلى هدم الآخر: "النقض، ضد الأبرام..والنقض: اسم البناء المنقوض إذا هدم، وفي حديث صوم التطوع، فناقضني وناقضته، هي مفاعلة من نقض البناء، وهو هدمه، أي ينقض قولي وأنقض قوله.. والأنتقاض الانتكاث، والنقض ما نكث من الأخبية والأكسية فغزل ثانية"(56) فالمناقضة، حركة، هي صراع يسعى فيه كلا النقيضين الى هدم أحدهما الآخر، والبناء مكانه، كما يفهمنا الأصل اللغوي.
إذن النقض ، يعني صراعاً يرتبط بغاية، فهو هدم وبناء. واذا كان النقض هدماً وبناء، فهو ليس هدماً لأجل الهدم.. إن مثل هذا الهدم لا يمتلك تصوراً عن البديل الذي يهدم به الآخر، والذي نفهمه من كل هذا أن عملية النقض تبغي القضاء على التناقض.
إن المناقضة صراع يسعى فيه أحد النقيضين الى هدم نقيضه والقضاء عليه، ولقد كنا قد قلنا إن الوجود السابق على وجودالحركة ووجودالسكون هو مصدر لهما أي لوجودهما, أي انه يوجدهما، وسبب إيجاده لهما أنه يريد أن يتجلى لأنه كما قلنا وجود خالص لم يتجل في وجود ظاهر. وإيجاده للحركة يوجد العدم أويظهره لأنه أحد طرفي الحركة وقبل أن يوجد كان فراغا أو خلوا فيها . إن هذا الفراغ او الخلو سيصبح نقيضاً ظاهرا يتخذ صفة الضد من نقيضه(الوجود) الذي يجتمع معه في الحركة والذي سيصبح هو كذلك وجوداً ظاهراً له صفات وخواص ظاهرة إزاء نقيض له صفات وخواص ظاهرة . وصفات العدم وخواصه هي محو لما يتصف به الوجود. ونستطيع أن نشبه وجود العدم بوجود النار، فالنار وجود له صفات ظاهرة وحيز في الوجود ولكنها تخلو من الوجود وأنها تقضي على أي وجود فيها وتحيله الى عدم ، فهي العدم ولكن ظاهرا أو موجودا .
إن الوجود السابق بأيجاده للعدم يوجد علاقة التناقض التي هي حركة والتي هي صراع، أي يوجد الصراع. ولقد كنا قد ذكرنا أن الإنسان علاقة تناقض والعقل الإنساني كذلك لأنه أداة المعرفة والمعرفة تتم من خلال التناقض ، وهذا يعني أنهما في صراع بحكم التناقض الذي فيهما . والصراع يتخذ مظهرين : صراع بين الضدين في داخل حركة التناقض . وصراع آخر بين الحركة وهي وجود يعاني من سلب وبين أصلها السابق عليها( أصل الحركة ) حيث الوجود الجوهري الكامل . وهذا هو الصراع بين الكل والجزء ، فالكل يريد أن يطرد جزءه الذي يعاني من السلب الذي فيه ليكون خاليا من السلب وليكون على قدر الوجود السابق الذي يمثله أحد الطرفين المكونين للحركة . الطرف الجوهري فيها ، والذي هو يعكس الوجود السابق على وجود الحركة ويمثله فيها .
واذا كان الوجود السابق يوجد الصراع فإنه يسيطر عليه، وإن نتيجة الصراع ستؤول اليه، وإنه هو الذي سيتسنى له الانتصار بهدم نقيضه او القضاء عليه والقضاء على التناقض(العلاقة) وهذا هو غاية الصراع . وإذا كان الإنسان والعقل الإنساني(علاقة) فإن نتيجة الصراع تعني تجاوزهما لجزئيتهما_بتجاوزهما للسلب الذي فيهما_ وعودتهما الى التماثل مع الوجود الكلي والعقل الكلي السابق عليهما.. والوجود السابق لا يخوض الصراع بنفسه إنما من خلال أحد الضدين الذي يمثله في الحركة أو العلاقة والذي سميناه ( أصل الحركة ) فهذا الضد يخوض صراعا مع ضده الاخر في الحركة والعلاقة حتى يتسنى له ان يطرد الاخر لتصبح الحركة خالية منه وتكون على قدر الوجود السابق .
ولكننا نتساءل هنا، كيف يتسنى لهذا النقيض السابق ( أصل الحركة ) أن يظل موجوداً وقد قضى على نقيضه لأننا لم ننس إذ قلنا إنه لاوجود لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر؟… ونجيب على هذا بأننا قلنا، إن الهدم يعني بناء أيضاً، وإن أحد النقيضين إذ يهدم نقيضه فإنه يبني مكانه. ويعني كلامنا أن ما يبنيه يحفظ له نوعا من العلاقة به، أي انه يحتفظ بما يشير الى علاقته بنقيضه، وسوف نشرح كيف يهدم أحد النقيضين نقيضه ويبني مكانه، وكيف يقضي على نقيضه ويحتفظ بعلاقته به..
قلنا إن الوجود السابق يوجد النقيض الذي كان عدماً، واذا كان وجود هذا النقيض الذي كان عدماً يوجد التناقض، فهذا يعني أنه يبقى يحتفظ بصفة العدم المناقضة للوجود بعد وجوده، يبقى يحتفظ بصفة (ضد الوجود)، فهو يمثل العدم ـ كما قلنا ـ بالرغم من تحوله الى وجود ، ووجوده يعني(ظهوره) تميزه من نقيضه أو خلوه منه ، إنه يعني وجود الفراغ أو الخلو أوظهوره .
ونضرب مثالاً: فإذا فرضنا أن الخير (وهو أحد النقيضين في علاقة الخير بالشر) هو هذا النقيض السابق في الوجود، وكان نقيضه (الشر) عدما فلكي يكون الخير موجودا لا يحتاج الى وجود (الشر) لأن (عدم) وجود الشر يضمن (وجود) الخير لأن( الوجود) و(العدم) تناقض فالتناقض قائم وان صفة الوجود تتطلب صفة العدم ولكن يبقى الخيرمتصفا بصفة الوجود دون أن تظهر صفة كونه خيرا وتوجد وجودا واقعيا الا حين وجود صفة الشر ، وحين وجودها فإن الشر يبقى يحتفظ بصفة (العدمية) المناقضة لـ(وجود) الخير بعد وجوده ، ولهذا يوجد التناقض وجودا واقعيا بوجود نقيض الخير أو عدم الخير ، الذي تنعدم فيه صفة الخير او ماهيته، ينعدم فيه (وجود) الخير اويخلو منه فهو فراغ أو خلو من الخير ، هو بالنسبة الى الخير الذي هو (وجود) يمثل هذا النقيض الذي يحتفظ بصفة العدم (عدم وجود الخير) بعد وجوده.. وعلى هذا لاتكون صفة الوجودهي ( التعين) واتخاذ حالة الضدية الفعلية – كما هي لدى هيجل - بل هي ماهية لأحد الضدين الذي هوالسابق في الوجود والثابت الذي لا يقضى عليه ولاينتهي الى زوال بل هو الباقي بعد فناء نقيضه .
إن وجود العدم يعني تميزه او ظهوره بعد أن لم يكن ظاهراً، اتخاذه صفة الضد بصورة فعلية من (الوجود) نقيضه. وبهذا الظهور ظهر التناقض الذي كان غير ظاهر او غير متعين. هنا نميز بين وجود العدم ووجود الوجود السابق عليه.. إن وجود العدم يشترط وجود نقيضه وجودا ظاهرا، فهو وجود ظاهر لأن النقيضين سيكونان موجودين وجودا فعليا ظاهرا ، يظهر أحدهما الآخر او يحدده. أما وجود الوجود فلا يشترط وجود نقيضه، فهو سابق على وجود نقيضه، وعندما كان سابقاً وكان نقيضه عدماً، كان وجوداً كامنا ، وجوداً محضاً ضد عدم محض كان حياة إزاء موت . وقد قلنا إن أحد النقيضين يستمد معناه أو تتحدد صفاته من نقيضه، لأن الصفات هي علاقة بالآخر كما تقول فلسفة هيجل. ولما كان نقيض الوجود عدماً، كان هو وجوداً محضاً بلا صفات ظاهرة أو متميزة ، ولذلك نسميه وجوداً كامناً او غير ظاهر.. أما وجود العدم فهو وجود تميز او ظهور فقط لأنه يبقى يحتفظ بصفة (العدمية) بعد وجوده، لأنه ضد هذا النقيض الذي كان موجوداً فهو(شر) مقابل (الخير) ولم تكن صفة (الشر) ظاهرة كما لم تكن صفة(الخير) ظاهرة أيضا ، فالشريبقى يحتفظ بصفة (عدم الخير) بعد وجوده.. أما وجود (الوجود السابق) فهو وجود بالماهية لأنه كان موجوداً قبل وجود الآخر الذي كان عدماً، وهو ضد العدم، ولكنه قبل وجود العدم واتخاذه صفة الضد بصورة فعلية لم يكن متميزاً هو الآخر تميزا ظاهرا ، فكان وجوداً كامناً، وجوداً محضاً ضد عدم محض. وبعد وجود العدم، أي ظهوره، وظهور التناقض، أصبح وجوداً ظاهراً، أي انه أصبح وجودين: وجوداً بالماهية، ووجوداً بالظهور. أما وجود العدم، فهو ذو جانب واحد، وجود بالظهور والتعين فقط .
ولقد قلنا إن العدم هو عدم لأنه خارج علاقته بنقيضه وأنه يمثل فراغا في هذه العلاقة ، وإنه يتحول الى وجود في داخل علاقة التناقض لأنه يتميز في داخل هذه العلاقة من نقيضه، يكون له معنى، أي تتحدد صفته بعد أن لم تكن كذلك، وذلك بعد أن يقترن بنقيضه وينسب اليه..
إن وجود العدم يعني ـ إذن ـ الوجود في داخل العلاقة، لأنه كان عدماً خارجها. واذا كانت العلاقة تعني صراعاً بين طرفيها، وان للصراع نتيجته التي ينتصر فيها هذا النقيض الذي هو سابق، أي (الوجود) وانه يدحر عدوه العدم او السلب بطرده من العلاقة التي تجمع بينهما ، فإن الطرف الذي سيبقى من هذه العلاقة هو الوجود.. هو الطرف الذي يمثل الوجود السابق، فهو يقضي على الطرف الذي يمثل العدم، ويخلف وجوده، فتبقى العلاقة (وجوداً) وتنتهي عدماً.
وهكذا تنتهي عملية النقض الى القضاء على التناقض والى (وجود) فقط هو الوجود الظاهر او المتعين الذي يمثل وجودين هما: الوجود السابق (أصل الحركة) وهوالذي كان وجودا كامنا، والوجود الذي استحال اليه هذا الوجود السابق بعد وجود العدم، أي الوجود الظاهر.
إن الوجود الظاهر يمثل - كما قلنا - وجود العدم، لأننا قلنا إن وجود العدم يقترن بوجود العلاقة أو الحركة التي هي وجود ظاهر او متعين ولكنه وجود يندحر ويقضي عليه الوجود الظاهر الذي له أصله القديم او أسبقيته في الوجود. وهذا الوجود الظاهر او المتعين الذي له أصل سابق والذي يبقى بعد دحر عدوه هو الذي يشير الى علاقة التناقض التي انتهت لأنه نفي لوجود العدم (الصفة التي قضي عليها) بصورة واقعية مادية، فهو الصفة الأخرى منفية، أي انه سلب الآخر، انه يعني الأخر منفياً نفيا ماديا، وهذا يشير الى هذا الآخر، يشير الى علاقته به ، وعن هذا الوجود المتعين يقول هيجل : "فإذا كنا نتحدث عن الوجود المتعين، فلابد أن نلاحظ أنه يتضمن السلب كذلك . إنه وجود كذا وليس وجود شيء آخر، ولو رفع منه هذا السلب لعدنا من جديد الى الوجود الخالص الفارغ او اللاتعين بما هو كذلك"(57) فالوجود المتعين او الظاهر فيه سلب الآخر، إنه الآخر منفيا نفيا مادياً: "التعين او الكيف إيجاب وسلب في آن معاً، او هو وضع ورفع في وقت واحد، ويرجع ذلك الى أنه يشمل الوجود والعدم (او الإيجاب والسلب). فالكيف من ناحية تعين للشيء، أي هو ما هو عليه، أعني وجوده. فإذا كان الشيء يتصف بصفات معينة كأن يكون لاذع المذاق أبيض اللون، على شكل مكعبات.. الخ، قلنا إن هذا الشيء هو الملح، فالكيف من هذه الناحية وجود الشيء نفسه. والكيف من ناحية أخرى جانب سلبي: فالكيفيات التي تجعل الشيء قطعة من الملح، تجعله أيضاً ليس قطعة من السكر. ونحن اذا نظرنا الى الجانب الإيجابي في الشيء لوجدنا أن هذا الجانب هو وجود الشيء كما هو موجود في ذاته وبمعزل عن الأشياء الأخرى. والى الشيء في جوانبه السلبية، استطعنا أن نقول إن هذا الجانب ينفي شيئاً آخر، وهو بذلك الوجود الذي له علاقة بأشياء أخرى، او ينفي أشياء أخرى، وهو من هذه الناحية مقولة فرعية هي الوجود للآخر"(58). فكل موجود متعين له علاقة بالآخر من حيث أنه نفي للآخر: "كل تعين سلب كما قلنا، والكيف تعين للشيء، فالكيف سلب"(59).
إن الوجود المتعين أي المغلف بالمادة يعني الآخر منفيا نفيا ماديا , وهذا الوجود المادي هو الذي يضمن الاحتفاظ بشيء من علاقة التناقض بعد القضاء على التناقض لأن الوجود المتعين ـ كما قلنا ـ فيه ما يشير إلى التناقض ولا بد له من أن يشير الى ذلك . وأخيرا فإنه هو هذا المظهر الذي يمثل عملية البناء بعد الهدم.
إن الوجود المتعين هو الخطوة الثالثة والأخيرة من خطوات الحقيقة، حقيقة الأشياء ومنها الإنسان والعقل الإنساني، وهو يمثل تحققاً للخطوة الاولى (الماهية او الجوهر)، وعودة اليها، لأنه يمثل التحقق الفعلي للماهية أو الجوهر في الوجود الواقعي المادي أو الوجود المتعين بعد نفي السلب ، وهو بهذا ينهي مسيرة الحقيقة ويوقف حركتها لأن غاية المسيرة هي أن تتعرف الخطوة الأولى او تتعين وأن تنفي سلبها لتبقى وحدها تمثل الخطوة الأولى (الوجود الجوهري ) تمثيلا واقعيا ماديا متعينا ، ولم يتحقق هذا الا بالخطوة الثالثة التي قلنا إنها الخطوة الأخيرة لأنها نفي للخطوة الثانية( السلب ) , نفي للنفي . وهي بهذا عودة للخطوة الأولى بعد أن أصبحت متعينة سالبة للخطوة الثانية أو نافية لها .
إن قضاء الوجود المتعين على التناقض يعني القضاء على الصراع وعلى الحركة.. أي ان الحركة لها نهاية هي نهاية التناقض، نهاية الصراع، وعندها يستقر الفكر، ولقد قلنا، إن الفكر متحرك (متناقض) ومستقر، فارقته الحركة، وفارقه التناقض.
إن العلاقة او الصيرورة ـ لدى هيجل ـ يقضى عليها، وسـوف تنتهي الى هذا الوجود المتعين فهو نتيجتها : "حتى تصورنا الشائع للصيرورة أن شيئاً ما يخرج منها، وأن الصيرورة من ثم لها نتيجة. بيد أن هذا التصور قد يثير تساؤلاً: لماذا لا تظل الصيرورة مجرد صيرورة، ولماذا يكون لها نتيجة.؟ والإجابة على هذا التساؤل تأتي مما تظهر عليه الصيرورة فعلاً، إن الصيرورة تحتوي على الوجود والعدم بطريقة تجعل هذين العنصرين ينتقلان دائماً الواحد الى الآخر، ويلغي الواحد منهما الآخر، وطالما أن الوجود والعدم يفنيان في الصيرورة (وهذه هي فكرة الصيرورة نفسها) فإن الأخيرة لابد أن تفنى هي الأخرى.. "إن الصيرورة تبدو كما لو كانت النار التي تأكل نفسها بنفسها حين تحرق الأشياء المادية. ونتيجة هذه العملية على أية حال ليس عدماً خالصاً، ولكنه وجود يتحد مع السلب في هوية واحدة، وهو ما نسميه بالوجود المتعين"(60).ولابد من أن نشير الى أن هذا الوجود الذي يتحد مع السلب في هوية واحدة لدى هيجل هو غير ما نقصده بقولنا : (إن هذا الوجود المتعين الذي تنتهي اليه الحركة والذي هو الخطوة الثالثة من خطوات الحقيقة يتضمن سلب الآخر) فنحن لا نقصد أنه يتضمن العدم نقيضه إنما نقصد أنه ينفيه ولم تعد حالة الفراغ (العدم) التي كانت موجودة مع (أصل الحركة ) قائمة كما لم تعد حالة (العدم) بعد ظهوره أو وجوده قائمة . إن حالة الوجود الظاهر أو المتعين تنفي حالة العدم تماما ولا تتضمنها . ونلاحظ أن هيجل لم يوضح كيف أن نتيجة عملية الفناء للصيرورة وإفناء أحد النقيضين للآخر وفناءهما في الصيرورة ، كيف تؤدي الى هذا الوجود المتعين ، فبحسب وصفه فإن النتيجة مغايرة لما يجري قبلها فكيف يكون وجود بعد فناء ؟ ونحن في وصفنا للعملية إنما نبرر كيف يحدث ذلك .
إن التناقض الذي تمثله العلاقة يفنى أو يختفي ليحل محله الوجود المتعين ، يقول هيجل : "الكينونة والعدم بوصفهما ليسا الا واحداً في الصيرورة يختفيان. الصيرورة من جراء هذا التعارض الذي تحويه، تمضي في الوحدة حيث ينحذف الضدان، ونتيجة هذا المضي هو الوجود (الكينونة المتعينة)"(61)التي قلنا إنها عند هيجل الكينونة التي تنطوي على ضدها وهي غير الكينونة المتعينة في تفسيرنا .
العلاقة او الصيرورة مرحلة إذن قبل الوصول الى الوجود المتعين او الظاهر وحده.. "إن الصيرورة لـم تكن سوى قنطرة ومعبراً الى الوجود المتعين"(62).ولكن الوجود المتعين الذي تنتهي اليه الصيرورة لدى هيجل هو وجود يتحد مع العدم، كما قلنا ،هو الوجود الذي يمكن ان يتحول الى العدم أو يتضمن العدم ، أي الوجود الذي ليس له هوية خالصة ، وليس هو الوجود المتعين الذي تكون الصيرورة أو العلاقة معبرا له لدينا. إن الوجود المتعين هو الذي ينفي الآخر أي فيه ما يشير الى علاقته بالآخر من حيث أنه نفي له وخلو منه وسلب له . والعلاقة هي تلك التي تحوي النقيضين وتجمع بينهما بدون سلب الهوية منهما وليس كما يذهب هيجل من أن أحدهما هو الآخر فيها . والحق إن كلام هيجل على الوجود المتعين والصيرورة فيه غموض واضطراب .
قلنا إن أحد النقيضين المتعينين هو ضد للآخر وهو نفي له، أي ان حقيقة وجوده تتعلق بحقيقة الآخر، ولهذا يشترط لوجوده أن لا يتجرد مما يشير الى علاقته به..الوجود هو نفي للعدم، ولكن الوجود كان موجوداً والعدم نقيضه كان عدماً قبل أن يتم له نفيه.. لابد اذن من أن حقيقة وجود (الوجود) قبل أن يقوم بعملية نفيه للعدم تتأثر بالعدم.. هل يلغي العدم الوجود، أي هل يعدمه ما دام العدم ضداً للوجود أيضاً ونفياً له؟… ونقول لا، فالوجود كائن كما استنتجنا.. ما هو تأثير كينونة حالة العدم على الوجود الذي هو نفي لها أيضا ما دامت لا تعدمه وما دام وجوده كائناً..؟ ونقول: إن العدم لا يعدم وجود نقيضه (الوجود) او ينفيه كما قلنا، فوجوده، كائن ولا يتحول الى عدم.. إن العدم هو انتفاء للوجود ، لوجوده هو ، إنه يعدم وجوده هو، الوجود الظاهر له . لكن عدم وجوده هو( أي العدم ) أوعدم ظهوره يؤثر في الوجود السابق بأن يجعله غير ظاهر او غير متعين . وهذا يعني ان هنالك وجودين، وهذا قلناه.. الوجود السابق على الحركة أي الكامن او غير المتعين او غير الظاهر، والوجود الذي يظهر بوجود العدم، فهو وجود متعين او ظاهر.. إن العدم لا يعدم الوجود السابق على الحركة او يقضي عليه، لأن هذا كائن ، لكنه يكتم صفته ما دام عدماً، يجعله كامناً، أي ان العدم يسبب كمون الوجود، فيكون وجوداً بالذات .
إن العدم هو قضاء على وجوده الظاهر، وكان العدم كائناً، والوجود السابق على الحركة كان موجوداً ، لأن العدم ليس نفياً له، العدم لا ينفي هذا الوجود، بل ينفيه هذا الوجود السابق ، فالوجود ناف والعدم منفي.. كيف يمكن للعدم أن يكون فاعلاً ذا إرادة او قوة سالبة نافية، والعدم موت ؟. العدم لا ينفي لأنه ليس بقوة. وبعد أن أصبح متعيناً واتخذ صفة الضد للوجود بعد وجود العلاقة ووجوده فيها يبقى مجرداً من صفة (النافي) لأن هذه صفة الوجود الذي هو السابق والذي هو (الفاعل) والذي سيتسنى له القضاء على نقيضه وهذا هو نوع من التناقض بينهما.
إن الوجود السابق هو وجود كامن قبل أن يخلق العدم، وإن الوجود الذي يمثله وجود العدم هو وجود ظاهر او متعين يكون السبب في ظهور الوجود السابق . إن وجود العدم هو وجود ظاهر، وهو عدم اذا كان الوجود كامناً. أما الوجود السابق فهو وجود عندما كان العدم عدماً لكنه وجود كامن وبعد وجود العدم يتحول الى وجود ظاهر كذلك في العلاقة ، فهي تظهر كلا النقيضين.. إن الوجود الكامن هو جوهر او فكر او مضمون، والوجود الظاهر هو عرض ظاهر او فعل او شكل يظهر الوجود السابق عليه فيجعله ظاهراً، وبهذا يكون للوجود السابق وجودان: باطن وظاهر (قبل ان يوجد العدم وبعد وجوده). وللوجود المتأخر وجود واحد، ظاهر، وهذا هو فرق بينهما.
الوجود السابق الذي هو الماهية او الجوهر او الفكر او الروح – بتعبير هيجل- يخلق العدم، او يوجده فيتحول الى وجود ظاهر او متعين او واقع يتجلى به وهذا الوجود الظاهر أو المتعين هو الذي ينفي العدم ويقضي عليه لأنه سلبه ونفيه .
إن الوجود السابق يخلق العدم لكي يتجلى وهذه هي علة الخلق ، خلق العالم بكل موجوداته الظاهرة المحسوسة الوجود . ومن هذا الواقع او الوجود الظاهر الانسان صاحب العقل المفكر، أي إن الوجود السابق يريد أن يتجلى كذلك من خلال الإنسان والمعرفة الانسانية . والعقل الانساني من ضمن الوجود المادي الذي يتجلى به والمتمثل بالكون أجمع . وإذا كان الوجود السابق يوجد العدم أوالسلب أو النقص في خطوة ثم ينفيه في أخرى فإن ظهور الوجود المادي المتمثل بالعقل الإنساني الذي يسعى الى أن يجلي المعرفة الكلية سيكون على مرحلتين الأولى يتسم فيها العقل الإنساني بالنقص والجزئية وهذه تمثل مرحلة التناقض مع الله ، التناقض بين الكلي والجزئي ، والأخرى تمثل ظهور العقل الكامل الذي يخلو من كل سلب والذي يتجاوز نقص العقل الإنساني الجزئي ويحقق عودته الى العقل الكلي المطلق . ولقد قلنا إن هاتين الخطوتين تسبقهما خطوة تمثل العقل الإنساني والوجود الإنساني تسمى بـ(إصل الحركة ) واالتي لم يختلف فيها مع الله . إن هذه الخطوات التي يخطوها الإنسان أوالعقل الإنساني ليلتحق بالنهاية المطلقة هي ثلاث خطوات. وهذه الخطوات تحدث عنها هيجل في المعرفة الدينية_التي هي ثاني خطوة من خطوات العقل لديه_ والتي فيها يسعى الانسان الى معرفة الله والى التوافق معه ويحصل هذا عبر لحظات ثلاث تقابل لحظات الفكر الثلاث وهي: لحظة العقل الكلي أو الله ، ثم لحظة الجزئية التي يشطر العقل الكلي فيها نفسه الى العقل الكلي والعقل الجزئي متمثلا بعقول الأفراد المتناهية ونحن نختلف معه في أن العقل الكلي يشطر نفسه الى شطرين هو ونقيضه العقل الجزئي أو انه يتحول اليه فالعقل الجزئي مخلوق من قبل العقل الكلي الذي له وجود سابق ومستقل عن العقل الجزئي الذي كان عبارة عن (أصل الحركة ) والذي يتحول بالخلق الى حركة أو علاقة أو وجود مادي أو ظاهر وهذا ما بيناه سابقا . العقل الكلي والجزئي لدى هيجل ينفصلان عن وحدة ويقف كل منهما في مواجهة الآخر بوصفهما ضدين . ثم تأتي لحظة الفردية وهي عودة الجزئي الى الكلي وعلاج الانقسام الذي حدث . وهذا يعني ان العقل البشري يسعى الى إلغاء بعده وانفصاله عن الله ويكافح لكي يربط نفسه بالله ويتصالح معه، وهذا الجهد يتمثل بالعبادة. وهكذا فإن العبء الأساس الملقى على عاتق كل دين هو وصل الانسان بالله وإلغاء بعده عنه، وهذا يفترض سلفاً نوعاً من الانفصال عن الله، الذي يصبح معه التوفيق والمصالحة عملية ضرورية. وتعتمد المصالحة على عودة العقل البشري المتناهي المنعزل الى الله والصدور عنه.(63).
إن مسيرة العقل هذه هي مسيرة الجدل. وإن خطوات الجدل يتعرف بعضها ببعض. ولهذا قيل إن المنهج الجدلي تعبير عن طبيعة العقل، او إنه يرتبط بفكرة العقل سواء أكان العقل الموضوعي المبثوث في كل ثنايا الكون والذي يربط بين الموجودات، أو العقل الانساني الذي يسلك هذه الخطوات في سعيه الى المعرفة وفي تعبيره عن معرفته هذه بالعمل على بناء الواقع الموضوعي وبناء تاريخه الخاص المتمثل ببناء الدول والمؤسسات وما يعبر عن سائر النشاط الإنساني .
إن العمل معرفة تحققت في الواقع ، والتاريخ الموضوعي الذي يصنعه الإنسان هو تاريخ معرفته المتطورة عبر التاريخ ، إن الفكر ينتج الواقع ، يقول هيجل: "إن مسيرة المعرفة هي انتاج الواقع"(64) وإنه "ليس هناك اطلاقاً عمل بدون نظر، بدون وعي، بدون فكر، بدون انتباه، بدون عاطفة، بدون حلم، جيد او سيء، مفيد او مضيع ومحبط"(65). وتأخذ عليه الفلسفة الماركسية، أنه وقع في الوهم المثالي،لأن المعرفة لا تخلق الواقع، بل "إنها إعادة إنتاجه في الرأس"(66) وهي تعني أن الواقع يخلق فكراً يطابقه، والذي أكده هيجل أن الفكر يخلق واقعاً يطابقه. وقد أكد بحثنا أن الوجود السابق هو جوهر أو مضمون كامن وأن الوجود الظاهر المادي متأخرعنه وأنه هو الذي يخلق هذا الوجود المتأخر لكي يتجلى .
إن هذا الجوهر او الفكر او المضمون الكلي وفي عملية الخلق المستمرة لا يتجلى كاملاً في أول نفي للعدم، ذلك لأنه ينفيه على مراحل هي عملية نفي للعدم مستمرة منذ حدث الخلق ، وكل مرحلة أو كل عملية نفي عبارة عن خطوات ثلاث، تمثل الثالثة منها عودة لأن الفكر فيها يحقق نفسه في الواقع ويمثل وجوداً متعيناً، وهذا يمثل انطباقاً على الجوهر او الوجود الأول وعودة اليه. وتستمر سلسلة المثلثات في مسيرة الفكر الكلي الطويلة التي يسعى فيها الى التحقق الكامل. وبهذا لا يمثل ما يتجلى منه في أول نفي الا جزءاً من الجوهر الكامل، وهو في كل نفي يضيف الى هذا الجزء حتى يتجلى كاملاً.
إن الوجود الظاهر الذي يمثله هذا الجزء المحدود هو نقيض معاد للكل الذي يمثله الجوهر او الوجود السابق . وبهذا يرتبط الوجود - وكما ذكرنا سابقا- بعلاقة تناقض اخرى، فضلاً عن تناقضه مع العدم، هي بينه وبين الجزء المتحقق. وهو يحاول في كل نفي أن يتجاوز الجزء ليحقق نفسه كاملاً، أي ان النفي يستمر، ويستمر الصراع بين الجزء والكل حتى يتجاوز الكل العدم كاملاً. وهو في كل نفي يرجع الى ما حققه ليرى مدى انطباقه عليه، ثم ليتجاوزه ويطوره..
إن علاقة التناقض بين الكل والجزء تتمثل بالتناقض بين الوجود المادي الظاهر والوجود الجوهري الكامل أي بين العلاقة أو الحركة وبين الجوهر الكامل المتمثل بالوجود السابق (أصل الحركة) الذي يسعى الوجود المادي الى تمثيله أو التعبير عنه أو عكسه وتجليته كاملا . الوجود الظاهري ليس كاملا في مراحل وجوده الأولى حتى تتكرر عمليات إيجاده على مراحل أو أجزاء متتالية ليتحقق إيجاده كاملا. العقل الانساني الجزئي المحدود ليس كاملا في مراحل وجوده الأولى وليس فعله الذي هو نتاج عقله ومعرفته كاملا كذلك . والعقل الكلي يتجاوز العقول الجزئية المحدودة من خلال الولادات المستمرة حتى يوجد العقل الانساني الكامل(لدى الإنسان الخليفة) الذي يسعى الى استيعاب الحقيقة أو المعرفة الكلية وذلك بالكدح المستمر والجهد المتواصل والمراجعة المستمرة لمعرفته الخاصة ثم تجاوز هذه المعرفة باستمرار حتى تكتمل معرفته بالاستفادة من خبراته المتراكمة وتجاربه العملية المتحققة في صناعته للتاريخ الموضوعي .
المعرفة تستفيد من الممارسة او التجربة, فالمعرفة مسار تقدمي يستند الى الخبرة او "التجربة".."(67) ولكن هذه الخبرة أو التجربة هي أساس المعرفة ومبدأها_ لدى الأفكار المادية كالماركسية_ وقوتها المحركة : "الممارسة ليست فقط أساساً للمعرفة، وإنما هي قوتها المحركة ايضاً"(68) وهذا عكس ما نذهب اليه وما ذهب اليه هيجل فالمعرفة تستمد من الفكر، وتستفيد من الممارسة.
إن العلاقة بين الفكر والممارسة, او بـين النظرية والممارسة، علاقة "ديالكتيكية": هناك إسهام متبادل بين النظرية والممارسة"(69).. الممارسة تغني الفكر، وتستمد منه وتنطلق .
إن النفي او النقض يبقى مستمراً ما دام التناقض قائماً بين الكل الذي يعنيه الجوهر، والجزء الذي هو ظاهر او واقع لا يعكس الا بعضاً منه. ويبقى الصراع مستمراً حتى يتحقق الكل تماماً من خلال الواقع.
هذه الحقيقة تفسر لنا التطور الذي يحرك كل شيء في الوجود. فالموجودات تتطور وذلك لأنها في بداية نشأتها لايعكس مايظهر منها أولاً كل الجوهر الكامن فيها وإنما يظهر هذا كاملا من خلال نفي العدم كاملاً. ومن خلال عملية الصراع الدائر او عملية النفي يتجلى الجوهر كله شيئاً فشيئاً. فالموجودات من الحيوانات والنباتات وكل شيء ينمو إنما بفضل التحقق التدريجي لكل الجوهر الكامن في الوجود. والانسان مثلاً يكون طفلاً ثم يتدرج في نموه من خلال تجلي الجوهر الكامن الذي يحرك نموه . والوجود الإنساني يتطور حتى يبلغ الإنسان الأخير ، الإنسان الكامل . والعقل الانساني يمر بهذا التطور التدريجي المستمر للانسان وذلك لكي يتكامل مع الجوهر الكلي الكامن. العقل الانساني يعاني من النقص ولهذا قلنا عنه أنه علاقة تناقض تعبر عن مرحلة الجزئية ، فهو يتضمن الإيجاب والسلب. وهو يسعى الى تجاوز السلب الذي فيه لكي يلتحق بالعقل الكلي أو يلاقيه . إن السلب او النقص الذي في العقل يدفعه الى الحركة والتجاوز لكي يتطور الى الكل الذي هو غاية الحركة لديه.
الحركة تحكمها اذن غاية، هي بلوغ العقل أو الفكرالكامل أو الجوهر الكامل نفسه عن طريق الواقع أو الوجود المادي الظاهر ومنه الانسان ، ولهذا فإن النفي او التجاوز لا يبقى مستمراً، وإنما له أجل وغاية يقف عندها . إنه يقف عندما يصل الى غايته.. الغاية التي انطلق منها، والتي يعود اليها في النهاية عن طريق الواقع. والنفي يقف فقط عندما يكون عودة. عندما تكون النهاية هي البداية. وهنا نعرف أن عمليات النفي هذه التي تتمثل بنفي الأفكار الجزئية _ بسبب ما تتضمنه من سلب _ كانت توجهها هذه البداية التي تطالعنا في النهاية. وكما أن البداية هي فكرة خالصة من السلب فالنهاية خالصة من السلب كذلك . ومن أجل هذا فهي تمثل عودة الى البداية . هنا فقط يقف الفكر، عندما تلتحم النهاية بالبداية، او تعود اليها، عندما لا يبقى هناك تناقض بين البداية والنهاية، وهنا فقط تنتهي الحركة إذ لا تناقض ولا صراع.
حركة الفكرأوالعقل تحكمها، إذن غاية، هي البداية الكلية الكاملة وهي النهاية التي ينتهي اليها بجهده وسعيه . وعندما تكون النهاية هي البداية في الفكر، فمعنى هذا أنه يسلك في حركته سلوكاً دائرياً، فمن خصائص الحركة الدائرية أن البداية فيها هي النهاية وبالعكس، وبهذا فإن "الفكر يؤلف منظومة تامة، منظومة أغلقت على نفسها" (70). إن "الطابع الدائري للمنظومة يظهر الآن بوضوح تام"(71) فالنهاية "تبلغ مجدداً بدايتها وترجع الى نفسها"(72). والنهاية تبلغ بدايتها عن طريق التحقق العملي. وبدايتها جوهر أو فكر مجرد تصل اليه أو تعود اليه عن طريق الواقع(73) أو الوجود العيني " والفكرة الخارجة من ذاتها، المتجسدة، لتصل بانتاجها الحياة الواعية الى العودة لذاتها"(74).
إن الفكر أو العقل يعود الى البداية بتجاوز أجزائه ، أي ان العقول الإنسانية تمثل أجزاء في مسيرة العقل الكلية لأنها غير كاملة بسبب ما تتضمنه من سلب ، وهذا يمثل للعقل صراعاً ضد نفسه . وهذا يعني أن الصراع له صيغتان: الأولى بين الفكرة ونقيضها، وذلك لأن العقل علاقة تناقض بين الإيجاب والسلب كما قلنا . والثانية بينها وبين نفسها. أي بين العقل الذي هو علاقة بين الإيجاب والسلب أي الذي مازال يتضمن السلب او النقص ولم ينفه عنه تماما وبين العقل الكلي الذي يمثل الحقيقة الجوهرية المتضمنة فيه كما يمثل الحقيقة الجوهرية السابقة على وجوده والتي يرتبط بها بسبب هذا النقص بعلاقة الجزء بالكل، والخاص بالعام، والمحدود بغير المحدود. والكل يصارع الجزء فيها، والعام يصارع الخاص، وغير المحدود يصارع المحدود حتى يصل به اليه.. ومن هنا يكون الجزء والخاص والمحدود، هو العائق المعادي الذي على الفكرة الكلية أن تغلبه، وهذا يمثل لها "صراعاً قاسياً.. ضد نفسها.. ما تريده.. هو أن تبلغ مفهومها الخاص ذاته"(75) أي إن الصراع يبقى مستمراً حتى ينتهي التناقض بينهما، حتى يكون الجزء على قدر الكل، حتى يكون العقل الانساني على قدر الفكرة الكلية ، وحتى يكون الفعل الإنساني على قدر الفكر، وهذا يعني ان الفكر يتناقض مع الفعل، ولا يتناقض معه عندما يبلغ به اليه فيكون على قدره .
والفكر او العقل يعود الى البداية، باستيعاب الأجزاء، فهو يرجع الى ما حققه ليستكمل جوانب النقص الأخرى، محتفظاً بما حققه بوصفه عناصر الفكرة الكلية. فهذه السلسلة الطويلة من الإنكارات المتجاوزة، لا تمحى تحت تأثير الحركة الجدلية، لأنها أجزاء مما يعنيه الكل في سعيه الدائب نحو التحقق الكامل (76). إن الكل يتحقق او يتجلى في الواقع وفي الإنسان والعقل الانساني بعد سلسلة من عمليات تجلي الأجزاء او توليدها واستيعابها وتجاوزها: "الماهية تتجلى في توليد وزوال اعراضها"(77).
لقد بينا أن تاريخ تطور الواقع انما هو تاريخ تطور العقل أو الفكر لأن الواقع أو الفعل مصدره فكر كما ذكرنا . وإن تاريخ تطور الفكر هو تاريخ عملية نقض مستمر، ولكن الى أجل وغاية. إن النقض هو القانون العام للتطور الفكري..إن النقض هو هذه الحركة التي للفكر، والتي تحكم تطوره، وتحكم تطور الواقع فيما بعد . وهو سر حركة الفكر وحركة الواقع . ولأنه نقض يلحق النهاية بالبداية كانت حركة الفكر وحركة الواقع حركة دائرية . .

هوامش المبحث الأول :

(1)ينظر: كتاب النفس لارسطوطاليس، نقله الى العربية الدكتور أحمد فؤاد الأهواني، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى، 1949،ص22.
(2) ينظر: المنهج الجدلي عند هيجل، إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، ص42.
(3) المصدر السابق، ص41.
(4) نفسه، ص199.
(5) نفسه.
(6) فكر هيغل، روجيه غارودي، ترجمه وقدم له إلياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت،ص75.وينظر: "موسوعة العلوم الفلسفية"، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، طبعة أولى1983، ص206ـ207.
(7) فكر هيغل، ص80.
(8) الحيوان، الجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، طبع في القاهرة سنة 1945، جـ1، ص204.
(9) لسان العرب، (ميز)، العلامة ابن منظور، دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباعة والنشر، 1956م.
(10) المقابسات، ابو حيان التوحيدي، حققه وقدم له محمد توفيق حسين، مطبعة الارشاد، بغداد، 1970، ص424.
(11) ينظر: فكر هيغل، ص80.
(12) المصدر السابق.
(13) نفسه ص97.
(14) نفسه.
(15) نفسه.
(16) هيجل او المثالية المطلقة، زكريا ابراهيم، الناشر مكتبة مصر للطباعة، 1970، ص155.
(17) لسان العرب، "قرن".
(18) المصدر السابق.
(19) نفسه.
(20) نفسه (ربط).
(21) نفسه.
(22) نفسه.
(23) نفسه، "عقل".
(24) نفسه.
(25) نفسه.
(26) هيجل او المثالية المطلقة، ص251.
(27) لسان العرب، "عقل".
(28) نفسه.
(29) فكر هيغل، ص79، وينظر: "المنهج الجدلي عند هيجل" ص200 و"موسوعة العلوم الفلسفية" ص217.
(30) ينظر: فكر هيغل، ص18.
(31) المصدر السابق، ص82.
(32) هيغل، مختارات ـ 1ـ ترجمة إلياس مرقص، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، 1978، ص131.
(33) المنهج الجدلي عند هيجل، ص200.
(34) هيجل ص48ـ49، وينظر (المنهج الجدلي عند هيجل)، ص157. وينظر كذلك: هيغل/ مختارات ـ 1ـ ص106.
(35) ينظر، هيغل، مختارات ـ 1ـ ص104.
(36) ينظر: المصدر السابق، ص103.
(37) نفسه، ص99، وينظر (المنهج الجدلي عند هيجل ص140).
(38) ينظر: "هيغل، مختارات" ص102.
(39) المنهج الجدلي عند هيجل ص153ـ 154.
(40) ينظر: المصدر السابق ص185ـ 188.
(41) نفسه، ص154.
(42) نفسه، ص156.
(43) نفسه، ص161.
(44) نفسه، ص154.
(45) نفسه، ص208.
(46) نفسه، ص224.
(47) نفسه، ص185ـ186.
(48) ينظر: (اسرار العربية)، ابو البركات الأنباري، تحقيق محمد بهجة البيطار، مطبعة الترقي بدمشق،1957م، ص68ـ69.
(49) المنهج الجدلي عند هيجل ص154.
(50) فكر هيغل، ص80.
(51) ينظر: "المنهج الجدلي عند هيجل" ص202.
(52) المصدر السابق ص158.
(53) نفسه ص156-157.
(54) يتجه الفكر الديني الى نفي مبدأ التناقض ووحدة الأضداد وهو ما جاءت به فلسفة هيجل والفلسفة المادية الديالكتيكية إذ يلغيان مبدأ الهوية الذي تؤمن به الفلسفة القديمة. وفي كتاب (فلسفتنا) يرد السيد محمد باقر الصدر على هاتين الفلسفتين فيما تذهبان اليه فيبين أولا أن الفلسفة الميتافيزيقية لا تنفي وجود الأضداد فهذا أمر يقره كل منطق وكل فيلسوف منذ أقدم عصور الفلسفة المادية والإلهية ، وما يحصل بين الأضداد الخارجية المستقلة من (كفاح) إنما هو حقيقة في مختلف الفلسفات منذ فجر التاريخ الفلسفي. كما ان هذه الفلسفات لم تنكر الحركة فمدرسة أرسطو_ وهي المدرسة الفلسفية الكبرى في العهد الإغريقي _ آمنت بالحركة . ولا يعني مبدأ عدم التناقض_ وهو المبدأ الفلسفي الذي أقام أرسطو منطقه عليه _عدم وجود الأضداد إنما يعني أن الأضداد توجد بصورة مستقلة فلا تختلط هويتها ولا يتحول أحدها الى الآخر ، ويقوم بين هذه الأضداد كفاح يؤدي الى نتيجة .أما (الصراع) بين نقائض وأضداد (مجتمعة في وحدة معينة ) فهذا يتنافى مع مبدأ عدم التناقض الذي تأخذ به الفلسفة الكلاسيكية لأن هذه (الوحدة) تتيح للمتناقضات أن يتحول أحدها الى الآخر بما يؤدي الى سلب ذواتها وهويتها . وينكر السيد محمد باقر الصدر وحدة الأضداد والتناقضات الداخلية بسبب ما ذكرنا لأن هذا _حسب تفسيرنا_ يسيء الى بعض المفاهيم الدينية فهو مثلا يسيء الى الذات الإلهية بما يقتضي من تحولها الى ضدها ومن انطوائها على ضدها وعدم تجانسها . ولكن سعيه الى إنكار هذه (الوحدة) قاده الى أحكام تؤخذ عليه، فهو مثلا يرفض اعتبار الشحنة الموجبة والسالبة من قبيل النفي والأثبات والسلب والإيجاب ، فهذا مجرد تعبير علمي واصطلاح فيزيائي لديه فكل منهما نوع خاص من الكهربائية وليست إحداهما وجود الشيء والأخرى عدما لذلك الشيء وليس التجاذب بينهما لونا من ألوان الإجتماع ولا مظهرا من مظاهر الديالكتيك. فالتجاذب _كما يرى_ لون من ألوان التفاعل بين الأضداد الخارجية المستقل بعضها في الوجود عن بعض . وهذا التفاعل بين الأضداد الخارجية ليس من الديالكتيك في شيء ولا يمت الى التناقض الذي يرفضه المنطق الميتافيزيقي بصلة. فالمسألة مسألة قوتين تؤثر إحداهما في الأخرى لا مسألة قوة تتناقض في محتواها الداخلي. مع أن السيد الصدر يبين ما يورده العلم من أن ( السلبية والإيجابية الكهربائيتين لم تجتمعا في شحنة واحدة وإنما هما شحنتان مستقلتان تتجاذبان كما يتجاذب القطبان المغناطيسيان المختلفان من دون أن يعني ذلك وجود شحنة واحدة موجبة وسالبة في وقت واحد أو وجود قطب مغناطيسي شمالي وجنوبي معا . فالتجاذب بين الشحنات المتخالفة لون من ألوان التفاعل بين الأضداد الخارجية ) وهكذا نجد أن السيد الصدر يقر أن العلم لم يقل إن الشحنة الموجبة والشحنة السالبة هما شحنة واحدة أو هما وجهان لشحنة واحدة ولا ذكر أن الفلسفة المادية قالت ذلك وإنما تقول إنهما مختلفتان متناقضتان وإن بينهما تجاذبا وإنها عملية ديالكتيكية تقع في قلب المادة . والسيد الصدر يستبدل بمصطلحات المادية مصطلحات أخرى فالكفاح أو الاشتباك مكان الصراع والاختلاف مكان التناقض والتفاعل مكان التجاذب وهو يستبعد أن يكون التجاذب لونا من ألوان الاجتماع ، فكيف لايكون كذلك وكيف يتجاذب المختلفان إن لم يلتقيا ويجتمعا ؟ المهم إن السيد الصدر أراد أن يستبعد فكرة وحدة الأضداد ولم يحاول أن يقترح لها تفسيرا آخر يخدم التفسير غير المادي الذي يؤمن به كما حاول بحثنا الذي قال بوجود وحدة للأضداد من دون أن يضرب مبدأ الهوية وعدم تناقضها، وإن لم يقل السيد الصدر بذلك فأين يحدث هذا التفاعل بين الأضداد المستقلة ؟ أليس في قلب الأشياء ؟ فهذه الأشياء هي الوحدة التي تتفاعل فيها المختلفات . ولنضرب لذلك مثلا الأنسان : ألم يقل الإمام علي ( ع )عن الإنسان إنه( معجون بطينة الألوان المختلفة.. والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة) ، وألم يقل الله تعالى عن النفس الإنسانية : (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها ) فكما أن الإنسان هو من أخلاط متباينة وأضداد متعادية في طينته المادية فكذلك هو في نفسه وروحه وفكره . ونرى أن الصحيح أن نقول إن الأضداد تجتمع في وحدة ولكن دون أن يمس مبدأ الهوية وإن الأشياء تنطوي على التناقض ولكن المتناقضات تحتفظ بهويتها وتتفاعل فيما بينها ونتيجة هذا التفاعل _الذي يقول به السيد الصدر والفلسفة الكلاسيكية _أن الجانب الذي يمثل الوجود السابق هو الذي ينتصر فيغير هوية الجانب السالب أو يطرده من وحدة العلاقة ويؤول الأمر اليه وهذا ما ينتصر للدين .
ويفعل السيد الصدر الشيء نفسه في رده على تفسير الحركة لدى الفلسفة الديالكتيكية فليست هي نتيجة للصراع بين التناقضات الداخلية إذ ليست في الحركة وحدة للتناقضات والأضداد لتنجم عن الصراع بينها إنما هي سير تدريجي للوجود وتطور للشيء في الدرجات التي تتسع لها إمكاناته ، ولذلك حدد المفهوم الفلسفي للحركة بأنها خروج الشيء من القوة الى الفعل تدريجيا ، فالشيء المتحرك يحتوي على الفعلية والقوة أو الوجود والإمكان معا وهذا هو تشابك القوة والفعل أو الإمكان والوجود واتحادهما في الحركة، فإذا نفد الإمكان ولم تبق في الشيء طاقة على درجة جديدة انتهى عمر الحركة.وهذا الخروج التدريجي للشيء المتطور إنما يحتاج الى سبب خارجي أو علة خارجية فالحركة لايمكن أن تكتفي ذاتيا وتستغني عن هذه العلة الخارجية . ويرى السيد الصدر أن في المحتوى الداخلي للشيء إمكانا للدرجة المقبلة واستعدادا لها ،أي ان في داخل الشيء ( يتشابك ) (الإمكان أو القوة ) و ( الفعل ) . ونستطيع أن نفسر التشابك بالإجتماع والتفاعل في داخل الشيء الذي هو الوحدة التي تجمع بين الإمكان أوالقوة والفعل، ونستطيع أن نفسر الإمكان أو القوة بالطاقة أو السلب الذي في الأشياء ، والفعل بما يريد الجوهر أن يحققه من ذلك الشيء أو مايريد أن ينتقل اليه في حركته محققا تاريخ نفسه. وهو يسمي الشيء المتحرك الوجود المتطور الذي يثرى ويتدرج بصورة مستمرة حتى تستنفد بالحركة تلك الإمكانات التي يتضمنها الشيء ويستبدل في كل درجة من درجات الحركة الإمكان والقوة بالفعلية. فالحركة كما يشرحها السيد الصدر مؤيدا بذلك الفلسفة القديمة ( فلسفة أرسطو) إنما هي صراع وتفاعل بين القوة أو الإمكان و الفعل وهذا ما قررناه والقوة والإمكان هو ما عبرنا عنه بالعدم أو السلب الذي تحاول الأشياء أن تطرده عنها لكي يتحقق وجودها كاملا فتنتهي الحركة . وهكذا نجد أن السيد الصدر يحاول أن يبعد الألفاظ عن المعاني ولكن التفسير يقرب بينها فهو يقر بالاجتماع مادام يقول باشتباك الجانبين فكيف يكون الاشتباك من دون اجتماع ؟ وهو يقر بالتناقض مادام أحد الجانبين (ايجابا) والآخر مازال إمكانا وقوة أو طاقة لما تتحقق بعد(سلبا) . وهذا الاشتباك يعني صراعا والسيد الصدر يرفض هذه اللفظة لأن النظرية التي يختلف معها تستعملها . ينظر :(فلسفتنا )، ص : 228_191
(55) لسان العرب "نقض".
(56) المصدر السابق.
(57 )المنهج الجدلي عند هيجل/ ص159.
(58) المصدر السابق، ص160.
(59) نفسه.
(60) نفسه، ص158.
(61) هيغل، مختارات ـ 1ـ ص108.
(62) المنهج الجدلي عند هيجل، ص168.
(63) ينظر: فلسفة هيجل، ولترستيس، ترجمة الدكتور إمام عبدالفتاح إمام، دار الثقافة للطباعة والنشر، القاهرة1975، ص683ـ685.
(64) فكر هيغل، ص29.
(65) المصدر السابق، 31.
(66) نفسه، ص29.
(67) هيجل او المثالية المطلقة، ص179.
(68) أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، سبيركين وياخوت، ترجمة محمد الجندي، موسكو، دار التقدم،1972، ص113.
(69) نظرية الأدب، رينيه ويليك، أوستن وارين، ترجمة محيي الدين صبحي، المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، دمشق، ط3،1972، ص47.
(70) فكر هيجل، ص151.
(71) المصدر السابق.
(72) نفسه
(73) ينظر: "المنهج الجدلي عند هيجل" ص284.
(74) هيجل ص54.
(75) فكر هيغل، ص55.
(76) ينظر: "هيجل او المثالية المطلقة" ص254.
(77) هيغل، مختارات ـ 1ـ ص90.


























ـ2ـ
في الدين والعلم: الخطوتان الأولى والثالثة الى الحقيقة





































سنعرض في هذا المبحث الحقيقة الدينية والحقيقة العلمية اللتين تمثلان ـ كما قلنا ـ المعرفة الأولى والأخيرة في مسيرة العقل(*) وسنجد أنهما تظاهران النتائج الفلسفية التي انتهينا اليها في المبحث الأول بعد أن نقدم ايجازاً لها.
المعرفة الدينية هي المعرفة الإلهية الكلية المطلقة السابقة على المعرفة البشرية. والمعرفة العلمية هي المعرفة البشرية التي استطاعت اكتشاف القوانين الكلية المبثوثة في ثنايا الوجود. وتختلف هذه عن المعرفة الفلسفية في أن الفلسفة فروض مجردة قد تصدق وقد لاتصدق ولهذا قلنا إنها تمثل المعرفة الجزئية التي تعبر عن العقل الإنساني المحدود وتقف في مقابل المعرفة الكلية الإلهية التي يمثلها الدين كما قلنا. أما ما يصدق من المعرفة الفلسفية ويصدقه العلم والدين فنعده من المعرفة العلمية كذلك ، فالمعرفة العلمية-التي نقصدها- هي المعرفة المجربة الصادقة التي اقتربت من درجة اليقين ولم تتعرض للنقض بل تأكدت بالتعزيز حتى من العلوم الأخرى, لذا فإنها تمثل الانعكاس الصحيح عن المعرفة الكلية، وإذا وصلت إلى غاياتها الكاملة وتكشفت أمامها الحقائق كلها فإنها تمثل العقل الجزئي وقد اقترب من العقل الكلي الإلهي . ومع ان المعرفة الفلسفية قد يصدق عليها وعلى غيرها وصف المعرفة العلمية إلا اننا سنعبر في هذا المبحث عن المعرفة العلمية بالعلم الصرف دون غيره من العلوم الأخرى وذلك لكي نحافظ على التمييز بين هذه المعارف التي تمثل خطوات متراتبة الى الحقيقة ولكي نؤيد المعرفة الفلسفية التي طرحناها بالمعرفة العلمية ونرقى بها الى مستوى العلم ثم نؤيد الاثنتين بالمعرفة الدينية لكي نرقى بهما الى مستوى الكلية .
لقد سعت الفلسفة الى اكتشاف القوانين الجوهرية الثابتة. وسعى العلم كذلك الى أن يضع يده على ما يفترض أنه المعرفة المطلقة أو القانون المطلق الذي تنتهي اليه كل فروع العلم والمعرفة. ومن المحاولات المشهورة في هذا السبيل محاولة آينشتين الذي كان تواقاً الى الوصول الى هذا القانون على مدى عشرين عاماً تحت اسم نظرية (المجال الموحد) التي تسعى الى قانون عام يكون أساساً لكل قوانين الطبيعة ومصدراً لها تنساب منه بيسر دون عناء(1) ولقد فاته الوصول اليه، ودعا الى تعاون العلم والفلسفة(2). ويحاول علماء غيره أن يسيروا في السبيل نفسه ملتمسين الغاية نفسها وهم يتحدثون الآن عن (نظرية كل شيء) وغيرها من النظريات التي تحاول معرفة الشيء الموحد للأشياء كلها وهي الغاية التي يحاول العقل الإنساني في كل مجالاته التقدم إليها ، ونحن نحاول تلمس سعيه في هذه المجالات مع محاولة ربطه بما توصلنا اليه في المبحث الأول وكذلك ربطه بالحقيقة الدينية لكي نظاهر المعارف بعضها ببعض .
لقد توصل بحثنا الى نتائج فلسفية عامة سيؤكدها العلم والدين معا ولهذا يصدق عليها هنا وصف المعرفة العلمية والكلية مع أننا وصفناها في المبحث الأول بالمعرفة الجزئية لأننا لم نكن قد وصلنا بعد الى تصديقها بالمعرفة العلمية والدينية وهو ما سنفعله هنا، وسنحاول العودة الى تلك النتائج الفلسفية وإجمالها بما يأتي :ـ
1ـ إن التناقض يتخلل الوجود وإنه سبيل الى المعرفة وإنها تعتمد على وجود التناقض، وإن الفكر يعمد الى معرفة أحد النقيضين بالآخر، وبهذا فإن وجود أحدهما ضروري لمعرفة الآخر ولوجوده. وهما يرتبطان بذلك بعلاقة تناقض لا تفهم احدهما خارجها. وبذلك يصبح جوهر عملية المعرفة هو هذه العلاقة . وهنا فسر بحثنا دور العقل في عملية المعرفة بأنه وسيلة لأقامة علاقة بين المتناقضات لكي تتم له معرفتها ولذا سميت هذه الوسيلة عقلاً، وقد مر معنا أن معنى العقل في اللغة الجمع، فالعقل أداة للجمع في علاقة، والمعرفة عقل وجمع وعلاقة..ولقد وجدنا في تراثنا القديم أن اصحابه وهـم يؤسسون لنظرية المعرفة أدركوا أن معرفة الأشياء وتمييزها إنما يكون بأضدادها، وبذلك قرروا مسألة وجود التناقض. والحق إن وجود التناقض ليس بحاجة الى التدليل عليه، فهل ينكر العقل الإنساني التناقض الذي يعج به عالمنا الذي نعيش فيه؟.. ولقد قررت الفلسفة ان التناقض يتخلل عالم الفكر والمادة، وحاولت منه الولوج الى باب الحقيقة المطلقة، وكان ذلك منذ نشأة الفلسفة واستمر معها في مسيرة الفكر الفلسفي. وقد أشرنا الى فلسفة هيجل خاصة إذ كانت ـ كما ذكرنا ـ أكثر عمقاً في بحث قضية التناقض واكثر تفصيلاً فيها، وإذ كان منهجها الجدلي الذي يدرس التناقض اقرب الى طبيعة منهجنا وطريقتنا في التناول وطرق باب الحقيقة. فنحن اذن نريد الوصول الى هذا القانون المطلق عن طريق التناقض، فقد وجدناه، كما وجده غيرنا، أكثر المبادئ تعبيراً عن حقائق الأشياء. ومن هنا، حاولنا أن نكتشف في الطبيعة القوانين الجدلية التي تحكمها(3).
لقد قدم الفكر الديني قضية الدين على أنها قضية التناقض بين الله والشيطان. واذا كان الله قد خلق الشيطان في الفكر الديني فإنه قد خلق التناقض، وهذا يعلمنا إياه الامام علي(ع) مما علمه إياه نبينا محمد(ص)، مما علمه إياه ربه، يقول:ـ"ضاد النور بالظلمة، والوضوح بالبهمة، والجمود بالبلل، والحرور بالصرد. مؤلف بين متعادياتها، مقارن بين متبايناتها، مقرب بين متباعداتها"(4). أي انه يقيم بينها علاقة، يلائم بينها في علاقة: "ولاءم بقدرته بين متضادها، ووصل اسباب قرائنها(5)." ويقول: "فخلط حلالها بحرامها، وخيرها بشرها وحياتها بموتها، وحلوها بمرها."(6) ويقول ايضاً:ـ"قرن بسعتها عقابيل فاقتها وبسلامتها طوارق آفاتها، وبفرج أفراحها عصف اتراحها، وخلق الآجال فأطالها وقصرها وقدمها وأخرها، ووصل بالموت اسبابها"(7).
والمتناقضات لا معنى لها إلا ببعضها، أي انها لا معنى لها خـارج العلاقات التي تجمع بينها. وحقيقة كونك لا تفهم الشيء خارج ما هو علاقة تقرره الحقيقة الدينية، وهي تصديق لقوله تعالى "وعلم آدم الأسماء كلها"(8) فلأن آدم ـ وهو رمز لجنس الانسان ـ مخلوق من علاقات التناقض هذه تحددت من خلاله أسماء الأشياء كلها، والشيء لا يسمى او لا يعرف الا بالعلاقة، بالإنسان.. وكون الإنسان علاقة يذكره الامام علي(ع): "معجون بطينة الألوان المختلفة والأشباه المؤتلفة، والأضداد المتعادية والأخلاط المتباينة"(9).
وهو علاقة بين عامل ذكري وعامل أنثوي وهما مختلفان في الجنس. ولقد أشار القرآن الكريم الى هذا الأصل للإنسان:ـ"ألم يك نطفة من مني يمنى، ثم كان علقة, فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى"(10) والنطفة هي أحد عاملي التناقض المكونة للأنسان، العامل الذكري. وليس معنى هذا أن الانسان يكونه العامل الذكري فقط، بل لأنه تعالى يقررالأصل الأول للأنسان، أي ان العامل الذكري هو الأصل الأول لأنه يتصل بالأصل الأول، وهذا ما سنعرفه فيما سنقرره من حقائق. والآية تقرر أن العلقة هي المرحلة الثانية في أصل تكون الانسان، ولعلها مرحلة اتحاد العامل الذكري بالعامل الأنثوي ولهذا تقترن بها عملية خلق الانسان كما تشير الآية: "خلق الإنسان من علق"(11) ولعل كلمة العلق تعني معناها الذي تشير اليه اللفظة: العلاقة.. والانسان ليس علاقة في أصل تكونه المادي فقط، بل هو كذلك في أصله الروحي والأخلاقي: "ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها"(12) شرها وخيرها، جانبها الشيطاني وجانبها الإلهي.
وتقرر الحقيقة العلمية وجود التناقض ثم تدرس الأشياء من خلاله ـ وهو ما فعلته الحقيقة الدينية والحقيقة الفلسفية ـ فهي تدرس الكون ومظاهره من خلال قضية التناقض التي تحكمه وتضع له قوانينه منها. فتضع النظرية النسبية أصولها من خلال علاقة التناقض بين ما هو نسبي وما هو مطلق فالأشياء والظواهر نسبية الى ما هي نسبية اليه(13). وتضع نظريات الفيزياء أصولها من خلال التناقض الذي يحكم كل ما في الكون ابتداءً من أصغر جزيئات الكون، ابتداءً من الذرة. فالبروتون ذو الشحنة الموجبة ينقضه الالكترون ذو الشحنة السالبة فيها. ويؤكد قانون انحفاظ الشحنة أنه "اذا ولد في التفاعل جسيم موجب الشحنة فينبغي أن يولد في الوقت نفسه جسيم سالب الشحنة. وحين تختفي الشحنة الموجبة تختفي معها الشحنة السالبة أيضاً. والمثال النموذجي لتفاعلات انحفاظ الشحنة هي تفاعلات انتاج واندثار الازواج، ففي الكون لا تزيد الشحنات الموجبة او السالبة"(14).. واذا كان التناقض يحكم مادة الكون فإن المادة لها مادة مضادة تناقضها فلقد "توصل الفيزيائيون بعد اكتشاف البوزترون الى نتيجة مفادها، أن كل جسيم اساسي ينبغي أن يكون له جسيم مضاد وهذا ما تبين بالفعل"(15). ويؤكد الفيزيائيون أن أحدهما يعدل الآخر في علاقة التناقض، فهو يعدله كتلة ويعدله عمراً(16). وينتهون الى أن "القاعدة العامة.. وجود جسيم مضاد لكل جسيم"(17) وإننا "ببحث المادة وحدها بمعزل عن المادة المضادة، نخل بتناظر العالم بشكل فاضح، وان هذا ليعادل مراقبة نصف العالم واهمال نصفه الآخر المساوي له"(18).
إن النقيضين يرتبطان بعلاقة التناقض، وأحدهما فيها غير قابل للفصل عن الآخر:ـ "توجد في كل مغنطيس كتلتان مغنطيسيتان غير قابلتين للفصل، ومن إشارتين متعاكستين، وتتدافع الكتلتان المغنطيسيتان لمغنطيس اذا كانتا من إشارة واحدة وتتجاذبان إذا كانتا من إشارتين مختلفتين"(19). إن التناقض يستدعي هذا الارتباط الذي لا ينفصم بين النقيضين لأن احدهما لا معنى له الا بالآخر(أ). وكما يستدعي ارتباطاً او جذباً، فإنه يستدعي طرداً ونفياً لأن بينهما صراعاً يقتضيه التناقض كذلك. ومن هنا كانت العلاقة بينهما إيجابية وسلبية في الوقت نفسه: "وستكون العلاقة بينهما إيجابية الى جانب أنها سلبية سواء بسواء، خذ مثلاً: المحارب وعدوه، تجد أن العلاقة بينهما سلبية، ولكنها كذلك علاقة إيجابية، لأنه اذا لم يكن هناك من يحاربه فلا يمكن أن يكون محارباً، ومن ثم كانت العلاقة بين الواحد الذي يطرد، والواحد المطرود هي علاقة ايجابية كما أنها علاقة سلبية سواء بسواء"(20).
إن العلم يؤكد أن للحقيقة اطرافها الثلاثة: الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما (ب) .
إن الجسيم الذي يمثل العلاقة بين النقيضين في الذرة هو النترون، وهو علاقة بين البروتون والالكترون:ـ "ان النترون يحمل شحنتين متساويتين ومتضادتين"(21) من الكهربية موجبة وسالبة، تعدل احداهما الأخرى ولذلك سمي نتروناً : "كان النترون معتدلاً وفقاً لاسمه، ولكنه لم يكن منفرداً في اعتداله بين الجسيمات، أفليست الذرات كلها معتدلة؟ لهذا يمكن اعتبار النترون كأنه ذرة حقيقة، ولكنها في أبسط حالاتها"(22)، لأنهما الاثنين علاقة بين نقيضين، والنترون هو الجسيم الذي يمثل هذه العلاقة التي تمثلها الذرة. ولأنه كذلك لاوجود له خارج العلاقة، خارج الذرة، او خارج نواة الذرة حيث مكانه منها:ـ "فالنترون خارج النواة غير ثابت لأنه.. يتفكك مطلقاً الكترونا ونيترونا مضاد، الا انه حين يقع في النواة يصبح ثابتاً"(23) .
واذا انطوت الذرة على علاقة تناقض أخرى غير التي بين البروتون والالكترون، هي بين البروتون والنترون، فإن نواة الذرة هي العلاقة التي تضم الجسيمين المتناقضين.
2ـ التناقض حالة وجود لأن أحد النقيضين يتعرف أو يوجد بالآخر. وهو حالة حركة تقابل حالة أخرى هي حالة سكون او استقرار.. والسكون هو احد النقيضين خارج علاقته بالآخر.. وهو عدم لأنه لا معنى لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، او لا وجود له الا بها. وهي وجود لأنها تناقض. واذا كان السكون لا يوجد الا بالحركة فهذا يعني أسبقية وجودها على وجوده إذ العلة سابقة على المعلول. واذا كانت الحركة تناقضاً (نقيضين)، وكان السكون بعد وجوده هو أحد هذين النقيضين، فإن اسبقية وجود الحركة على وجود السكون يعني أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها، أي أسبقيتها بأحد طرفيها وهذا سميناه ( أصل الحركة ) حيث وجود أحد النقيضين وغياب الآخر. و(أصل الحركة) ليس أصلا للوجود لأنه يتغير الى الحركة بعد وجود النقيض الآخر فهو متغير متحول وما هو أصل للوجود لا يكون كذلك . إن أصل الوجود هو هذا النقيض الثابت في (أصل الحركة) والذي هو الطرف الثابت غير المتغير فيه والذي له وحوده المستقل عنه لأنه ثابت و(أصل الحركة) متغير ، وهو علة تغيره والعلة والمعلول لا يمكن أن يكونا واحدا لذا فإن له وجوده المستقل كما ذكرنا . إن هذا الطرف الثابت والسابق والمستقل هو أصل الوجود إذن وهو الواحد السابق على الحركة أو الوجود المادي . إن هذا يعني أسبقية (الواحد) على الاثنين (الحركة) أوالعلاقة . لقد كانت الحركة _كما قلنا_ بأحد طرفيها فقط (أصل الحركة) وهذا الطرف يمثل الوجود السابق المستقل عنه أو يعكسه . الحركة إذن ليست سابقة بل أحد طرفيها الذي اصطلحنا على تسميته (أصل الحركة) وهذا يعني أن أحد النقيضين في علاقة (الحركة والسكون) وهو الحركة له صورتان وهما : (أصل الحركة) قبل وجود السكون أو العدم و(الحركة) بعد وجود السكون أو العدم . إن أسبقية اصل الحركة حيث أحد النقيضين قبل وجود الآخر على الحركة التي هي تناقض، يعني أسبقية الاستقرار على الحركة، وإن أحد النقيضين هو استقرار وحركة.. استقرار ثم حركة ، أي إن الحركة لها صورتان متناقضتان وإن بينهما صراعا .
إن ارتباط الحركة بوجود النقيض الآخر، يعني أن وجودها ليس سابقاً على وجوده.. السابق على وجود هذا النقيض، أصل الحركة.. إن الحركة والنقيض الآخر المتأخر عن نقيضه احدهما مرتبط بوجود الآخر، فهو مرتبط بوجودها لأنه لامعنى له أو لا وجود له الا بعلاقة التناقض التي تربطه بنقيضه، وهي لا معنى لها الا به لأنه احد طرفيها. وهذا تأكيد لحقيقة ارتباط وجود الشيطان بوجود الانسان، فالشيطان لم يعرف ماهيته النقيضة لله الا بخلق الانسان، (العلاقة أو الحركة) التي بوساطتها عرف نسبته الى الله، تحددت صفته وحقت عيه تسمية الشيطان بعد أن كان إبليس، وهذا يستدعي منه صراعاً ضد الله، وكان أن أعلن حربه عليه:ـ "وإذ قال ربك للملائكة، إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين، فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، قال يا إبليس، مالك الا تكون مع الساجدين، قال، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون، قال، فاخرج منها فإنك رجيم، وإن عليك اللعنة الى يوم الدين، قال، رب فأنظرني الى يوم يبعثون، قال إنك من المنظرين، الى يوم الوقت المعلوم، قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين، الا عبادك منهم المخلصين، قال هذا صراط علي مستقيم، إن عبادي ليس لك عليهم سلطان الا من اتبعك من الغاوين، وان جهنم لموعدهم أجمعين"(24).
قلنا إن الحركة عندما تكون سابقة على وجود نقيضها السكون فهي (أصل الحركة)..وقلنا إن ( أصل الحركة ) يتغير الى الحركة. وقلنا إنه بصورة نقيضين أحدهما موجود والآخر عدم أو فراغ . وإن أسبقية النقيض الواحد فيه لا تعني أسبقيته في الوجود مطلقا وإنما هو يمثل ما هو سابق من الوجود المادي ومنه الإنسان فالأصل السابق للوجود المادي وللإنسان هو (أصل الحركة ) وهذا الأصل السابق للإنسان تمثله الملائكة فـ(أصل الحركة) أو (أصل العلاقة) هم الملائكة بدليل أن الملائكة عندما تنزل الى الأرض أي عندما تلبس اللباس المادي تكون بشرا أي تكون (علاقة) وهذا ما ذكره القرآن الكريم . وقلنا إن ( أصل الحركة ) يتغير الى الحركة فهو متغير من حال الى جال فهو مخلوق ، ومصدر خلقه وخلق الحركة هو الوجود السابق الذي يعكسه الوجود السابق في ( أصل الحركة ) أو يمثله ، وهذا الوجود السابق الذي يعكسه أو يمثله النقيض السابق في ( أصل الحركة ) هو أصل أو علة الوجود المادي ، هو ( الله ) . فالله هو الوجود السابق على العلاقة والذي هو خارج إطار العلاقة والذي لايرتبط بأية علاقة ، الذي كان وليس معه كفء له يناقضه ويشاركه في الوجود فتفرد بالوجود واتصف بالوحدانية : ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ، لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد )(25) . إن أسبقية الواحد يعضده الفكر الديني الذي يذهب الى أسبقية وجود الله على وجود الشيطان وعلى كل وجود ومنه الإنسان . ويسمي هيجل أحد النقيضين الذي هو سابق والذي يمثل الخطوة الأولى من خطوات الجدل لديه بأنه الوجود الخالص او الروح، وهذا نتفق به معه، ولكنه يصف هذا الوجود الخالص بأنه كالعدم او أنه والعدم سواء وهذا ما لانتفق به معه. وهو يعد العلاقة بين المتناقضين الحقيقة العينية الأولى التي ينبثق عنها الشيء ونقيضه، والتي يتعين بها وجود الشيء ونقيضه. أما ما قبل هذه العلاقة او (الصيرورة) كما يسميها فلما لم يكن هنالك تعين، كان العدم المحض. فالوجود لدى هيجل هو الوجود المتعين الذي يشترط وجود كلا النقيضين. وإذا لم يكن هنالك وجود للتناقض فلا يكون غير العدم وهذا ما بيناه سابقا ، ولذلك هو يصف الوجود السابق على وجود الصيرورة او العلاقة بكونه عدماً وتجريداً خالصاً او موتاً…
ولقد قلنا كما تقول فلسفة هيجل إنه في داخل العلاقة يتعرف أحد النقيضين بالآخر وإنه لا وجود لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر فكيف يتفق هذا وقولنا بعد ذلك بوجود ( أصل الحركة ) أو ( أصل العلاقة) حيث أحد النقيضين بلا وجود النقيض الآخر؟.. إن ما يبرر (وجود) هذا الوجود السابق مع (عدم) وجود النقيض الآخر، أن (الوجود) و(العدم) تناقض ولكن بلا تناقض وبلا علاقة أي بلا وجود متعين او ظاهر لهذا التناقض ولهذه العلاقة، لأن العدم لم يوجد بعد، أي لم يتخذ صفة الضد الواقعي للوجود ولم يظهر ليظهر وجود)الوجود السابق) . وقبل هذا الظهور كان هناك وجود خالص وعدم خالص ، والعدم الخالص لا يمثل نقيضا (موجودا) إزاء الوجود السابق ، وهذا العدم يعزز( وجود) الوجود السابق وتميزه منه وإن صفة الوجود تشترط صفة العدم .
إن العدم الخالص يعني خلوا من الوجود، خلوا مما يمتلئ به الوجود، أي انه خلو يقابل امتلاءً يمثله الوجودالسابق وهذا يجيز لنا أن نقول عن هذا(الإمتلاء والخلو) إنه نوع من التناقض، ولكن بلا تناقض . والتناقض حتى بعد إيجاده أو ظهوره لا يعدو أن يكون امتلاءً وخلواً. فالتناقض الذي بين الأبيض والأسود هو امتلاء وخلو ظاهر. وإن ما يمثل خلواً من الآخر يبقى بعد ظهوره أو وجوده يمثل ( خلوا أوعدماً من وجود الآخر). وإن وجوده يعني ظهوره فقط ، ظهور الخلو والفراغ . واذا كان العدم فراغاً او انتفاءً من الوجود فإن هذا لا يعني أنه ينفي الوجود السابق، إنه نفي لوجوده هو، لوجوده الظاهر. وعندما يوجد او يظهر يظهر التناقض، ويصبح الوجود السابق (في أصل الخركة ) ظاهراً كذلك بعد أن كان وجودا جوهريا كامنا. فالعدم ينفي الوجود الظاهر إذن، والعدم بهذا هو كمون الوجود، هو علة هذا الكمون.
إن عدم وجود أحد النقيضين ثم وجوده تعضده حقيقة عدم وجود الشيطان ثم وجوده. ولكنه يرد علينا بأن الشيطان لم يكن عدماً بل كان ملكاً هو إبليس ثم تحول الى شيطان متمرد على إرادة الله أي الى إتخاذ صفة نقيض لله في داخل العلاقة . ونرد على هذا بأن إبليس لم يكن يتخذ صفة الضد لله تعالى فلم تكن صفته الشر التي هي صفة الشيطان والتي هي نقيضة لصفة الله . فالصفة النقيضة لصفة الله لم تكن موجودة، وإبليس يمثل هذه الصفة في حالة عدم وجودها . إبليس يمثل الشيطان في حالة عدم وجوده، في حالة كونه عدماً . ولا ننسى أن نقرر إن معنى إبليس في اللغة هو العدم , أي الشر معدوماً ثم كان وظهر بوجود الانسان(العلاقة) وأصبح شيطاناً واتخذ صفة الضد لهذا النقيض الذي كان سابقا في (أصل العلاقة) أو (أصل الحركة) والذي يمثل أو يعكس الوجود السابق على كل وجود وهو وجود( الله ) . وهذا يعني أن صفة الضد لله ليست مكافئة له ، ليست مكافئة للأصل السابق في الوجود والذي هو مصدر وجود (الحركة) أو( العلاقة) ومصدر وجود (أصل الحركة) أو(أصل العلاقة ) . إن صفة الضد مكافئة لهذا النقيض السابق في (أصل الحركة) أو (أصل العلاقة) كما قلنا والذي هو أصل للوجود المادي ومنه الوجود الأنساني ، فهي توجد من خلال الوجود المادي والوجود الأنساني الذي هو وجود جزئي لا يضاهي وجود الله المطلق السابق ، ولذا فالشر نسبي ومتناهي يوجد من خلال الوجود النسبي والمتناهي والخير الإلهي مطلق ولامتناهي . ونحتاج هنا الى أن نذكر بمعنى حالة العدم كما قررناها، وهي ما قرره القرآن الكريم . فلقد قررنا فيما مر من الكلام أن العدم خلو يقابل امتلاءً، وأنه خلو غير ظاهر، كامن، وأنه علة كمون الوجود. وهذا المعنى يقرره القرآن الكريم عن إبليس بأنه كائن مستتر أو كامن. فمعنى عدم وجوده هو عدم ظهوره أو استتاره او كمونه ، ولهذا وصف القرآن الكريم إبليس بأنه من الجن "إبليس كان من الجن"(26) والأصل اللغوي يعرف الجن بأنه غير الموجود في الواقع، المستور او المختفي، فإبليس هو الشيطان مستوراً او مجنوناً، هو صفة الشر كامنة او غير ظاهرة.. إن هذا كله يعني أن ما يسبق الوجود العيني او المادي أو ( العلاقة ) أو ( الحركة ) هو وجود الملائكة ( أصل الحركة ) ووجود الجن ( ابليس ) وهو الفراغ الذي في ( أصل الحركة ) والذي يمثل غياب الشيطان أو السلب أو عدم ظهوره .
إن أسبقية وجود هذا الطرف الذي هو (أصل الوجود) على وجود النقيض الآخر وعلى وجود العلاقة التي تعني اثنين يعني أسبقية الواحد على الاثنين، أسبقية الواحد على المتعدد. وهذا يعضده الفكر الديني الذي يصف الله بأنه الواحد السابق على وجود الشيطان وعلى وجود العلاقة التي قلنا إنها تعني الانسان او المادة التي منها الانسان . وهو مصدر وجودهما، مصدر وجود الشيطان ومصدر وجود العلاقة أوالإنسان. وكونه كذلك يعني أنه يسيطر على حركة العلاقة (إذ العلاقة حركة) وأن مسير الحركة سينتهي اليه:ـ"يا أيها الإنسان، إنك كادح الى ربك كدحاً فملاقيه"(27) و"اليه ترجعون"(28).
قلنا إن الانسان علاقة بين عاملين مختلفين وهو في بنـاء جـسمه علاقة بين عامل ذكري يأخذه من الأب، وعامل أنثوي يأخذه من الأم، فهو علاقة بين ذكر وأنثى. ولأن العلاقة مصدرها أحد النقيضين المكونين لها، فإن الإنسان مصدره أحد هذين العاملين، ونقصد به العامل الذكري. ولقد أكد الفكر الديني هذا في الآيات التي أوردناها في حديثنا عن أصل الانسان، حيث ترد هذه الآيات هذا الأصل الى النطفة وهي العامل الذكري مع أن الانسان يكونه العامل الأنثوي أيضاً. واذا كان الانسان الذي يكونه العامل الأنثوي أيضاً مصدره العامل الذكري فإن هذا يعني أن العامل الأنثوي مصدره العامل الذكري من حيث أنه مصدر للعلاقة، للانسان. ولقد أكد الفكر الديني هذا أيضاً فحواء خلقت من ضلع آدم، فهو مصدرها، وهي كانت كامنة فيه قبل أن توجد… إن العلم يرمز الى العامل الذكري برمز XY والى الأنثوي برمز XX ويلاحظ أن العامل الذكري ينطوي على الأنثوي، وأنه علاقة بينه وبين العامل الأنثوي. ولقد قلنا إنه مصدر العلاقة(الإنسان) السابق على وجودها والسابق على وجود نقيضه (الأنثوي). و عندما كـان سابقاً فإنه يكون بأحد طرفيها العامل (Y) وهو بهذا ليس رجلاً، ليس انساناً، الرجل علاقة (XY) وبهذا فإننا نعني بأسبقية وجود الرجل او العامل الذكري أن له أصله السابق في الوجود ( أصل الحركة ) وهو وجود أحد الطرفين المكونين له، أما المرأة فليس لها أصل سابق في الوجود، وجودها يقترن بوجود العلاقة (الرجل) ووجود الرجل يقترن بوجودها لأنها أحد طرفيه.
هذا الذي قلناه سنقرره عن طريق علم الذرة..
يقول علم الذرة ، إن الذرة التي هي أصغر جسيم يمثل المادة مكونة من شحنتين متضادتين: موجبة(بروتون) وسالبة(الكترون) أي إنها علاقة بينهما. وإننا نفترض أن أحد النقيضين الذي هو سابق على النقيض الآخر في كونه وجوداً ، هو البروتون. ولعله من طبيعته هذه سمي بروتوناً، وتعني الأول او الأصل..وعندما كان سابقاً لم يكن بطبيعته المادية ، فما كان سابقاً هو جوهره. وكون البروتون سابقاً يعني أن نقيضه الالكترون لم يكن موجوداً، كان عدماً . ويقرر لنا العلم أن هناك حالة للالكترون يكون فيها عدماً فيتحدث لنا عن جسيم اسمه البوزترون وهو الكترون ذو طاقة وكتلة سالبتين (ت). وقد عبر عنه العالم الانكليزي المشهور ديراك بأنه (فراغ). والفراغ في المفهوم الفيزيائي البحت هو الخلاء "الذي لا تشغله الذرات ولا الالكترونات ولاالفوتونات ولا الجسيمات عامة"(29) أي انه خلو منها فهو عدم.. وقد عبروا عن البوزترون بأنه مادة مضادة، أي انها ضد المادة، والمادة وجود ووجود ظاهر.. وقبل أن يكتشف البوزترون جسيماً كان ديراك قد افترضه افتراضاً عندما أخذ على عاتقه محاولة إيجاد نظرية تركيب الالكترون. وقد اضطر الى البحث عن مخرج من الصعوبة التي نشأت مع نظريته الجديدة التي تفترض لكي تكون سليمة وصحيحة وجود الكترونات ذات طاقة وكتلة سالبتين. وقد سميت بعد ذلك الكترونات متعنتة او عنيدة، وسميت ايضاً بحر ديراك. فيمكن في افتراضه أن توجد الالكترونات في مستويات طاقة سالبة، وأن كل هذه الحالات او مستويات الطاقة السالبة الموجودة في العالم المحيط بنا مشغولة بالالكترونات. وحسب تحليله فإن كل ما حسبناه حتى الآن فراغاً ما هو الا مجموعة هائلة لا نهاية لها من الالكترونات التي توجد في مختلف الحالات الممكنة للطاقة السالبة(30).. إن البوزترون او الالكترون المتعنت والذي هو فراغ او عدم، هو الحالة الأولى للالكترون قبل أن يرتفع عن مستوى الطاقة السالبة ويظهر أي يصبح وجوداً او طاقة موجبة:ـ"إن أية كتلة ماء متذبذبة ومتغيرة باستمرار تحتوي في داخلها على فقاعة هوائية (فراغ) لا يوجد فيها ماء وتمثل الفقاعة تبعاً لرأي ديراك ثقباً في بحره الكبير من الالكترونات ذات الطاقة السالبة، وبالتالي فإن هذا الثقب لابد وأن يظهر ويسلك سلوكاً معاكساً للألكترون العنيد أي كجسيم تكون كتلته وشحنته موجبتين"(31). إن البوزترون الذي هو طاقة سالبة قبل الظهور وقبل الوجود المادي والذي يرتفع الى مستوى الطاقة الموجبة بعد الظهور وبعد الوجود المادي فيكون الكتروناً، هو ما يمثل العدم، فالعدم فراغ تنعدم فيه المادة . واذا كنا نقول إن الوجود الظاهر أو الوجود المادي المحسوس يكون بإيجاد العدم، فإن العلم يؤكد أن وجود الألكترون أوالشحنة السالبة تصاحبها الشحنة الموجبة أو البروتون بما يمثل الذرة التي هي المادة .
ذكرنا أن البروتون هو هذا النقيض الذي يمثل الوجود السابق على وجود نقيضه (الإلكترون) في الذرة والذي يقابل أسبقية وجود (أصل الحركة) على وجود السكون في تدليلنا الفلسفي وقلنا إن (أصل الحركة) كان وجودا كامنا أي ان البروتون لم يكن قد ظهر بكونه شحنة موجبة. وقلنا إن (أصل الحركة) يتحول الى الحركة بعد وجود نقيضه( السكون) وإن الحركة نقيضان . أي ان هذا النقيض الذي هو الحركة له صورتان: الأولى، عندما يمثله طرف واحد وقد سميناها (أصل الحركة). والثانية عندما يمثله طرفان وقد سميناها (الحركة).. فهل يقول علم الذرة إن هذا التدليل الفلسفي صحيح؟.. هل يقول، إن ما يمثل هذا النقيض السابق في الوجود في الذرة هو البروتون وإنه كان وجودا كامنا (أصل الحركة) لأنه كان يقترن بالعدم (البوزترون) ، وإن البروتون يتحول الى علاقة بعد وجود نقيضه ؟..
يقول علم الذرة: إن البروتون يطلق البوزترون(32) (أي ينفي العدم او يوجده) فيتحول الى نترون(33)، أي الى "شحنتين متساويتين ومتضادتين"(34) من الكهربية موجبة وسالبة، أي انه يتحول الى علاقة بعد وجود الشحنة السالبة، بعد وجود الإلكترون نقيضه . إن تحول البروتون الى نترون يعني أن هذا النقيض الذي افترضنا أنه سابق في كونه وجوداً له صورتان: قبل وجود الالكترون، وبعد وجوده، قبل العلاقة اوالحركة ،( أصل الحركة) أو(أصل العلاقةة)، والعلاقة او الحركة حيث ولادة النقيض الآخر، الالكترون.. إن البروتون والنترون حالتان لجسيم واحد: "يمكن اعتبار البروتون والنيوترون جسيماً واحداً يسمى النيوكلون، وللنيوكلون حالتان، الحالة البروتونية، والحالة النيوترونية"(35). إن الحالة البروتونية والحالة النيوترونية تنتابان ـ اذاً ـ هذا الجسيم الذي هو أحد النقيضين، وإن إحداهما(الحالة البروتونية) تنتابه قبل الأخرى كما نفترض. وإنها البداية التي يبدأ منها ذلك لأنها النهاية التي ينتهي اليها في حركته المتذبذبة بين الحالتين وذلك قبل أن تنتقل الذرة الى عنصر جديد أكبر من عنصر هذه الذرة بشحنة موجبة واحدة وهذا ما سنأتي عليه .
إن الحالة النيوترونية مصدرها الحالة السابقة عليها: البروتون (الحركة او العلاقة مصدرها أحد النقيضين الذي هو سابق).. ولأنه مصدر للحالة النيوترونية او النترون الذي هو حركة فمعنى هذا أنه يسيطر على حركته، وأنها ستؤول اليه في النهاية، حيث يطرد عنه الشحنة السالبة فيعود الى كونه بروتوناً..
إن أسبقية الحالة البروتونية(36) تعني أسبقية الواحد على الاثنين (الحالة النيوترنية ).. واذا كانت هذه حركة لأنها تناقض او علاقة (وهذا ما سنقرره في ما يأتي) فإن أسبقية الحالة البروتونية تعني أسبقية الاستقرار حيث لا تناقض وحيث الشحنة الواحدة على الحركة التي هي تناقض. وأن أحد النقيضين ذا الحالتين (النيوكليون) هو استقرار وحركة، استقرار ثم حركة..
قلنا إن الالكترون كان عدماً وإنه كان مادة مضادة، ولكن هناك حالة للبروتون يكون فيها بروتوناً مضاداً. فهل يعني هذا أن البروتون كالالكترون يكون مادة مضادة ثم يتحول الى مادة. وما معنى أنه يمثل الوجود والالكترون يمثل العدم؟.. ونقول لقد ذكرنا أن عدم وجود أحد النقيضين يؤثر في الآخر بأن يجعله كامناً او غير ظاهر او غير متعين، ولنقل غير مادي، فالظاهر هو المادي، وغير الظاهر هو غير المادي. والبروتون المضاد هو البروتون في حالة عدم ظهوره، أي عدم تحوله الى مادة بتأثير عدم وجود الالكترون أي عدم ظهوره. إن عدم (ظهور) الالكترون يسبب عدم (ظهور) البروتون، ويكون الاثنان مادة مضادة. ونسأل ايضاً: كيف نميز إذن بين كون هذا يمثل الوجود وذلك يمثل العدم مع أنهما الاثنين غير ظاهرين، مادة مضادة؟… إن الإجابة عن هذا سنذكرها (في النقطة – 6 من هذا المبحث). ولقد أكدنا أن الوجود لايعني فقط الوجود الظاهر أو المادي أو المتعين كما هو لدى هيجل، فهذا الوجود يسبقه وجود جوهري كامن. وقلنا إنه عندما كان الوجود كامناً قبل أن توجد المادة، فإنه كان هنالك تناقض أو نوع من التناقض ولكنه غير ظاهر، أي غير مقترن بالمادة إذ كان يقترن بالمادة المضادة .
3ـ إن التناقض او العلاقة حركة: قلنا، إن الذرة علاقة بين نقيضين، البروتون والالكترون(ث)، وإن أحد النقيضين (الالكترون) كان عدماً قبل أن يوجد لتوجد الذرة وهي كيان متحرك.. متحركة جسيماته.. إن هذا يعني أن التناقض حركة، والنقيضان هما، البروتون والالكترون. أما ما هي صورة الحركة فطبيعة التناقض تحددها بأنها صراع يسعى فيه أحد النقيضين الى القضاء على الآخر ودحره. فحركة المتناقضات في الذرة نقصد بها هذا الصراع الدائر بينها، فالحركة صراع. ولقد كنا قد قلنا، إن هذا النقيض السابق هو الذي يوجد نقيضه ويوجد علاقة التناقض. فالبروتون والذي يعكس أو يعبر عن الوجود السابق على وجوده وعلى وجود الالكترون ووجود الذرة أو وجود العالم المادي يوجد الالكترون فيتحول الى علاقة تناقض، الى حركة، الى صراع . أي ان أحد النقيضين يوجد نقيضه ليصارعه. ولما كان هو يمثل الوجود السابق، وهو الوجود الذي يخلق نقيضه ويخلق العلاقة او الصراع فإن نتيجة الصراع ستؤول اليه، وانه هو الذي تكون له الغلبة بالقضاء على نقيضه الذي يمثل العدم (حتى بعد تعينه لأنه يمثل خلواً من الوجود) . ولكننا قلنا إنه لا يمكن لهذا النقيض أن يقضي على نقيضه دون أن يبقي على ما يشير الى هذه العلاقة لأن أحد النقيضين لا معنى له خارج علاقته بنقيضه. وتساءلنا عن كيفية ذلك، وأجبنا عن التساؤل من خلال مناقشة حقيقة إيجاد هذا النقيض الذي كان عدماً فقلنا إنه اذا كان وجوده يوجد التناقض، فهذا يعني أنه يبقى يحتفظ بصفة العدم او (ضد الوجود) بعد وجوده. وهذا يعني أن وجوده هو وجود تعين او ظهور وليس وجوداً في الماهية أو الصفة كما هو الوجود الذي يمثله الوجود السابق. وهذا النقيض يمثله في الذرة الالكترون، فعندما يفارق الالكترون حالة كونه الكتروناً سالباً او فراغاً او عدماً، فإنه يبقى يحتفظ بحالة مناقضة البروتون فيحمل شحنة سالبة مضادة للشحنة الموجبة التي يحملها البروتون نقيضه…
إن الالكترون الذي يحتفظ بصفة (ضد الوجود) يقضى عليه، فعندما يرتفع عن حالة العدم (الطاقة السالبة) الى الوجود (الطاقة الموجبة) فإنه يختفي فوراً مقضياً عليه… عندما يرتفع الالكترون عن حالة كونه بوزتروناً او فراغاً الى حالة كونه الكتروناً عادياً فإن هذا الالكترون العادي يختفي فوراً مع الفراغ او البوزترون باعثاً طاقة. وعملية الاختفاء المتبادل للالكترون والفراغ هذه سميت بعملية اختفاء الالكترون او زواله، او بعملية التلاشي(37)(ج):ـ "فإن الالكترون العادي المنطلق في الثقب يجب أن يختفي مع الأخير فوراً باعثاً كما واحداً من الطاقة، وعملية الاختفاء المتبادل للالكترون والثقب هذه والتي لها خصائص تشبه وقوع شحنة موجبة في "بحر" من الالكترونات ذات الطاقة السالبة قد سميت باختفاء او زوال الالكترون"(38).
إن وجود الالكترون يقضى عليه.. إن وجود أحد النقيضين يقضي عليه لأنه يناقض طبيعته فهو ضد الوجود كما قلنا ووجوده يقضي عليه ، أي ان هذا النقيض السابق يقضي على نقيضه بأن يوجده ، أي ان وجود التناقض يقضي على التناقض.. ونتساءل بعد هذا الشرح التساؤل نفسه الذي قادنا الى الشرح، فنقول: هل يعني هذا أن أحد النقيضين الذي هو النقيض السابق يظل ولا علاقة له بنقيضه، وقد قلنا إنه لابد له مما يشير الى علاقته بنقيضه؟..
ذكرنا أن وجود العدم معناه تحوله الى علاقة، ذلك أن وجوده يعتمد على وجود نقيضه ، وانه كان عدماً لأنه خارج علاقته بالآخر، وهذا يعني أن وجوده وجود ظاهر أو متعين لأنه يشترط وجود نقيضه أو تعينه. وأن وجوده يؤثر في وجود نقيضه فيجعله وجوداً ظاهراً أومتعينا بعد أن كان وجودا كامنا. أي ان في وجوده يوجد مظهران متناقضان أحدهما يمثل العدم، يمثله الالكترون الذي يقضى عليه، والآخر يمثل الوجود المتعين تمثله الشحنة الموجبة التي تظهر بظهور الالكترون وهي البروتون(39). وهذا يقوله قانون انحفاظ الشحنة فوجود شحنة سالبة يعني وجود شحنة موجبة تعدلها في المقدار، والشحنة الموجبة تقضي على السالبة وتخلف وجودها. أي ان الالكترون يقضي عليه وجود يخلفه هو شحنة موجبة، هو بروتون..
بوجود العدم ـ إذن ـ يوجد مظهران: شحنة سالبة، هي العدم الذي يقضى عليه.. وشحنة موجبة هي الوجود الظاهر الذي يظل وجوداً باقياً.. العدم ينفى لأنه نقيض للوجود (الكترون)،لأنه يمثل العدم مع أنه وجود، أي انه يحتفظ بصفة المناقضة للوجود الذي يمثله البروتون. ولذلك فإن وجوده وجود للتناقض، كما ان القضاء عليه قضاء على التناقض.. إن نفي العدم والقضاء على الالكترون يخلفه وجود هو شحنة موجبة. فالشحنة السالبة تقضي عليها الشحنة الموجبة فيما قرره علم الذرة. فالبروتون يتحول الى نترون، أي يوجد الشحنة السالبة، ثم تطرد الشحنة السالبة عن النترون ليعود الى كونه بروتوناً، الى كونه شحنة موجبة، أي ان الشحنة الموجبة تبقى بعد طرد الشحنة السالبة… تخلف الشحنة السالبة. وقد يكون معنى هذا أن الطاقة التي يمثلها الالكترون او العدم يستفيد منها البروتون ليتجلى في المادة . إن الطاقة تتحول الى مادة، وهذا قاعدة علمية. إن العدم الذي هو طاقة يستنفد لكي تظهر الشحنة الموجبة التي تطرد السالبة. وسنعرف أن الشحنة الموجبة تطرد السالبة على مراحل او أجزاء، وان كل جزء يوجد ويطرد من الشحنة السالبة ـ وهو ما يسمى بميزون بي السالب ـ يقابله جزء يوجد ويبقى من الشحنة الموجبة ـ وهو ما يسمى بميزون بي الموجب(40). ولتكرار عملية نفي الشحنة السالبة، تتكرر عملية تحول البروتون الى نترون وتحول النترون الى بروتون في نواة الذرة حتى يتم طرد الشحنة السالبة كاملة عن النواة فتكتسب شحنة واحدة موجبة (بروتون) وتطرد عنها شحنة واحدة سالبة، وتنتقل الذرة الى ذرة عنصر جديد أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة(41) :ـ " فتفقد النواة تبعاً لذلك شحنة واحدة سالبة ونتيجة لهذا تكتسب شحنة واحدة موجبة"(42).
إن شحنة موجبة تنفي شحنة سالبة من وحدة العلاقة تصديق لقوله تعالى:ـ "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق"(43). وإن نفي الشحنة الموجبة للشحنة السالبة يؤكد ماقلناه من أن الوجود ناف والعدم منفي , فكل منهما يحمل شحنة تضاد الشحنة الأخرى ولكن البروتون هو الذي يبقى وهو الذي يخلف وجود الالكترون .
إن هذه الشحنة الموجبة التي تخلف الالكترون تكفل لنفسها أو لهذا النقيض الذي يمثل الوجود أن يبقى بعد القضاء على التناقض، فهي وجود ظاهر او متعين أي انه متخذ صفة الضد من نقيضه أي انه نفي لنقيضه فكل تعين سلب كما قلنا ، فهذه الشحنة الموجبة تشير الى العـدم لأنها نفي للعدم، هي سلب للعدم، وهذا ما يشير اليه، ما يبقي على علاقة هذا النقيض السابق بالآخر (العدم) فلا يبقى مجرداً مما يشير الى علاقته بالآخر.
إن نفي أحد النقيضين (الحركة) الذي يتضمن نقيضه لنقيضه، او تجاوزه إياه يعني في الوقت نفسه تجاوزاً لنفسه لأنه ينطوي عليه.. تجاوزاً لحالة كونه ينطوي عليه الى كونه خالصاً منه. وبهذا يتخذ الصراع مظهرين، الأول: صراعه ضد نقيضه، والثاني صراعه ضد نفسه. ولقد وقفنا على البروتون في الذرة وهو يسعى بعد تحوله الى نترون، الى تجاوز الالكترون نقيضه، ولأن النترون يتضمنه، فهو يتجاوز نفسه بتجاوزه لنقيضه، يتجاوز كونه نتروناً بتجاوزه الالكترون. ففي الذرة هنالك مظهران للصراع، وهنالك مظهران للتناقض. ولأن هنالك مظهرين للتناقض وجدنا جسيمين يمثلانهما في الذرة، هما، النترون، وهو علاقة تناقض بين البروتون والالكترون، ونواة الذرة وهي العلاقة بين البروتون والنترون..(ح).
إن كون التناقض او العلاقة صراعاً، تأكيد للحقيقة الدينية التي تذهب الى أن الانسان خلق في صراع "لقد خلقنا الانسان في كبد"(44) لأنه تناقض وعلاقة.. وهو صراع يبغي فصلاً لوحدة العلاقة، كما قلنا. وحقيقة أن الصراع يبغي فصلاً للعلاقة، تصديق للحقيقة الدينية التي تسمى يوم القيامة ـ وهو اليوم الذي يكون الصراع أو التحدي بين الله والشيطان قد بلغ غايته بانتصار الله واندحار الشيطان، او نفيه ـ يوم الفصل.
إن فصل أحد النقيضين الذي يتضمن نقيضه لنقيضه، يعني فصل الواحد الى اثنين وطرد أحد هذين الاثنين ليعود هذا النقيض الى حالة الوحدانية الخالية من الاثنينية، وهذا يثبته ما يدور في الذرة.. إن البروتون يوجد الالكترون فيتحول الى شحنتين متناقضتين (نترون). ثم ينفصل النترون الى بروتون والكترون طارداً عنه الالكترون وراجعاً الى كونه بروتوناً.. إن هذا الفصل قضاء على العلاقة (النترون) او شطر لها. وان القضاء على النترون وهو العلاقة التي بين البروتون والالكترون، يعني القضاء على العلاقة التي بين البروتون والنترون وهي نواة الذرة، لأن النترون ينشطر ليعود الى كونه بروتوناً لتنتهي علاقة التناقض بينـه وبين البروتون بـأن يصبح بروتوناً وبذلك تنتهي ذرة هذا العنصر_ولنفترض أنه عنصر الهيدروجين_ وتنتقل الى ذرة عنصر جديد أكبر من السابق بشحنة موجبة واحدة وذلك لأن انشطار نواة هذا العنصر انتهاء له .
4ـ إن الصراع يرتبط بغاية هي انتصار أحد النقيضين على الآخر، نفيه له وقضاؤه على التناقض. وهو يبقى مستمراً طالما وجد تناقض مع الغاية التي يريد بلوغها هذا النقيض. حتى اذا ما بلغها وقف عندها. واذا انتفى التناقض، انتفت الحركة واستقرت، فقد قلنا إن التناقض حركة.. أي ان الحركة لها أجل مسمى تنتهي عنده. وهنا نستطيع أن نؤكد الحقيقة الدينية التي تقرر أن نتيجة الصراع بين الله والشيطان بانتصار الله واندحار الشيطان تعني استقراراً: "وان الآخرة هي دار القرار"(45).
أما في الذرة، فقد قلنا، إن ما يدور فيها صراع، وصراع غايته أن ينفي أحد النقيضين الذي هو أصل ووجود، عنه نقيضه الذي هو عدم.. ولقد وجدناه يمر بسلسلة من عمليات النفي او التجاوز، فالبروتون او الشحنة الموجبة تنفي الشحنة السالبة عبر عمليات عدة من النفي او التجاوز حتى تنفيها كلها بعد أن تنفيها على أجزاء. ولقد قلنا إن البروتون ينفي الشحنة السالبة او يقضي عليها بأن يوجدها(46)، فيتحول الى نترون ثم يطردها عن النترون ليعود الى كونه بروتوناً(خ). وهو في نفي كل جزء يكون قد تحول الى نترون ثم الى بروتون، حتى يتم له نفي نقيضه كله: "في النواة يتحول النيترون والبروتون، أحدهما الى الآخر باستمرار"(47). وفي أثناء كل تحول تحدث شحنة موجبة تعدل الشحنة السالبة التي تنفى، وإن الشحنات الموجبة تتراكم، وتتراكم السالبة. وهذا يعني أنه يحتفظ بالشحنات او الأجزاء المتجاوزة حتى اذا ما تم نفي الشحنة السالبة كلها، انفلتت كلها او انفلت الجسيم الممثل لها. أي ان علاقة التناقض الكلية بينهما لاتنتهي بنفي أول جزء من العدم ، وهذا ما يبقي الذرة محتفظة بكيانها حتى تجاوز آخر جزء من الشحنة السالبة. فالشحنة السالبة تنفلت كاملة بنفي العلاقة العامة. ولقد قلنا، إنه يحتفظ بالشحنات الموجبة والشحنات السالبة المتجاوزة حتى انتهاء علاقة التناقض العامة بين الشحنات الموجبة كلها والسالبة كلها.. ولما كانت الشحنة الموجبة في هذه الذرة ـ ولنفترض أنها ذرة أول العناصر (الهيدروجين) ـ هي ليست كل الشحنة الموجبة التي تصارع كل الشحنة السالبة في مادة الكون، لذا فإن الشحنة الموجبة والشحنة السالبة اللتين انتهت بينهما علاقة التناقض او تم تجاوزها في ذرة أول العناصر، تحتفظ بهما ذرة ثاني العناصر التي هي أكبر من ذرة العنصر السابق لها بشحنة موجبة واحدة مقدارها بروتون واحد. واذا ما استطاعت الشحنة الموجبة في ذرة ثاني العناصر نفي الشحنة السالبة وانتهت بينهما علاقة التناقض، فإنه يحتفظ بالشحنتين الموجبتين والسالبتين اللتين تم تجاوز العلاقة بينهما في ذرة ثالث العناصر التي هي أكبر من ذرة العنصر الثاني بشحنة موجبة مقدارها بروتون واحد، وهكذا…
إن عناصر المادة كل منها تطور عن العنصر السابق من حيث أن كلاً منها أكبر من العنصر الذي يسبقه بشحنة موجبة واحدة مقدارها بروتون واحد.. أي ان كلا منها أضعاف لنفس هذه الوحدة الأساسية التي مقدارها بروتون واحد(د)، وهذا ما يسمى بوحدة المادة على هذا الأساس المذكور(48). أي ان أي عنصر من العناصر غير مقطوع عن العناصر السابقة، من حيث أن أي عنصر من هذه العناصر يحتوي ما سبقه منها.. إن أي عنصر من عناصر المادة تتراكم فيه الشحنات التي تم تجاوز العلاقة بينها مما كان يشكل ذرات العناصر السابقة.. وتستمر العناصر تتصاعد حتى تصل الى هذا العنصر الذي يحتوي على أكبر عدد من الشحنات الموجبة، العدد الكامل لها، حتى اذا ما نفت الشحنة الموجبة عدوتها السالبة وانتهت بينهما علاقة التناقض وانشطرت ذرة هذا العنصر، انشطرت بأنشطارها ذرات عناصر المادة كلها وصولاً الى ذرتنا الأولى، ذرة الهيدروجين التي وصفنا فيها الصراع بين الشحنة الموجبة والشحنة السالبة.
إن الحقيقة الدينية تؤكد بعض تفاصيل ما ذكرنا.. ففصل أحد النقيـضين للآخر على مراحل وأجزاء تتراكم يؤكده النص القرآني: "ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعاً فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون"(49).
5ـ إن الصراع تحكمه غاية هي البداية التي تحرك بها الصراع، وهي النهاية التي ينتهي اليها الصراع. والغاية هي انتصار أحد النقيضين الذي هو سابق، وانتصاره يعني نفيه للآخر، أي وجوده بغير وجود نقيضه. وهذا كان قبل وجود الصراع، أي قبل وجود النقيض الآخر ويكون بعد نهايته، بعد نفيه للآخر. أي ان أحد النقيضين هو الغاية التي يتوجه اليها الصراع من حيث أنه بداية ونهاية. أي ان انتصاره مقدر قبل تحققه. وهذا تأكيد لقوله تعالى: "إن الله بالغ امره"(50) لأنه "هو الأول والآخر"(51) الذي يبدئ الصراع واليه تنتهي نتيجته، لأنه يسيطر على الصراع: "إنه هو يبدئ ويعيد"(52) ولا يكون لنقيضه هذا "وما يبدئ الباطل وما يعيد"(53). فله البداية وله النهاية "وإن لنا للآخرة والأولى"(54). وعندما تكون البداية هي النهاية في الصراع، فمعنى هذا أنه يسلك في حركته سلوكاً دائرياً، فمن خصائص الحركة الدائرية، إن البداية فيها هي النهاية وبالعكس. ونحن نعرف أن أية نقطة على محيط الدائرة تصلح أن تكون بداية ونهاية للحركة عليه…
إن الصراع بين البروتون والالكترون تحكمه كذلك غاية انتصار البروتون. واذا كان انتصار البروتون مقدراً منذ البداية، لأنه الأصل او الوجود السابق، لأنه الذي يخلق الصراع وينهيه لصالحه، لأنه يسيطر على حركة الصراع، لأنه يسيطر على حركة الذرة، فمعنى هذا أن مسيرة الصراع وحركة عملية التجاوز او النفي ـ إذ لايتسنى له أن ينفي نقيضه بتجاوز واحد ـ ستتخذ شكلاً دائرياً حيث يبلغ في آخر نفي ما أراده اولاً. حيث تبلغ النهاية البداية.. ومسألة الدورة في حركة الذرة (حركة جسيماتها) ليست بحاجة الى تأكيدها، بل إن الكون كله تحكمه حركة دائرية ابتداءً من أصغر جزيئاته وحتى الأجرام والمجرات، كلها تجري في حركة دائرية ، وهو تصديق لقوله تعالى "وكل في فلك يسبحون"(55) إذ الفلك هو الحركة الدائرية.. واذا كان ذلك، فإن هذه الحركة لها نهاية كما أن لها بداية، واذا بلغت الحركة نهايتها انتهت. ولعلك تستطيع أن تقول لذلك، لم اتخذت المخلوقات من الذرات والأجرام السماوية شكلاً دائرياً.. لم اتخذ الكون كله شكلاً دائرياً: "إن الفضاء متحدب تحدباً إيجابياً، وانه متناهٍ، مغلق على نفسه."(56) وهذا ما افترضه آينشتين "لأننا إذا انطلقنا الى أية جهة كانت فإننا نصل الى النقطة التي انطلقنا منها أول الامر"(57). وافترض تحدب الزمن(58)، وهذا يعني أن له بداية ونهاية. والزمن هو الحركة، أي إن الزمن له نهاية هي نهاية الحركة او نهاية التناقض.
إن القوى التي تمسك الجسيمات في نواة الذرة ولا تسمح لها بالتبعثر، وهي في افتراضنا قوى التناقض "هي نفسها القوى التي تكفل للنواة في حالتها الطبيعية شكلاً كروياً ثابتاً"(59) لأن مسيرة حركة المتناقضات تتخذ شكلاً كروياً ثابتاً.
6-إن الفكر او الجوهر (الوجود الكامن) يتجـسم فـي الفعـل أو الواقع أو المادة (الوجـود الظاهر). وإنه يستفيد من النقص الذي في الفعل أو الواقع أو المادة لينتقل بها الى الكمال الذي يمثله هو. أي ان الفكر يتناقض مع فعله أو مادته ، واذا كان التناقض صراعاً، فإن الصراع يبقى طالما وجد نقص، طالما وجد تناقض بين الفكر والفعل، بين الجوهر والمادة ، بين المضمون والشكل ، وإنهما متى ما تطابقا، انتهى التناقض وتوقف الصراع، لأن غاية الصراع أن يبلغ بالفعل الى كمال الفكر وبالمادة الى كمال الجوهر. والفكر أو الجوهر يستفيد من فعله الذي هو بمنزلة خبرة تعينه على بلوغ الكمال ومرحلة متجاوزة الى الكمال. والفكر أو الجوهر في تجاوزه المتواصل او في حركته الرافضة لا ينسى هذه المراحل التي يتجاوزها، إنما يحتفظ بها أجزاء من غايته الكلية…إن الفعل مصدره فكر، والمادة مصدرها جوهر والشكل مصدره مضمون، فالفكر خالق للفعل والجوهر خالق للمادة والمضمون خالق للشكل، وبهذا فلا وجود للثاني من هذه الا بالأول منها..
والآن ليحدثنا العلم عن هذه الحقيقة:
عرفنا أن صورة الوجود قبل وجود العدم هي أحد النقيضين الذي سميناه (أصل الوجود) أو( أصل الحركة ) وقلنا إنه يمثل وجوداً كامناً لأن النقيض الآخر لم يوجد بعد، ليوجد الاختلاف والتناقض ويتميز النقيضان ويصبح الوجود ظاهراً أو ماديا. فأسبقية هذا النقيض تجعل وجوده كامناً فإذا تحول العدم الى وجود أظهر صفة الوجود السابق عليه وأصبح هذا الوجود السابق ظاهراً متميزاً.. لقد قلنا إن هذا النقيض السابق يمثله في الذرة البروتون، وقلنا إن البروتون او الجوهر الذي يمثله البروتون يوجد العدم، يوجد الالكترون فتوجد العلاقة التي يمثلها النترون وتمثلها الذرة فالنترون والذرة علاقة بين البروتون والالكترون وهذا قلناه أيضاً.. ووجود الذرة يعني وجود المادة لأن المادة ذرات(60). وإن الذرة هي أصغر ما يمثل مادة الكون التي هي ملموس او واقع او شكل: "إن الذرات تلتصق ببعضها فتؤلف المادة"(61) إن الذرة هي مادة أي انها وجود محسوس او ظاهر واننا نفترض أن الوجود السابق عليها هو وجود كامن غير مادي وهو ما عبرنا عنه بالجوهر او الفكر حيث أحد النقيضين (أصل الوجود) والآخر الذي كان عدماً.
إننا نعرف أن العدم (البوزترون) ـ وهو حالة نفترض أنها سابقة على وجود الذرة ووجود المادة ـ هو مادة مضادة أي انه ليس بمادة وليس وجوداً ظاهراً. وكذلك كان وجودا غير ظاهر(أصل الوجود) او (أصل الحركة) الذي افترضنا أنه يمثله جوهر هذا الجسيم الذي يمثل الشحنة الموجبة في الذرة وهو البروتون والذي نفترض أنه سابق ( أي جوهر البروتون ) على وجود الذرة، فهو أيضاً وجود غير ظاهر، غير مادي. ذلك أن كون النقيض الآخر(الالكترون) عدماً يؤثر فيه، فيجعله غير ظاهر او غير مادي. ولقد وجدنا للبروتون جسيما مضادا هو البروتون المضاد أي انه مادة مضادة، و اذا كان كل من البروتون والألكترون مادة مضادة، فما الذي يجعلنا نصف أحدهما بأنه وجود والآخر عدم؟.. وهو ما اختلفنا فيه مع هيجل الذي وصف كلا النقيضين، قبل الانتقال الى الصيرورة او الوجود المتعين، بأنهما عدم، لأنهما غير متعينين، فالوجود عنده وجود متعين او ظاهر فقط كما ذكرنا.
ونقول: إن ما يدلل على كون أحدهما يرتبط بالوجود السابق (أي انه هو الذي يمثل الأصل، الامتلاء، والآخر خلو منه او انتفاء) ما يدلل على أنه مصدر لوجود نقيضه، ولوجود العلاقة، أنه الذي تنتهي اليه الحركة، وبهذا فإنه الذي تبدأ منه (لأن الحركة دائرية )، وهذا ما يتصف به البروتون.. إننا نعرف أن للبروتون حالتين تقترنان بوجود الذرة وهي الحالـة البروتونية والحالة النيوترونية. وقلنا إن البروتون والنترون يتحول أحدهما الى الآخر باستمرار في نواة الذرة، وإن هذا التحول حركة. وإن النترون يتفكك الى بروتون والكترون ويطرد الالكترون من النواة. أي ان النترون يعود الى كونه بروتوناً. واذا كان البروتون هو الحال التي تنتهي اليها حركة هذا التحول فإنه الحال التي بدأت منها. أي ان البروتـون هو الحال السابقة على النترون وعلى الالكترون (الشحنة السالبة التي يتفكك اليها النترون).. ولما كان النترون ينتهي الى البروتون، ولما كانت النهاية هي البداية في الحركة الدائرية التي هي حركة جسيمات الذرة، فإن البروتون له البداية السابقة( ونقصد جوهره) في كونه وجوداً على وجود الذرة الظاهر.
ولكن قد يقال إن البروتون يكتسب شحنة سالبة ويتحول الى نترون أي ينتهي الى كونه نتروناً، وهذا قد يعني أسبقية النترون على البروتون، لأنه لما كان الحال التي ينتهي اليها فهو الحال التي يبدأ منها.. والحق إن مسألة أسبقية أحدهما على الآخر لم يبت بها مصدر علمي حسب ما أعرفه.. ونقول: إن تحول النترون والبروتون أحدهما الى الآخر في الذرة مستمر، ولكن آخر تحول تشهده نواة الذرة قبل أن تنتقل الى ذرة عنصر جديد ويتم تجاوزها من قبل العنصر الجديد، هو تحول النترون الى بروتون، وهذا يعني أسبقية البروتون. فعندما تتحول الذرة من ذرة عنصر ما الى ذرة عنصر جديد آخر، فإن نيوتروناً في النواة يتفكك الى بروتون والكترون، وإن الالكترون يطرد من النواة ويبقى البروتون لتكتسب النواة شحنة موجبة تنقلها الى كونها ذرة عنصر جديد أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة. أي ان آخر تحول في نواة الذرة، قبل أن تنتقل الى نواة عنصر جديد هو تحول النترون الى بروتون. فالبروتون هو الأول من حيث أنه الأخير. ثم إن الشحنة السالبة تقذف من النترون او من نواة الذرة (حيث النترون) ليبقى البروتون فقط في نواة الذرة. وهذا يعني أنه يبقى ما هو أصل ويقذف ما هو غير ذلك، يقذف الالكترون ويتجاوز وجود النترون لأنه يتعلق بوجود الالكترون.. إن البروتون هو الذي يبقى لأنه يمثل الوجود السابق على وجود نقيضه وعلى وجود العلاقة وهو مصدرهما. ولكنه كان جسيماً مضاداً، لأن كون نقيضه عدماً يجعل التناقض غير ظاهر أو غير مادي، أي يجعل البروتون مادة مضادة، وعندما يظهر التناقض يصبح بروتونا. وهذا الجسيم يمثل الوجود السابق على وجود المادة ، كما قلنا، والذي هو بدء الوجود المادي ومصدره، وهو النهاية التي ينتهي اليها الصراع وتنتهي اليها عملية التجاوز من حيث أنه البداية التي انطلقت منها عملية التجاوز والصراع . إن تكون شحنة موجبة جديدة (بروتون)، هو الذي يجعل الذرة تنتقل الى ذرة عنصر آخر. وهذا يعني أن الشحنة الموجبة هي غاية عملية التحول او التجاوز والنفي. ونحن نعرف أن كمية الشحنة الموجبة في الذرة هي التي تحدد صفة العنصر او نوعه، وليس كمية النترونات، وان اكتساب شحنة موجبة إضافية هي التي تنقل العنصر الى عنصر آخر.
إن البروتون كان مادة مضادة ولكنه يتصل بالوجود الكامن أو الجوهر، ثم ان هذا الجوهر لكي يقضي على نقيضه العدم _الذي هو مادة مضادة كذلك او بوزترون ـ يحيله الى وجود، فيوجد التناقض أي يظهر ويتعين ويصبح مادياً.. إن وجود هذا النقيض الذي يوجد التناقض معناه أنه يبقى يحتفظ بصفة مناقضة الوجود بعد وجوده فيحمل شحنة سالبة مضادة للشحنة الموجبة التي يحملها البروتون الذي يمثل الوجود، فلقد قلنا إن الالكترون يمثل (ضد الوجود) وقلنا إن وجوده يعني تعينه وتميزه واتخاذه صفة الضد، والا فإن كونه ضداً للوجود يعني أنه مازال يمثل صفة العدم، فهو خلو من الوجود. أما صفة الوجود فيمثلها البروتون نقيضه الذي يظهر بظهوره . ولقد ذكرنا سابقاً أن وجود الالكترون يعني وجود البروتون إذ ان الشحنة السالبة والشحنة الموجبة توجد أحداهما بوجود الأخرى وهذا ما ينص عليه قانون انحفاظ الشحنة..
إن البروتون هو وجود ظاهر، هو وجود مادي يعكس الوجود السابق عليه (الجوهر). أما الالكترون فهو وجود ظاهر أيضاً لكنه (ضد الوجود).. فهو يمثل حالة التناقض بين الشكل والجوهر، او الوجود السابق، فالشكل الذي يمثله الالكترون هو ضد للجوهر (الوجود السابق) الذي يوافقه البروتون نقيضه الذي يمثل الوجود او يعكس الوجود السابق.. إن البروتون يعني شكلاً يوافق مضمونه.. إن وجود البروتون والالكترون يعني وجود شكلين متناقضين(62). وإن وجود التناقض يعني وجود الصراع، فينفي البروتون الذي يمثل الوجود الالكترون الذي يمثل العدم من وحدة العلاقة التي تربطه به أي من النترون الذي يتفكك الى بروتون والكترون يطرد. أي ان نتيجة الصراع تؤول الى شكل أو مادة توافق مضمونها أو جوهرها..
إن البروتون ينفي الالكترون نقيضه او يتجاوزه وهو عندما يتجاوزه فإنه يتجاوز نفسه (مرتبطا بالالكترون) أي يتجاوز النترون لأن النترون هو البروتون في حالة ارتباطه بنقيضه . والنترون بالنسبة الى البروتون يمثل شكلاً يتناقض مع الجوهر او الوجود السابق (الذي يمثله البروتون) بما ينطوي عليه من العدم او الشحنة السالبة. وعندما يتجاوز البروتون النترون فإنه يتجاوز عدماً او شكلاً لا يظهر جوهره او مضمونه، يتجاوز تناقضاً بين الشكل والمضمون…
إن البروتون لا يتجاوز بتجاوزه للنترون البوزترون والالكترون فقط، فهو أيضاً كان مادة مضادة، بمعنى ان وجوده المادي كان غير موجود وانه بأيجاده لنقيضه الالكترون يتحول الى بروتون او نترون، أي الى مادة، أي انه يتجاوز كونه مادة مضادة ً، ينفي عن نفسه عدماً او مادة مضادة بمقدار كتلته، يهدم بروتوناً مضاداً لكي يبني بروتوناً. إن البروتون ينفي ما يعادل كتلته من الشحنة السالبة ومن البروتون المضاد.
ولقد قلنا إن البروتون ينفي الشحنة السالبة على مراحل لعل الرقم ـ7ـ(63) يمثل عددها. واذا قسمنا الرقم 1836 (وهو ما يمثل كتلة البروتون والبروتون المضاد) على الرقم ـ7ـ كان الناتج أكثر من 200 كتلة سالبة ، أي انه ينفي في كل مرة عدماً مقداره أكثر من 200 كتلة سالبة.. إن هذا المقدار اصطلحت عليه الفيزياء بالميزون السالب. ولذلك نجد أن البروتون عندما يتحول الى نترون فإنه يوجد او يظهر ميزوناً سالباً، وعندما ينفي هذا الميزون السالب عن النترون فإنه ينفيه بميزون موجب يعدل السالب في المقدار فيعود الى كونه بروتوناً. وهكذا حتى يتم نفي الشحنة السالبة التي تمثل كتلة بمقدار كتلة البروتون.. أي حتى يتم ايجاد كتلة مقدارها 1836 وهي كتلة البروتون.
إن الميزون السالب هو مادة مضادة، او عدم بالنسبة الى الميزون الموجب الذي هو مادة(64). أي ان البروتون يقضي على المادة المضادة بما يوجده من المادة.. إنه يقضي على المادة المضادة او العدم بتحويلها الى مادة.. عندما يتجاوز البروتون النترون، فإنه يتجاوز مادة مضادة او عدماً في المادة او شكلاً لا يظهر مضمونه مقداره ميزون سالب بما يوجده من مادة مقدارها ميزون موجب.. وكلما تجاوز نتروناً تجاوز مادة مضادة لا تظهره. أي انه يوسع بعملية التجاوز في المادة، يوسع في الشكل حتى يصبح ما يوجده على قدره تماماً… إن البروتون في تجاوزه المستمر للنترون يتجاوز أشكالاً ناقصة لا تمثل جوهرها تماماً، وان التناقض بين البروتون والنترون هو تناقض بين الجوهر الكامل والمادة التي تعكس جزءاً منه.. تناقض بين الكل و الجزء وهو صراع الكل والجزء، صراع الكل السابق والجزء المتأخر.. إن الكل المطلق اللامحدود سابق على الجزء النسبي المحدود الذي تمثله المادة في مراحل تطورها الأولى، في مراحل تناقضها مع جوهرها. فالمادة تتناقض مع جوهرها، وان تناقض المادة مع الجوهر يعني عدم تحقق الجوهر تماماً في المادة. وهو يبقى (الجوهر) يوجد العدم حتى تنطبق عليه المادة، حتى ينطبق الشكل علـى مـضمونه ، حتى يتعادل النترون مع البروتون بأن يصبح بروتوناً…
هذا الذي وصفناه هو ما يحدث في ذرة أحد العناصر. إن تعادل المادة مع الجوهر تعادل النترون مع البروتون في ذرة أحد العناصر يعني انتهاء الصراع بينهما وتحوله الى ذرة عنصـر جديد أكبـر من العنصر السـابق بشحـنة موجـبة واحدة مقدارها بروتون واحد. والشحنة الموجبة في هذا العنصر الجديد تفعل ما فعلته الشحنة الموجبة في ذرة العنصر السابق حتى اذا ما استكملت غايتها تحول الصراع الى ذرة عنصر جديد آخر أكبر من العنصر السابق بشحنة موجبة واحدة وهكذا.. إن هذا يعني أن الجوهر الذي يحرك الصراع في المادة ويحرك تطورها كلها لا يكون مقداره بروتوناً واحداً.. إن ما يحرك تطور المادة بكل عناصرها هو هذا المقدار من الشحنة الموجبة الذي يحتويه أعلى عناصر المادة.. إن الوصول الى هذا العنصر هو الغاية التي تحرك تطور المادة، وان عناصر المادة التي نعرفها في جدولها الدوري والتي كل منها تطور عن العنصر الذي يسبقه من حيث أن كلاً منها أكبر من سابقه بشحنة موجبة واحدة، تتطور لكي تصل الى هذا العنصر الأعلى. واذا ما استكمل الجوهر فيه تجليه كاملاً في المادة، انطبقت المادة على جوهرها تماماً وانتهى التناقض بينهما…
إن انتهاء التناقض بين البروتون والنترون يعني انتهاء الصراع بين البروتون والالكترون . ولأن الألكترون يعدل البروتون في شحنته فإن على البروتون أن ينفي ما يعادل شحنته من الشحنة السالبة ويتم هذا من خلال النترون ولقد ذكرنا أنه ينفيها مجزأة فهو ينفي في كل مرة أكثر من (200) كتلة الكترونية.. إن النترون ينشطر نافياً عنه شحنته السالبة ليعود الى كونه بروتوناً. وانشطاره يعني انتهاء علاقة التناقض بينه وبين البروتون إذ يتطابقان، إذ يعود الى كونه بروتوناً. ويعني انتهاء علاقة التناقض بين البروتون والالكترون لأنه (النترون) هو الذي يمثل هذه العلاقة وانتهاؤه انتهاؤها.
إن انتهاء علاقة التناقض يعني انشطارها، فذرة هذا العنصر الأعلى تنشطر نافية عنها شحنتها السالبة، معلنة انتهاء العلاقة بين الشحنة الموجبة والشحنة السالبة، لتشطر كل ذرات العناصر السابقة التي بقيت تحتفظ بكيانها لأن الجوهر الكامل لم يستكمل تجليه في المادة، لم يستكمل ايجاده للعدم، لم يستكمل نفيه للعدم.. وبانشطارها تنتقل المادة الى هذه المادة التي لا سلب فيها، أي لا تناقض فيها، وهي بذلك لا حركة فيها، هي مادة مستقرة.. إن الاستقرار هو الحتمية التي ستنتهي اليها الحركة، وهو ما بدأت منه.
إن انتهاء التناقض يعني انشطار المادة، انشطار العلاقة بين بروتوناتها والكتروناتها، نفي الكتروناتها. ولعل الحاجة تدعونا الى التذكير بالقانون الفيزياوي الذي ينص على أن الشحنات المتناقضة ترتبط ارتباطاً لا ينفصم، فما يستدعي الارتباط في علاقة هوالتناقض، وعندما ينتهي ينفصم هذا الارتباط. فالمادة سيؤول أمرها الى الانشطارالذي سينقلها الى هذه المادة المستقرة التي لا تناقض فيها. وربما يكون هذا الانشطار هو الانشطار الرهيب الذي تقول به بعض النظريات العلمية والذي سينهي العالم. أما الدين فلقد قال به ايضاً وسمى اليوم الذي سيقع فيه هذا الانشطار او الانفجار الرهيب، يوم القيامة. ويصفه بأنه يوم الفصل ذلك أنه اليوم الذي ستنفصل فيه العلاقة بين الله والشيطان ـ بنفي الشيطان ـ بعد الصراع الطويل الذي استغرق كل هذا الزمن منذ خلق الكون والى نهايته.. والعلاقة بين الله والشيطان هي المادة التي يبنى منها الكون، ومنها الإنسان كما قلنا. وسوف ينقلنا يوم القيامة الى هذه المادة التي لا سلب فيها او لاشيطان او شر فيها. أي ان المادة او الانسان ستؤول الى جانبها الإيجابي بعد نفي الجانب السلبي منها وتكون على قدر الله (جوهرها) .. إن هذه المادة وإنسانها هي الجنة في الفكر الديني. ولأنها آلت الى جانبها الأيجابي فقط فإنها تضم أهل الخير فقط . أما أهل الشر فتضمهم النار التي تمثل الجانب السالب المدحور المنفي من العلاقة(65).. إن يوم القيامة يعني الجنة ويعني النار فهما به ترتبطان: "وإذا الجحيم سعرت، وإذا الجنة أزلفت"(66).
وقد يقول قائل إن الجنة والنار نقيضان وإن يوم القيامة لا يقضي على التناقض. ونقول، إن النار هي انعكاس لحقيقة انتصار هذا النقيض الذي هو الخير او الوجود السابق، تحققه. ولقد قلنا إن الوجود الظاهر او المتعين يتضمن سلب الآخر. فليس هو (خيراً) الا وهو نفي للشر، أي يتضمن الشر منفياً. إن النار تمثل هذا السلب الذي يتضمنه الوجود المتعين للخير. وهو ما يشير الى علاقة التناقض التي انتهت، ولقد قلنا إنه لا معنى لأحد النقيضين مجرداً مما يشير الى علاقته بنقيضه.. وبهذا فإن انتصار الخير او تحققه يعني اندحار الشر، واندحار الشر الذي تمثله حقيقة (النار) هو تأكيد لحقيقة انتصار الخير الذي تمثله حقيقة (الجنة) فلا انتصار للخير الا باندحار الشر. إن الجنة والنار تأكيد لحقيقة واحدة هي انتصار أحد النقيضين، انتصار الخير، انتصار الوجود، تحققه ونفي العدم. إن النار لا تؤكد استمرار وجود التناقض بل إنها تؤكد انتهاء علاقة التناقض، ويؤكد يوم القيامة انتهاءها.. ولأن يوم القيامة يعني انتهاء التناقض فإنه ينتهي الى انتهاء الحركة التي هي تناقض، فما يعقبه هو واقع مستقر: "وإن الآخرة هي دار القرار"(67).
إن الجنة هي الوجود الظاهر المادي الذي يظهر صفات الوجود السابق عليه وهو الله، وهذا يعني أن للوجود السابق وجودين: وجود كامن سابق ووجود ظاهر لاحق وهذا تأكيد لما يقرره القرآن الكريم عن صفة الله تعالى بأنه (الظاهر والباطن)(68).






















هوامش المبحث الثاني:

(1) ينظر (الكون الاحدب)، الدكتور عبد الرحيم بدر، دار القلم.. بيروت، لبنان/ ص265، 268.
(2) ينظر: (علماء فلاسفة)، ص78.
(3) ينظر: (المنهج الجدلي عند هيجل)، ص291.
(4) نهج البلاغة، دار الاندلس للطباعة والنشر ـ بيروت. ص341، ص342.
(5) المصدر السابق، ص165.
(6) نفسه، ص218.
(7) نفسه، ص175.
(8) القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية(31).
(9) نهج البلاغة ص29.
(10) القرآن الكريم، سورة القيامة، الآية(37و38).
(11) المصدر السابق، سورة العلق، الآية(2)
(12) نفسه، سورة الشمس، الاية(8).
(13) ينظر (الف باء النسبية)، برتراندرسل، ترجمة فؤاد كامل، دار الثقافة العربية للطباعة ـ عابدين ـ ص13و(النسبية)، بول كوديرك، ترجمة مصطفى الرقي، منشورات عويدات ـ بيروت/ ص15.
(14) فيزياء عالم الصغائر، ك.ي. شولكين، ترجمة بسام المعصراني، دمشق، س207.
(15) المصدر السابق، ص50 والبوزترون: مادة مضادة.
(16) نفسه ص51، 58،133.
(17) نفسه ص55.
(18) نفسه ص108 وينظر كذلك "مقدمة في الفيزياء النووية" تأليف انكا، ترجمة الدكتور عاصم عبدالكريم عزوز/ جامعة الموصل ـ مديرية دار الكتب، ص602.
(19) نفسه ص26. ان التنافر بين الشحنتين المتشابهتين مما يقوله النص يؤكـد كلام
الامام علي(ع) "مفرق بين متدانياتها" وهو يتحدث عن خلق الله للعالم من متناقضات يقرب بينها في علاقات لا تنفصم ومتشابهات او متدانيات يفرق بينها.. ينظر(نهج البلاغة) ص342.
(20) المنهج الجدلي عند هيجل، ص168.
(21) الذرة والكون، بيار روسو، ترجمة عصام مياس/ دار الكتاب اللبناني/ ص43.
(22) قصة الذرة، وجيه السمان، الفن الحديث العالمي للطباعة والنشر والاعلان/ ص131.
(23) فيزياء عالم الصغائر ص181.
(24) القرآن الكريم، سورة الحجر، الاية 28 الى الاية43.
(25) القرآن الكريم، سورة الإخلاص ، الآية 1 الى الاية4 .
(26) القرآن الكريم، سورة الكهف، الاية(50).
(27) المصدر السابق، سورة الانشقاق، الاية(6).
(28) نفسه، سورة البقرة، الاية (28).
(29) فيزياء عالم الصغائر، ص113.
(30) ينظر.. (طاقة الذرة) ك.جلادكوف، دار مير للطباعة والنشر ـ موسكو/ ص352و"مقدمة في الفيزياء النووية" ص99.
(31) طاقة الذرة، ص353.
(32) إن هذا يؤكد مسألة كمون أحد النقيضين، المتأخر (السكون او العدم) في الآخر السابق عليه(الحركة) ولا يحدث العكس. فليس صحيحاً ان كلاً منهما يكون اساساً للآخر، وان كلاً منهما يتضمن نقيضه، وهذا ما يذهب اليه هيجل. فالالكترون يكمن بحالة العدم (البوزترون) مع نقيضه السابق عليه، والا فمن اين للنيوكلون(ونقصد هنا الحالة البروتونية) البوزترون ليطلقه ويتحول الى نترون. والنيوكلون يحتويه بعد ظهوره عندما يتحول الى نترون.
(33) ينظر: (فيزياء عالم الصغائر) ص129.
(34) الذرة والكون، ص43.
(35) طاقة الذرة، ص91.. ونقرأ في ص(198) من "فيزياء عالم الصغائر": "اعتبار البروتون والنيترون حالات مختلفة لنفس الجسيم" وفي ص153 من (قصة الذرة): "النترون والبروتون هما كالوجه والقفا لجسيم واحد هو النكليون" وفي ص(218) من (مقدمة في الفيزياء النووية): "نعد البروتون والنيوترون على اساس انهما حالتان كميتان لنفس الجسيم وهو النيوكليون".
(36) لم اعثر على مصدر علمي يؤكد مسألة اسبقية البروتون على النترون، بل وجدت ما نسب اليهما الاثنين هذه الأسبقية بأن يرى أن كلا منهما يصلح أن يكون مصدراً
ونتيجة للآخر.. ينظر "أسرار الذرة" اميد شمشك، ترجمة اورخان محمد علي/ ص61.
(37) ينظر (طاقة الذرة) ص374.
(38) المصدر السابق ص353.
(39) البروتون هو الوجود السابق بعد التحول الى مادة. فهو الوجود المتعين او الظاهر او المادي، هو الوجود الذي يكونه الوجود السابق: الكامن بعد وجود العدم.
(40) ان ميزون بي السالب هو مادة مضادة بالنسبة الى ميزون بي الموجب الذي هو مادة.
(41) ينظر: "قصة الذرة" ص153.
(42) طاقة الذرة، ص88.
(43) القرآن الكريم، سورة الانبياء، الاية (18).
(44) المصدر السابق، سورة البلد، الاية(4).
(45) نفسه، سورة غافر، الاية (39).
(46) قلنا إن وجود الالكترون يقضي عليه، وإن لحظة وجوده هي لحظة القضاء عليه، ذلك لأنه يمثل العدم ووجود العدم يقضي عليه، لأنه ضد طبيعته.
(47) فيزياء عالم الصغائر، 181.
(48) ينظر "قصة الذرة" ص101.
(49) القرآن الكريم، سورة الانفال، الاية(37).
(50) المصدر السابق، سورة الطلاق، الاية(3).
(51) نفسه، سورة الحديد، الاية (3).
(52) نفسه، سورة البروج، الاية(13).
(53) نفسه، سورة سبأ، الاية (49).
(54) نفسه، سورة الليل، الاية (13).
(55) نفسه، سورة يس، الاية(40).
(56) الكون الاحدب، ص(261).
(57) المصدر السابق، ص(260).
(58) ينظر: (الكون الاحدب، ص210ـ211. وتحدب الزمن او الحركة الدائرية للزمان، وهو ما يسميه اشبنجلر (الزمان الابوللي) الذي يقصره على اليونان القدماء، هو زمن الحضارات القديمة بعامة، بل هو زمن الانسان البدائي نفسه.
(59) طاقة الذرة، ص(82).
(60) ينظر: "الالكترونات"، الكسندر كينا يجورودسكي، ترجمة الدكتور داود سليمان المنير، دار مير للطباعة والنشر ـ موسكو/ ص64.. و"مقدمة في الفيزياء النووية" ص615.
(61) قصة الذرة ص131.
(62) ذكرنا سابقاً ان الموجودات المادية بعضها يمثل الوجود والآخر يمثل العدم أي الذي تنعدم فيه صفة الوجود. فما هو خير وجميل مثلاً يمثل الوجود، وما هو شرير وقبيح يمثل العدم.. الأول هو شكل يوافق مضمونه اما الثاني فهو شكل يناقضه.
(63) يمثل الرقم ـ 7ـ متمثلاً بالمدارات التي يتوزع عليها الالكترون مراحل الصراع او مراحل التناقض في داخل الذرة.
(64) ينظر (فيزياء عالم الصغائر) ص55.
(65) عندما يتلاشى الالكترون مع البوزترون، فإنه يتحول الى طاقة هي فوتونات، واذا كانت دقائق النار عبارة عن فوتونات، فإن العلم يؤكد ما قاله الدين من ان نهاية الشيطان ـ الذي يقابله في المادة الالكترون الذي هو الجانب السالب ـ هي النار التي هي فوتونات.
(66) القرآن الكريم، سورة التكوير، الاية (12) والاية(13).
(67) المصدر السابق، سورة غافر، الاية (39).
(68) نفسه، سورة الحديد، الاية(3).











































ملحق الصور



































































ـ أ ـ
قوى التناقض التي تربط بين النقيضين في الذرة.



















ـ ب ـ
للحقيقة اطرافها الثلاثة : الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما.















ـ ت ـ
الالكترون والبوزترون .

















ـ ث ـ
الذرة علاقة بين نقيضين .

















ـ ج ـ
تلاشي الالكترون والبوزترون .



















ـ ح ـ
قوى التناقض التي تربط بين البروتونات والنيوترونات في نواة الذرة.















ـ خ ـ
تحول البروتون الى نيوترون وتحول النيوترون الى بروتون بوساطة تبادل الميزونات.













ـ د ـ
تراكم الشحنات الموجبة في النواة كلما تصاعدت العناصر



ـ3ـ
في الإنسان:
الإنسان الكامل ،النهاية والبداية























في مبحثنا هذا نحاول معرفة الانسان وتفسير حقيقة وجوده من خلال تلك المبادئ الجدلية التي تلتقي عليها المعرفة الفلسفية والعلمية والدينية والتي تكلمنا عليها في ما سبق* بوصف الانسان وكما قيل يجمع في داخله مختصر مضغوط لبرمجة الكون كله أو إنه العالم الأصغر الذي انطوى فيه العالم الأكبر . ولا بد هنا من أن نذكر بتلك المبادئ العامة التي قررناها سابقا لأننا سننطلق منها في تفسير حقيقة الانسان كما سنؤكدها كذلك ، مع أن ايرادها فيه تكرار أو الحاح في التكرار، وقد يكون هذا الأمر ضرورياً، أو فيه فائدة ـ في الأقل ـ ونحن نريد أن نقرر حقائق جديدة او مهمة او مفيدة.
(1) إن التناقض يتخلل عالم الفكر والمادة، وإن وجود أحد النقيضين يقتضي وجود الآخر، فهما يرتبطان بعلاقة تناقض لا معنى لهما خارجها، وللحقيقة أطرافها الثلاثة: الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما.
(2) إن التناقض حالة وجود، وهو حالة حركة تقابل حالة أخرى هي حالة سكون واستقرار. والسكون هو أحد النقيضين خارج علاقته بالآخر. وهو عدم لأنه لا معنى لأحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، او لا وجود له الا بها. وهي وجود لأنها تناقض. واذا كان السكون او العدم لا يتعرف او لا يوجد الا بالعلاقة او الحركة، فإن هذا يعني أسبقية وجود الحركة على وجود السكون او العدم، إذ العلة سابقة على المعلول. واذا كانت الحركة تناقضاً (نقيضين)، وكان السكون بعد وجوده هو أحد هذين النقيضين، فإن أسبقية وجود الحركة على وجود السكون يعني أسبقية وجودها على وجود أحد طرفيها، أي أسبقيتها بأحد طرفيها. ولكننا قلنا إنها ليست حركة الا اذا كانت تناقضاً، وهي بأحد طرفيها نقيض واحد، فكيف نقول إن الحركة سابقة في الوجود؟… وهنا استعملنا تعبير (أصل الحركة) وأطلقناه على الحركة عندما كانت بأحد طرفيها، عندما كان أحد طرفيها سكوناً او عدماً قبل أن يوجد. أي ان أحد النقيضين (في علاقة الحركة بالسكون) هو (أصل الحركة) وهو (الحركة) بعد وجود نقيضه. أي ان هذا النقيض له صورتان فهو متغير ولما كان كذلك فهو ليس أصل الوجود أو جوهره إنما هو موجود وله أصل أوجده وهذا الأصل هو ما يعكسه هذا النقيض الثابت الوجود في (أصل الحركة) ، فلقد قلنا إن (أصل الحركة) بصورة نقيضين أحدهما موجود ولآخر معدوم فهو فراغ أو غياب لهذا النقيض . إن أصل الوجود إذن هو ما يعكسه أو يمثله النقيض الموجود في أصل الحركة لأنه الطرف الثابت غير المتحول و( أصل الحركة ) و (الحركة ) متحولان وموجودان ، والثابت فيهما هو النقيض السابق في(أصل الحركة) فهوالأصل الثابت للوجود ومصدره وهو بهذا له وجوده المستقل والسابق لـ(الحركة) و(أصل الحركة ) ولكل وجود . ماذا يمثل (أصل الحركة ) إذن ؟ إنه يمثل أصل الوجود المتعين أو الظاهر أو المادي وهذا ذكرناه سابقا . إن أسبقية (أصل الحركة) حيث أحد النقيضين قبل أن يوجد الآخر يعني أسبقية الاستقرار على الحركة. وان أحد النقيضين (في علاقة الحركة بالسكون ) هو استقرار وحركة، استقرار ثم حركة. إن ارتباط الحركة بوجود النقيض الآخر يعني أن وجودها ليس سابقاً على وجوده. السابق على وجود هذا النقيض هو( أصل الحركة) . إن الحركة والنقيض المتأخر عن نقيضه أحدهما مرتبط بوجود الآخر، فهو مرتبط بوجودها لأنه لا معنى له او لا وجود له الا بعلاقة التناقض التي تربطه بنقيضه، وهي لا معنى لها الا به لأنه أحد طرفيها.
وقد تساءلنا عن معنى قولنا بأسبقية (أصل الحركة) حيث أحد النقيضين موجود والآخر عدم، ونحن قلنا ان لا وجود لأحد النقيضين الا بوجود الآخر. وأجبنا بأن العدم له نوع من التعريف، وهو يستمد تعريفه من خلال نقيضه الموجود في أصل الحركة فالعدم والوجود تناقض .. وإذا كانت الحركة تناقضاً او وجود نقيضين، وان العدم او السكون هو أحد هذين النقيضين خارج علاقته بالآخر، فإن الحركة في مقابل السكون او العدم أي عندما كان أحد طرفيها سكونا او عدما عبارة عن نقيضين ناقصاً أحدهما (أصل الحركة)، أي ان الحركة كانت وجوداً يعاني من خلو، وان العدم هو هذا الخلو او الفراغ او النقص. فالتناقض اذن في(أصل الحركة) بين الوجود والعدم تناقض بين امتلاء وخلو ، ايجاب وسلب . وهذا التناقض بين الامتلاء والخلو سيبقى بعد إيجاد العدم أو ظهوره . وقد عبرت الفيزياء عن العدم بأنه فراغ او ثقوب تخلو من الوجود. وهذا الفراغ يتعرف عليه من خلال الامتلاء او الوجود الذي يحفه. فالحيز الذي تشغله الجسيمات هو وجود وما يخلو منها فهو فراغ او عدم . إن العدم فراغ يقابل امتلاء، فراغ في امتلاء. وهذا الفراغ قابل للظهور وهو يرى ويكون له وجود واقعي في حالة ظهوره كثقب فارغ في وسط ما، مما يؤدي الى ظهور التناقض الذي ظل كامناً ما دام العدم لم يوجد او لم يظهر بعد. إن وجود العدم او السكون (النقيض المتأخر) وجود ظاهر، أي في حالة ظهوره. أما النقيض السابق (أصل الحركة) فهو وجود كامن ما دام مصاحباً العدم نقيضه قبل أن يحيله الى وجود ليوجد التناقض او يظهر.
(3) إن التناقض او العلاقة حركة وإن صورة الحركة هي صراع بين المتناقضين يسعى أحدهما فيه الى نفي الآخر او تجاوزه واخراجه من وحدة العلاقة. وإن التناقض أو الصراع ليس بين النقيضين في داخل العلاقة فقط، فهناك صراع آخر هو بين هذا النقيض السابق (أصل الحركة) وبين صورته الأخرى عندما يتحول الى( حركة) أي الى علاقة تناقض. فهو عندما كان سابقاً كان بأحد طرفي العلاقة، نقيض واحد، وهو الوجود الكامل أو الوجود الجوهري وعندما يتحول الى علاقة او حركة فهو نقيضين أحدهما هو الوجود المتأخر وهو وجود العدم أو السلب أو الفراغ أو ظهوره ، أي ان الحركة وجود يعاني من السلب أو الفراغ أي انها وجود جزئي لذا ستدخل في صراع مع الوجود الجوهري السابق وهو الوجود الكامل . واذا كان النقيضان يتصارعان، وأن أحدهما الذي كان سابقاً على وجود الحركة أو العلاقة هو الذي سينتصر وسيطرد نقيضه، وأن العلاقة او الحركة ستنتهي اليه فإن هذا يعني أن الصراع بين هذا النقيض السابق ( الكل الذي يخلو من وجود السلب) وبين صورته الأخرى بعد أن تحول الى علاقة ( الجزء الذي يتضمن وجود السلب ) سينتهي الى انتصاره وبقائه وحده بعد طرد نقيضه.
(4) الصراع إذن يرتبط بغاية هي انتصار أحد النقيضين على الآخر. أي نفيه له وقضاؤه على التناقض. وهو يبقى مستمراً طالما وجد تناقض مع الغاية التي يريد بلوغها هذا النقيض حتى اذا ما بلغها وقف عندها. واذا انتفى التناقض انتفت الحركة واستقرت، فقد قلنا إن التناقض حركة، أي ان الحركة لها أجل مسمى تنتهي عنـده.
(5) إن الصراع تحكمه غاية هي البداية التي تحرك بها الصراع وهي النهاية التي ينتهي اليها الصراع. والغاية هي انتصار أحد النقيضين الذي هو سابق او ثابت، وانتصاره يعني نفيه للآخر أي وجوده بغير وجود نقيضه. وهذا كان قبل وجود الصراع، أي قبل وجود النقيض الآخر ويكون بعد نهايته، بعد نفيه للآخر. أي ان أحد النقيضين هو الغاية التي يتوجه اليها الصراع كما أنه البداية، وعندما تكون النهاية هي البداية فمعنى هذا أن مسيرة حركة الصراع تتخذ شكلاً دائرياً.
(6) إن الوجود الكامن (أصل الحركة) جوهر او مضمون او فكر وبعد أن يخلق نقيضه ويتم التحول الى علاقة تناقض أو حركة فإنه يصبح وجودا ظاهرا ولكنه لايظهر منه الا الجزء المحدود الذي يعادل الجزء المحدود الذي يظهر من نقيضه (إذ لا يظهر كل العدم مرة واحدة فهو ينفى على مراحل أو أجزاء) أما الوجود الجوهري السابق في(أصل الحركة) فإنه يبقى يمثل وجوداً كاملا كامناً الا ما ظهر منه جزئيا في الحركة . وهنا تنشأ علاقة صراع جديدة بين الوجود الكلي الكامن وهو الوجود السابق في(أصل الحركة) والوجود الجزئي الظاهر الذي تمثله الحركة ، وإن علاقة الصراع بين الوجود الكلي الكامن او الجوهر او الفكر وبين الوجود الظاهر او الفعل او الواقع (الذي تحقق جزء منه في الحركة او العلاقة) تبقى مستمرة ، إذ لا يكون التحول الى فعل او واقع يظهره مرة واحدة فهذا يحدث على مراحل حتى ينتقل الى الكمال الذي يمثله هو، أي ان الجوهر أو الفكر يتناقض مع الواقع أو الفعل. واذا كان التناقض صراعاً فإن الصراع يبقى طالما وجد تناقض بين الجوهر والواقع أو بين الفكر والفعل، أو بين المضمون والشكل. وإنهما متى ما تطابقا انتهى التناقض وتوقف الصراع لأن غاية الصراع أن يبلغ بالواقع الى كمال الجوهر أو بالفعل الى كمال الفكر. والجوهر أوالفكر يستفيد من الواقع أو الفعل الذي هو بمنزلة خبرة تعين على بلوغ الكمال، ومرحلة متجاوزة الى الكمال. والجوهر أو الفكر في تجاوزه المتواصل او في حركته الرافضة لا ينسى هذه المراحل التي يتجاوزها، إنما يحتفظ بها أجزاءً من غايته الكلية . إن الواقع مصدره وجود جوهري وإن الفعل مصدره فكر والشكل مصدره مضمون. فالجوهر خالق للواقع والفكر خالق للفعل، والمضمون خالق للشكل، وبهذا فلا وجود للثاني من هذه الا بالأول منها.
هه هذه المبادئ العامة تتضح في كل علاقة تناقض أي في كل الظواهر والموجودات، لأن التناقض يتخللها كلها ـ كما ذكرنا ـ وسنحاول أن نتلمس هذه المبادئ في الانسان إذ انه محكوم بمبادئ قانون ثابت لأنه تضمه ثنائية متلازمة مكونة من ذكر وأنثى وهما مختلفان في الجنس. كما أن كلاً من طرفي العلاقة، أي كل من الذكر والأنثى عبارة عن علاقة بين عامل ذكري يأخذه من الأب وعامل أنثوي يأخذه من الأم، فهما علاقة بين ذكر وأنثى. وسنحاول أن نتتبع تطور العلاقة بين الذكر والأنثى عبر تاريخ الإنسان وما تفترضه المعرفة التي قررناها لهذا التطور. ونتتبع تطور هذه العلاقة في جسم الانسان. وسنتعرف على طبيعة الصراع بين الأطراف المتناقضة أو المختلفة وتطوره ونتيجته التي ينتهي اليها وحقيقته الفلسفية واتباطه بما قررناه من حقائق .
لقد ذكرنا أن الانسان علاقة بين ذكر وأنثى. وقلنا في المبحث الذي سبق إنه ما دامت العلاقة مصدرها أحد النقيضين المكونين لها فإن الإنسان مصدره أحد هذين العاملين ونقصد به العامل الذكري. واذا كان الانسان مصدره العامل الذكري فإن هذا يعني أن العامل الأنثوي مصدره العامل الذكري من حيث أنه مصدر للعلاقة التي تضم الذكر والأنثى. وقلنا إن الفكر الديني أكد هذا وكذلك العلم. فالعلم يرمز الى العامل الذكري برمز XY والى الانثوي برمزXX. ويلاحظ أن العامل الذكري ينطوي على الأنثوي، وأنه علاقة بينه وبين العامل الأنثوي. ولقد قلنا إنه مصدر العلاقة السابق على وجودها والسابق على وجود نقيضه (الأنثوي) . وعندما كان سابقاً فإنه يكون بأحد طرفي العلاقة العامل (Y) وهو بهذا ليس رجلاً، ليس انساناً. الرجل علاقة (XY) وبهذا فإننا نعني بأسبقية وجود الرجل او العامل الذكري أن له أصله السابق او الثابت في الوجود حيث كان العامل (Y) فقط مع غياب العامل( X) وسمينا هذا (أصل الحركة) وقلنا إنه يمثل الأصل السابق للوجود الإنساني ، أما الأصل السابق عليه أي على الوجود الإنساني وكل وجود فهو هذا الطرف الذي يمثله هذا النقيض السابق في( أصل الحركة) أو يعكسه والذي هو الوجود الجوهري السابق على وجود كل شيء. أي ان الرجل يرتبط بهذا الوجود الجوهري السابق أو يعكسه أو يمثله عن طريق هذا النقيض الذي يمثل الوجود الجوهري في أصل الحركة . اما المرأة فإن وجودها او ظهورها يقترن بوجود العلاقة (الرجل)، ووجود الرجل يقترن بوجودها لأنها أحد طرفيه.
عندما يكون الرجل سابقاً على وجود المرأة فهو يمثل هذا النقيض الذي سميناه (أصل الحركة) الذي هو عبارة عن الحركة أي العلاقة ولكن بأحد طرفيها، أما طرفها الآخر فهو عدم مما يجعل التناقض غير ظاهر، مما يجعل هذا النقيض السابق (أصل الحركة) وجوداً كامناً او جوهراً. فالرجل هو جوهر أو وجود كامن قبل أن يوجد العدم (المرأة) لتوجد العلاقة أو يظهر النقيضان. وبوجود المرأة يظهر الوجود الذي كان كامناً. أي ان وجود المرأة يعني وجود الشكل وانتقال الوجود الإنساني الى عالم المادة، والدليل على أن وجود المرأة وجود(ظاهري) لكلا الطرفين، أن العامل (X) يضمه كلا الطرفين(XY) و(XX)، وهو ضروري لوجودهما أو لظهورهما كما سنعرف .
إن الرجل عندما كان سابقاً كان يمثل وجوداً كامناً، وبعد وجود المرأة وتحوله الى علاقة أي الى وجود ظاهر فإنه يبقى يمثل وجودا كامنا ذلك لأن المرأة التي فيه وهي أحد طرفي العلاقة التي يمثلها مازالت تمثل شحنة سالبة لم تطرد بعد ، مازالت سلبا يؤثر على الوجود الذي في العلاقة فيجعله وجودا جوهريا كامنا . ان المرأة التي في الرجل لا تمثل كل العدم الذي يجب أن يظهر إنما تمثل نسبة منه وهذه النسبة لا تعادل كل الوجود الجوهري الكامن في العلاقة التي يمثلها جنس الرجل إنما تعادل نسبة منه بمقدار ما يسمح بظهور الرجل الواحد، فهي تشبه الالكترون او الشحنة السالبة في النترون والتي تعادل في نسبتها الشحنة الموجبة للبروتون وليست كل الشحنة الموجبة الكامنة في المادة كما إنها ليست كل السلب الذي يجب أن يظهر أو أن يطرد من المادة ولهذا يبقى الرجل يمثل وجوداً كامناً(1) أي ان في الرجل وجودا جوهريا كامنا لم يظهر بعد لأن نسبة العدم التي وجدت فيه هي نسبة جزئية وهي لاتعادل كل الوجود الجوهري الكامن في الرجل . إن وجود الرجل يمثل إذن الجوهر أو المضمون لأنه ينطوي على وجود جوهري لم يظهر بعد، أي انه بالنسبة الى المرأة التي هي وجود ظاهر يمثل اللاظهور. إن الرجل والمرأة حالتان للوجود، كلاهما وجود، الا أن الفرق بينهما أن المرأة شكل، والرجل جوهر لأنه مازال يمثل جوهرا, مازال يحمل وجودا قابلا للظهور وجوهرا قابلا للظهور. ومازال يصارع عدماً، مازال يحمل شحنة سالبة لم يقذفها عنه . ونحن نشبه التناقض الذي بين الرجل والمرأة والصراع الدائر بينهما بالتناقض الذي بين النترون والشحنة الموجبة، والصراع الدائر بينهما في العلاقة التي تمثلها نواة الذرة. وهذا يعني أن وجود المرأة له مظهران: وجود سالب في الرجل، ووجود موجب تمثله هي. وقد سبق أن ذكرنا أن وجود العدم يعني شحنة سالبة هي الالكترون الذي هو أحد الطرفين المكونين للنترون، قبل أن ينفي عنه الشحنة السالبة وينشطر ويؤول أمره الى الشحنة الموجبة او البروتون. أي ان البروتون مازال يمثل في النترون جوهراً في أول مرحلة تجليه ومحاولة نفيه للعدم وبعد خروجه من النترون فإنه يمثل وجوداً ظاهراً او امرأة.
إن المرأة هي الشكل الذي يظهر الوجود السابق (الوجود الجوهري الكامن) لأن وجودها يظهر وجود الرجل الذي قلنا إنه وجود جوهري . المرأة هي الوجود الظاهر، الوجود المتأخر. وإن الشكل او الوجود الظاهر يوجد بعد ايجاد العدم، يوجده هذا الوجود السابق ليخلق شكلا يظهره. واذا كان الوجود السابق يوجد العدم على مراحل او أجزاء ـ كما مر معنا ـ فإن وجود المرأة على مراحل او أجزاء ، أي ان وجود المرأة وجود جزئي ، أما الرجل فإنه يرتبط بالوجود الكلي الجوهري إلا انه يظهر على أجزاء مرتبطة بظهور المرأة . إن هذه الأجزاء التي يمثلها وجود المرأة على الأرض لا تمثل او لا تظهر الوجود الجوهري السابق عليها كاملاً حتى يتم إيجاد آخر جزء من العدم او نفي آخر جزء من العدم في آخر علاقة وهي العلاقة التي تراكمت فيها كل الأجزاء التي تم إيجادها، إن الجزء الأخير او المرأة الأخيرة تعكس كل الوجود الكامن او الجوهر السابق عليها . الشكل الذي لا سلب فيه اذن هو امرأة أخيرة. إن غاية التطور الطويل في تاريخ الانسان هي الوصول الى هذه المرأة فهي غاية استمرار الجنس البشري وغاية وجود الانسان، إنها الغاية التي يسعى اليها الكون كله.
إن الرجل كالنترون في الذرة يمثل العلاقة بين عاملين وهذا يعني أن العلاقة لم تنته، أي ان هناك وجوداً كامناً وان هناك عدماً. فالرجل يمثل وجوداً كامناً بما يتضمنه من الوجود الجوهري الكامن فيه والذي لم يظهر منه وجود العدم إلا وجودا محدودا يتمثل بإنسان واحد. أما المرأة فهي كالبروتون، وهو الشحنة الموجبة التي تبقى كامنة في النترون حتى ينشطر النترون ليؤول اليها. إنها الوجود الذي يكشف عن الوجود الذي كان كامنا في الرجل، إنها تكشف عن وجود الرجل الجوهري وعن وجودها الظاهري . إن المراة اذن تكشف عن الوجود الإنساني، ولهذا فإن وجود الانسان يكون عن طريق المرأة، إنه يخرج من المرأة، لأنها تظهر الوجود.
إن العامل الأنثوي الذي في الرجل كالشحنة السالبة التي في النترون والتي لم يطردها النترون بعد ليتحول الى بروتون، (وهو ما تمثله المرأة) وذلك لأن في الرجل جوهرا لم يتجل تماما في كل الوجود الإنساني ،أي ان هناك بشرا آخرين هم في أصلاب الرجال ، ووجود الرجل_مفردا_ يمثل جزءا أو بعضا من هذا الوجود الكلي الذي يرتبط به . إن الرجل يمثل جوهراً لم يتطابق بعد مع شكله حتى يوجد هذا الشكل او المظهر الأخير. وهذا المظهر الأخير تظهره المرأة الأخيرة التي تمثل إظهارا لكل الوجود الجوهري . فالرجل كالنترون، وقد قلنا إن النترون يتم تجاوزه باستمرار عن طريق خلق الشحنة الموجبة لكي يتخلص من الشحنة السالبة فيه او العدم. وإن التجاوز المستمر للنترون هو في الوقت نفسه تجاوز للشحنة الموجبة التي تخلق باستمرار لأنها تمثل اشكالاً ناقصة لا تمثل تماماً الجوهر الكامل، الكامن او لا تظهره. وإن التناقض الذي بين النترون والشحنة الموجبة (وهي البروتون الذي يتولد من انشطار النترون بعد نفيه للالكترون)، والتي ماتزال تمثل جوهراً كامناً في النترون ـ كما قلنا ـ يبقى مستمراً حتى يتم نفي الشحنة السالبة التي ما تزال تصارعها الشحنة الموجبة في داخل علاقة التناقض التي يمثلها النترون. والتناقض بين المرأة والرجل يبقى مستمراً حتى يتم اظهار كل الجوهر الكامن في الرجل وتحويله الى وجود ظاهر، أي حتى يتم إيجاد آخر امرأة تمثل إظهارا لكل الجوهر الكامن في الرجل. فالرجل يمثل مرحلة في المادة قبل أن ينطبق عليها شكلها الكامل. وقد قلنا إن الصراع يبقى مستمراً بين النترون والشحنة الموجبة حتى يتم نفي الشحنة السالبة كلها، فيتكرر التحول الى نترون ثم الى بروتون. وهذا عين ما يحدث في العلاقة التي تضم الرجل والمرأة، فيستمر الصراع أو التفاعل بين المرأة والرجل الذي يمثل صراعاً بين الشكل والجوهر.. الجوهر الذي يمثله جنس الرجل يعادل عدما أوغياباً لكل الشكل الذي يمثله وجود المرأة في الأرض، ولذلك يحتوي الرجل المرأة في داخله (العاملX) ولكنه لا يمثلها، بل يمثل غيابها أو عدم ظهورها ، ويستمر الصراع بين الحضور والغياب حتى تحضر جميع الغائبات، وهذا هو سر استمرار وجود الجنس الإنساني.
إن جنس الرجل يمثل المادة في مراحل تطورها، في مراحل تناقضها مع جوهرها الكامن فيها قبل أن تصل الى المرحلة الأخيرة. هو يمثل مرحلة عدم تحقق الجوهر تماماً في المادة قبل أن تصل الى الشكل الأخير أو المرحلة الأخيرة. والجوهر يبقى يوجد العدم ويستمر في تجليه حتى تنطبق عليه المادة، حتى ينطبق الشكل على مضمونه تماماً، حتى يتم إيجاد كل الجوهر الكامن الذي يرتبط به الرجل أو حتى يتم نفي كل العدم الذي فيه ليتجلى كل الوجود الكامن بأن يصبح وجودا ًظاهرآ، أي بأن تخلق المرأة الأخيرة. فكل امرأة تمثل شحنة موجبة، وكل رجل يمثل نتروناً أي شحنة موجبة لم تستكمل نفي ما فيها من سلب او عدم. ويستمر الصراع بين الرجل والمرأة في الجنس الإنساني باستمرار هذا الجنس. واذا كانت نهاية النترون هي التحول الى شحنة موجبة وقذف الالكترون فإن هذا يعني أن نهاية الصراع أو غايته هي خلق المرأة_ الشحنة الموجبة_ التي تمثل وجوداً ظاهراً يعكس الوجود الكامن في الرجل . واذا كانت غاية الخلق هي تحويل الوجود الكامن الى وجود ظاهر، فإن إيجاد المرأة هو ما يحقق هذه الغاية. وإن الصراع يستمر للوصول الى المرأة الأخيرة ، كما أن الصراع يستمر في الذرة ويتصاعد مع تصاعد ذرات العناصر التي يكبر كل عنصر منها سابقه بشحنة موجبة واحدة لكي تصل الى العنصر الأخير الذي يحوي من الشحنة الموجبة ما يعادل الجوهر الذي يحرك تطور المادة . إن الوصول الى هذا العنصر هو الغاية التي تحرك تطور المادة. وإن عناصر المادة التي نعرفها في جدولها الدوري تتطور لكي تصل الى هذا العنصر الأخير الذي استكمل الجوهر فيه تجليه كاملاً في المادة. إن هذا العنصر الأخير تمثله _ بالنسبة الى الوجود الإنساني_ المرأة الأخيرة لأنها تمثل مادة او شكلاً يظهر الجوهر الكامل . إن المرأة الأخيرة هي الوجود الذي يسعى اليه الجنس الإنساني من وراء عملية التناسل المستمرة . إن الوصول الى هذه المرأة يمثل انتهاء علاقة التناقض بين المرأة والرجل ، بين الوجود الظاهر والوجود الذي يمثل جوهراً لم يتجل تماماً. وانتهاء علاقة التناقض يعني انشطارها، أي ان الوصول اليها يشطر كل علاقات التناقض السابقة (الناس كلهم) التي بقيت تحتفظ بكيانها لأن الجوهر الكامل لم يستكمل تجليه في المادة، لم يستكمل نفيه للعدم. وانتهاء التناقض يعني انتهاء الحركة (لأن التناقض حركة) وعودة الى الاستقرار وهو ما بدأت منه.
إن انشطار علاقة التناقض يعني انتهاء علاقة الصراع أو التفاعل بين الذكر والأنثى، فالوصول الى هذه الأنثى التي تجلى كل الوجود الكامن في الرجل من خلالها ، ينهي التناقض . أي ان هذه المرأة تمثل اتحاداً بين الرجل والمرأة، تمثل انطباقاً بين شكل المرأة وجوهر الرجل. وعندها تنتهي العلاقة التي يمثلها الجنس الإنساني. إن الوصول اليها يعني انتهاء استمرار وجود الجنس الانساني. وهنا نذكر بالآية الكريمة التي تتحدث عن يوم القيامة ـ الذي قلنا إنه اليوم الذي تنفصل فيه العلاقة بين الله والشيطان بنفي الشيطان، الجانب السالب او العدم تماماً من العلاقة التي تربطهما وهي المادة ـ ومنها الانسان ـ أي اليوم الذي تكون المادة فيه على قدر جوهرها (الجنة بأنسانها الكامل) بعد الصراع الطويل منذ خلق الكون والى نهايته ـ تتحدث عن هذا اليوم بأن النفوس فيه تتحد: "واذا النفوس زوجت(2)" إذ سيشهد هذا اليوم انطباقاً كاملاً لشكل المرأة على جوهر الرجل لتكون النشأة الأخرى للإنسان:"وإن عليه النشأة الاخرى(3)". ولقد وقفنا عند الآية الكريمة التي تبين أن الصراع بين الله والشيطان حدث بخلق الانسان، وأنه يدور بينهما من خلاله أي إن الشيطان يحارب الله من خلال الوجود الجزئي المحدود الذي يمثله الإنسان وليست له طاقة الله اللامحدودة أو وجوده اللامحدود إنما هو محدود بحدود الإنسان وليس له وجود خارج وجوده . وقد تحدى الشيطان الله بأنه سيعمل على حرف الانسان اليه، لكنه اعترف بأنه لن تكون له سلطة على عباد الله المخلصين الذين سيعملون على ترجيح كفة الصراع لصالح الله، الوجود السابق . وبينت الآية أن الصراع لن ينتهي بجولة واحدة أي من خلال الانسان الأول الذي تم خلقه، وإنما سيستمر عبر تاريخ الإنسان الطويل كله من خلال قول الشيطان إنه سيقعد للناس أجمعين يعمل على إغوائهم الى يوم يبعثون…
………
إن حقيقة أن تطور الجنس البشري غايته الوصول الى الإنسان الأخير، الإنسان الأعلى هو ما تذهب اليه فلسفة نيتشه في الإنسان المتفوق (السوبرمان) حيث أن غاية التزاوج بين البشر هي انجاب هذا الإنسان الكامل ـ حسب تصور نيتشه للكمال ـ ولكن سوبرمان نيتشه تقابله في الحقيقة المطلقة أو القانون المطلق (سوبرومن) هي ظاهره الكامل وهو جوهرها الكامل.
آمن نيتشه بفلسفة التغير والصيرورة، والصراع الذي يعني وجود تغاير واختلاف. وعبر عن فلسفته من خلال الانسان الذي يجري عبره الصراع والتغير والصيرورة، لأنه يحكمه الاختلاف بين جنسين هما الذكر والأنثى. وفسر غاية الصراع او التفاعل بينهما بأنه تطلع لإنجاب الإنسان المتفوق. وقد أوجب على الانسان أن يتجاوز نفسه بالتعالي متجهاً الى السوبرمان الذي يسمو على البشرية(4) لأنه "الأبعد والأعلى والأشد صفاء(5)". إنه الذي ينير أمام الذكر والانثى مسالك الاعتلاء، وما يتجه بهما الى مقر أبعد وأرفع من مستقر ذاتهما. إن الشوق الذي يعانيانه إنما هو شوق الى الإنسان المتفوق، ظمأ الى إبداعه، وهذا الظمأ يدفعهما الى الزواج: "إن ما تدعوه عشقاً انما هو جنون يتتالى نوبة بعد نوبة حتى يجيء زواجكم خاتمة هذه الحماقات بالحماقة الكبرى. ويا ليت حب الرجل للمرأة وحب المرأة للرجل كان اشفاقاً يتبادله إلهان يتألمان. ولكن هذا الحب لا يتجلى في الغالب الا تفاهماً بين إحساس حيوانين. وما خير الحب لو تعلمون الا تحول واضطرام في ألم وخشوع . إن هو الا المشعل ينير أمامكم مسالك الاعتلاء، وسيأتي يوم يتجه فيه حبكم الى مقر أبعد وأرفع من مستقر ذاتكم. لقد بدأتم بتعلم الحب، لذلك ترتشفون الآن المرارة الطافية كالحبب على كأسه. إن في كأس كل حب اطلاقاً وحتى في كأس أرقى حب مرارة لابد لكم من تجرعها. وهذه المرارة هي التي تنبه فيكم الشوق الى الانسان المتفوق وتلهب فيكم الظمأ اليه أيها المبدعون. اذا كان هذا الظمأ هو الذي يدفع بك الى طلب الزواج يا أخي واذا كنت تشعر بشوقك يندفع كالسهم نحو الانسان المتفوق فإنني أقدس إرادتك وأقدس زواجك(6)". فغاية الزواج هي إنجاب الانسان المرتقي. إن الزواج ليس تناسلاً وتكاثراً حسب إنما هو ارتقاء بالإنسان الى الإنسان الأرقى، الى أعلى درجات الانسان: " ليس ما فرض عليكم أن تتناسلوا وتتكاثروا فحسب بل عليكم أن ترتقوا ايضاً. فلتكن جنة الزواج مدخلكم الى المترقي(7)". إن الانسان لا يتقدم بالزواج الى الامام فقط، انما يرتفع الى ما فوق: " ليس عليك أن ترسل سلالتك الى الامام فحسب، بل عليك بخاصة أن ترفعها الى ما فوق. فليكن عملك في حقل الزواج منصباً الى هذه الغاية. عليك ان توجد جسداً جوهره أنقى من جوهر جسدك ليكون حركة أولى وعجلة تدور لنفسها على محورها. فواجبك اذاً إنما هو إبداع من يبدع . ما الزواج في عرفي الا اتحاد إرادتين لإيجاد فرد يفوق من كان علة وجوده. فالزواج حرمة متبادلة ترسو على احترام هذه الإرادة(8)".
الزواج إرادة للتجدد والارتفاع والسمو: "إن ما أريده منك هو أن تتوق بانتصارك وحريتك الى التجدد بالولد، عليك أن تقيم الانصاب الى ما فوق مستواك(9)". إن الانسان " كائن يجب ان ينشأ منه ما يجتازه(10)" الى الكمال. وكل ولادة جديدة إنما هي مرحلة اخرى للكمال، خطوة مضافة اليه. فالبشر حلقات توصل الى خلق الانسان المتفوق، هم آباؤه وأجداده: "ولعلكم لن تكونوا بنفسكم هذا الانسان ولكن في وسعكم ان تصبحوا آباءً وأجداداً له، فليكن هذا التحول خير ما تعملون(11)". وهذا التحول الى المتفوق وما يستلزمه من الخلق المستمر يستلزم آلاماً كثيرة أي صراعاً طويلاً ولكنه يقضي في النهاية على الآلام:" ليس في غير الابداع ما ينقذ من الأوجاع ويخفف أثقال الحياة، غير أن ولادة المبدع تستدعي تحولات كثيرة وتستلزم كثيراً من الآلام(12) ". وقد جعل مصدر هذا التحول إرادة الإنسان لإبداع المتفوق، طموح الإرادة الى الإيجاد كما عبر عنه، طموح الإرادة الى إيجاد الذي يظل كامناً في الاصلاب حتى تنتصر الإرادة فتوجده : "إن طموح إرادتي الى الإيجاد يدفعني ابدأ نحو الناس اندفاع المطرقة فوق الحجر. أيها الناس انني المح في الحجر تمثالاً كامناً هو مثال الأمثلة. أفيجدر أن يبقى ثاوياً في أشد الصخور صلابة وقبحاً؟ إن مطرقتي تهوي بضرباتها القاسية على هذا السجن فأرى حجره يتناثر، أريد أن أكمل هذا التمثال(13) ".ومن ألحت عليه إرادته بذلك، ومن "اتجه الى خلق من يتفوق عليه فذلك عندي صاحب أطهر إرادة وأنقاها(14) ".
إن البشر مراحل الى الانسان المتفوق وكل مرحلة يـتم تجاوزهـا بالموت حتى نصل الى الحلقة الاخيرة "الانسان الأخير(15)" في سلسلة حلقات وجود الانسان عبر تاريخ خلقه المستمر. فالموت تجاوز لهذه الحلقات او لهذه المراحل حتى يقف التجاوز عند آخر المراحل. إن الموت وسيلة للوصول اليها، إنه وسيلة لإبداع المتفوق، لتجدد الولادات وتبدلها حتى إبداعه : "يرتضي الانسان بالزوال لتجديد الصور وتبديلها، فالمحبة والموت صنوان متلازمان منذ الأزل. فمن أراد المحبة فقد رضي بالموت(16)". والذي يحب "يتفانى ليوجد في فنائه من يتفوق عليه(17)". فالموت تجاوز للبشر حتى يخلق الانسان الأخير فيتوقف الموت وينهض الأموات من رقادهم الذي طال في انتظار هذا الانسان. وما كان موتهم الا لأجل الوصول اليه وهم يهتفون في قبورهم للتعجيل بولادته : "إنكم لم تبلغوا الأعالي في طيرانكم لذلك تنادي القبور "انقذوا الأموات، لماذا طال بنا الليل؟ فهل أسكرنا شعاع القمر؟" فيا أيها الراقون انقذوا القبور، ما لكم لا تنهضون الأموات؟ كفى الديدان ما رعت! لقد دنت الساعة(18)".
إن الوصول الى هذا الانسان الأخير إنما هو التحاق بالأبدية، عودة اليها. إن نظرية العود الأبدي التي آمن بها نيتشه تجعل الصيرورة والتغير في حركة دائرية، فالكون يدور على نفسه(19). ولأن الوصول الى هذا الانسان الأخير يكون بوساطة الزواج، لذلك تحدث عن حب المرأة والرغبة في الاقتران بها بأنه تطلع للالتحاق بالأبدية، رغبة بالعود الأبدي، وهذا ما قاله في "نشيد البداية والنهاية": "كيف لا أحن الى الأبدية، وكيف لا أضطرم شوقاً الى خاتم الزواج، الى دائرة الدوائر حيث يصبح الانتهاء عودة الى الإبتداء؟ إنني لم أجد حتى اليوم امرأة أريدها أماً لأبنائي الا المـرأة التـي أحبها، لأنني أحبك أيتها الأبدية. إنني أحبك أيتها الأبدية(20)".
إن النهاية التي هي مرحلة الكمال التي كانت تحرك تطور تاريخ الإنسان تعود الى البداية، الى فكرة الكمال التي ظلت كامنة في الأصلاب توجه حركة تاريخ الانسان الى النهاية التي هي اتجاه "الى الخلود، الى عودة الأشياء بعد عبورها الى كل ما يشبه ذاته مستقراً الى الأبد(21)" إن عودة النهاية الى البداية، تشابه النهاية والبداية إنما هو استقرار أبدي.
إن سوبرمان نتشه تضعه امراة فهي الشكل الأخير الذي يظهر الجوهرالأخير: "كل ما في المرأة لغز وليس لهذا اللغز الا مفتاح واحد وهو كلمة (الحبل). ليس الرجل للمرأة الا وسيلة، أما غايتها فهي لولد.. ليتوهج الكوكب السني في حبك أيتها المرأة وليهتف شوقك قائلاً: لأضعن للعالم الإنسان المتفوق(22)".
* * * *
لقد تحدثنا عن العلاقة بين ثنائية الرجل والمرأة وعن التفاعل أو الصراع الدائر في هذه العلاقة والقوانين التي تحكم هذا الصراع والغاية التي توجه الصراع والتي ستوصلنا الى آخر المخلوقات ونقصد أكملها في نهاية الزمان وهي أكمل شكل يظهر أكمل جوهر. وكان حديثنا في إطار الفلسفة، ونحن حاولنا أن نؤكد الفروض الفلسفية بالنتائج العلمية، او أن نعطي النتائج العلمية أبعادها الفلسفية لكي يصح لنا تسمية ما نتحدث عنه من حقائق بالمطلقة الثابتة. ولهذا سنحاول أن نتلمس هذه القوانين الجدلية في تكوين الإنسان، في بنية جسمه، من خلال وصف العلم لجسم الانسان، أوليس الانسان علاقة بين عامل ذكري وأنثوي كما يقول العلم أوليس العاملان مختلفين، أوليس الاختلاف او التناقض له أبعاده الفلسفية ، أوليس يدعو الى الصراع ؟.. فالعاملان فيه إذن يتصارعان (كما انهما يتجاذبان لتكوين الإنسان) ويتجهان الى غاية حسب افتراضنا الفلسفي. وعلينا أن نعرف هل تحتكم العلاقة بين هذين العاملين ـ اللذين يبنى منهما الجسم الإنساني او تبنى خلاياه ـ الى قوانين الصراع الجدلية التي قلنا إنها تحكم كل الثنائيات المتقابلة في الكون والتي منها الرجل والمرأة ؟... إننا نحاول أن نتلمس مظاهر الصراع او التفاعل والأسس التي يستند اليها والأطراف المتصارعة والغاية التي يتجه اليها الصراع من خلال ما يصفه العلم في جسم الإنسان:
(1) لنبدأ من الأسس الأولية التي قامت عليها فروضنا الفلسفية وهي التي تقوم عليها حقيقة الإنسان في أصل خلقه… لقد قلنا إن للحقيقة أطرافها الثلاثة: الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما. وجسم الإنسان يقوم على هذه الأركان. فلقد ذكرنا أن الانسان علاقة تناقض او اختلاف بين عوامل وراثية ذكرية وأخرى أنثوية من ناحية بناء جسمه، وأنه في أصل تكونه نشأ عن علاقة بين عاملين مختلفين، مصدرهما الأب والأم. واذا كنا قد اعتمدنا الاختلاف الجنسي أساساً فإننا سنرصد هذا الاختلاف من خلال هذه العوامل الوراثية الذكرية والأنثوية . وتذكر الدراسات أن الكروموسومين الجنسيين (XY) و(XX) اللذين يميزان بين الذكر والأنثى مختلفان، فالكروموسوم (Y) ليس عليه مورث مشابه للمورث الموجود على كروموسوم(X) الذي تحمله الأنثى وحده ولا تحمل الآخر المختلف . والاتحاد بين العاملين المختلفين الذكري والأنثوي(الحيمن والبويضة) شكل أول خلية هي أصل تكون الانسان . وعندما يبدأ الإنسان ينمو ليكون انساناً متكامل الأعضاء فإن خلايا جسمه تقوم على ذلك الأساس الأول الذي صنع منه، فهي علاقات بين هذه العوامل الوراثية المحمولة على الكروموسومات. هذه العوامل الوراثية المتحدة في العلاقات او الخلايا تمثل أصل بناء الانسان، البرنامج الذي صمم على وفقه، البنية الجوهرية، القانون الثابت الموحد والعام المطلق الذي يكمن وراء كل المظاهر المختلفة التي يبدو عليها البشر.. إنها الحدث الوحيد الموحد للخلق: "كان هنالك عملية خلق واحدة فقط، حدث وحيد عند ولادة الحياة، وقد يجد المتدينون أن هذه حجة مفيدة"(23) فهذا الحدث الوحيد او الأساس الوحيد يؤكد فكرة التوحيد التي منها ينطلقون.
إن العوامل الوراثية المتحدة في العلاقات او الخلايا، تختزن معلومات كلية عن الإنسان، فيها تكمن البنية الكلية للانسان, فالانسان كائن موجود بالقوة في كل خلية من خلاياه . إن من أهم الانجازات النظرية للبنيوية البيولوجية المعاصرة الذهاب الى أن هناك بنية سابقة التكون على التطور نفسه، هذه البنية السابقة تتضمنها العوامل الوراثية، وهي تؤمن بأن كل ما يحتويه التطور الكامل وكل ما سيصدر عن هذا التطور او يعبر عنه إنما هو محدد سابقاً في العوامل الوراثية. ولا تلعب هذه العوامل دورها كعازف انفرادي وانما كاوركسترا كاملة، فلا تمثل أي منها عوامل منعزلة إنما تمثل المجموع لأنها تتضمن نظاماً عاماً وهي تتقيد بهذا النظام(24).
إن العوامل الوراثية تتحد لتكون العلاقات او الخلايا . ولقد بدأ خلق الانسان من خلية واحدة(أ) تحتوي على (46) كروموسوماً مكونة من (23) زوجاً، كل زوج عبارة عن كروموسومين متشابهين الى حد كبير إن لم يكونا متطابقين، جاء أحدهما من الأب والآخر من الأم.
والكروموسومات أجسام على هيئة قضبان(ب)، يحمل كل منها عدداً ضخماً من المورثات التي تسمى الجينات وتوجد في نواة الخلية التي هي مكون أساسي من مكونات الخلية إذ تسيطر على فعالياتها ويسبب فقدانها موت الخلية(ت).
وتنتقل الكروموسومات من الأبوين عن طريق الحيوان المنوي (الأب) والبويضة (الأم). فوظيفة الحيوان المنوي والبويضة هي نقل الكروموسومات من الأب والأم لتكوين الجنين. والفرق بين الحيوان المنوي والبويضة والخلايا العادية في باقي الجسم (وتسمى الخلايا غير الجنسية) هو ان عدد الكروموسومات في البويضة والحيوان المنوي هو (23) كروموسوماً فقط، في حين يكون في الخلايا الجسمية(46) كروموسوماً، هي عبارة عن (23) زوجاً. وعندما يلقح الحيوان المنوي البويضة (أي يندمج معها) فإن العدد الكامل للكروموسومات يكتمل فيصبح في داخل الخلية الجديدة هذه (46) كروموسوماً. ومن هنا يبدأ خلق الانسان وعبر سلسلة طويلة ومحكمة من انقسام لهذه الخلية والخلايا الأخرى الناتجة منها ليصبح إنساناً كاملاً. وتنقسم الخلية الأولى العامة التي يبدأ منها خلق الإنسان الى خلايا متخصصة، وكلما زاد تخصص الخلية فقدت قدرتها على الانقسام، في حين تبقى خلايا أخرى محتفظة بقدرتها على الانقسام في حالات محددة لتعويض الخلايا التالفة(25).
إن الخلايا تتشابه في أساس عام، ولكنها تختلف فيما بينها حسب تخصصها، فتوجد أعداد كبيرة من الخلايا في الجسم تعد بالبلايين وليس الملايين ولكنها متنوعة، فهناك الخلايا الجلدية، الخلايا العصبية، الخلايا العضلية، الخلايا الجنسية، الى آخر أنواع الخلايا.. هذه الخلايا تتشابه ـ كما ذكرنا ـ في أساس عام، ففي كل خلية العدد نفسه من الكروموسومات الموجودة في بقية الخلايا، لذلك فإن كل خلية تحتوي الوصفات الوراثية (المعلومات) نفسها لتحضير جميع المواد(البروتينات) التي تحتاج اليها ، أي ان كل خلية لديها القدرة على انتاج جميع هذه المواد من غير استثناء. ولكن لا تقوم كل خلية بانتاجها كلها، ليس لأنها لا تستطيع، ولكن لأنها لا تحتاج اليها كلها. فلذلك تنتج الخلية المواد التي تحتاج اليها على حسب تخصصها ومكانها في الجسم. أما بقية المواد الأخرى فلا تقوم بتصنيعها، فاستنادا الى تخصصها لا تعبر الخلية الا عن جزء من جيناتها . فمثلاً خلايا الكبد تنتج فقط المواد التي تحتاج اليها، وكذلك خلايا المخ تقوم بأعداد المواد التي تحتاج اليها خلايا المخ فقط، وإن كانت لديها القدرة على انتاج جميع المواد. فلكل عضو وظيفة خاصة به تتحدد بنوع المواد التي يتخصص بانتاجها. فالكبد له وظيفة محددة، والعين لها وظيفة محددة، وكذلك لبقية الاعضاء. إن هذا يعني أن كل خلية من خلايا الجسم الإنساني تمثل وجودين: وجود خاص، ظاهر، تمثله الخلايا المتخصصة. ووجود عام، كامن هو المعلومات العامة الموجودة في داخل الخلايا المتخصصة، أي ان كل خلية من خلايا الجسم (التي هي أساساً علاقة) هي عبارة عن علاقة أخرى بين وجود ظاهر، نسبي أو جزئي لا يعكس كل المعلومات، ولا ينتج جميع المواد، ووجود كامن، كامل ينطوي على كل المعلومات لانتاج جميع المواد. وهذا يعني أن كل خلية من الخلايا المتخصصة تبقى ترتبط بما هو عام. وهذا العام يمثل البرنامج العام للإنسان، الإنسان كاملاً، يمثل (الشفرة) التي تترجم الانسان كله، كل المعلومات التي ينعكس عنها الانسان. ولهذه الحقيقة أهميتها في تفسير مرض السرطان (الذي سنتكلم عليه لأنه يرتبط بالحقائق الفلسفية التي نحن بصدد تأكيدها). وهذه الحقيقة تفسر لنا كذلك استطاعة استنساخ الكائن الحي من خلايا جسم الانسان، لأنها تحتوي على المعلومات التي تمثله كاملاً، أوالتي تمثل أساسه العام، أو الوصفة الكاملة له.. ولكن هنالك جينات تتحكم في تخصص الخلية مما يجعل الخلية عامة وخاصة، فهي علاقة بين عام وخاص، كلي وجزئي كما قلنا.
وبالنظر الى تخصص الخلية أو عدمه توجد أنواع من الخلايا، فهناك الخلايا الأولية والخلايا الجذعية وهي خلايا عندها القدرة على التكاثر الى ما لا نهاية، ويمكن أن تعطي أنواعاً من الخلايا المتخصصة. وهذه الخلايا الأولية هي الخلايا التي يبدأ منها تكوين الإنسان بإخصاب الحيوان المنوي للبويضة لتتكون البويضة المخصبة. وهذه الخلية او البويضة المخصبة، تسمى (كاملة القوة). وفي الساعات الأولى بعد الإخصاب يبدأ تكاثر البويضة المخصبة الى مجموعة من الخلايا كاملة القوة ايضاً. ويمكن لكل خلية من هذه الخلايا اذا زرعت في رحم أنثى أن تنشئ جنيناً كاملاً مع الأنسجة المدعمة له من المشيمة والأغشية المحيطة به، وهذا بالضبط ما يحدث في التوائم المتماثلة. وبعد أربعة أيام من الإخصاب وبعـد عدة دورات من انقسام الخلايا تبدأ الخلايا كاملة القوة في التخصص وتكون الخلايا الداخلية قادرة على تكوين أي نوع من خلايا جسم الانسان الا أنها لا تستطيع تكوين كائن حي بمفرده لأنها غير قادرة على تكوين الأنسجة الداعمة للجنين. لذا تسمى هذه الخلايا بالخلايا الأولية (وافرة القوة) التـي تعطي العديد من أنواع الخلايا ولكنها لا تستطيع أن تعطي كل الخلايا اللازمة لنمو الجنين. بعد هذا تخضع هذه الخلايا لعمليات انقسام متكررة مكونة خلايا أولية أكثر تخصصاً وهذه الخلايا تسمى الخلايا (متعددة القوة).
وجميع خلايا الجسم تموت، ولكن أجسامنا وباستمرار تنتج خلايا جديدة على مدار الساعة لتعويض النقص ويستثنى من ذلك الخلايا العصبية. (26).
إن الذي ننتهي اليه بعد هذه المعلومات الموجزة عن الخلية أن جسم الانسان عبارة عن علاقة بين أطراف مختلفة. وهي علاقة كبرى تمثلها الخلية الأولى، كاملة القوة التي نشأت عن تخصيب الحيمن للبويضة مؤلفة من علاقات أجزاء، وكلها تقوم على الأساس نفسه، أي العلاقة بين العامل الذكري والعامل الأنثوي . وفي الحقيقة فإن هنالك مظاهر أخرى من العلاقات بين أطراف خلاف او تناقض أخرى في الجسم. فالجسم وخلاياه مؤلف من تراكيب كيميائية، وهذه المركبات مؤلفة من ذرات. وخواص هذه المركبات وفعاليتها يعتمد على طبيعة هذه الذرات والعلاقات فيما بينها. والذرة علاقة بين عامل موجب وسالب. كما أن الذرات تكون علاقات فيما بينها لأن بعضها يمثل آيوناً موجباً وآخر سالباً وتدعى الآصرة الايونية. ومن هذه الأواصر والعلاقات تتكون الجزيئات، وهناك جزيئات بسيطة مكونة من عدد بسيط من الذرات، وهنالك جزيئات ضخمة تحوي أعداداً كبيرة من الذرات والأواصر الكيمياوية المختلفة.. وهكذا( 27).. ونحن كنا قد تناولنا الإنسان بوصفه ذرة هي علاقة بين عامل موجب وسالب عندما درسنا مادة الكون ـ والانسان منها ـ وهي تتألف من ذرات. أما هنا في بحثنا هذا ـ وكما ذكرنا ـ فإننا سنتناوله بوصفه علاقة بين العامل الذكري والعامل الأنثوي: الذكر والأنثى، ومن خلال كروموسومات الجنس التي تميزهما، وسنتابع التفاعل بينهما من خلالها.
2ـ إن العلاقة صراع، فالاختلاف والتناقض يقتضي صراعاً. واذا درسنا الإنسان أو خلاياه بوصفها علاقة بين عوامل ذكرية وعوامل أنثوية، فإن هذه العوامل تتفاعل وتتصارع، وهي تشتبك في معركة. ونحن نقرأ في ما توصل اليه العلماء بعد فك الشفرة الوراثية للانسان أن هناك صراعاً بين مكونات الجينوم. وتتردد لديهم كلمات من مثل: حرب، أعداء، تضاد، وتضاد جنسي. وهذا التضاد الجنسي يعني حرباً، فالإنسان مزيج من حلقات متحاربة من الكروموسومات، متشابكة في نزاع منذ ملايين السنين، مما يجعل من الجينوم ميداناً لمعركة من نوع ما بين الجينات الذكرية والجينات الأنثوية. وكل هذا قصة قلما يوجد من يعرفها خارج مجموعة صغيرة من البيولوجيين التطوريين، الا أنها هزت عميقاً من الأسس الفلسفية للبيولوجيا(28). وسوف نعرف أن الصراع بين الجينات الذكرية والأنثوية إنما هو صراع بين الوجود والعدم, وهذا هو تفسيره الفلسفي .
3ـ قلنا إن أحد النقيضين سابق على الآخر، وهذا يمثل الوجود. وإن النقيض الآخر هو العدم قبل أن يخلق ليظهر الى الوجود ويكون وجوداً ظاهراً وليكون الوجود السابق بوجوده ظاهراً بعد أن كان كامناً. فالنقيض السابق كان يمثل وجوداً كامناً قبل أن يخلق الآخر ليظهر الطرفان. وبالنسبة الى العاملين الجنسيين الذكري والأنثوي اللذين نتابع من خلالهما هذه الحقائق الفلسفية، فإننا نفترض أن الذكري هو السابق لأنه علاقة، والعلاقة بها يتحدد او يعرف أو يوجد طرفاها، فهي مصدر لوجودهما، وهي بذلك علة هذا الوجود، والعلة سابقة على المعلول. ولكنها عندما تكون سابقة فإنها بأحد طرفيها ـ كما ذكرنا ـ وإن أحد طرفيها كان عدماً. ونحن نفترض أن العامل (X) هو الذي كان عدماً في العلاقة (XY) التي يمثلها الرجل. وبعد وجود هذا العامل وجدت العلاقة أي الرجل. والعامل (X) في الرجل يمثل عدماً أي انه يحتفظ بصفة ضد الوجود مع وجوده كالشحنة السالبة في النترون ولهذا فإنه يدخل في طور صراع مع العامل الذكري ـ لأن العلاقة صراع كما ذكرنا ـ ويسعى الصراع الى نفي العدم وبنفيه ينكشف الوجود السابق أو يتجلى أو يتحدد ويتعين كما قلنا في حديثنا الفلسفي .
إن العامل (X) في الرجل يمثل عدماً ، ولهذا فإن المرأة في الرجل غير ظاهرة، وصفة الأنوثة غير متغلبة، إنما المتغلب هو صفة الذكورة. فوجود الكروموسوم (Y) في خلايا الجنين الجديد يحفز الغدة الجنسية الجنينية في مرحلة معينة من التطور الجنيني لتفرز فيما بعد التستيرون ـ ذلك الهرمون الذي يعمل بمنزلة مفتاح تشغيل محرك التطور الذكري لجنس الجنين ـ وهذا الهرمون يرتبط مع منتجات جين آخر خاص مكوناً حافزاً لتشغيل كافة الجينات اللازمة للتكشف الذكري، ثم صيرورة الجنين فرداً ذكراً. وبغياب الكروموسوم (Y) الذي يستبدل عادة بـ(X) تصبح تلك الغدة مبيضاً فينعدم افراز التستيرون وبذا يتجه التطور نحو الأنوثة. وبعد أن يكتمل الصراع وينفى العدم ليحل محله وجود يظهر الوجود الذي يمثل( وجود العدم) ويتمثل بالمرأة ومصدر المرأة هو الرجل لأنه علاقة كما قلنا. إن العامل الأنثوي يصدر عن الذكر فأحد الحيامن الذي يحمل (X) والذي يخصب البويضة يولد الأنثى، فالأنثى تصدر عن الذكر والعامل الذكري هو المسؤول عن تحديد جنس الجنين بما يعطيه من العامل(X) أو (Y)، إذن فالذكر مصدر الأنثى وهو السابق عليها.
واذا أردنا أن نعبر عن العاملين الجنسيين أو ما يرتبطان به من معان فلسفية (الوجود والعدم ) من خلال المركبات الكيمياوية التي تمثلهما او تعبر عنهما في الخلية، فإننا وجدنا أحد طرفي التفاعل (الحوامض النووية) يرتبط بمعنى الوجود الجوهري (الوجود الكامن)، ووجدنا الطرف الآخر(المركبات الكيمياوية في الخلية وهي البروتينات والكربوهيدرات والدهون) يرتبط بمعنى الوجود الذي يتحقق بنفي العدم أي الوجود الظاهر. لنقل إن الحوامض النوويـة والبروتينات تحدد كيمياوياً هذا التناقض أو الاختلاف الذي بين الوجود الكامن والوجود الظاهر. فالحوامض النووية تحمل الجينات او العوامل الوراثية التي يتكون منها وفي ضوئها الإنسان أو يوجد، ففيها معلومات تحدد صفاته الظاهرة والباطنة وكل ما يتعلق بوجوده، أي ان الانسان كائن فيها او كامن فيها، ففيها سر الوجود.
لقد وجد الباحثون أن الـDNA هو المادة الوراثية في نواة الخلية(ث)، وأنه الحامل الرئيس للمعلومات الوراثية وليس البروتينات او الـRNA في أغلب الكائنات الحية. وأن حدوث الطفرة وهي تغيرفي المادة الوراثية ما يدلل على أن الـDNA هو المادة الوراثية، فإذا تغير جين واحد أو أكثر فأصبح لا يعمل بشكل صحيح فإن الجين في هذه الحالة يسمى جينا معطوبا أوبه طفرة وسيقوم حينها بإنتاج بروتين غيرطبيعي أوبنسبة غيركافية. كما أن كمية DNA وثبات تركيبه وعددالصبغيات تدل على أن المادة الوراثية تكمن فيه وليس في الـ RNA اوالبروتين الذي تختلف كميته وأنواعه.
ويرتبط الطرف الآخر (البروتينات) (ج) بمعنى الوجود الـذي يتحقق بنفي العدم أي (الوجود الظاهر) وهو الوجود المتأخر الذي قلنا إنه يرتبط بالمرأة أو إن المرأة هي التي تمثله. ويفهم من كلامنا أن البروتينات كانت عدماً قبل أن تصنع ما دامت ترتبط بهذا الوجود الظاهر الذي يخلق من العدم. والبروتينات لها هذه المواصفات، فهي توصف بأنها من المواد او الجسيمات التي تصنع في الخلية نتيجة لنشاط مكونات الخلية الحية ولعملية إنتاج أوتحرير الطاقة في الميتاكوندريا التي تعود الى الأنثى فقط وكما قلنا في الفيزياء إن العدم هو فراغ أو مستوى من الطاقة السالبة التي ترتفع من مستوى كونها سالبة الى كونها موجبة هي شحنة سالبة أو ألكترون وإن هذه الشحنة السالبة أو الألكترون تقضي عليها الشحنة الموجبة وتخلف وجودها . فالبروتينات إذن هي ناتج لفعالية الخلايا في انتاج الطاقة التي تحرر نتيجة التفاعل لتبنى منها ومن المركبات الأخرى في الخلية المادة الحيوية (مادة الخلايا) ، إنها مواد غذائية متحللة في الجسم وفي ظل استخدام الطاقة تتحول الى مادة الخلايا اي تصنع منها المادة التي تنبض في جسم الانسان بالحياة وتعطي مظهرا له ، فالبروتينات كالشحنة الموجبة التي تخلف الشحنة السالبة أو الطاقة والتي تخلق من العدم الذي هو في لغة الفلسفة (الممكن الوجود) أي القابل للتحول الى الوجود. وعملية تكوين البروتين توصف بأنها عملية (انتاج وصناعة) نتيجة لفعالية الخلايا وعملها لتكوين مادة جديدة لبناء الخلايا الجديدة اي انها ناتج لعملية الخلق . وهذه البروتينات بعضها مفيد تستهلكه الخلية في نشاطاتها المتنوعة، وبعضها الآخر نواتج عرضية للعمليات الأيضية، أي عمليات البناء والهدم. وتقوم الخلية بالتخلص منها بطرق شتى أو قد تخزن في داخلها .
إن مادة الخلايا تخلق وتصنع من خلال عملية تحرير الطاقة وخزن الطاقة، وهذه العمليات تسمى بـ(الأيض الخلوي) وهو مجموع التحولات الكيميائية التي تحدث بمساعدة الانزيمات في الخلية وتتضمن عمليات بناء المواد والمركبات المختلفة في الخلية وعمليات تقويض المواد والمركبات المختلفة. وتتصف عمليات البناء باستهلاكها للطاقة عادة، بينما يرافق العمليات التقويضية تحرر للطاقة. فالبروتينات هي مادة العمليات التي تؤدي إما الى خزن الطاقة حيث تكون المواد المختلفة التي تبنى منها مكونات الخلية والكائن الحي وهو ما يعرف بالعمليات البنائية، وإما الى تحرير الطاقة واطلاق نواتج يلفظ بعضها الى خارج الخلايا والكائن الحي وهو ما يعرف بالعمليات التقويضية. وكل إنزيم مسؤول عن تفاعل محدد، وعليه إذا ما تضرر ذلك الإنزيم او انخفض تركيزه فإن التفاعل المسؤول عنه يتأثر فيلحق الضرر بالخلية او الكائن الحي(29). إن هذه العمليات هي عمليات اظهار العدم او إيجاد الوجود الظاهر الذي تمثله الخلايا أو مادة الجسم الحي التي تمثلها البروتينات . البروتينات إذن تمثل الوجود الظاهر لا الوجود الكامن الذي قلنا إن الجينات تمثله. فالبروتينات ليست حاملة العوامل الوراثية، ولذا يذكر أن لها أهمية بنائية او تركيبية وأنها بعد تصنيعها تظهر المعلومات الوراثية ، تجلي صفات الإنسان ومعناه او جوهره الذي تحدده المعلومات الوراثية . أي إن البروتينات هي المادة التي ستتجلى بها المعلومات الوراثية التي سيصبح بها الكائن الحي انساناً بعد أن كان مجرد معلومات او جوهراً او معنى او مضموناً. إنها تعطي الصبغيات DNA نمطاً بنيوياً وتنظيمياً(30). إن الهدف الرئيس للجينات هو اختزان وصفة لصنع جميع أنواع البروتينات التي هي المواد الأساسية لبناء الخلية ولاستمرارها في العمل . إن الجينات مسؤولة عن انتاج البروتينات التي يحتاج اليها الجسم للنمو وليؤدي وظائفه بشكل طبيعي. وعندما تحدث العلماء عن كيفية تكون أجسامنا شبهوا جسم الإنسان ببناية من الطوب الذي هو الوحدة الأساسية التي يبنى منها جسم الإنسان. وهذا الطوب هو الخلايا، ولكنه ليس مصنوعاً من الاسمنت بل من مادة تسمى بروتين يحصل عليها جسمنا من الغذاء اليومي بعد أن تهضمه المعدة ويتحلل الى أحماض أمينية. البروتين يمثل إذن المظهر، ويمثل الـDNA الجوهر او المعلومات التي يظهرها البروتين. وهما طرفان لا ينفصلان في بناء الخلية والجسم. لايمكن للحامض النووي DNA أن يؤدي وظيفته بدون وجود بروتينات مساعدة أوانزيمات ولا وجود للبروتين بدون ال DNA . الكروموسومات هي كتل من الحمض النووي الملتفة داخل غطاء بروتيني . وهذه البروتينات تلعب دورا مهما في المحافظة على هيكل المادة الوراثية وتنظيم نشاط تعبير الجينات الذي يؤدي الى تكشف وتكوين الفردالكامل من خلية الزيكوت . البروتينات هي جينات مترجمة , كل بروتين هو جين مترجم، هو معلومات مترجمة مادياً(31).
ولأن البروتينات تمثل الوجود الظاهر لذا توجد كمية كبيرة من الماء والبروتينات في السايتوبلازم الذي يقوم بمعظم أعمال الخلية وهو المظهر الخارجي للخلية(32). أي ان البروتينات تنتمي الى ما هو مظهري في الخلية وهو السايتوبلازم ولذلك يسمى السايتوبلازم الهيولى وهذه الكلمة تعني في الفلسفة الصورة أوالمادة التي يتشكل بها الجوهر أو التي تتقبل الجوهر. والبروتين يخلق في السايتوبلازم حيث لا يوجد الـDNA هناك إنما تنسخ المورثة المحمولة على جزيء DNAعن طـريق شريط فردي من الـ RNA الرسول لينتقل بها الى السايتوبلازم (ح) وهناك تبدأ عملية خلق البروتين وتترجم الشفرة هناك(33 ) وتصنع البروتينات من الحوامض الأمينية التي تبنى في الميتاكوندريا بوجود الريبوسومات التي تلعب دورا مهما في صنع وانتاج هذه البروتينات التي تشكل المادة البنائية المظهرية للجسم.. إن الميتاكوندريا التي توجد لدى الأنثى فقط تبنى فيها الحوامض الأمينية التي تصنع منها البروتينات التي تترجم الشفرات الجينية أي إنها تغلف المعلومات الجوهرية بغلاف مادي بروتيني . إن هذا يعني ان المعلومات الجوهرية تأتي من نواة الخلية الى السايتوبلازم حيث المكون الأنثوي الذي هو الميتاكوندريا يصنع المادة التي تكون البروتينات التي تلبس الشفرات الجينية جسما ماديا مظهريا تتلفع به . وهذا يعني أن عملية إظهار الوجود تشرف عليها مكونات ترتبط بالمرأة.. ولأن البروتينات تمثل الوجود الظاهر الذي يظهر الوجود الكامن، ولأن المرأة تمثله، لذا تكثر البروتينات في البويضة وهي الخلية الأنثوية. وتتألف من البروتينات حبيبات المح الذي هو مادة غير حية قبل الإخصاب والانفلاق، وهي التي ستكون غذاءً للجنين النامي، أي إنها مادة نمو وبناء جسمي ظاهري . وتذكر المعلومات العلمية أن تكوين البروتينات أي المادة الحية يكون بعد الإخصاب والانفلاق أما قبل ذلك فهي حبيبات المح غير الحية وهذا يؤكد ما ذكرناه من ان البروتينات تخلق وتصنع لتكون مادة الجسم الحية بعد ان كانت مادة غير حية . أما في الحيمن فلا يوجد سوى القليل جداً من المواد الغذائية، ويطرد معظم السايتوبلازم ويضمحل عند تخصيب البيضة فيبقى خارج البيضة على عكس الخلية الأنثوية فتزداد كمية السايتوبلازم الذي يحتوي على كمية كافية من المواد الغذائية كما قلنا وهذا يؤكد حقيقة ان السايتوبلازم ينتمي الى الانثى اكثر مما ينتمي الى الذكر لأنه الجانب المظهري في الخلية. وتتحدد مناطق تكوين الأعضاء فيه بحيث أنه يمكن تحديد خريطة مبدئية لتكوين الأعضاء المقبلة للجنين او خريطة مبدئية لتكوين شكله الجسمي، فالجهة التي تكثر فيها حبيبات المح تكون طبقة الأديم الداخلي للجنين(34). وهذا يعني أن هيكلية الإنسان وشكله الظاهري يرتبط بالبويضة او الأنثى التي قلنا إن البروتينات ترتبط بها.
ويؤكد العلم أن الجسيم المسمى الميتاكوندريا(خ ) وهوالمسؤول عن تكوين الطاقة ثم تكوين الحوامض الأمينية لتبنى منها البروتينات وتحديد كميتها إنما هومرتبط بالأنثى كما قلنا. إن أهم ما يؤكد تمثيل المرأة للجانب المادي وجانب الظهورهوامتلاك البويضة للميتاكوندريا دون الحيمن فيتم توارث جينات الميتاكوندريا الموجودة في البويضة ولا يسهم الحيوان المنوي بأي منها. فعند تخصيب البويضة يساهم الحيمن في جينوم النواة فقط إذ ان نواته فقط تدخل البيضة بينما يطرح اويبقى السايتوبلازم الذي يحوي نسبة بسيطة من الميتاكوندريا خارج البيضة . إن ميتاكوندريا الحيمن التي توجد في القطعة الوسطى منه أوغمد الذيل لا تدخل البيضة ووظيفتها أنها تزود الحيوان المنوي بالطاقة التي يحتاج اليها في حركته السريعة باتجاه البويضة . ولأن الرجل لا يسهم في توريث الحمض النووي الموجود في الميتاكوندريا لذلك يرثه الرجال من أمهاتهم ولا يستطيعون أن يورثوه. أما النساء فيتوارثنه من الأم الى الابنة من جيل الى آخر بشكل ثابت تقريبا وبهذه الطريقة يمكننا أن نتعقب ماضينا رجوعا الى الحواء الجينية وبناتها فنكتب تاريخ نساء العالم ومن بعد تاريخ العرق البشري .
ما هي هذه الميتاكوندريا التي تجعل الأنثى توصف بأنها تمثل الوجود الظاهر وأنها التي تمنح الإنسان وجوده المادي ؟.
الميتاكوندريا تركيبات صغيرة جدا تعيش في داخل كل الخلايا البشرية في السايتوبلازم - الذي قلنا انه يحيط بالخلية وانه الجانب الخارجي لا الداخلي الجوهري منها - ويتراوح عددها من (1000-2000) ويقال إن نسخ وترجمة الحامض النووي للميتاكوندريا مسيطر عليه من نواة الخلية . وهناك رأي يذهب الى أن ال DNAالموجود في الميتاكوندريا يتكاثر بالانشطارمثل البكتريا دون أن يطرأ على الDNA الذي تحتويه تغيرفي أثناء انشطارها فهو عديم التغير تقريبا من جيل لجيل بينما يكون التغير في DNA النواة الذي يحدد طول قاماتنا ولون أعيننا وصفاتنا الأخرى أمرا ملازما . وهذا يعني أن الميتاكوندريا تمتلك نظاما جينيا خاصا بها, فهي الجسيم الوحيد في الخلية الذي يحتوي الDNA خارج النواة ، ومن ذلك جاء اسمها فهي توجد في سايتوبلازم الخلية لا في نواتها وهذا يساعدها على الانقسام في داخل السايتوبلازم دون الحاجة الى انقسام الخلية. ولهذا يصفها بعض الباحثين بأنها خلية مستقلة في داخل الخلية، ففي حين يتكون الDNA في النواة من خليط شفرتي الأم والأب تكون للميتاكوندريا نسخة خاصة من الشفرة الوراثية . ونحن نرى أن هناك تفاعلا بين عمل الDNA في الميتاكوندريا والنواة ولكنه يتصل بنوع محدد من المعلومات في كل منهما. والذي يدعو الى التفاعل أن ما يحمله DNA النواة من معلومات لابد من أن يترجم من خلال البروتينات التي تصنع من خلال انتاج الطاقة، أي من خلال عمل الميتاكوندريا ، أي ان عمل DNA الميتاكوندريا يتصل بإنتاج الطاقة لا بالمعلومات الوراثية الأخرى الموجودة في جينات النواة، فنوع المعلومات الوراثية في كل منهما مختلف ولكنهما متعاونان ومشتركان بالمعلومات التي تتصل بانتاج الطاقة وصناعة البروتينات التي تحتاج اليها الجينات لتتجلى . إن ال(37)جينا وهو عدد الجينات التي تمتلكها الميتاكوندريا تتحكم في عملية الأكسدة الفسفورية للخلية وهي وظيفة في غاية الأهمية لذلك فإن الطفرات التي تحدث في المحتوى الوراثي للميتاكوندريا تسبب ظهور الشيخوخة أي تقدم العمر . أما من يرى أن جينات الميتاكوندريا لها عمل شبه معزول عن عمل جينات النواة فإنه يستدل بعملية الاستنساخ فعندما تنزع النواة من البويضة التي ينقل اليها نواة خلية جسمية منزوعة من سايتوبلازمها فإن هذه النواة المنقولة تستطيع أن تنتج كائنا كاملا مشابها للكائن الذي أخذت منه نواته . أي ان البويضة التي نزعت منها نواتها بقيت مجرد وعاء لاستقبال النواة الجديدة المراد استنساخها وهذا الوعاء عبارة عن مادة بنائية خارجية لا دخل لها في تكوين صفات الفرد . في حين يرى فريق من العلماء أنه بالرغم من احتواء الجنين المتكون بالاستنساخ على النسخة الجينية الكاملة المطابقة للنواة المنقولة الا ان خلاياه بها أيضا DNA آخر مورث من البويضة التي يزعم أنها مفرغة وموجود في مئات عدة من الجسيمات الصغيرة المسماة الميتاكوندريا. ولذلك فإنه من الخطأ_كما يرى هذا الفريق_ أن نعتقد أن نقل النواة الى البويضة المفرغة سوف ينتج عنه نسخة طبق الأصل من الكائن الذي أخذت منه النواة . وكذلك عند تخصيب النساء العقيمات بوساطة حقنهن بكمية صغيرة من السايتوبلازم البويضي الحاوي للميتاكوندريا من نساء خصيبات فإن الأولاد المولودين يحملون نظريا سايتوبلازما او ميتاكوندريا من امرأتين مختلفتين او بلازما متباينة غير متجانسة فهناك مقدار ضئيل من المعلومات الوراثية التي تحملها خلايا الميتاكوندريا البديلة. ومن المعروف علميا أن هناك بعض الأمراض تنتج عن وجود بلازما غير متجانسة بخلايا الميتاكوندريا وغالبا ما تنشأ هذه الأمراض بعد سن البلوغ او في مراحل متأخرة من حياة الإنسان . كما تلعب التغيرات دورا مهما في الشيخوخة، مما يؤكد أن الميتاكوندريا تنقل صفات وراثية مهمة. وبناء عليه فإن التعديل الوراثي كائن لامحالة – كما يرى هذا الفريق - اذا ماتم نقلها الى الأجنة او التلاعب بمحتوياتها الوراثية. ونحن نرى أن الميتاكوندريا لا تنقل صفات وراثية تحدد خلقة الانسان الراسخة والمميزة له كالصفات الجسمانية والمظهرية إنما هي صفات تتعلق بعملية بناء الخلايا ومستوى الطاقة والمادة المتوفرة لذلك وما تتعرض له الخلايا من خلل وأمراض مما يتصل بعمل جهاز الطاقة والبناء الذي هو الميتاكوندريا وهذا هو تفسيرنا لعمل ودور الDNAالذي تحتويه الميتاكوندريا فهو يتعهد بالجانب البنائي الشكلي للإنسان في حين يتعهد DNA النواة بالجوانب الجوهرية له .
إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم كالتفاعل بين الجوهر أو الصورة والهيولى وهو تفاعل مستمر دائم لصناعة المادة أو الخلايا الجديدة التي هي عبارة عن تجل للجوهر الذي تتضمنه الجينات وهذا مستمر باستمرار الحياة ولا يتوقف إلا عندما يتجلى الجوهر تماما وعندها تنضب الطاقة اللازمة لصناعة البروتينات وتشيخ الميتاكوندريا وتضعف وعندها تنتهي حياة الخلايا ويموت الأنسان . إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم يستمر حتى يتجلى الجوهر تماما أي حتى تستنفد كل الطاقة الكامنة (الوجود بالقوة) أو تستنفد كل المادة التي تخلق من خلال عملية انتاج الطاقة الكامنة . إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم إذن إنما هو تفاعل بين الجوهر الكامن الذي يسعى الى التجلي والمظهر الذي يريد أن يتلفع به ليخرج الى الحياة ولهذا توصف الميتاكوندريا بأنها لولاها لا تكون الحياة _وهذا يؤكد وصفنا السابق لدور الحمض النووي فيها _ فلولاها يكون الانسان مجرد معلومات جوهرية كامنة في العوامل الوراثية لآبائه ولا يكون وجودا ظاهرا . فالوجود الظاهر يرتبط بالميتاكوندريا وهذه ترتبط بالأنثى فقط ولولاها لا تستطيع الخلية أن تعمل لأنها مصدر الطاقة والحيوية للخلية للقيام بفعالياتها المختلفة .
إن الميتاكوندريا تزود التفاعلات الكيمياوية في الجسم بالطاقة التي تحتاج اليها ولذا سميت بيت الطاقة أو محطة انتاج الطاقة أومولد الطاقة والبطاريات الإنزيمية التي تختزن الطاقة . وهي المسؤولة عن أكسدة المواد الغذائية والسكر بوساطة الانزيمات الموجودة فيها فتستخلص الطاقة من المركبات الموجودة في الخلية لتنفيذ العمليات المختلفة مثل عملية الأيض او البناء التي تحتاج اليها الخلية لانتاج أنواع الهرمونات والخمائر والبروتينات التي تلعب دورا فاعلا في وظائف الجسم ومنها التحكم في تصرفاتنا . وتصنع البروتينات – كما قلنا - من الحوامض الأمينية التي تبنى في الميتاكوندريا بوجود الريبوسومات التي تلعب دورا مهما في صنع وانتاج هذه البروتينات التي تشكل المادة البنائية المظهرية للجسم . ومن الخمائر المهمة التي تصنعها جينات الميتاكوندريا خميرة السايتوكروم سي_ اوكسيديس ومادة ATPعظيمة الطاقة التي تعد مصدرا سهلا وسريعا للطاقة إذ تحررها بشكل كبير في أي مكان في الخلية يحتاج الى طاقة (35 ).
ويترشح عن عملية توليد الطاقة وصنع وحدات الطاقة فيض من الشوارد الحرة . والشوارد هي كل جزيء او ذرة فقدت الكترونا واحدا من الكتروناتها بحيث تصبح من ذوات العدد الفردي مما يجعلها غير ثابتة وقابلة للاتحاد بمركبات أخرى متعددة . وفي الخلايا تبعث هذه المركبات الهدامة الاضطراب في التراكيب الحية فتهاجم بطاقتها الزائدة أثمن محتويات الخلية مثل البروتينات و الDNAالخاص بالميتاكوندريا وDNAالخاص بالنواة فتشوه جزيئاتها التي تقوم بدور عظيم لاستمرار الحياة . وبمضي الزمن فإن هذا يؤثر بشدة على انتاج ATP مما ينقص من كفاءة الحياة فتبدأ في التدهور على مستويات عدة سواء في مجال توليد الطاقة او أداء وظائفها كافة . والواقع أن التأكسد والتلف الذي يصيب الخلية هو الذي يؤدي الى التدهور الذي نراه في الشيخوخة .
وبتقدم العمر تتشوه الميتاكوندريا وتتضاءل وينعدم فعلها فتقل الطاقة الخلوية وتموت الخلية وتكون الشيخوخة التي يصحبها الوهن. وتظهر الشيخوخة على الحمض النووي للميتاكوندريا الذي ينهكه انقسام الخلايا المتكرر فيصبح هشا رقيقا . وعندما تشيخ الميتاكوندريا ينضب مصدر طاقة الخلية فتشيخ ويشيخ الجسم كله ويكون هذا سببا لتضاؤل الأنسجة والعضلات التي تحتاج الى طاقة كبيرة للقيام بالأعمال الفيزيائية البدنية وهذا يؤكد أن بناء الجسم ومظهره مرتبط بقوة وقدرة الميتاكوندريا الأنثوية في أداء عملها. وتشير الدراسات الطبية الى أن النقص في وظيفة الميتاكوندريا يؤدي الى قلة افراز هرمون النمو وهذا يؤدي الى اضمحلال الأنسجة العضلية في الشيخوخة أي اضمحلال البناء المظهري للجسم . إن هذا يعني أن حياة الميتاكوندريا وتقدمها في العمر وشيخوختها ترتبط بها عملية صرف الطاقة وعملية بناء الخلايا وانقسامها التي هي عملية صرف للطاقة(36)وترتبط بها عملية تجلي الجوهر التي تحدث من خلال عمليات انقسام الخلايا وبنائها التي لها امد محدد هو مقدار عمر الانسان .
إن عملية بناء وانقسام الخلايا ترتبط بعملية التقدم في العمر فهناك برنامج داخلي يحدد عدد مرات انقسام الخلايا ثم يقف هذا البناء والانقسام وتموت الخلية. وهذا معناه أن هناك عمرا محددا للطاقة أو للمادة التي تبنى منها الخلايا ( العدم أو السلب الكامن ) او مستوى محددا لها وأن هذا المستوى يستنفد باستمرار عملية بناء وانقسام الخلايا والتقدم في العمر، فهذا المستوى المحدد يرتبط بعمر الانسان فهناك انقسام مبرمج للخلايا وهناك تقدم مبرمج لعمرالإنسان وهناك وقت محدد لعمرالإنسان لأن هناك خزينا محددا من الطاقة الكامنة يكفيه مدة عمره فقط .
إن برمجة انقسام الخلايا وبرمجة صرف الطاقة الكامنة من أجل هذا الانقسام ثم برمجة عمرالإنسان كل ذلك يرتبط بالأنثى دون الذكر اي ان حياة الانسان ومدة عمره او وجوده الفعلي الظاهري يرتبط بها ، فلقد وجد الباحثون أن العوامل البيولوجية التي تحدد مدة ظهور الوجود الإنساني أي عمر الانسان ترتبط بها ، فالجينات التي تحدد عمر الانسان ترتبط بالعامل الأنثوي X. ولقد بَين العلماء أن هناك جدولة لعمر الانسان في داخل الخلايا وأن قدره محتوم من خلال انقسام محدد للخلايا . وهذا القدر من الانقسام قد رسم وحتم في جينات الخلايا نفسها وأن الجسم يستهلك نفسه بموجبه مع كل انقسام من خلال ساعة بيولوجية تدق مربوطة الى منبه انذارالموت. فكما يربط منبه الساعة الى وقت محدد فإذا دخل الوقت استيقظنا على رنينه فهنا منبه الموت يدعونا من داخل الخلايا للرحيل .
لقد حددت الساعة البيولوجية عمر الإنسان من خلال عدد مرات الانقسام في الخلايا ، فخلايا كل كائن حي تنقسم عددا معينا من المرات ثم تتوقف بعدها عن الانقسام وتهرم وتموت . فهناك مدة محددة لحياة الكائن الحي وهناك مدة محددة لحياة خلاياه . فخلايا جسم الانسان تتجعد وتموت بعد نحو 50_70 انقساما . إن الذي يحدد عدد مرات انقسام الخلايا هو ما يسمى بالتيلومير( د ) وهو قطع مكررة من الحمض النووي TTAGGG لا تضم مورثات وتقع في نهاية الكروسومات وأهم وظائفها هو منع الكروموسومات من أن تفقد متتاليات أساسية عند نهاياتها وتقوم بحماية تلك الكروموسومات. وتعتمد التيلوميرات في عملها على إنزيم يسمى التيلوميراز( ذ ) الذي يجب ان يتوافر بكميات مناسبة . ومع كل انقسام خلوي يفقد جزء من التيلومير فيتقلص طوله إذ يفقد في كل انقسام نحو مئة وحدة من مكوناته وبعد عدد معين من الانقسامات تصبح التيلوميرات أقصر من أن تسمح للخلية بمعاودة الانقسام وترميم الأجزاء المفقودة من الكروموسومات فتومئ للخلية بالتوقف عن الانقسام ثم تبدأ بالاضمحلال والموت . إذن فالتيلومير يعمل مثل الساعة البايولوجية التي تدق في كل خلية والتي توقف انقسام الخلية وتؤدي الى الشيخوخة والموت. وهذا يعني أن هذا الجهاز الأنثوي وبالتعاون مع جهاز أنثوي آخر هو الميتاكوندريا يحددان كمية المادة المدخرة لبناء ونمو خلايا الجسم طيلة عمرالإنسان ، أي انهما يحددان مقدار العدم المطلوب تخليقه لأجل ذلك ، فالميتاكوندريا تنتج هذه المادة من العدم فتصنع الاحماض الأمينية التي تصنع منها البروتينات والمواد الأخرى اللازمة لانقسام الخلية والتيلومير يحدد مقدار هذه المادة المقررانتاجها عند كل انقسام والتي تعادل مئة وحدة من مكوناته ، وإذا توقفت الخلية عن الانقسام فهذا يعني انتهاء كمية المادة المخصصة لهذه الخلية أو انتهاء لعمرها . ونستطيع أن نصف الجينات التي تشرف على عملية بناء التيلوميراز الذي يعتمد عليه التيلومير بأنها العقل أو الجوهر الذي يرتبط بالطاقة الكامنة في جسم الانسان أو الوجود بالقوة أو العدم أوالسلب الذي يختزنه والذي يراد تخليقه وتحويله الى مادة أو خلايا وهي التي تعطي الأمر بذلك .
إن الانزيمات التي تقوم بمضاعفة الDNA في أثناء عملية الانقسام الخلوي لا تستطيع نسخ الكروسومات على مدى طولها حتى الأطراف بل انها تترك دوما في كل دورة تضاعف منطقة صغيرة عند النهاية (قطعة من التيلومير) من دون نسخ . ففي كل مرة ينسخ فيها كروموسوم يحذف جزءا من التيلومير . ولا بد للتيلومير من أن يتآكل مع توالي عمليات الانقسام وبالتدريج يقل في أجسامنا طول التيلومير وتبدأ الخلية في الدخول في طور الشيخوخة والانهيار. ولكن الخلية تمتلك طريقة حيوية للتعويض عن طريق الإنزيم الباني للتيلومير وهو التيلوميراز. فهذا الإنزيم هو الذي يمكنه ترميم الأطراف البالية للكروموسومات وإعادة تطويل التيلوميرات وانه بهذا يكون في الخلايا كأنه إكسير الحياة الخالدة. وتقوم الخلايا الجنينية فيما قبل مرحلة التمايز الخلوي بصنع انزيم التيلوميراز واليه تعود قدرتها على الانقسام والتكاثر. وفي الطبيعة لا يمكن للخلية أن تنتج انزيم التيلوميراز ولكن يمكن ذلك للخلايا الجنسية والإنجابية وكذلك للخلايا السرطانية وهو ما يجعلها تنمو باستمرار . وما أن يكتمل تكوين الجنين حتى يتم كبت وإيقاف تشغيل الجينات التي تصنع هذا الانزيم في كل أنسجة الجنين فيما عدا أنسجة محددة . ولقد اكتشف العلماء أنه باضافة انزيم تيلوميراز الى كروموسومات الخلية فإن الخلايا تستمر في الانقسام دون أن تظهر أية علامات على الشيخوخة والموت . وقد يتعرض عمل جين التيلوميراز الى الاضطراب فتستمر الخلية في التكاثر بدون ضابط وبلا توقف مسببا مرض السرطان ، فالسرطان يصيب هذا الجهاز المشرف على حجم الطاقة الكامنة أو العدم الكامن والمراد تخليقه والذي يكفي لعمر الإنسان فيطلقه ويهدره كله مرة واحدة .
لقد أكد العلماء أن الجينات المؤثرة في طول عمر الانسان والتي ترتبط بالتيلومير والتيلوميراز ترتبط بالكروموسوم الأنثوي X . وهذه الجينات تنتقل من الآباء والأمهات الى أولادهم من خلال الكروموسوم الجنسي X . وهذا تأكد للعلماء من خلال مقارنة العلاقة بين طول شريط الحامض النووي عند الاطفال وعند أي من أبويهم . وعندما تم قياس ذلك وجدوا علاقة واضحة في طول هذا الشريط بين الأمهات وأبنائهن من الذكور ولم تكن هناك علاقة واضحة بين الآباء وأبنائهم من الذكور . وذلك يشير الى أن الجينات المؤثرة في طول العمر وأمراض الشيخوخة موجودة على كروموسوم X. إن تأثير هذه الجينات يكون بنسبة القصر في طول شريط الحامض النووي وهذا يؤثر في طول العمر وفي ظهور أمراض الشيخوخة.
إن كل هذا الشرح يؤكد أن المرأة تمثل جانب الظهور والمادة بالنسبة للوجود الإنساني وتمثل كذلك جانب مدة ظهور هذا الوجود المادي أي عمر الإنسان (37 ). . وهكذا نرى أن الجانب الأنثوي الذي تقترن به وحده الميتاكوندريا وتقترن به الجينات التي تتحكم بمدى انقسام الخلايا عن طريق تحديد عدد الوحدات المفقودة من التيلوميرات ، هذا الجانب الأنثوي هو الذي يعطي للانسان مظهره الخارجي لأن الميتاكوندريا هي المسؤولة عن انتاج الطاقة وصنع الحوامض الأمينية لصنع البروتينات والمواد الأخرى التي هي المادة الخارجية للجسم وعندما تتضاءل وتضعف تضعف خلايا الجسم وتمر بمرحلة الشيخوخة فالموت . كما ان هذا الجانب الانثوي ترتبط به مدة عمر الانسان ومستوى الطاقة أو المادة الكامنة المخصصة لمدة هذا العمر اي مدة ظهور الانسان على الارض لانه تقترن به الجينات التي تتحكم بمدى انقسام الخلايا عن طريق تحديد عدد الوحدات المفقودة او المصروفة من التيلوميرات .
وما يدلل على أن الأنثى تمثل الجانب المادي الذي يظهر الجانب الجوهري أو الصفات الوراثية أن البويضة هي المسؤولة عن تغذية النطفة حتى تعلق في جدار الرحم (وهذا يفسر سبب كبر حجم البويضة ) لتصبح بذلك العلقة . وهكذا فإن الأم هي التي توفر له الغذاء والهواء والحماية الكاملة وتأخذ منه السموم التي يفرزها جسمه في أثناء نموه حتى يأذن الله بخروجه متكامل البناء فتلقمه ثديها وتغذيه بلبنها وتنشر المواد الغذائية والأوكسجين من دمها الى دم الجنين عبر المشيمة . وبهذا يرى الباحثون أن المرأة تساهم في انتاج الاطفال بيولوجيا أكثر مما يساهم الرجل . ومما يؤكد أن الجانب الأنثوي الذي تقترن به الميتاكوندريا يمثل الجانب المادي أو الوجود الظاهري للانسان أنه إذا حدث خلل في البويضات بسبب وجود بعض التشوهات أوالعطب في الميتاكوندريا فإنه يعد من أسباب العقم لدى النساء.
ولهذا طورت تقنية جديدة تقوم على حقن بويضات المرأة العقيمة بكمية صغيرة من السايتوبلازم البويضي الحاوي للميتاكوندريا( حوالي 5%) مأخوذ من بويضات نساء خصيبات متبرعات ، وطبقا لهذه التقنية فإنه حدثت ولادات.
وفي عملية الاستنساخ ما يؤكد أن الجانب الأنثوي يعطي الشكل الظاهري للجينات في النواة المنقولة من الخلية الجسمية الأصلية الى البويضة المنزوعة عنها النواة والتي بقيت تحتفظ بالسايتوبلازم ومحتوياته من الميتاكوندريا وغيرها. فالكائن الحي الناتج عن عملية الاستنساخ يكون صورة طبق الأصل للكائن الذي منح النواة التي نقلت وزرعت وليس صورة عن الكائن الذي أخذت منه البيضة المنزوعة النواة . وهذا يعني أن في البويضة الجانب المادي الظاهري للانسان. وفي أول عملية استنساخ ناضجة للنعجة دوللي أخذت نواة تحتوي على البصمة الوراثية الكاملة الخاصة بالنعجة (من النعاج الفنلندية دورست البيضاء الوجه ) ثم تم دمجها في بويضة مأخوذة من نعجة ثانية (من النعاج الاسكتلندية ذات الوجه الأسمر) بعد أن فرغت من نواتها للتخلص من البرنامج أو البصمة الوراثية الكاملة للنعجة الأخرى ولم يتبق من البويضة سوى مادة السايتوبلازم المغذية التي أصبح لها نواة جديدة تأتمر بأوامرها بدلا من نواتها التي فرغت منها لأن الDNA هو الآمر الذي تأتمر الخلية بأوامره وتنتهي بنواهيه . وبعد شتل العلقة او الخلية الجديدة الناتجة عن الاندماج في رحم حيوان حاضن وبعد اتمام فترة الحمل ولدت نعجة هي نسخة طبق الأصل من النعجة الأولى التي أريد استنساخها (38 )..
4-ذكرنا في تدليلنا الفلسفي إن أحد النقيضين سابق على نقيضه في الوجود، أي ان أحدهما عدم عندما كان السابق موجوداً. وعندما يوجد هذا النقيض السابق نقيضه الآخر الذي كان عدماً، فإنه تخلق بعد إيجاده العلاقة بينه وبين نقيضه. ونحن نربط بين هذه العلاقة التي تصدر عن النقيض السابق والعامل الذكري (الحيمن) (XY)، فهو علاقة بينه وبين العامل الأنثوي ، ونربط بين العامل الأنثوي (X) والنقيض الآخر الذي كان عدماً والذي يوجد من العدم.
إن العامل الذكري علاقة، إذ انه يتكون من عاملين مختلفين، وإنه أصل للعلاقة عندما يكون سابقا عليها . وعندما يكون أصلاً فإنه يكون بأحد طرفيها، العامل (Y) ثم يوجد نقيضه ليتحول الى (XY)، أي الى رجل، فالرجل علاقة بين عاملين. وعندما كان بعامل واحد لم يكـن انساناً، إنما كان وجودا ًلطرف واحد من أطراف العلاقة او الحركة وغيابا للطرف الاخر وهذا سميناه (اصل العلاقة ) أو (أصل الحركة ) الذي هو وجود جوهري كامن والذي هو اصل للوجود االانساني او الوجود المادي المتعين . ولقد قلنا انه لما كان ( أصل الحركة ) له صورتان يتغير من احداهما الى الاخرى فهو يتغير الى الحركة او العلاقة بعد وجود نقيضه لذا فإنه لا يمثل أصل الوجود مطلقا أي المطلق الكلي السابق على الوجود لأن هذا يجب أن يكون ثابتا لا يتغير إنما يمثل أصلا للوجودا المادي المتعين ومنه الوجود الإنساني الذي يعكس الوجود المطلق الكلي السابق أو يمثله فهو وجود يتصل بوجود سابق على الخلق. وعندما نقول إن الرجل سابق وأنه كان يمثل( أصل الحركة ) فهذا يعني أن له أصله السابق في الوجود والذي يمثل أو يعكس الوجود الكلي المطلق . وعندما يوجد نقيضه أو يظهر يظهر هو كذلك فقد قلنا إنه يتحول الى علاقة (XY) والعلاقة وجود متعين . والعامل الأنثوي سالب في هذه العلاقة التي تمثل وجود الرجل لا وجود الأنثى لأن الأنثى مازالت تمثل عدما في هذه العلاقة -كما ذكرنا- ، فالرجل يمثل ظهور أحد الطرفين (الذكري) وغياب الآخر (الأنثوي) وتصف الدراسات ذلك بالقول بأن الهرمونات الذكرية تعمل ولا تعمل الهرمونات الأنثوية.
ونعود الى قولنا بأن الرجل علاقة (XY) وأنه يوجد نوعان من الحيوانات المنوية بعضها تحتوي على نسخة من كروموسوم (X) وبعضها الآخر يحتوي على نسخة من كروموسوم(Y)ِ. أما البويضة، فإنها تحمل العامل (X) وحده. فالبويضات جميعها متشابهة حيث تحتوي كل واحدة منها على نسخة واحدة من كروموسوم (X) فضلاً عن بقية الـ(22) كروموسوماً الأخرى. ويختلف الأمر عند الرجل. واذا لقح حيوان منوي يحمل كروموسوم (X) بويضة فإن الجنين يكون أنثى. أما اذا كان الحيوان المنوي يحمل كروموسوم(Y) فإن الجنين يكون ذكراً. فالعامل الذكري هو الذي يحدد وجود الطرفين: الذكر والأنثى لأنه علاقة. ولقد قلنا إن العلاقة بها يظهر أو يعرف طرفاها، لذا فعن طريقها يظهر العامل الأنثوي، فهذا النقيض عندما كان عدماً كان الوجود الإنساني يمثله الوجود السابق ( أصل الحركة ) الذي يمثل الوجود السابق للرجل. ثم إنه يوجد عن طريق العلاقة أي الرجل. فالعامل (X) الذي يتحرر من الرجل يلقح العامل (X) الأنثوي لتخلق المرأة، فالعامل الذكري مصدر لوجود الذكر والأنثى . ولقد أكدت الاكتشافات العلمية في العلوم الحيوية والوراثية دور الصبغي الجنسي (Y) في تحديد الجنس في الثدييات والانسان وعليه فإن تحديد الجنس فيها يستند الى أساس واحد هو وجود أو غياب الصبغي(Y)(39).
واذا أردنا أن نعبر كيميائياً عن الأطراف الجنسية المتفاعلة في جسم الإنسان، فإن العامل الذكري الذي يمثل الوجود الجوهري السابق تمثله الجينات أو الحوامض النووية(DNA) ومع أنها تمثل العامل الأنثوي كذلك لأن الDNA هو الوجود الجوهري المتحقق من خلال وجود الرجل ووجود المرأة الا ان العامل الذكري اكثر تمثيلا للوجود الجوهري الذي تمثله في الخلية الجينات او الحوامض النووية والدليل على ذلك هو ان الجينات الذكرية تنتمي الى النواة وهي الوجود الجوهري في الخلية ، فعند تخصيب البويضة يساهم الحيمن في جينوم النواة فقط إذ ان نواته فقط تدخل البيضة بينما يطرح او يبقى السايتوبلازم الذي يحوي نسبة بسيطة من الميتاكوندريا خارج البيضة ، وهذا يعني أن جينات الرجل أو الوجود الجوهري له لاتبارح النواة ونحن نعرف أن نواة أو بذرة كل شيء تحتوي على الوجود الجوهري له ، وهذا يؤكد أن وجود الرجل وجود جوهري فجيناته تلازم النواة التي تحتوي على الوجود الجوهري الكامن ، ثم إنه لا يمتلك جينات الميتاكوندريا التي توجد في السايتوبلازم والتي تعطي الوجود الظاهري للجينات . إن هناك جزءا قليلا من الميتاكوندريا لدى الحيمن وهو يوجد في القطعة الوسطى منه أوغمد الذيل وهذا الجزء لا يدخل البيضة ووظيفته أنه يزود الحيوان المنوي بالطاقة التي يحتاج اليها في حركته السريعة باتجاه البويضة ثم يطرح السايتوبلازم الذي يحوي هذه النسبة البسيطة من الميتاكوندريا قبل دخول البويضة كما قلنا .
إن الرجل أو العامل الذكري يمثل الوجود الجوهري ونحن عبرنا عنه بالجينات فهي تمثله ، ولكن الجينات تمثل الأنثى كذلك وجيناتها توجد في نواة الخلية ونقول نعم فجينات الرجل والمرأة توجد في النواة مادام كل منهما وجودا إنسانيا ولكننا نبحث عما يتميزان به أو يختلفان وهو ما يعبر عن أصلهما ما دمنا ننظر إليهما من خلال علاقة الاختلاف أو التناقض التي تضمهما ، فالمرأة تمتلك جينات في النواة ولكنها تتميز عن الرجل بأنها تمتلك جينات الميتاكوندريا خارج النواة في السايتوبلازم الذي يمثل المظهر الخارجي للخلية حتى أنه يسمى الهيولى أي المادة التي تتقبل الجوهر وينعكس فيها الجوهر وجينات الرجل في النواة فقط وهي التي تضم الوجود الجوهري . ولقد شرحنا سابقا كيف تمثل المرأة الوجود الظاهري الذي يخلق من العدم ومن خلال هذا الفرق أكدنا ارتباط الرجل بالوجود الجوهري وارتباط المرأة بالوجود الظاهري . .
إن التفاعل بين العوامل الذكرية والأنثوية إنما هو تفاعل بين النواة والسايتوبلازم إذ توجد الجينات الذكرية في النواة لأنها تعبر عن وجود جوهري وتوجد الجينات الأنثوية التي تعبر عن وجود ظاهري في النواة وفي السايتوبلازم في الميتاكوندريا الأنثوية . إن التفاعل بين النواة والسايتوبلازم إذن إنما هو تفاعل بين الجوهر الكامن الذي يسعى الى التجلي والمظهر الذي يريد أن يتلفع به ليخرج الى الحياة .. العامل الأنثوي يمثل إذن الوجود الظاهري فهو يمثل جانب العدم لأن أصله العدم ثم تحول الى وجود ظاهري. ولأنه كذلك فإن عملية توليد الوجود الظاهري من العدم وهو ما تمثله البروتينات والمواد المادية التي يبنى منها الجسم ترتبط به . ولقد قلنا إن الميتاكوندريا وهي بيت الطاقة ومصدر صنع البروتينات ترتبط بالجانب الأنثوي لا الذكري. ولهذا تحتاج كل الخلايا سواء كانت خلايا الذكر أم الأنثى للعامل الأنثوي(X) لأنها تحتوي على وجود جوهري يريد أن يتجلى وهو يتجلى عن طريق الانثى او ما تمتلكه من وسائل صناعة الوجود الظاهري . إن الخلايا الجسمية الأنثوية تحتوي كروموسوماتها على كروموسومين جنسيين أنثويين في حين تحتوي خلايا الذكر كروموسوماً أنثوياً واحداً. ويبدو أن الخلية لكي تمارس فعالياتها الطبيعية تحتاج الى وجود كروموسوم(X) واحد بحالة نشيطة وفاعلة. وفي الخلية الأنثوية يكون أحد هذين الكروموسومين بحالة ممدودة لتأدية فعالياته. أما الثاني فيبقى في حالة مكثفة وملفوف بشكل رصين وثخين مما يمكن رؤيته ككتلة صبغية. ويبدو أن هناك ميكانيكية محددة تمنع أحد الكروموسومين من أن يمارس وظيفته وتبقيه ملفوفاً ومكثفاً وهو ما يسمى بجسيم بار. إن جسيم بار عبارة عن كروموسوم مكثف وغير فاعل، لأن الخلية تحتاج الى كروموسوم واحد فقط ونعتقد أنه الذي يرتبط به نشاط الميتاكوندريا وتوليدالطاقة وبناء البروتينات التي تتجلى بها المعلومات الجوهرية .
إننا سنعبرإذن عن الجانب أو العامل الأنثوي_ في عملية التفاعل الدائر بين العوامل الذكرية والأنثوية_ بالبروتينات والمواد التركيبية الأخرى التي تعطي الجسم تركيبه الظاهري. وسنعبرعن العامل الذكري الذي هو وجود جوهري بالحوامض النووية DNA أي اننا سنعبر عنهما من خلال ما يختلفان به مما يمثل أصلهما مع أنهما يشتركان في أن كلا منهما وجود جوهري ووجود مادي. الرجل وجود جوهري ولكنه يحتاج الى المرأة ليظهر فهو يحتاج الى البروتينات والتركيبات المادية الأخرى التي تمكن جسمه من بناء وجوده الظاهري ولذلك يضم اليه في العلاقة التي تمثل الرجل كما ذكرنا العامل(X) الذي أخذه من جانب الأنثى (الأم) فهو يرث الميتاكوندريا من أمه وليس من أبيه فالرجل وجود جوهري تظهره المرأة وهو يخرج من المرأة . وهكذا فإننا سنعبر عن التفاعل بين الرجل والمرأة من خلال هذين المكونين ( الحوامض النووية والبروتينات) لأنهما يمثلان الاختلاف بينهما وإننا سندير التفاعل أو الصراع بينهما من خلالهما .
لقد تساءل العلماء عن أسبقية أحد هذه العوامل ـ أي الحوامض النووية والبروتينات ـ على الآخر، وهذا الأمر شغلهم كثيرا، فلقد تساءلوا عن أسبقية أحد هذه الجزيئات العضوية على الآخر، فأيها نشأ اولاً قبل نشوء الحياة الخلوية؟.. هذه الأسئلة حيرت العلماء ردحاً من الزمن الى درجة أنهم انقسموا الى (الديئنئيين) و(الآرئنئيين) و(البروتينيين). وكل فريق منهم حاول اثبات صحة وجهة نظره تطبيقياً… لم يكن أحد منهم حاضراً حين نشأت الحياة او هذه المركبات على الأرض، لكن قد يكون فريق واحد منهم فقط على صواب، فأيهم هو على ذلك؟…(40)
هنالك من ينسب هذه الأسبقية الى الـDNA وهذا ما نؤيده ، فنرى أن الـ DNA هو الأصل السابق للطرفين الآخرين، وأن البروتينات هي الطرف المتأخر في الوجود او الظهور، وإن الـRNA هو العلاقة بينهما. ولكن الـ DNA وحده لا ترتبط به حياة بشرية او وجود بشري الا بتحوله الىRNA، الا بتحوله الى العلاقة، أي بعد ارتباطه بالحياة في داخل الخلية التي هي علاقة بين الـ DNA والبروتينات كما قلنا. ان الـ DNA والـ RNA في الحقيقة وجهان لجسيم واحد، أحدهما سابق على الوجود المادي البشري والآخر مرتبط به لأن وجود الخلية التي هي اللبنة المادية التي يبنى منها جسم الانسان يكون بعد ان يرسل الDNA الRNA الى السايتوبلازم لصنع البروتينات . وعلاقة ال DNA و RNAفي الخلية تشبه علاقة البروتون والنترون في الذرة فهما كذلك وجهان لجسيم واحد هو النوكلون، وأنهما يتحول أحدهما الى الآخر. وإن أحدهما سابق على الآخر، وهو الذي تؤول اليه حركة النوكلون أي البروتون لأن هذه الحركة تؤول الى انشطار النترون وانتقاله الى البروتون وطرد الالكترون. وكذلك يؤول الـ RNA الى تكوين بروتينات تترجم الـ DNA او تحاكيه او تعكسه او تجليه في المادة. لذا فإن الـ DNA هو المبدأ والموجه للحركة وهو غايتها، لأن الـRNA ينتهي اليه أي الى تجليه في المادة.
إن الـ DNA والـ RNA يمثلان هذا النقيض الذي هو العلاقة وأصل العلاقة. ولقد قلنا إن أصل العلاقة يمثل وجوداً كامناً او جوهراً قبل أن يتحول الى العلاقة ليتحول الى وجود مادي هو مادة الجسم البشري. فهو يحمل الرسالة الوراثية مثلما يمكن للأفكار في كل اللغات أن تجد تعبيرها في حروف أبجدية وكلمات . إنه كالمعنى من الكلمات، كالفكر او المضمون منها. ولهذا تصفه الدراسات بأنه شفرات او رموز كيميائية للحياة، شفرات تنطوي على قصص للحياة, كل منا يمثل قصة منها(41). وعندما يسعى الى التجلي من خلال البروتينات يتحول الى الـ RNA فيقترن به الوجود المادي او الحياة البشرية. لذا يرى الـ(آرئنئيون) أن الحياة تقترن بهذا الجسيم، وأنه أصل الحياة، وأن وجوده اقترن مع بداية أول وجود لكوكب الأرض، وأنه أول جين كان يعمل كناسخ وحافز، وأنه حافز وأداة ربط، فهو الأول والسلف السابق للجسيمين الآخرين(42) في نظر (الآرئنئيين). ونقول إنه الأول في الوجود المادي، ولكنه ليس أولاً في الوجود الجوهري الذي يمثله الـ DNA. إنه الأول في الحياة العضوية. ولقد دعمت آراء العلماء الرأي القائل إن الـ RNAهو الأب الأكبر للجزيئات الحية. وان الحياة العضوية بدأت بصيغة مجتمعات أفرادها من الـ RNA التي كانت تؤدي وظيفتي: مادة وراثية ومحفزات معاً. إنها محفز ومادة وراثية في آن واحد، أي DNA وبروتينات. وهذا يبين أن الـ RNA عبارة عن علاقة بين DNA والبروتين. ويرون أن القدرة على إقامة حياة على الأرض من جديد حتى بعد انقراض الحياة الخلوية مازالت محفوظة في الـRNA(43)، لأن الحياة علاقة والـ RNA علاقة بين التكوينين الآخرين أو رابط أو جسر بينهما. ولقد وصف بأنه يخيط التكوينين الآخرين(44) ليلبسنا ثوب الحياة.
أما البروتينات فلا يمكن أن تكون سابقة لأنها تخلق وتصنع في الخلية لتكون على قدر الشفرة الوراثية التي يمثلها الـ DNA . فالمورثة المحمولة على جزيء الـ DNA تنسخ عن طريق شريط فردي من الـ RNA الرسول المماثل للشفرة التي يحملها الـ DNA لينتقل بها الى السايتوبلازم، وهناك تبدأ عملية خلق البروتين(ر). فالـ RNA يقوم بدور الوسيط في عملية تصنيع البروتين، فاتجاه الحركة والتطور من الـ DNA الى الـ RNA الى البروتين. وهذا الأخير لا يعد النتاج الأول أو المباشر للـ DNA(45)، فهو يأتي بعد الـ RNA. إن الـ DNA هو إذن مبدأ الحركة والوجود.
5ـ ذكرنا أن هذا النقيض السابق بعد أن يوجد العلاقة فإنه يوجد الحركة بعد أن كان السكون، فالعلاقة حركة. والعامل الذكري علاقة فهو حركة، لذا تبين الدراسات أن الحيوان المنوي يبحث و يتحرك باتجاه البويضة وهو يخترق في حركته أغلفتها، ويلجها او يدخل فيها لإخصابها فهو رسالة بريدية لها ذيل يساعدها على الحركة والبحث والسباحة نحو البويضة وهي جالسة في مقرها محاطة بالغذاء (46)، فهو حركة، أي إنه هو المتحرك والآخر (الأنثوي) كان يمثل السكون أو العدم.
وقلنا إن الحوامض النووية التي ترتبط( أصلا ) بالعامل الذكري مع ارتباطها بالعامل الأنثوي كذلك، هي موجودة في النواة في مركز الخلية، أي في قلبها ومكمنها الداخلي مثل البروتون، فهي العامل الأساسي أو الجوهري. وإن البروتينات التي ترتبط بالعامل الأنثوي موجودة في السايتوبلازم، تخلق في السايتوبلازم، أي في محيط الخلية ، ومحيط الشيء ظاهره الذي يعكسه.وكما تضم نواة الذرة البروتون والنيوترون( الذي هو علاقة بين البروتون والالكترون ) كذلك تضم نواة الخلية جسيما يشبه النترون يسمى النوية وتسبح هذه وسط السائل النووي وتحتوي على كميات كبيرة من الRNA الذي قلنا عنه إنه علاقة بين الDNA والبروتينات ، ولذلك فإن النوية تلعب دورا أساسيا في انتاج الريبوسومات التي هي معامل انتاج البروتينات ثم تنظيم انتاج البروتينات ولهذا يطلق عليها( ضابط ايقاع الخلية ). وتصبح النوية أكبر حجما عند تركيب الخلية للبروتين بشكل فعال(47) وهذا يشبه صدور الشحنة الموجبة أو البروتون عن النترون بعد تفككه الى بروتون والكترون. وكما أن الذرة تحتوي على عدد من النيوترونات قد يفوق عدد بروتوناتها فإن النواة الواحدة قد تحتوي على أكثر من نوية واحدة . وكما ينتقل البروتون الى نترون فإن الDNA ينتقل الى ال RNA وان الـ DNA عندما ينتقل الى RNA (الذي قلنا عنه إنه علاقة بين الـ DNAوالبروتين) فإنه يتحرك ويغادر النواة الى السايتوبلازم لينقل الشفرة اللازمة لخلق البروتينات في السايتوبلازم، أي انه يتحرك لأنه علاقة. أما الـ DNAأو الجينات التي تعني الوجود الكامن فهي وجود ثابت في نواة الخلية. ولقد ذكرنا في تدليلنا الفلسفي أن الوجود السابق الذي هو وجود كامن ليس متحركاً. وتحدث الحركة بالانتقال الى المرحلة الثانية أي العلاقة، فهذه هي الحركة، أما أحد أطرافها وحده فإنه سكون وثبوت، أي انه غير متغير. وهذا على عكس الوجود الظاهر الذي تمثله البروتينات فهو نسبي ومختلف وغير ثابت، لأنه ينمو ويتطور ويتهدم. إن كل خلايا الكائن الحي تحتوي على الكمية نفسها من الـ DNA بينما خلايا من أنواع مختلفة لدى الكائن نفسه تحتوي على كميات وأنواع مختلفة من البروتينات.
6ـ ذكرنا أن أحد النقيضين مصدر لنقيضه من حيث أنه يخلقه أو يظهره لكي يظهر نفسه ويكون وجوداً متعيناً اي لكي يتجلى . والحيوان المنوي هو مصدر الفاعلية وهو الذي يحدد الجنس وهو الذي يخصب البويضة . ومن البويضة المخصبة التي يخصبها الحيمن يخلق الانسان، فهو مصدر الوجود الإنساني لذا فإنه أصل الوجود الجوهري للإانسان . ولأنه كذلك يلاحظ أن جينات العامل (Y) قليلة بالنسبة الى جينات العامل الأنثوي (X). فبينما تتناسب وتتطابق بقية الصبغيات نجد هذين الصبغيين (Y ) و(X ) مختلفين للغاية. فالكروموسوم الأنثوي يمتلك (3000 ) مورثة مختلفة في حين أن الذكري لم يبق فيه الا (50) مورثا. ولحسن الحظ أن الرجل يمتلك النصف الآخر الأنثوي الذي يزوده بالمورثات الضرورية. ويرى العلماء أن الوظيفة الوحيدة الباقية للكروموسوم الذكري هي إبقاء الذكورية أي حمل الصفات الجنسية، وهذا يعني أن الكروموسوم الذكري يحتفظ بالجينات التي تشير الى صفة الوجود مجردا ، الوجود الجوهري. أما الكروموسوم الأنثوي فإن كثرة المورثات تعني كثرة الصفات وهذه تعني الوجود الظاهري . وبالنظر الى عدد الجينات التي يحملها كل من الكروسوم الذكري والأنثوي أصبح حجم الكروموسوم الذكري بنسبة واحد الى ثلاثة بالنسبة الى حجم الكروموسوم الأنثوي(48) ( ز ).
واذا كنا قد ربطنا بين الوجود الجوهري للإنسان والحوامض النووية ، فإن الـ DNAالموجود في النواة يحمل المعلومات الجوهرية التي يتكون في ضوئها جسم الإنسان (ماديا) عن طريق صنع البروتينات التي تعكس أو تظهر المعلومات الوراثية وتتكون في ضوئها. ولقد عرفت المورثة بأنها عبارة عن قطعة من جزيء الـ DNAمسؤولة عن تركيب بروتين نوعي واحد. وتنجح المورثة بالسيطرة على تركيب البروتين المطابق لها، وتعمل على تحديد بنيته وتشرف على جميع الخطوات الكيمياء حيوية المؤدية الى تركيب هذا البروتين(49). وينقل الـ DNAالموجود في النواة المعلومات الوراثية التي يحملها ليتم صنعها في السايتوبلازم. إنه يرسل المعلومات الخاصة بصنع المواد البروتينية، أو ما يدعى بالشفرة الوراثية الى السايتوبلازم عن طريق نوع من الحوامض النووية يدعى MRNA أي الحامض RAN المراسل والذي ينقل الأمر بصنعها. ولقد وجد أن كل مورثة واحدة أو جين مسؤولة عن صنع بروتين خاص، فالـDNA إذن هو الصانع. واذا كان الـDNA يصنع البروتين على وفق المعلومات التي يرسلها فمعنى هذا أن المعلومات تتجلى كما هي من خلال البروتين، وأن البروتين (الذي له أهمية بنائية) هو المادة التي تتجلى بها المعلومات الوراثية التي قلنا عنها إنها جوهر الوجود الإنساني. أي ان البروتين يستحيل الى وجود يجلي الوجود الذي يكمن في الـ DNAاو يظهره. إنه يصبح على قدر المعلومات التي فيه. ولقد ذكرنا أنه توجد في كل خلية من خلايا جسمنا نسختين من كل مورث، واحدة منها موجودة على الكروموسوم الذي ورثناه عن الأب، والأخرى موجودة على الكروموسوم الذي ورثناه عن الأم. تحتوي هذه المورثات على وصفات (كمقادير إعداد الطعام) لتحضير جميع البروتينات بأنواعها، وكما ذكرنا فالبروتينات هي المواد الأساسية لبناء الخلية ولاستمرارها في العمل.
إذن فالمعلومات او الأفكار تترجم الى وجود ظاهر، فالوجود الجوهري يخلق الوجود الظاهر. والبروتينات تمثل هذا الوجود الذي يعكس الوجود الجوهري او يترجمه. وهذا يعني كذلك أن الوجود الظاهر يكون على قدر الوجود الجوهري ، أي انه يجلي الوجود الجوهري تماماً. إن المورثة تحتوي على كل المعلومات اللازمة لتكاثر الخلية الحية على شكل شفرة ضرورية لتحديد الأعداد الهائلة من جزيئات البروتينات وتصنيعها واستخلاص الطاقة عن طريق تمثيل الأطعمة(50). والبروتينات هي المكون الأساسي للأنسجة الحية في جسم الانسان . وتدخل في تركيب الإنزيمات والهرمونات التي هي أداة عمل الخلية و تتحكم في عمليات النمو والتطور والتكاثر. كما تدخل في تركيب هيموغلوبين الدم والعضلات وهي العنصر الأهم في عملية نمو الجنين وتشكيل المشيمة وتطورالرحم والثديين . ولأنها المكون الأساسي للأنسجة وللخلايا فإنها تكون البروتوبلازم وهو مادة الحياة للأنسجة . كما أنها مصدر طاقة للكائن الحي عندما تنضب موارد الطاقة عند نقص الكربوهيدرات التي هي المصدر الرئيس للطاقة .
تعمل المورثات على وفق نظام دقيق في بناء البروتينات او المادة الحية وهي لا تصنع البروتينات مباشرة ـ كما ذكرنا ـ انما بوساطةRNA الذي ينقل المعلومات الوراثية من النواة الى السايتوبلازم حيث يتم تخليق البروتين والانزيمات التي تحدد الخصائص المظهرية والتركيبية المختلفة المميزة للكائن الحي(51).
إن تركيب البروتينات لا يتم بشكل مباشر بالاتصال مع جزئ الـ DNA بل يتم بعيداً عنه في السايتوبلازم تحديداً حيث لا وجود لهذا الحمض النووي هناك . وبناء على ذلك تم التوصل الى استنتاج هام مفاده أن البروتين لا يعد النتاج الأول او المباشر للمورثة وهذا يؤكد الحقيقة الفلسفية التي أكدناها والتي تذهب الى أن النقيض المتأخر يظهر ويعرف بالعلاقة او عن طريقها، لذلك فإنه يظهر عن طريق الـRNA وهو الجسيم الذي يمثل العلاقة في الخلية، وهو الرسول الذي يقوم بدور الوسيط في عملية تصنيع البروتين(52). إن الـ DNAهو مصدر الصنع، أي صاحب الأمر بذلك. اما الـRNA فهو الوسيط الذي ينقل الأمر ويظهره، فالوجود الظاهر يرتبط به، وعن طريقه يتجلى. البروتينات هي الناتج النهائي لعمل الجينات وهذه رموز للبروتينات. وكل بروتين يحتاج اليه الجسم محفوظ كشفرة في كيميائية الحامض النووي DNA . الحامض النووي شريط ممغنط كشريط التسجيل والريبوسوم جهاز التسجيل والبروتينات هي موسيقى الحياة في لحظة معينة(53) .
7ـ ذكرنا أن الصراع بين النقيضين يرتبط بغاية هي انتصار أحد النقيضين على الآخر. وانتصاره عليه يعني نفيه من وحدة العلاقة التي تجمعهما. والنفي لا يعني هدماً فقط ، بل هو بناء . فالنقيض الغالب الذي قلنا إنه السابق وإنه (الوجود) ينفي نقيضه العدم أو السلب وينتج من عملية نفي العدم وجود ظاهري مادي، يعكس الوجود السابق، وبهذا ينتصر على نقيضه. وهو ينفيه على أجزاء أو مراحل. وهو في نفي كل مرحلة يوجد العلاقة ثم ينفي نقيضه من تلك العلاقة، وهكذا… وتبقى العلاقات أو الأجزاء أو المراحل تتراكم حتى الوصول الى أعلى مرحلة او أعلى علاقة. وبنفي نقيضه منها او بتجاوزها تنفلت علاقة التناقض العامة التي كانت تضمه الى نقيضه، والتي تضم كل العلاقات الأجزاء.
لقد ذكرنا أن أصل الوجود الإنساني وهو الوجود الكامن او الجوهر يسعى الى نفي نقيضه (العدم) وبناء وجود ظاهر مكانه وذلك لأنه يتحدد أو يتعين أو يظهر ويتجلى بنفي نقيضه أو إظهاره. وعرضنا لما يجري من صراع بين المرأة والرجل من أجل ذلك، وما يجري في الذرة من صراع بين الشحنة الموجبة والنترون في نواة الذرة وانه سعي لتجاوز العدم او الشحنة السالبة فتتجلى الشحنة الموجبة التي بقيت في النترون تعاني من عدم تجليها حتى تنفي عنها الشحنة السالبة. وبنفي الشحنة السالبة (عن النترون) ينقسم النترون وتتكون شحنة موجبة.
وإننا نلاحظ من دراسة ما يجري في الخلية أن هناك ارتباطاً بين عملية انقسام الخلية وعملية تكوين أو صناعة البروتين التي قلنا أنها تعني تحويل الوجود الكامن الذي تمثله جزيئة الـ DNA الى وجود ظاهر تعبر عنه البروتينات ، فالخلية الجسمية تتكاثر بالانقسام الخيطي وهو إحدى المرحلتين اللتين تمر بهما الخلية في دورة حياتها وتحدث عملية الانقسام الخيطي على أربعة أطوار هي : 1– الطور التمهيدي 2- الطور الاستوائي 3- الطور الانفصالي 4- الطور النهائي . وتسمى الفترة بين انتهاء أحد الانقسامات النووية وبداية الانقسام النووي التالي الطور البيني الذي هو المرحلة الأخرى من مرحلتي دورة حياة الخلية والذي يحتل 90% من دورة حياتها وهو يتمايز الى ثلاثة مراحل أساسية هي : مرحلة النمو الأولى وهي مرحلة نمو الخلية وتزاول فيه نشاطها في مجال تخصصها ويتم تصنيع البروتين وتزداد كمية السايتوبلازم والعضيات ولايظهر في هذه المرحلة بناء الحامض النوويDNA الا انه يزداد في نهايتها نشاط الانزيمات التي يتطلبها بنائه فتعمل مع عوامل أخرى على تهيئة الخلية للدخول في مرحلة البناء . والمرحلة الثانية هي : مرحلة تصنيع الحامض النوويDNA فيتضاعف وتتكون مجموعتين متطابقتين من الكروموسومات . والمرحلة الثلثة هي : مرحلة النمو الثانية وتتميز هذه المرحلة ببناء البروتينات الأساسية لانقسام الخلية ثم تدخل بعدها الخلية في طور الانقسام الخلوي الذي يبدأ بمرحلة بينية يتم فيها صنع البروتين وتضاعف مادة الDNA ، فعملية انقسام الخلية تكون مسبوقة بعملية تكوين أو صناعة البروتين التي تعني تحويل الوجود الكامن الى وجود ظاهر تعبر عنه البروتينات .
وتكون عملية صناعة البروتينات بأن ينحل جزء من جزيء DNA وينشطر الى نصفين فاصلا قواعده المزدوجة ثم يشكل كل نصف قالبا للـRNA وبعد أن يكتمل تكوينه وينسخ طبعة الـDNA ينسلخ الـRNA الذي يسمى المراسل عن قالب الـ DNA ويحمل التعليمات الخاصة بصنع البروتين الى الريبوسومات في شبكة الهيولى في السايتوبلازم ، ثم تعاود قواعد جزيء الـDNA الارتباط ويعاود الشريطان الالتفاف وتغلق الخطة الرئيسة مرة أخرى .
أن الشفرة الوراثية في الـ DNA تنتقل بطريقة الاستنساخ الى الـMRNA إذ يعمل الـ DNA بمنزلة قالب للـMRNA، وبانتقال الـ MRNA الى السايتوبلازم فإنه يحمل تلك الشفرة الى المكان الذي يتم فيه صنع المواد البروتينية ليترجم الرموز التي يحملها في صناعة البروتينات، وهذه العملية تسمى بالترجمة. وهكذا فإن الجينات التي هي وحدات من جزيء الـ DNAتحدد شكل ونوع وخواص جزيء البروتين وبهذا تسيطر على فعاليات الخلية.
إن الشفرة الوراثية في سلسلة الـ DNA تنتقل بالاستنساخ الى MRNA وهذه تنقلها بالترجمة الى البروتين، أي ان البروتين المصنوع يشبه الشفرة او المعلومات الموجودة في الـ DNA. إن هذا يعني أن انقسام الخلية يرتبط بغاية هي إيجاد بروتين يشبه الوجود الذي يمثله جزيء الـDNA، إيجاد وجود ظاهر يشبه الوجود الكامن، يشبه المعلومات المخزونة في جزيء الـ DNA.
إن تضاعف الـ DNAفي الخلية عند انقسامها يعني ظهور جوهر متجل جديد سيحل في الخلية الجديدة الناتجة عن الانقسام ، وإن تجلي هذا الجوهر يكون من خلال تجليه في البروتين أو المادة وذلك عندما يخرج الـ MRNA الذي يحمل الشفرة الوراثية للـ DNA الى السايتويلازم حيث تتجلى تلك الشفرة من خلال البروتين . أي ان ظهو أو تجلي خلية جديدة عن طريق الانقسام يعني عملية تجل للجوهر الـ DNA من خلال البروتين وهذا هو سبب الانقسام .
إن الخلية تنقسم الى خليتين وإن انقسام الخلية يعني انتهاء علاقة التناقض فيها بين الوجود الكامن(الـ DNA) والعدم الذي تحول الى وجود ظاهر يشبه الوجود الكامن (البروتين) وهذا الانتهاء لا يعني موت الخلية (المنقسمة) _ وهي علاقة تناقض ـ او انتهاء وجودها، لأن علاقة التناقض الكلية بين كل الوجود الكامن في الجسم والمادة (التي ماتزال لم تعكسه تماماً لما فيها من سلب او عدم)، لم تنته بعد، فتبقى الخلايا محتفظة بكيانها في بنية الجسم ( عدا ما يموت منها ) وتبقى عملية توليد خلايا جديدة مستمرة حتى انتهاء علاقة التناقض العامة (بين كل ما يمتلكه الجسم من العدم (السلب) وكل ما يمتلكه من الوجود الكامن(الجوهر) ) التي يعني انتهاؤها موتاً للجسم الانساني، لأنها هدم للأساس الذي يبنى عليه، وهذا الأساس هو كونه علاقة بينهما .
مرض السرطان :
ونرى أن انتهاء علاقة التناقض العامة في الجسم أو التعجيل بانهائها تتمثل بمرض السرطان، فالسرطان هو تحويل كل العدم الكامن في الجسم الى وجود ظاهر ، تحويله الى مادة تعكس مضمون وجوهر الإنسان أي تحويل العدم الى وجود يشبه الوجود الجوهري السابق وانتهاء التناقض بين العدم والوجود بأن يصبح وجودا مثله . إن البروتينات ومواد مادية أخرى قبل تصنيعها هي عبارة عن مادة غير حية بلا مضمون ولا جوهر ولا تعبر عن معنى . وبعد تصنيعها تعكس المعلومات الوراثية وتعبر عن معنى الانسان وتنبض بالحياة في جسمه . وهنا نذكر بمعنى العدم كما استخدمه الفلاسفة اليونانيون فهو القابل للتشكل وتلقي أفاعيل الجوهر فيه وعكس الجوهر وتحويله الى وجود ظاهر .
لقد أصبح الوصول الى سر هذا المرض معضلة المعضلات، ولربما انتظر لكي يعرف سره الى حين معرفة سر الحقيقة الكلية لأن الذي يبدو أن سرهما واحد. والحق إنني ـ وأنا اقرأ عن السرطان ـ وجدت من الباحثين الواسعي الأفق من يدعو الى فهم شامل للحياة والكون لكي يستطيعوا أن يعرفوا حقيقة هذا المرض كأنه يرى أن حقيقة المرض غير منفصلة عن حقيقة الحياة والكون وسرهما الواحد. والمرض بحاجة الى مثل هذا الطبيب، الطبيب الفيلسوف. إن هناك ما يشير الى أن السرطان محكوم بقانون الحقيقة المطلق، وأنه هو الذي يكمن وراءه ما دام الإنسان محكوماً به، والسرطان مرض يغزو جسم الإنسان.
فالسرطان هو تحويل كل ما يمكن أن يوجد من العدم (السلب الكامن) في الجسم والمخصص لعمر الإنسان كله ، تحويله الى وجود ظاهر، فيتطابق هذا الوجود الظاهر مع جوهر الوجود او المعلومات التي تختزنها جزيئات الـ DNA، وعندها تنتهي علاقة التناقض العامة لتنتهي بانتهائها كل علاقات التناقض الأجزاء(الخلايا)..
إن السرطان يعني تشابهاً بين الجوهر والمادة، يعني تحويل كل الجوهر الى مادة، حيث يسعى هذا النقيض الفعال الـDNA الى أن يحيل العدم الكامن في الجسم او الطاقة الكامنة فيه الى بروتينات، الى وجود مثله، يعكسه، في عملية الصراع بينهما لتنتهي العلاقة التي يمثلها الإنسان أو خلاياه .
وإذا كان الانقسام المستمر للخلايا أو للعلاقات أو توليدها، توجهه غاية هي إظهار أو تجلي كل الجوهر الكامن عبر خلق الخلايا أو (العلاقات) حتى آخر علاقة او خلية، فإن بلوغ هذه الخلية أو( العلاقة الأخيرة) يعني انشطار كل العلاقات التي بقيت تحتفظ بكيانها ضمن بنية الجسم لأن علاقة التناقض العامة لم تنته بعد. وهذا يعني أن الجسم الإنساني سيشهد ـ من خلال تطور الصراع وتكرار تكون الخلايا التي هي علاقات جديدة تخلق من خلال تطور هذا الصراع ـ سيشهد الإنقسام الأخير الذي يعني إنتهاء كل علاقات التناقض التي يتألف منها وهي الخلايا. وهذا يعني موته كما قلنا، لأنه مبني على أساس هذه العلاقات او الخلايا. وإن مظهر حدوث ذلك الإستنفاد الكلي المؤدي الى الموت يتمثل كما نرى بالانقسام السرطاني الذي يعني استنفاد كل الطاقة أو كل السلب الموجود في الجسم لخلق ما يعادل كل الجوهر الكامن فيه من الوجود الظاهر. وهذا الاستنفاد الذي يحدث في السرطان لا يحدث وفقا للبرنامج الوراثي الذي يقتضي التدرج في عملية صنع الخلايا والتدرج في عملية الاستنفاد والصعود في هذه العملية الى حين انتهاء عمر الإنسان .
إن السرطان يعني صنع كل الخلايا التي يستطيع الإنسان أن يصنعها في عمره كله ولكن في وقت واحد وقبل انتهاء معدل العمر الذي وضع للإنسان ، أي انه استعجال لعملية صنعها كلها ، فهو لا يعني الاستنفاد الذي يراعي الزمن والذي تشرف على عملية حصوله أو توقيته ساعة الزمن في الجسم الإنساني أي التيلوميرات إنما يعني حصوله مرة واحدة . وهذا يفسر لنا سبب وجود التيلوميراز في الخلايا السرطانية هذا الإنزيم المرتبط بعمل التيلومير والذي لا يوجد في الخلايا الطبيعية إنما في الخلايا التي تشهد زيادة في عملية الانقسام كالخلايا السرطانية لأنه الموجه أو الآمر بصرف وتحديد عدد الوحدات المصروفة من قطع أو أجزاء التيلوميرات عند انقسام الخلايا ، أي إن السرطان هو خلل في جهاز التوقيت الزمني أو ما نسميه جهاز الأمر والاشراف على صرف الطاقة الكامنة أو السلب أو العدم الكامن وهذا الجهازيشمل التيلوميرات والتيلوميراز والجينات المشرفة على انقسام الخلايا بما يجعلها تمضي في عملية الانقسام بلا توقف حتى صرف كل الطاقة الكامنة أو السلب أو العدم الكامن المسجل لديها والتي تشرف على عملية صرفه أو عملية خلقه وتجليه في خلال العمر كله .
وهذا المرض يرجع الخلايا الى مراحل سابقة كانت قد تجاوزتها عندما كانت عامة وقبل أن تتخصص فبعد أن تستنفد الخلايا المتخصصة كل طاقتها على صنع الخلايا ترجع عملية الانقسام الى الخلايا العامة التي تمتلك قدرة أكبر على صنع واستخراج كل الطاقة الكامنة أو كل السلب أو العدم الكامن في الجسم . إن هذا يفسر لنا حقيقة إن السرطان يلغي تخصص الخلايا فتصبح عامة، لأنه يتطلب خلية عامة يستنفد منها الإنسان كاملا، كل مافيه من مادة غير مخلقة وطاقة كامنة لإظهار وجوده وجوهره الكامن كله ، فالخلايا المتخصصة لا تستطيع صرف هذا المقدار الهائل من الطاقة إنما تصرفها بقدر محدود هو القدر الذي يسمح لها بالقيام بعملية انقسام الخلايا لمدى محدد ولمرات معدودة من الانقسام أما الخلية العامة فهي تنقسم بلا توقف إذا لم تكبت قدرتها على الانقسام ، ولهذا تعود الخلية السرطانية الى حالة الخلية العامة فالسرطان عودة أو تراجع في عملية تطور الخلايا وذلك لكي تسترد الخلية قدرتها على صرف الطاقة وتسترد امتلاكها للتيلوميراز الذي سبق وان أغلقت مفاتيحه وكبتت جيناته في الأنسجة المتخصصة التي تقدمت اليها الخلية بعد عملية انتقالها من كونها خلية عامة الى كونها خلية متخصصة . ولهذا تشبه الخلية السرطانية الخلية الجنينية في كونها عامة وفي انقسامها المستمر، فهي تنقسم باستمرار لاستخراج كل الطاقة ولبناء كل البروتينات التي يستطيع الجسم بناءها في خلال عمره كله .
إن انقسام الخلايا حالة طبيعية مستمرة في الجسم لبنائه او لتعويض التالف منه في كل حياة الانسان. ولكن هناك مظهراً لنمو الخلايا ولانقسامها في الجسم يتمثل بمرض السرطان الذي يعني الموت المحقق للانسان لأنه يعني انتهاء علاقة التناقض العامة في الجسم الإنساني بين الوجود والعدم بأخراج كل العدم او نفيه كله بتحويله كله الى وجود ظاهر. إن الدراسات تصف السرطان كذلك بأنه تأيين لذرات الجسم، أي تغيير تركيبها وفطع العلاقات القائمة بين مركباتها وإخراج طاقتها وهي الجانب السالب في العلاقات التي تمثلها ذرات الجسم أيضا، وذلك عندما يتعرض الجسم الى ما يؤين ذراته . واذا نظرنا الى الجسم على أنه علاقات من خلايا وليس من ذرات ، فإن الدراسات تصف السرطان بأنه نمو او انقسام مستمر للخلايا. وقد قلنا إن الخلايا تولد باستمرار ويتم تجاوزها لكي يتم استخراج كل ما في الجسم من سلب أو عدم أو طاقة كامنة مما لم يتحول بعد الى وجود ظاهر، نفيه كله اي كل ما يستطيع صنعه وعلى امتداد عمره وهذا النفي الكامل يتمثل بمرض السرطان . واذا كان السرطان يعني نفي الجانب السالب من الجسم تماماً أي تحويله كله الى وجود، فإنه يعني انتهاء علاقة التناقض العامة بين الوجود والسلب او العدم في الجسم التي بانتهائها تنتهي كل علاقات التناقض الأجزاء التي تنضوي تحتها (أي خلايا الجسم من أعلى خلية الى أول خلية) والتي بقيت تحتفظ بكيانها لأن علاقة التناقض العامة لم تنته بعد. واذا كان التناقض هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الجسم أو بناء خلاياه، فإن انتهاء التناقض يعني انتهاء هذا الأساس أي انهدام هذا الأساس ولذلك يعني السرطان الموت المحقق.
إن الفرق بين الإنقسام السرطاني والإنقسام الطبيعي للخلية أن الانقسام السرطاني يعني تحويل كل الوجود الكامن في الجسم الى وجود ظاهر. أما في انقسام الخلية فإنه يعني تحويل نسبة منه تمثله مادة الـDNA الموجود في تلك الخلية والتي تتضاعف أو تتجلى من خلال البروتين قبل انقسام الخلية ليحل نصفها في الخلية الجديدة المتولدة عن الإنقسام او ليتجلى من خلال الخلية الجديدة التي تمثل وجوداً مادياً ظاهراً. فالسرطان هو تحويل كل الوجود الكامن في الجسم الى وجود ظاهر، تشابه كل الوجود الظاهر مع جوهر الوجود او المعلومات التي تختزنها جزيئات الـDNA . ولقد قلنا إن هذا يعني بناء متواصلاً للخلايا حتى الوصول الى آخر خلية يستنفد من خلالها آخر نسبة من العدم او الطاقة الكامنة . ان هذه الخلية الاخيرة تعني ان عمر الانسان لا بد ان يصل الى نهاية وهذه النهاية محددة في داخل الانسان كما ذكرنا ، في المعلومات الوراثية ، وفي ( الجهاز الزمني الآمر والمشرف على صرف الطاقة كما وصفناه ) او في الساعة البايولوجية التي تدق في كل خلايا الجسم وهي التيلومير. وهذه النهاية تحدد مدى قدرته على صنع الخلايا أي عددها وتحدد حجم ما فيه من السلب أو العدم وهذا الحجم يعادل الجوهر أو المعلومات الوراثية التي في الحوامض النووية ..
وهنا نتساءل: إذا كان السرطان يرتبط باستنفاد كل العدم او كل الطاقة الكامنة، وإذا كان هذا الاستنفاد يحصل عن طريق خلايا الجسم فأي هذه الخلايا يحصل الاستنفاد عن طريقها ؟..
لقد ذكرنا أن المورثات في كل خلية - وهي أحد طرفي العلاقة التي تمثلها الخلية - تحمل الوصفات لبناء جميع أنواع البروتينات، وهي الطرف الآخر. ولكنها لاتنتجها كلها، بل يكون ما تنتجه حسب تخصصها، وهي بذلك علاقة بين عام جوهري ثابت وخاص مظهري . وهذا معناه أن كل خلية تمتلك ما هو عام ، أي انها عامة وخاصة. ولإنها كلها عامة، أي فيها معنى إنسان كامل او جوهرإنسان كامل وطاقة لإظهار جوهر إنسان كامل ولأن السرطان لا يكتفي باستنفاد ما تمتلكه الخلايا المتخصصة فقط بل يسعى الى استنفادها من الجسم كله وانه يرجع الخلية الى كونها عامة بعد تخصصها لذا فإن كل الخلايا مرشحة لأن يستنفد منها كل الطاقة الكامنة في الانسان لأنها كلها تمتلك ما هو عام ، وهذا فيه تفسير للسبب في أن تكون كل أجزاء الجسم وأعضاؤه وخلاياه عرضة للاصابة بالسرطان. فإذا كان السرطان قضاء على العلاقة العامة بين كل الوجود وكل العدم في الجسم الإنساني ، فإن كل خلية من خلاياه تمثل هذه العلاقة العامة لأن كل منها يتصل بما هو عام، كل منها فيه الجوهر العام الذي يستطيع بناء كل الخلايا وجميع أنواع البروتينات لا البروتينات الخاصة فقط التي كان ينتجها قبل الاصابة بالسرطان . إن السرطان يلغي تخصص الخلية فتصبح عامة، لأنه يتطلب خلية عامة يستنفد منها الإنسان كاملا، كل مافيه من طاقة ومادة كامنة لإظهار وجوده وجوهره الكامن كله. ولهذا تشبه الخلية السرطانية الخلية الجنينية في كونها عامة وفي انقسامها المستمر(54)، فهي تنقسم باستمرار لاستخراج كل الطاقة ولبناء كل البروتينات التي يستطيع الجسم بناءها في عملية بناء الخلايا الجديدة . ولأن الخلايا جميعاً فيها هذا الأساس العام لذا يستطيع السرطان الانتشار في الجسم الإنساني كله ذلك لأن خلاياه كلها ترتبط بهذا الأساس العام وإن اختلفت فيما بينها حسب تخصصها، وان لها صلة بالعلاقة العامة التي تضم الإنسان كله، لذا فإن أية خلية يمكن أن تكون هذه الخلية العامة التي يمكن منها استخراج كل الطاقة الكامنة أو كل السلب الكامن في الجسم والذي يحدده البرنامج العام الذي أسس الانسان في ضوئه، وهو كمية السلب الكامن أو الطاقة التي يستغلها الجسم لبناء كل خلاياه من أول خلية حتى آخر خلية. اذن فإن أية خلية يمكن أن تكون خلية سرطانية كما قلنا ما دامت كل خلية تمتلك البرنامج الوراثي العام نفسه، ولهذا فهي تستطيع أن تستخرج كل الطاقة الكامنة أو كل العدم أو السلب الكامن في الجسم إذا ما أصيبت بالسرطان.
تقول المصادر الطبية إن السرطان يتصل بعلم الأورام لأنه ورم، أي ازدياد في صنع الخلايا. وقد ذكرنا أن صنع الخلايا يعني تحويل العدم الى وجود ظاهر، تحويل العدم الى مادة أو بروتينات تعكس مضمون وجوهر الإنسان. إن البروتينات ومواد مادية أخرى قبل تصنيعها هي عبارة عن مادة غير حية بلا مضمون ولا جوهر ولا تعبر عن معنى في جسم الانسان . وبعد تصنيعها تعكس المعلومات الوراثية وتعبر عن معنى الانسان. والجسم الإنساني ومن خلال القانون العام الذي يحكمه لديه القدرة على صنع عدد هائل من الخلايا. فعدد الخلايا التي يصنعها الجسم في اثناء الحياة كبير جدا (55)، وهناك ـ ضمن القانون العام الذي يحكم وجود الإنسان او حياته ـ معدل لحياته او لعمره، فهناك حد لعمره. فالزمن هو أحد ابعاد المادة، وللجسم الإنساني بعد زمني او عمر يحدده بسنين معدودة، وهو ضمن هذا الحد وفي خلال العمر المحدد له يصنع مقداراً من الخلايا يتفق وهذا العمر. وهذا يعني أن صنع الخلايا له مدى وعدد، وأن النمو له حدود ( 56 )، ففي التنامي الطبيعي للانسان يصل نمو الخلايا الى حد او نقطة معينة يبلغ فيها ما حدد له من مدى ويدعى عندها الى التوقف . وهذا المدى يرتبط بالعدم الكامن في الإنسان، أوبالمادة التي من الممكن تصنيعها لتخلق خلايا جديدة، يرتبط بمقدار البروتينات غير المخلقة فيه. وهذا المقدار يرتبط بالمعلومات التي تتضمنها الجينات الوراثية عن مقدار ما يصنعه الجسم الانساني من خلايا في مدة حياته ، يرتبط بالبرنامج او القانون العام الذي صنع الإنسان في ضوئه وعلى وفقه والذي يضع حدوداً لعمر الانسان كما يحدد كل شيء فيه. وتبين قراءة العلماء للجينوم البشري أن كل نوع من أنواع الكائنات له برنامج يخطط لزواله . إذ يبدو أن كل نوع من أنواع الكائنات يأتي وقد جهز بهذا البرنامج الذي اختير ليناسب مدى ما يتوقع له من الحياة والعمر(57)، أي ان هذا البرنامج يحدد نهاية لعمر الإنسان حتى لو سلم من كل الأمراض التي تؤدي الى الموت، ومن كل الاحداث التي تؤدي اليه، فهنالك برنامج يخطط لموته. وهذا البرنامج يرتبط ـ في تفسيرنا ـ بكمية ما يصنعه الجسم من الخلايا، فكل خلية تصنع هي درجة على سلم الصعود الى النهاية المحتومة. وإن قدرة الجسم على صنع الخلايا لها حد تنضب فيه وإن بلوغ هذا الحد يعني شيخوخة الجسم وموته. ولذا يقال إن تضاعف الخلايا يؤدي الى شيخوخة الخلايا لأنه نضوب لطاقتها، ولذا يقال كذلك إن السرطان يرتبط بما تعنيه الشيخوخة(58) فإذا كانت هذه تعني لدينا فيما تعنيه نضوبا في الطاقة او القدرة على صناعة البروتينات التي يمكن تحويلها الى خلايا جديدة فإن السرطان يعني كذلك هذا النضوب . ولكنه يختلف عنها بأن هذا النضوب لا يحدث تدريجا وانما مرة واحدة . إن معدلات السرطان - كما يقال - تتزايد مع العمر باطراد، وعامل الخطر الأول في السرطان هو السن(59). ولكن السرطان لا يرتبط بما تعنيه الشيخوخة فقط إنما بما يؤدي الى التعجيل بهذا النضوب . فإذا كانت هذه تعني - كما قلنا - نضوباً في الطاقة او القدرة على صناعة البروتينات التي يمكن تحويلها الى خلايا جديدة، فإن هنالك محفزات تؤدي الى سرعة هذا النضوب في السرطان . وإن وجود هذه المحفزات يؤدي الى إخراج كل الكمية التي أعدها البرنامج الذي صمم عليه الإنسان . وهذه الكمية تشمل كل ما يمكن للجسم أن يصنعه في خلال عمر الإنسان من البروتينات والمواد البنائية الأخرى. فهذه المواد التي كانت غير مصنعة وطاقة كامنة ( وهو ما يسمى بلغة الفلسفة الممكن الوجود او الوجود بالقوة الذي هو المادة أو الهيولى ) تصنع عن طريق توليد الخلايا الجديدة بدون حاجة الجسم الى هذا . إذ إن الجسم يصنع ما يحتاج اليه من خلايا في عمليات البناء او إعمار التلف. أما أن يصنع الخلايا بلا انقطاع، فذلك ما لا يحتاج اليه، بل على العكس إنه وسيلة لتدميره. إن السرطان انفلات في عملية صنع الخلايا(60) وتزايدها الى ما لانهاية وحتى إخراج كل ما يختزنه الجسم من طاقة كامنة او بروتينات من الممكن تصنيعها، وحتى استنفاد كل قدرته على صنعها. ولهذا يشهد الجسم ورماً سببه تزايد صنع الخلايا. وينسب السرطان الى أمراض الاورام ـ كما قلنا ـ والورم نمو ولكنه نمو غير مسيطر عليه إذ إن الخلايا تنسخ نفسها وتتزايد بحماس. لذلك فإن الأنسجة التي تكون معرضة بوجه خاص للسرطان هي تلك التي تنزع لأن يكثر فيها انقسام الخلية طيلة الحياة إما للترميم او لأسباب أخرى كما في الجلد والثدي والقولون والمعدة وخلايا الدم البيضاء. ان السرطان مرض في جهاز انقسام الخلايا، مرض للجينات التي تشجع نمو الخلية وانقسامها ومنها جينات الميتاكوندريا والجينات المسؤولة عن تكوين التيلوميراز وهي جينات أنثوية . وهو مرض للجينات التي تكبح الورم، ولذا فإن العطب الذي يصيب جين تي بي(53) الكابح للورم هو علامة على وجود سرطان قاتل، ولهذا يكتسب هذا الجين لقب حارس الجينوم(61).
إن السرطان إذن انفلات في النمو يعني تعطيل كل ما يكبح هذا الانفلات. والنمو يعني صنع الخلايا، وصنع الخلايا يعني صنع البروتين ، التجلي من خلال البروتين . ولهذا يرتبط السرطان بزيادة تكوين البروتين، ولهذا تشبه الخلايا السرطانية الخلايا الجنينية في أنها تنمو بسرعة مثلها، وأنها من أجل ذلك تنتج كميات كبيرة من البروتينات. ولهذا تبدو النوية التي ذكرنا أنها جسم صغير يقع عادة حول مركز النواة أكبر حجماً في هذه الخلايا النشيطة في تكوين البروتينات، لأن النوية هي محل تكوين الرايبوسومات التي هي بدورها تكون بمنزلة المعمل الذي تبنى فيه البروتينات(62). إن السرطان هو استنفاد صنع البروتين الذي كان يمثل جانب العدم او جانب السلب او جانب الطاقة. وهذا هو غاية التفاعل او الصراع بين طرفي الاختلاف او الصراع في الجسم. فعملية الصراع أو التفاعل التي قلنا إنها تدور بين الكروموسومات الذكرية والكروموسومات الأنثوية وهو ما يسميه العلماء بالحرب البيولوجية في خلايا الجسم هدفها تحويل العدم او الوجود الذي لم يخلق او لم يظهر بعد_ والذي يقترن بالجانب الأنثوي_ الى وجود ظاهر عن طريق صنع البروتين وصنع الخلايا الجديدة وهذا يكون لغرض النمو وبناء جسم الإنسان لكن خللا ينتاب الجسم يؤدي الى اصدار الامر بتحويله كاملا او استنفاده كاملاً فيكون السرطان هو نتيجة ذلك .
إن الصراع او التفاعل الذي عرضنا قصته في الجسم الإنساني إنما هو صراع بين الوجود (وهو ما تمثله الكروموسومات الذكرية والأنثوية المتحدة في نواة الخلية ) والعدم الذي يخلق في السايتوبلازم والذي قلنا إنه يقترن بالمرأة فقط .. إن هناك عدما كامنا في المرأة أو( وجودا ممكنا) او (وجودا بالقوة) ، وإن الذي يشرف على عملية تحويل هذا العدم أو( الوجود الممكن) او (الوجود بالقوة) الى وجود فعلي ظاهر وتوقيت أو برمجة ظهوره هو ما تمتلكه المرأة فقط من الميتاكوندريا أوما يرتبط بالكروموسوم الأنثوي من التيلوميرات . إن هناك صراعا بين الوجود والعدم وإن الصراع أو التفاعل بين الكروموسومات الذكرية والأنثوية (التي يقترن بها العدم) يستمر حتى يتحول كل العدم الى وجود أو الى خلايا . إن الخلايا توجد من خلال عملية إيجاد العدم الكـامن في الأنثى فقط , ولذلك فإنها تمتلك وحدهـا ( الميتاكوندريا ) وهي الجسيمات التي يتم فيها ومن خلالها استخلاص الطاقة واستخدامها في عملية البناء المادي لجسم الانسان وترتبط بها التيلوميرات التي تحدد مرات ظهور لبنات هذا البناء المادي وهي الخلايا .
إن المرأة هي سبب الوجود المادي للإنسان . وإن عملية إيجاد العدم في الخلية تتمثل بعملية صنع أو انتاج الطاقة أو استخلاص الطاقة من المركبات أو المواد الغذائية الموجودة في الخلية فتحدث عمليات أكسدة الدهون والسكريات داخل الميتاكوندريا وتنبعث الطاقة فيمكن تنفيذ العمليات المختلفة من بناء للبروتينات وغيرها من المواد التي يبنى منها الجسم مظهريا . ولأن الميتاكوندريا هي المركز النشط لإنتاج الطاقة في الخلية فإنها تموج بالعديد من الشوارد الحرة التي تسبب تلف الخلايا فتشيخ ويضعف انتاجها للطاقة وتموت وقد تهددها بالإصابة بأمراض أخرى مثل السرطان وهو موضوع بحثنا . ويعبر عن هذه العملية بعملية الأكسدة التي تنتج ذرات الأوكسجين الحرة غير المستقرة التي تنتج هي الأخرى الشوارد الحرة وهي ناتج ثانوي عن عملية إنتاج الطاقة في الخلية . والشوارد الحرة آيونات سالبة حصلت على الكترونات غير مرتبطة (حرة) منفردة أي غير مزدوجة وتستطيع أن تقوم بمهاجمة الخلايا في تفاعلات متسلسلة وأن تؤكسد الDNA والبروتينات وجزيئات أخرى في كل أنحاء الجسم وتتلفها . وهي تستطيع أن تنتج مزيدا من الشوارد والمؤكسدات ذات القرابة بها مثل فوق أوكسيد الهيدروجين ومن ثم تحفز سلاسل طويلة من النشاط التدميري كما تؤدي الى إحداث طفرات جينية تعجل عملية الشيخوخة وتثبط بعض الإنزيمات وتؤدي الى ظهور بعض السرطانات وحدوث طفرات في المحتوى الوراثي للميتاكوندريا أو جيناتها ومن ضمنها الجين المهم الذي ينتج خميرة سايتروكروم سي أوكسيديس والخمائر التي تساهم في إنتاج الطاقة المعروفة بـ ATPالتي تزود التفاعلات الكيمياوية في الجسم بالطاقة التي تحتاج اليها .
وتعرف الأكسدة بأنها عملية فقدان للالكترونات من الذرات أو الجزيئات او الآيونات ، إنها عملية فقدان للطاقة التي تعمل بها خلايا الجسم ( 63 ).. وتشترك الشيخوخة والسرطان في أنهما ظاهرة لعملية فقدان الطاقة ولذلك تظهر النتائج على الميتاكوندريا التي هي مولد الطاقة كما تظهر النتائج على التيلوميرات التي ذكرنا أنها تتصل بعمر الإنسان ومستوى الطاقة المقررة لهذا العمر والتي يتضمنها البرنامج الوراثي له. وهذا يعني ان تأثير السرطان يظهر على الجانب الانثوي لأن الميتاكوندريا والتيلوميرات تتصل بالجانب الانثوي – كما ذكرنا - ويعني ان السرطان نتيجة لتعجيل أو تسريع عملية التفاعل بين العوامل الذكرية والانثوية في الجسم والتي تحدث بالتدريج في حالة عدم التعرض للمؤثرات المسرطنة وحسب البرنامج الوراثي الذي يوجه عملية الانقسام بما يجعل الجسم والخلايا تنمو بصورة طبيعية .
ان السرطان يرتبط بعملية انقسام الخلايا وترتبط التيلوميرات والميتاكوندريا بعملية انقسام الخلايا _وهذا كنا قد شرحناه_ فهما تحددان مرات الإنقسام ومستوى الطاقة المخصصة لكل إنقسام . ولأن السرطان هو استخراج لكل الطاقة الكامنة أي المخصصة لعمر الإنسان والتي تتضمنها المعلومات الوراثية في DNA الميتاكوندريا والجينات التي تصنع التيلوميرات لذلك فإن السرطان ينعكس اثره عليهما فيصاحبه حدوث طفرات في المحتوى الوراثي للميتاكوندريا ويصاحبه نشاط للتيلوميرازات وهي الإنزيمات التي تعمل على تطويل التيلوميرات من أجل إدامة عملية انقسام الخلايا وتطويل عمرها وجعلها خالدة لا تموت لكي تصرف كل الطاقة الكامنة أو المقدرة لعمر إنسان كامل ..
إن موت الخلية وشيخوختها أو فقدانها للطاقة هو أمر مبرمج مسبقا، فهذه العمليات تجري تحت سيطرة برنامج وراثي جيني مسبق ، وإن الجينات تلعب دورا قويا في هذه العمليات ولكنه في الحالة الطبيعية من حياة الإنسان وحياة خلاياه يحدث تدريجا ومع تقدم الإنسان في العمر، أما في السرطان فإنه يحدث مرة واحدة ويصدر البرنامج الوراثي الجيني أوامره بإخراج كل ما يمتلكه من طاقة أو صنع كل ما بامكانه صنعه من المادة ولذلك فإن الخلايا تنقسم باستمرار ولا تتوقف عن الانقسام حتى تهدر كل الطاقة المقدرة لها في أثناء عمرها . إن عملية إنتاج الطاقة وعملية الأكسدة والأيض أو البناء والهدم (التي قلنا إنها عملية إيجاد للعدم أو إيجاد الوجود المادي المتمثل بالخلايا ) تحدث من خلال الميتاكوندريا التي تقترن بالجانب الأنثوي فقط . وهذه العملية ترتبط _كما ذكرنا سابقا_ بعمل جزيئات أخرى ترتبط بالجانب الأنثوي كذلك ويكمل عمل بعضها بعضا ونقصد بها التيلوميرات . فعمل الميتاكوندريا وعمل التيلوميرات يرتبط بعملية إنتاج الطاقة وعملية إنقسام الخلايا وبناء الخلايا.
إن بناء خلايا الجسم يستدعي انقسام الخلايا وهذا يستدعي انتاج الطاقة الذي يحدث في الميتاكوندريا وإن استمرار هذه العملية أو حدوثها بوتيرة متصاعدة يضعف الميتاكوندريا فتشيخ الخلية وتموت او تنتقل الى الحالة السرطانية . إن تكرار عملية انتاج الطاقة وتكرار عملية الانقسام يؤدي الى قصر التيلوميرات ويؤدي كذلك الى أن تشيخ الخلية وتموت أو تتحول الى خلية سرطانية . إذن فعمل الميتاكوندريا يرتبط بعمل التيلوميرات والاثنتان ترتبطان بالجانب الأنثوي كما قلنا . واذا كان عمل الميتاكوندريا هو انتاج الطاقة وصرف الطاقة على العمليات الحيوية التي تحدث في الخلية لاسيما بناء البروتينات والمواد الأخرى بما يؤدي الى تكوين المظهر الخارجي للجسم فإن عمل التيلوميرات هو عملية تنظيم عملية صرف هذه الطاقة وضبطها ، هو عملية زمنية تضبط عملية الإنقسام خلال وحدات زمنية ، فإذا زادت عملية الإنقسام وخرجت عن هذه الضوابط وزاد صرف الطاقة فإن ذلك يؤدي الى قصرها وقد يضطرب أمر هذه العمليات وبختل وينفلت من عقاله ولا يعود الصرف مقننا على وفق جدول زمني محدد ويتمثل هذا المظهر بحدوث السرطان . فالسرطان هو صرف غير محدود للطاقة عن طريق صنع غير محدود للخلايا .
إن التيلومير يقوم بدور هام في عملية التئام الجروح وإعادة بناء الأنسجة التالفة نتيجة الأمراض من خلال عملية إنقسام الخلايا . ولكن مع كل إنقسام للخلية يحدث قصر في طول التيلومير _كما قلنا_ ويؤدي الى ظهور أعراض الشيخوخة على الخلية . لذا ذهب بعض العلماء الى أننا لو استطعنا إعادة تطويل هذا التيلومير فسوف يعيد ذلك الشباب للخلية ويجعلها تبدو أصغر سنا ويعيد الشباب الى الجسم كذلك . فبإعادة تطويل التيلوميرات تعود الخلايا طبيعية ويشفى المرض ، وعلى العكس من ذلك عندما يختل أمر الانقسام ويصبح منفلتا كما في السرطان فإن العلماء يعملون على استحداث أدوية مضادة للتيلوميرات لإحداث قصر بها من أجل السيطرة على عملية الانقسام وتقنينها وبرمجتها فلا تعود منفلتة وغير مسيطر عليها .( 64)
إن هذا يدلل على أن صرف او انتاج الطاقة يرتبط على المستوى الخلوي والجزيئي بآليات الهرم وآليات التحول الى السرطان . فتقييد صرف الطاقة والسعرات الحرارية يطيل أمد الحيوية والبقاء ويجعل عملية انقسام الخلايا تحدث بانضباط وسيطرة وعكس ذلك يدفع اليه صرف ونضوب للطاقة(65). وقد يكون الصرف هائلا مما يؤدي الى انقسام هائل وهذه الظاهرة تتمثل بمرض السرطان . فهناك إذن صرف مبرمج للطاقة يؤدي الى عملية انقسام مبرمجة للخلايا ويؤدي الى شيخوخة مبرمجة وموت مبرمج وهذا ما تذهب اليه نظرية الجسد المستهلك . وعملية الإخلال تؤدي الى التعجيل بالنهاية المحتومة عن طريق السرطان .
هناك ما يعرف الآن بالبيولوجيا الزمنية وهو علم حديث يهتم بدراسة إيقاع الحياة الداخلي في الكائنات الحية والعلاقة بين الزمن والحياة في داخلها . ولقد كانت نظرية آينشتين قد بينت أن الزمن هو البعد الرابع للأشياء ولهذا فإن بنية الانسان ترتبط بعمر محدد وهناك ما يسمى العمر الافتراضي للإنسان وهو أقصى مدة زمنية يمكن للكائن أن يحياها . إن دقات الساعة البيولوجية في الإنسان والكائنات الحية هي الزمن الذي يعيشه الإنسان اويتقدم اليه . هذا الإيقاع الداخلي هو العمليات الحياتية التي تحدث في الخلايا ، فعمليات البناء والهدم التي تحدث عن طريق إنتاج وصرف الطاقة هي عمليات إيقاع لخطوات الزمن الذي يمر على جسد الإنسان . وهو إيقاع فطري يتم ضبطه والتحكم فيه عن طريق الساعة البيولوجية . هذا الإيقاع اليومي النهاري والليلي يعمل على تزامن وظائف الجسم مع التغيرات الزمنية اليومية في الضوء والظلام مثل دورة النوم والاستيقاظ في الإنسان. وقد استنتج العلماء أن الساعة البيولوجية لا بد من أن تكون قديمة قدم الحياة نفسها وأن الخالق العظيم وهبها لجميع المخلوقات كل وما يناسبه ولم يحرم منها كائن من كان حتى لو كان هذا الكائن وحيد الخلية كما اعترفت بذلك الأبحاث الحديثة . وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أهمية الوقت في حياتنا وحياة جميع الكائنات(66)..إن جسم الإنسان يموج بأعداد هائلة من الساعات البيولوجية تضمها خلايا الكائن الحي وتدق فيها معلنة تقدم الوقت وهذه هي التيلوميرات التي ترتبط بالأنثى .
إن تاريخ الوجود الإنساني إنما هو تاريخ النساء اللواتي يظهرن الإنسان الى الوجود، لأن النساء هن سبب ظهوره وبهن ترتبط المواد البانية لهذا الظهور وبهن ترتبط الساعات التي توقت مدة إظهار هذا الوجود بجزيئاته الصغيرة المكونة لبنائه العظيم وهي الخلايا .
إن الذي نستنتجه من هذا أن هناك تناسقا بين عمل الميتاكوندريا التي مصدرها الأنثى فقط والتي تقع في السايتوبلازم وعمل التيلوميرات التي تقع في النواة وترتبط بالكروموسوم الأنثوي. وإن هذا العمل يرتبط بعملية إنتاج أو صرف الطاقة واستغلالها في بناء الجسم عن طريق تكوين خلاياه وهي الوجود المادي الظاهر للإنسان . وإن الميتاكوندريا والتيلوميرات ترتبطان بالأنثى ، فالأنثى هي التي تحقق الوجود المادي الظاهر للانسان . وإن الإسراع بتحقق كل الوجود الظاهر أو الإسراع باستنفاد كل الطاقة الكامنة في الجسم أو تحويل كل (الوجود بالقوة أوالوجود الممكن التحقيق) الى (وجود مادي كائن) يؤدي الى السرطان، وإن هذا يعني استنفاد وصرف كل الطاقة التي خصصت للإنسان في أثناء مدة حياته لكي يصرفها في عملية بناء نفسه . إن هذا الاستنفاد هو نتيجة لإضرام الصراع أو التفاعل أو اصدار الأوامر بتعجيلهما بين العوامل الذكرية والأنثوية لإظهار كل ما في جعبة الأنثى من وجود قابل للظهور .
والآن لنا أن نتساءل : ما الذي يجعل الجسم في مرض السرطان يتجاوز توجيه هذا البرنامج الداخلي الذي يبرمج عملية تقدم العمر ويأمر بالصرف المقنن للطاقة والانقسام المحدد للخلايا فينصرف عن هذا ويعمد الى عملية انقسام للخلايا مستعجلة ومستمرة وعملية صرف أو استنزاف للطاقة غير متوقفة ؟.
لقد ذكرنا أن كيان الجسم الإنساني يقوم في أساسه على أساس أنه علاقة تناقض بين الوجود والعدم في خلاياه وفي ذراته ، والعدم هو السلب أو الطاقة الكامنة في الجسم والتي ترتفع الى مستوى الوجود الفعلي بعد تخليق وصناعة البروتينات والمواد المادية الأخرى أي ان العدم يتحول الى وجود فتنتهي علاقة التناقض بينه وبين الوجود الى تشابه لا الى تناقض وبذلك ينهدم الأساس الذي يقوم عليه جسم الانسان وهو كونه علاقة تناقض فيموت . إن فقدان هذه الطاقة كليا وعملية صرف أو استنزاف الطاقة وتجاوز توجيه هذا البرنامج الداخلي الذي يأمر بالصرف المقنن للطاقة والانقسام المحدد للخلايا تؤدي اليه عوامل ومؤثرات خارجية وداخلية تبينها نظريات تكون السرطان ومنها: العوامل البيئية والعوامل الإشعاعية المؤينة. ويطلق اسم الإشعاعات المؤينة على جميع الإشعاعات النووية كالجسيمات المشحونة ( البروتونات وجسيمات ألفا وبيتا والالكترونات والإشعاعات الكرومغناطيسية والأشعة السينية وأشعة جاما والنيوترونات وغيرها ) لأنها تقوم بتأيين الوسط الذي تمر فيه بما يؤدي الى تغيير في تركيب ذلك الوسط الذي تمر فيه وهو ما نعبر عنه بالآثار الصحية . وكلما زادت كمية الإشعاع زادت احتمالية الآثارالمتوقعة . فالجسيمات المشحونة تقوم بتأيين الوسط مباشرة عند المرور فيه وذلك بسبب الكهربية التي تحملها . وتعرف طاقة التأين بالطاقة اللازمة لإخراج الالكترون من ذرة الهيدروجين المستقرة علما أن جميع أجسام الكائنات الحية تحتوي على نسبة عالية من الهيدروجين . ويعرف جهد التأين بأنه الجهد الكهربائي اللازم لخروج الالكترون من ذرة الهيدروجين المستقرة . ومعنى العناصر المستقرة هي العناصر التي تكون فيها النسبة بين عدد النيوترونات وعدد البروتونات 1/1. (67)
ومن العوامل التي تعمل على ظهور المرض العوامل الوراثية التي يدخل فيها التاريخ الوراثي للفرد والتشوهات الصبغية الكبيرة والاختلال الوظيفي الهرموني والفيروسات. ومن نظريات تكون السرطان نظرية التغير في المورثة، وتعتمد هذه النظرية على مفهوم التغير في المادة الوراثية عن طريق تغير في المورثات. والأدلة عديدة التي تثبت ذلك التغير وتدعم النظرية. والتغير الوراثي عادة ما يكون ثابتاً، فيحدث ضرر بالمادة الوراثية في شريط DNA او بإضافة مادة وراثية الى المادة الوراثية الأصلية، او تغير مورثة واحدة او نقص صبغي ، ومعظم السرطانات التي تصيب الإنسان لها علاقة باختلال العدد الصبغي، وإن الخلية تصبح أكثر تسرطناً كلما زادت التشوهات الصبغية في التركيب الوراثي للفرد المعني.
ومع تقدم علم الكيمياء والوراثة تم تحليل عدد كبير من المواد المسرطنة، ووجد أن معظمها هي مواد كهرومغناطيسية تتحد بقوة مع الأحماض النووية الخلوية DNA وRNA والبروتينات. حيث ثبت أن معظم هذه المواد المسرطنة عند اتحادها مع المادة الوراثية فإنها قد تسبب سرطاناً وذلك بإحداث تغييرات في المعلومات الوراثية، والتي تؤدي في معظمها الى طفرات في المادة الوراثية. إن السرطان يحفز بوساطة هذه العوامل التي تؤثر في الخلايا وتسبب تحولات خلوية فيها مما يجعلها تفقد السيطرة على الإنقسام المنظم وتبدأ بالإنقسام الفوضوي السرطاني. إن المواد الكيمياوية التي تفقد ذراتها بعضاً من الالكترونات النووية تتحد بسبب نقص الالكترون فيها بالذرات الغنية بالالكترونات الموجودة في الأحماض النووية والبروتينات. وتبدو المواد المسرطنة متخصصة في تأثيرها، فبعضها يحفز ظهور السرطان في عضو من أعضاء الجسم دون الآخر.
وهكذا تعمل هذه المؤثرات على تخريب بنية الجسم ، فإذا تعرض الجسم الى أشعة مؤينة فإنها تعمل على إخراج كل الجانب السالب او الطاقة السالبة في الجسم والمخصصة له في مدة عمره كله ضمن برنامجه الوراثي فيلغى عمل هذا البرنامج الذي يعمل على توجيه عملية صرف الطاقة على وفق جدول محدد ومقنن، لأن الطاقة المطلوب إخراجها منه في حال تعرضه الى هذه الأشعة طاقة هائلة لذا يعمد الى عملية صنع مستمر للخلايا إذ قلنا إن كل خلية تصنع تستخرج أو تصرف نسبة من الطاقة . وإذا ما حدث خلل للجينات التي تحكم عمل البرنامج الذي يحدد عملية صرف الطاقة أو صنع الخلايا او انقسام الخلايا ومنها جينات الميتاكوندريا التي يتصل عملها بصنع الخلايا وانقسامها وكذلك جينات التيلوميرات التي قلنا إنها الساعة البيولوجية التي تحدد عمر الخلية وعمر الانسان وعدد ما يصنع من الخلايا خلال عمر الانسان ، فإن هذه الجينات سيضطرب عملها وتنفلت عملية صنع الطاقة او صنع الخلايا من عقالها. ولهذا نجد عند السرطان أن المحتوى الوراثي للميتاكوندريا تحدث به طفرات وان التيلوميراز وهو الإنزيم الذي يسيطر على عمل التيلومير سيزداد إفرازه في الخلايا السرطانية ويعمل على إطالة نهاية التيلوميرات في هذه الخلايا وجعلها خلايا خالدة تنقسم دائما ولاتتوقف عن الإنقسام والتكاثر.
السرطان اذن يحدث بتأثير هذه العوامل فيضرب الجينات المشرفة على عملية انقسام الخلايا وصرف الطاقة أو إيجاد العدم ويؤدي الى صرفها كلها أو إيجاد العدم كله وهذا يعني اختلال أو فصم العلاقة التي تبنى منها خلايا الجسم وذراته . إن ما يحدث في السرطان هو صرف كل الطاقة الموجودة في الجسم ابتداءا من الطاقة الموجودة في الخلايا المتخصصة وصولا الى الخلايا الأولية أو العامة التي هي القاعدة التي انطلقت منها الخلايا المتخصصة أو هي أسفل الهرم الذي تجلس على قمته . ولذلك يقال إن السرطان يلغي تخصص الخلايا ويعم كل الخلايا ويشملها لأنها كلها يرتبط بعضها ببعض انطلاقا من الأساس الأول الذي انطلقت منه كلها وهو الخلية الأولى ، وأنها كلها تشتمل على البرنامج الوراثي نفسه وأن المعلومات الوراثية هي نفسها في كل الخلايا.
وإذا درسنا الجسم من خلال الخلية فإننا ندرسه كذلك من خلال وحدته الصغرى التي هي الذرة ذلك لأن الخلية تشبه الذرة في أنهما الاثنين علاقة بين جانب موجب وجانب سالب . والسرطان هو إخراج للجانب السالب من ذرات الجسم ، إخراج له من وحدة العلاقة التي تربطه الى الجانب الموجب فيها . فلقد ذكرنا أن من مسببات السرطان او من محفزاته الأشعة المؤينة او بعضا من المواد الكيميائية فيما سميناه الشوارد الحرة التي تفقد ذراتها بعضاً من الكتروناتها النووية ، فتتحد بسبب نقص الالكترون فيها بالذرات الغنية بالالكترونات الموجودة في الأحماض النووية والبروتينات فتخرجها من ذراتها في هذه المواد الجسمية .
ومن المعروف أن خلايا الجسم البشري من أهم مكوناتها الحامض النووي DNA وهو يتأثر بالحقول السالبة والموجبة وهو يتألف من ذرات تتأثر بهذه الحقول . فعندما تدخل الأشعة السينية او الجسيمات النووية السريعة جدا الى الخلايا فإن تأثير هذه العملية يمكن أن يكون مدمرا للغاية وذلك بسبب طاقة هذه الإشعاعات التي تفوق مئات المرات القوى التي تربط أجزاء الخلية الى بعضها . وعليه فإن الضررالذي سيلحق بالخلايا سيكون كبيرا بسبب تلف البناء الكهربائي الذي يحافظ على بنية الخلية وعندئذ تموت الخلية . أما اذا كانت طاقة الإشعاع أقل تأثيرا فإن الخلايا قد تبقى حية لكن الإشعاع يؤثر في هذه الحالة على فعاليتها الحيوية التي تتضرر الى حد كبير يؤدي الى تغيير هندستها او شكلها الأصلي ومن ثم فإن الخلية التي بقيت حية قد تتحول تدريجيا لتصبح خلية سرطانية تقوم بصورة ذاتية بتوليد خلايا سرطانية أخرى. وهناك أضرار خفيفة للإشعاع وهذه من الممكن تلافيها وتقويمها لتواصل الخلايا نشاطها الاعتيادي .
إن الخلية تحتوي على المركبات والمعادن الضرورية للجسم ويكون الماء معظم أجزاء الخلية ويختلف الإشعاع النووي بضمنه الأشعة السينية في تأثيره عن باقي أنواع الأشعة كالضوء والحرارة في أنه يقوم بتأيين الماء الموجود في الخلايا الحية مما يؤدي الى اختلال نظام عمل هذه الخلايا . ونتيجة لهذا التأين تتكسر الكروموسومات او تتكون سلسلة لولبية الجذور تعيق الكروموسومات من إعادة التكوين المماثل للأصل (68 )..
السرطان إذن اختلال أو انفصام للعلاقة التي تبنى منها خلايا الجسم وذراته. وهذه العلاقة هي البرنامج أو البنية العامة التي يبنى في ضوئها الإنسان . ولذلك فإن جميع البشر معرضون للاصابة به، ذلك لأنه يتصل بالتصميم الداخلي الذي جاء الإنسان تعبيراً عنه، فإذا ما اختل هذا التصميم وانهدم هذا البرنامج قضي على الانسان بالموت لانهدام الأساس او البنية العامة التي بني عليها. إن البنية العامة للخلايا قائمة على علاقة اختلاف بين مصدرين يأخذ أحدهما من الأب والآخر من الأم . ولإنها بنية عامة يمتلكها كل البشر يقال إن كل البشر يملكون المورثات التي باستطاعتها تحويل الخلايا العادية الى خلايا سرطانية. ولكن ظهور السرطان يعتمد على وجود العوامل والمحفزات التي تؤدي اليه(69).
إن القول بأن البشر كلهم يملكون المورثـات التي باستطاعتها تحويل الخلايا العادية الى خلايا سرطانية يدلل على أن السرطان إنما هو خلل او تطور ينتاب القانون العام الذي يحكم تكوين وخلقة الجسم الإنساني ما دام كل البشر يملكون استعداداً للاصابة به. وما دام هذا المرض ليس مرضاً معديا فهو يتصل بالقانون او البرنامج او التصميم الداخلي الذي صمم عليه جسم الإنسان او بنيته العامة التي هي بمنزلة الهيكل الذي يؤسس لبناء الجسم الانساني. وهذا القانون أو البرنامج او التصميم الداخلي أو البنية العامة، إنما هي (العلاقة) التي ينبغي أن تكون قائمة لكي يبقى بناء الجسم قائما فإذا ما انتهت هدم بناء الجسم لهدم أساسه .
العلاج :
وإذا كان السرطان انتهاءا لهذه العلاقة فإن إعادة العلاقة الى وضعها السابق هو الذي يقضي عليه. وإعادة هذه العلاقة يكون بإعادة الطاقة الكامنة المفقودة او الجانب السالب في الخلايا اي ان يكون هناك سلب لم يستنفد ومادة لم يستكمل تصنيعها وجوهر لم يطرأ عليه خلل طاريء فيعطي الاوامر بتصنيع كل ما في قدرته على التصنيع من المادة مما يتسع له عمر الانسان ، اي المادة التي يمكنه صنعها في خلال عمره كله . ان اعادة العلاقة الى ما كانت عليه من الايجاب والسلب هو الكفيل بالقضاءعلى هذا المرض والتصدي له . ولأن السرطان هدم لبنية كل خلايا الجسم لذلك فإنه يمتد على كل هذه الخلايا . وهنا نسأل : كيف نعيد العلاقة التي تقوم عليها الخلايا الى وضعها السابق ، وكيف نعيد الجانب السالب أو الطاقة المفقودة الى خلايا الجسم؟.
لقد قلنا إن الجسم الإنساني كله يبدأ من خلية واحدة وبالاستنساخ والتكاثر تتكاثر خلايا الجسم حتى تصل الى العدد(60_100) ترليون خلية. ولكن هذا العدد الضخم من الخلايا يرتبط بعضه ببعض فهو بناء تراكمي عن خلية واحدة لذا فإن هناك علاقة عامة تجمع بين خلايا الجسم كله ، فهذه الخلايا تتطور عن هذه الخلية العامة لتتخصص ثم انها تستطيع ان ترتد اليها لأنها تراكم عنها ، لذلك فإن كل الخلايا تستطيع أن ترجع الى الحالة العامة أو الحالة الجنينية وتلغي تخصصها وهذا ما يحدث في السرطان . إن الجسم الإنساني ينطلق مما هو عام ، من خلية واحدة ، وتبقى هذه العمومية محفوظة في كل الخلايا بعد توسع الجسم . هذه الخلايا تختزن كل المعلومات التي تخص الجسم الإنساني بما في ذلك العمر الذي تعيشه خلاياه والطاقة الكامنة التي تختزنها و العمر الذي يعيشه الإنسان والذي قلنا إنه يرتبط بعمل التيلوميرات التي ترتبط بالجانب الأنثوي . وبسبب هذاالارتباط وهذه العمومية فإننا نستطيع التأثير في خلاياه كلها من خلال التأثير بخلية واحدة .
وإذا كان السرطان هدما لبنية كل خلايا الجسم لإنه قطع للعلاقة التي تقوم عليها هذه الخلايا بين الوجود والعدم أو بين الجانب الموجب والسالب فيها بإخراج كل الجانب السالب أو الطاقة الكامنة التي تشتمل عليها فإن زرع خلية في الجسم المريض تمتلك كل الطاقة المفقودة أو كل الجانب السالب المفقود يمكن أن يؤثر فيها كلها ويعيد إليها كلها ما فقد منها ، فبإعادة هذه الطاقة كلها الى الخلايا وبإعادة ما هو ممكن الوجود أو ما هو وجود بالقوة في لغة الفلسفة الى حالته أي قبل أن يصبح واجب الوجود أو وجودا فعليا أو ماديا نستطيع القضاء على السرطان وإعادة خلايا الجسم الى حياتها الاعتيادية السابقة فبل الاصابة به . ولكن كيف نفعل ذلك ومن أين لنا هذه الخلية التي تمتلك الطاقة الكامنة التي أخرجت من كل خلايا الجسم الإنساني مما أدى الى هدمه كله من خلال هدم كل خلاياه ؟. . نقول لعل الأمل يطالعنا في عملية الإستنساخ التي توصل اليها العلماء . وبهذا الإستنساخ لخلية من خلايا الشخص المريض يمكن أن نحصل على خلية أولية كالخلية الأولى التي انطلق منها الجسم الإنساني وبعد زراعتها في الجسم المريض تكون قادرة على بنائه كله من جديد . فهذه الخلية قادرة على بث الطاقة المتأينة أو الجانب السالب الذي خرج من خلايا الجسم كلها لإنها تمتلك المعلومات والطاقة التي تمتلكها الخلية الأولى (زيكوت) التي خلق منها الإنسان والقادرة على أن تخلق الجسم من جديد بعد أن هدم من أساسه .
ويمكن الحصول على هذه الخلايا المستنسخة بنقل نواة أحدى خلايا الشخص المراد علاجه الى بويضة مفرغة من النواة وذلك للحفاظ على المعلومات الجوهرية في النواة المنقولة وأخذ الطاقة او المادة المراد تعويضها من البويضة المنقول اليها فالميتاكوندريا ترتبط بها وهي ما تزال بحالة سليمة ولما تستنفد طاقتها وبذلك تكون الخلية المستنسخة نسخة طبق الأصل من التكوين الجنيني للشخص المريض وهذا شرط أساسي وحيوي لعدم لفظ أو طرد الأنسجة عندما تزرع في جسم المريض (70) .
والاستنساخ العلاجي أصبح الآن وسيلة علاجية مهمة لغرض الحصول على الخلايا الأولية لبلوغ أهداف لم يستطع الطب علاجها سابقا . فهذه الخلايا الأولية يمكن أن تتحول الى خلايا متخصصة مثل خلايا القلب والجهاز العصبي والعضلي والبنكرياس .. ويمكن أن تزرع في جسم الإنسان في المكان الذي به تلف في أحد هذه الأنسجة لاستعادة وظيفتها .
إن استخدام الاستنساخ لإنتاج مثل هذه الخلايا يعد أكبر الاكتشافات العلمية وأكثرها خطورة في هذا الزمن وسوف يكون لها دور كبير في علاج كثير من الأمراض مع أن هناك من يعترض على تقنيات الاستنساخ التي يستعاض فيها عن بويضة الأم ببويضة بديلة متبرعة .
ولقد شاع في العالم الآن ما يسمى العلاج الجيني الذي يمكن الاستفادة منه في معالجة الخلل او الطفرة الجينية التي ادت الى الاصابة بالمرض وهو عملية زرع أو دمج لجين معين سليم تم نزعه من كائن آخر أو من نفس الكائن بوساطة إنزيم قطع معين ويكون هذا الزرع بداخل المادة الوراثيةDNA للخلية المريضة . ومن ثم تنشأ القدرة على التضاعف وانتاج مادة وراثية جديدة تحتوي على صفات الجين الجديد السليم فتشفى بذلك الخلية المريضة. فإذا زرع الجين الطبيعي السليم فإنه يسود ويتغلب على الجين المعطوب وبذلك تسود الصفة الجديدة المعالجة على الصفة المريضة ويشفى المريض من دائه . وفي علاج الشيخوخة مثلا وضح العلماء إمكان أخذ خلايا إنسان ما لكي تعالج جينيا في مقاومة الشيخوخة ثم تعاد الى صاحبها لكي تعالجه بشبابها من أمراضه المختلفة . وأمكن إنتاج إنزيم توليميراز من الخلايا القابلة للانقسام مثل الموجودة في البيض والخلايا المنوية وحقنت بعد ذلك في كروموسومات الخلايا ثم تركت الخلايا لكي تنقسم ووجد العلماء أن الإنزيم ساعد التيلومير الموجود في الكروموسوم على النمو مرة أخرى وازدادت فرصة إطالة العمر. وهناك ما يسمى الآن بالمكتبة الجينية وهي ستمثل لنا المخزون الوراثي الذي سيمكننا من مضاهاة جيناتنا المعطوبة بالجينات السليمة ويتيح لنا انتقاء التقنية الجينية المناسبة للعلاج. ويؤمل أن تكون من تلك التقنيات استئصال أو تثبيط الجينات المسرطنة من خلال تقنية البتر الإنزيمية (71)..
إن عملية الاستنساخ التي نفترض أنها تعالج السرطان لا تعتمد على زرع أو استئصال جينات محددة في الجسم المصاب إنما زرع خلية هي في الحقيقة تمثل إنسانا كاملا . وعملية استنساخها تتبع الآليات نفسها التي تتبع الآن في العمليات الجارية في المؤسسات العلمية والطبية في العالم لصناعة هذه الخلايا الأولية البكر التي لديها القدرة على النمو وتكوين إنسان كامل . ونفترض أن عملية الاستنساخ هذه تعيد برمجة مورثات هذه الخلية التي تؤخذ من الجسم المريض بالسرطان ، أي تعيدها الى وضعها السليم بلا طفرات او خلل وتزودها بالطاقة التي فقدها الجسم من خلال ما تمتلكه البويضة المنقول اليها النواة من السايتوبلازم والميتاكوندريا غير المستنفدة لتعمل على إنتاج أو بناء وضع جديد للخلايا في داخل جسم المريض يوقف عملية انهيارها وانقسامها المستمر إذ يعيد اليها ما فقدته ويبرمجها من جديد ويعيد التوازن بين جانبها الإيجابي والجانب السلبي بعد أن كانت قد فقدت كل طاقتها أو الجانب السالب منها مما أخل في نظامها الذي تقوم عليه وهدم بنيانها . وبعد زراعة هذه الخلية في الجسم المصاب بالسرطان ستعمل على إعادة التوازن الى كل خلايا الجسم أو ستقوم ببنائها من جديد وذلك لأنها ترتبط مع خلايا الجسم المريض بعلاقات عامة وتقوم معها على أساس واحد هو الأساس الواحد الذي بنيت عليه وانطلقت منه أول خلية تكون منها هذا الجسم . وكما أن الخلية الأولى (الزيكوت) لديها القدرة على بث الحياة في كل خلايا الجسم_إذ تكونت منها كل خلايا الجسم_ فإن هذه الخلية الأولية المزروعة لها مواصفات وقدرة هذه الخلية الأولى.
وكان بعض المختصين قد أثاروا شكوكا حول إمكان إعادة برمجة مورثات الخلايا المزروعة لتصبح خلايا جديدة تحل محل الخلايا التالفة وارتابوا من ان البرنامج الوراثي فيها سيتمكن من استعادة ذاكرته القديمة مستردا قدرته الأولى في انتاج إنسان جديد متكامل الاعضاء.
إن الاستنساخ العلاجي الذي نفترضه علاجا للسرطان هو استعمال المادة الوراثية الجينية من خلايا المريض ذاته لتوليد خلايا أولية يبنى منها الجسم. ولقد عرفت هذه الخلايا الأولية بقدرتها على تخليق الأنواع المختلفة من الخلايا وبأنها أصل كل خلية في الجسم بغض النظر عن مكان هذه الخلية ، وبأنها ذات مكونات متعددة بمعنى أن فيها طاقة كامنة تمكنها من أن تتحول الى أي نوع من الخلايا الأخرى . إن التقنية المستخدمة تقوم على إعادة زراعة هذه الخلايا الأولية العائدة للمرضى في أجسامهم بما لها قدرة على التغيير والنمو داخل أنسجة الجسم. وتعمل هذه الخلايا فيما بعد كجهاز إصلاحي للجسم . إن هذه الخلايا بقدرتها هذه قادرة على تغيير تاريخ الأمراض البشرية (72).
هناك جدل أخلاقي قائم الآن حول استخدام طريقة الاستنساخ العلاجي باعتبار أن الخلية الأولية الناتجة يمكن أن تكون حياة إنسانية قائمة والتلاعب بها أو تدميرها حتى لو كان علاجا هو أمر مرفوض . ويرد دعاة الاستنساخ العلاجي بأن هذا الاستنساخ الذي يوافقون عليه هوغير الاستنساخ التكاثري الذي يعارضه أكثر علماء الاستنساخ . فالاستنساخ العلاجي يلقى قبولا لدى كثير من العلماء ورجال الدين لأنه لا يقتل أجنة كاملة النمو ولا يمس الموروث الجيني للبشر كما خلقه الله أو يتلاعب بمورثاته التي ميزت البشر وجعلتهم بشرا (73). ونرى أن الاعتراض الأخلاقي على تقنية استخدام الاستنساخ العلاجي لا تصح مع هذه الطريقة التي نفترضها في علاج السرطان لأن الخلية التي انتجت بعد عملية الأستنساخ ستنتج حياة جديدة تعيش في جسم المريض مكان الحياة التي توشك أن تغادر جسدها .

هوامش المبحث الثالث:

(1) نستطيع ان نشبه وجود الرجل وهو الذي قلنا انه يبقى يمثل وجوداً كامناً بالنسبة الى المرأة بوجود الماء الذي يكمن فيه سر الوجود او الحياة. وهو يمثل وجوداً كامناً حتى في مظهره، فهو عديم الخواص، لا يظهر خواصاً. اما وجود المرأة فنشبهه بالارض التي تظهر الوجود (بعد لقائها بالماء) ولولا الأرض لظل الوجود الكامن في الماء كامناً غير ظاهر.
(2) سورة التكوير، الاية(7)..
(3) سورة النجم، الاية (47).
(4) ينظر: الصراع في الوجود، بولس سلامة/ دار المعارف بمصر/ ص182. 188.
(5) هكذا تكلم زرادشت فريدريك نيتشه/ ترجمة فليكس فارس/ دار القلم/ بيروت ـ لبنان/ ص346.
(6) المصدر السابق، ص97.
(7) نفسه ص242.
(8) نفسه ص96.
(9) نفسه ص95.
(10) نفسه ص226.
(11) نفسه ص111.
(12) نفسه ص112.
(13) نفسه ص113ـ114.
(14) نفصه ص151.
(15) نفسه ص244.
(16) نفسه ص151.
(17) نفسه ص91.
(18) نفسه ص344.
(19) ينظر: الصراع في الوجود ص209.
(20) هكذا تكلم زرادشت ص260.
(21)المصدر السابق ص346.
(22)نفسه ص91ـ92.
(23)ينظر: الجينوم، مات ريدلي، ترجمة: د.مصطفى ابراهيم فهمي، سلسلة عالم المعرفة، رقم (275)، الكويت، 2001،ص29.
(24)ينظر: البنيوية، جان بياجيه، ص41ـ43.
(25)ينظر: الخلية، الدكتور محمود حياوي، الجمهورية العراقية، ص45، 131.
(26) ينظر: بنوك للخلايا بدلا من الأعضاء ، د.سحر طلعت ، (من الإنترنيت)
(27)ينظر: الخلية ، الدكتور محمود حياوي، ص27،30ـ31.
(28)ينظر: الجينوم، ص131،137،144.
(29)ينظر: علم الأحياء، للصف السادس العلمي، الجمهورية العراقية، مديرية مطبعة وزارة التربية، الطبعة الثانية، 1407هـ1987م، ص6،25. وينظر: الخلية، ص103.
(30)ينظر: علم الوراثة، تأليف أ.د. عثمان عبدالرحمن الانصاري/ أ.د.ناصر محمد سلامة، منشورات شركةELGA، مالطا، 1999. ص57،59،62ـ64.
(31)ينظر: الجينوم، ص14،23،52.
(32)ينظر: الخلية،ص61.
(33)ينظر: علم الوراثة، ص83،87.و: الخلية...(من الإنترنيت).
(34)ينظر: الخلية، ص150ـ152.
(35) ينظر:الميتاكوندريا بيت طاقة الخلية مصدرها المرأة فقط ،د.بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 598، 21/9/2003. و: هل الميتاكوندريا التي تورث من الأم فقط هي سبب شيخوخة الأنسان ؟ د. بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 1212 ، 29/5/2005. و:زوبعة حول الأطفال المعدلين وراثيا ، طارق يحيى قابيل ، و: الاستنساخ ...(من الإنترنيت) .و: حقيقة حواء أو حواء الحقيقية ...(من الإنترنيت) .
و : بحث جديد واعد يقترب من حل هذا اللغز . L.R. رستنك محرر مجلة ساينتفك امريكان ، مجلة العلوم ، سبتمبر 1995 ، المجلد (11) .
(36) ينظر :اكتشاف جديد للعلماء / انزيم يحمي الخلايا من الموت والشيخوخة ..(من الإنترنيت ) . و : هل الميتاكوندريا التي تورث من الأم فقط هي سبب شيخوخة الإنسان؟.....و: اتجاهات في البيولوجيا / لماذا نشيخ / الإجابة مدونة الى حد كبير في جيناتنا ولكن في أي منها
(37) ينظر:التيلوميرات والتيلوميراز والسرطان ، W.Cكريدر _ H.E بلاكبيرن ، مجلة العلوم ، يونيو، 1996، المجلد (12) . و : اكتشاف جديد للعلماء / انزيم يحمي الخلايا من الموت والشيخوخة....و: الساعة البيولوجية /كيف تعمل وكيف تؤثر في صحة الإنسان وحياته ؟ الأستاذ الدكتور مسعد شتيوي ، مجلة أسيوط لدراسة البيئة.و:العلم يقترب من معرفة الجين المسؤول عن طول العمر ...(من الإنترنيت). و: لتحديد تاريخ ميلادك..طريقة جديدة لفك الشفرة عمر الانسان ..(من الإنترنيت) . و: مشكلة الشيخوخة ، الانسان والحياة ، نعيم نمورة _ الخليل ، مجلة العربي الحر .
(38) ينظر : الميتاكوندريا بيت طاقة الخلية مصدرها المرأة فقط ...... و : السر في الفرق بين حجم البويضة والحيوان المنوي...( من الإنترنيت) . الاستنساخ ، د. خليل البدوي . عمان _ الأردن ، الطبعة الأولى ، ص ، 50 _ 57.
(39)ينظر: علم الوراثة، ص195.
(40)ينظر: الدجاجة، البيضة، أم الديك، أيهم الأصل؟..الدكتور عبدالاله صادق، جريدة الجمهورية، الثلاثاء10/12/1985.
(41)ينظر: الجينوم، ص61،66.
(42)ينظر: المصدر السابق، ص24،25،29.
(43)ينظر: الدجاجة، البيضة، أم الديك، أيهم الأصل؟..
(44)ينظر: الجينوم،ص26.
(45)ينظر: علم الوراثة، ص87.83.
(46) ينظر :امرأة ورجل ، محمد زكريا توفيق (من الإنترنيت ، موقع الوارف للدراسات الانسانية ) .
(47)ينظر : الخلية ( موسوعة تشريح جسم الانسان ، من الانترنيت )...
(48)ينظر: الأنثى هي الأصل ...(من الإنترنيت) .
(49)ينظر: علم الوراثة، ص74،79.
(50) ينظر : المصدر السابق ، ص79.
(51)نفسه، ص75 ,80, 94.
(52)(نفسه، ص83،87.
(53)ينظر: البروتيوم ، عالم ما بعد الجينوم ، طارق قابيل (من الإنترنيت) .
(54) ينظر : علم الوراثة ، ص388.
(55)ينظر: الجينوم، ص374.
(56)ينظر: المصدر السابق، ص234.
(57)نفسه، ص235.
(58)نفسه.
(59)نفسه، ص240.
(60)ينظر: الخلية، ص140.
(61)ينظر: الجينوم، ص240،372،375.
(62)ينظر: الخلية، ص58، 63.
(63)ينظر :اتجاهات في البيولوجيا ، لماذا نشيخ ؟ الإجابة مدونة الى حد كبير في جيناتنا ولكن في أي منها ، بحث جديد واعد يقترب من حل هذا اللغز ، L.R. رستنك محرر مجلة ساينتفك امريكان ، مجلة العلوم ، سبتمبر ، 1995، المجلد(11) .
(64)ينظر: الشيخوخة ربيع العمر (من الإنترنيت) .
(65) ينظر: اتجاهات في البيولوجيا ، لماذا نشيخ ، الإجابة مدونة الى حد كبير في جيناتنا ولكن في أي منها ...
(66)ينظر : الساعة البيولوجية ، كيف تعمل وكيف تؤثر في صحة الإنسان وحياته ، الأستاذ الدكتور مسعد شتيوي ، مجلة أسيوط لدراسة البيئة ( من الإنترنيت ) .
(67) ينظر : اشعاع مؤين (الموسوعة الحرة ، من الانترنيت ) و : تعريفات فيزيائية ، مجلة الفيزياء العصرية ، العدد السادس (من الإنترنيت) .
(68)ينظر: التأثير البايولوجي والوقاية من الأشعة السينية ، قاسم أمين الهيتي ، الحوار المتمدن ، العدد 2015 ، 22/7/2007 .و: الإشعاع وتأثيره على الخلية ، تعليق على مقال د. أسعد الخفاجي ، بهجت عباس . الحوار المتمدن ،العدد ، 686 ، 18/12/2003.
(69)ينظر: علم الوراثة، ص394.
(70)ينظر: الاستنساخ ....(من الإنترنيت) .
(71)أفكار علمية: العلاج بالجينات...(من الإنترنيت).
(72) ينظر: مأخوذة من أماكن عادية بالجسم : تحويل أنسجة بشرية لتحل محل الخلايا الجذعية ...(من الإنترنيت).
(73)ينظر : الأستنساخ ، د. خليل البدوي،....و: استنساخ الخلايا الجذعية ضرورة أم افتعال ؟ طارق قابيل ....( من الإنترنيت) . و: استنساخ علاجي ...(من الإنترنيت) .






























ملحـق الصـور



























































ـ أ ـ
رسم تخطيطي يبين الخلية وتراكيبها المختلفة .


















ـ ب ـ
رسم يبين نموذج للكروموسومات، كما تظهر في بداية المرحلة الاستوائية للانشطار. كل كروموسوم يحتوي على كروماتيدين متصلاً في منطقة التخصر الاولى، وكل كروماتيد مكون من شريط من جزيء DNA المحاط بالبروتين، ويبين الشكل اللف الاولي والثانوي لهذا الشريط كما يبين خيطاً كروموسومياً ممدوداً في منطقة معينة حيث يظهر تركيب جزيئة الـDNA واضحاً.



















ـ ت ـ
صورة فوتوغرافية مأخوذة بالمجهر الالكتروني لنواة نموذجية فيها نوية واضحة وتكدس للصبغيات على احدى جهات غلاف النواة من الداخل. يحيط بالنواة غلاف فيه ثقوب (أو فتحات) عديدة (أسهم). جزء الصورة الذي الى الايسر والاعلى تمثل فتحات جدار النواة مكبرة. والصورة الى الاسفل واليمين تبين المواد الموجودة الى الجهة الداخلية من جدار النواة في بعض انواع الخلايا.


















ـ ث ـ
رسم تخطيطي يبين جزيئة الـ DNAالتي تمثل المعلومات التي تبنى في ضوئها خلايا الجسم بوساطة عملية مضاعفة الـDNA حيث ينفصل نصفا الجزيء وكل نصف يبني في مقابله النصف الذي ينقصه من اللبنات الاولية المتوفرة بوجود خميرة مساعدة لذلك.






















ـ ج ـ
نموذج يبين جزيئات بروتين مختلفة في جدار الخلية.


















ـ ح ـ
رسم تخطيطي لتوضيح عملية تكون الحامض النووي ألرسولي(MRNA) على مقطع من جزيئه DNA.









ـ خ ـ
تظهر الميتاكوندريا في صور المجهر الألكتروني على هيئة أكياس يحيط بكل منها غشاءان رقيقان .














(د)
التيلوميرات ( في خلية جلدية بشرية) وهي أطراف الصبغيات ( الكروموسومات ) وتعمل على منعها من الالتصاق ببعضها . ولها علاقة بعدد مرات إنقسام الخلايا وطول عمرها .










(ذ)
الإنزيم تيلوميراز يحمل قالبه الخاص لتركيب الـDNA التيلوميري ويقوم بإضافة نيوكليوتيدات متكاملة مع تلك الموجودة في القالب . وينشط هذا الإنزيم في الخلايا التي تنقسم بكثرة ومنها الخلايا السرطانية .
















) ر (
رسم تخطيطي يبين عملية تكوين البروتين بانتقال الحامض النووي الرسولي MRNA الذي يحمل المعلومات الوراثية لتكوين البروتين الى السايتوبلازم.











كروموسوم Yكروموسوم X



(ز)
حجم الكروموسوم الذكري (واحد الى ثلاثة )بالنسبة الى الكروموسوم الأنثوي وهذا يعكس عدد الجينات التي يحملها كل منهما .

























ـ4ـ
في الادب والسميولوجيا
جدل المربع والدائرة




















مقدمة: المعرفة التي يصدر عنها البحث(*)
يستعين هذا البحث بنتائج السميولوجيا أو علم العلامات لأن البحث في دلالة علامة كالمربع والدائرة يعني الاستعانة بالسميولوجيا.وهو علم موضوعه دراسة حياة العلامات في المجتمع، و لا يكتفي بظاهرها بل يعمل على سبرها، ويجهد نفسه ليعيد تحويلها الى معنى. ويعد علم اللغة جزءاً من علم العلامات أو قد يعد علم العلامات جزءاً من علم اللغة وامتداداً له لأن كل وحدة سميولوجية وكل تركيب دلالي شفاهياً كان أو مرئياً هو كلمات او لغة خطاب. واذا كان هذا العلم يؤكد أهمية اللغة الطبيعية فإنه لا يحصر الثقافة داخل حدودها، فالنص الثقافي لديه لا يكون بالضرورة رسالة تبث باللغة الطبيعية ولكنه رسالة تحمل معنى متكاملاً، وقد تكون رسماً أو عملاً فنياً أو مؤلفاً موسيقياً أو بناية أو صورة فوتوغرافية أو فلماً سينمائياً وهذه جميعاً تعد لغات من حيث أنها تنقل رسالة من مرسل الى متلق من خلال استعمال شفرة نوعية وذلك دون أن تخضع لقواعد بناء اللغة الكلامية كما يقننها النحو. ومن هنا يدرس هذا العلم الطقوس والأعراف والعادات والتقاليد وغيرها بوصفها علامات أو إشارات تعبيرية وإن لم تكن لغوية.
ويعد سوسير الذي ارتبط به ظهور هذا العلم العلامة كياناً ثنائي المبنى يتكون من وجهين يشبهان وجهي العملة النقدية ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، الأول هو الدال أي الصورة الحسية التي لها علاقة بالحواس التي تلتقط سلسلة الرموز الدالة وتستدعي الى الذهن صورة ذهنية أو فكرة أو مفهوماً أكثر تجريداً من الصورة الحسية. وهذه الصورة الذهنية أو المفهوم هو المدلول وهو الجانب الثاني للعلامة. والمفهوم لا يعكس الواقع بل نوع من المعرفة بالواقع. وهناك جانب ثالث يتمثل بالعلاقة بينهما التي يسمونها (الدلالة) أو (الدليل) وهو الحصيلة الجمعية للطرفين الأولين، فكل نسق سميولوجي لا يتكون من طرفين، بل من ثلاثة أطراف مختلفة. والسميولوجيا لا تدرس طرفاً بعد آخر ولكن الترابط الذي يجمعهما. وقد يكون الدال مكوناً من مجموعة من الدلائل، ويمكن أن يكون للمدلول دلالات متعددة. وهناك أنماط من الترابط بين الدال والمدلول، فقد يكون هناك تكافؤ بينهما، وقد يكون الدال ضيقاً وغير ملائم للمعنى. وهناك أنماط من العلاقة بينهما قد تكون اعتباطية أو رمزية أو غيرها. ويتكون رمز (المربع والدائرة) ـ الذي يتفرغ البحث لدراسته ـ بجانبه الحسي أو تكوينه الظاهر من وحدتين تضمهما علاقة تقوم على الفروق والاختلافات تمثل البنية الجوهرية للحقيقة كما استقرت في الفكر والمعرفة الانسانية. ونحاول في هذا البحث فك رموز هاتين الوحدتين لنضع أيدينا على دلالة هذا النظام الرمزي والرسالة التي ينقلها، فنحن نحاول استخلاص البنية الأساسية للفكر وللمعرفة التي تعبر عنها وحدات النظام، والتي اتخذت شعاراً فكرياً أو معرفياً أو حضارياً استمر يعمل في حياة الأمم في عصور التأريخ. إننا نبحث عن الجوهري الذي ترتكز عليه مظاهر الرمز بما يؤكد وجود نسق أساسي ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية للفكر. فهذه العلامة إذن ترتبط بحقيقة أساسية، بموضوع، ولابد للعلامة من أن ترتبط بالموضوع، ولا يمكن لها الا أن تصوره وتخبر عنه بمعنى أن العلامة تفترض معرفة قبلية بالموضوع كيما تقوم بتوصيل معلومات إضافية بصدده. وتتميز العلامات التي يستخدمها الانسان بغنى وتعقيد تفتقر اليه العلامات الأخرى. وقد يكون منشأ هذا الغنى أنها تحمل في طياتها نسقاً للعالم، أي ان البشر يودعون فيها نظرتهم للعالم. وانطلاقاً من هذا التصور توصف الأنظمة السيميولوجية بأنها أنظمة منمذجة للعالم. أي انها تضع عناصر العالم الخارجي في شكل تصور ذهني هو نمط دلالي أو نسق من التواصل(1) كالنسق الرمزي الذي ندرسه. ويكتسب هذا النسق أو هذه العلامة دلالتها وأهميتها من خلال وضعها في إطار الثقافة الانسانية، فهي تمثل تراثاً حضارياً مشتركاً لدى ثقافات كثيرة ولا تخص تراثنا فقط. وسنحاول الكشف عن مظاهر تجلياتها وعبر تطورها في أكثر من ميدان من ميادين الثقافة التي تعد من وجهة النظر السيميولوجية مجموعة من الأنظمة السيميولوجية. فالثقافة ينظر اليها بأنها مجموعة علامات، لأن كل شيء يمكن أن يكون رسالة أو رمز أو علامة، فالعالم في منتهى الايحائية وكل شيء يمر من وجود مغلق وصامت الى حالة ناطقة.وهكذا تنطلق كل الميادين الثقافية من مفهوم العلامة لتعريف جميع عناصر العالم سواء أكانت هذه العناصر حسية ملموسة أم عناصر مجردة، وسواء أكانت عناصر مفردة أم عناصر متشابكة. إن العلامة قد توضع أساساً للعالم بأسره كالعلامة التي ندرسها والتي ضمنها الفكر البشري تصوراً للحقيقة الشاملة للعالم. وهذه العلامة كالأنظمة السيميولوجية لا تقتصر وظيفتها على قدرتها على تشكيل العالم حسب، بل تمتلك أيضاً وظيفة أخرى هي نقل المعلومات التي تتضمنها وتحقيق الاتصال بين أفراد الانسانية وقد كانت رمزاً إنسانياً مشتركاً ـ كما قلنا ـ. وبهذا فإن المشاركين في عملية الاتصال لا ينتجون هذه الأنظمة فقط، بل انها تنتجهم كذلك، فهذه الأنظمة توجه أفكار هؤلاء المشاركين ويؤدي استيعاب ثقافة معينة لعلامات من ثقافة أخرى الى إشاعة أو بث أنماط من التفكير تضمنته علامات الثقافة الأخرى.(2) ولقد عملت علامة (المربع والدائرة) على بث معرفة أساسية وجوهرية موحدة عن الكون والعالم والانسان وتوحيد الفكر البشري، ولهذا نستطيع أن نعد هذه العلامة من قبيل (العلامة العرفية) التي هي نمط عام تواضع الناس على اعتباره دالاً(3)، فهي عرف بشكل علامة أنشأه البشر وتواضعوا عليه. أما كيف التقى البشر على هذه العلامة أو المعرفة العامة التي تعبر عنها، وكيف تسنى لهم أن يتعارفوا عليها، ولماذا يتعارفون على معرفة بالرمز، ولمَ لا يتعارفون عليها بلغة الوضوح..؟.. إن هذا نستعين في الاجابة عنه ببعض المعارف منها الفلسفة التي ترى أن هنالك معرفتين: معرفة عامة مطلقة تتجاوز الوجود الإنساني وترقى عليه وتسبقه . ومعرفة انسانية جزئية لاحقة هي للعقل البشري الذي يرتبط بهذه المعرفة العامة المطلقة, ويستمد منها ويتفاعل معها عبر علاقة جدلية تربطهما تستمد فيها المعرفة المحدودة من المعرفة اللامحدودة . وتتجاوز المعرفة المحدودة نفسها من خلال عملية الاسترفاد والاتصال بأستمرار بالمعرفةاللامحدودة ، أو تتجاوزها المعرفة اللامحدودة في محاولة للوصول أو الايصال الى هذه المعرفة اللامحدودة والالتقاء معها . فالفلسفة اذن تذهب الى أن هنالك معرفة عامة مطلقة تتجاوز حدود العقل البشري ويرتبط بها هذا العقل وهو على اتصال بها وفي محاولة مستمرة للوصول اليها .
ونرى أن هذه المعرفة المطلقة تعبر عن نفسها بتعابير عامة كالرموز لأنها تناسب طبيعتها. ويتلقى العقل البشري من هذه المعرفة وشفراتها الرمزية عن طريق مصادر منها الأحلام التي هي إحدى مصادر الاسترفاد من هذه المعرفة العامة المطلقة . وهناك ميادين أخرى للمعرفة غير الفلسفة تقول بوجود هذه المعرفة الاخرى العامة التي ترفد معرفتنا الجزئية ولايمكن ان تنفصل عنها منها مايسمى بالأفكار الخفائية أوالأسرارية أو الباطنية . فترى هذه الأفكار أن هناك معرفة عامة يلتقي عليها الناس جميعاً، وانها تعبر عن نفسها بالرموز. وان هذه المعرفة لاتتم بالطرق المنطقية العقلانية، وهي تنفذ الى الجانب الباطن اللامرئي من الوجود، هذا الجانب الذي يظل الانسان دون محاولة الوصول اليه كائن ناقص الوجود والمعرفة. إن هذا اللامرئي أو الغيب ـ كما يسميه الفكر الديني ـ هو الاكثر عمقاً، لأنه الأصل، ولهذا فإن الوقوف عند المرئي ليس الا وقوفاً عند السطح والقشرة، وليس الوجود سطحاً، وانما هو امتداد بلا نهاية، في العمق وفي الافق معاً. وقيمة التعبير في مدى كشفه عن هذا الامتداد وعلاقاته، في مدى كشفه عن بعد اللانهاية في الانسان والعالم. هذا البعد الذي لا تقدر المعارف الوضعية أن تصل اليه، وانما المعرفة المتحررة من الجاهز والعقلاني, المعرفة الخيالية ـ العرفانية التي هي ادراك للاشياء في كليتها وفي أشكالها البدئية ـ الأصليةـ . وهي المكان الذي تنشأ فيه معرفة ما لايوصف، وقول ما لا يقال . وهي أوسع من المعرفة الوضعية، فهذه سجينة الحدود الزمانية والمكانية، ولا تتيح لنا الا معرفة جزئية وسطحية للأشياء. أما هذه فهي معرفة في مستوى الكون، معرفة تستقصي الجوهري، المضيء جداً، البعيد جداً، ذلك الذي يسمونه (الغيب المحايث) أو (العالم الأكبر). هذه المعرفة استمرار لتقليد معرفي عريق يرى أن الانسان لا يقدر لحسن حظه أن يعرف السر، سر الانسان والكون، بدءاً من جلجامش الذي (رأى كل شيء) فرأى أن الحقيقة ليست في ما رآه وعرفه، بل في ما لم يقدر أن يراه ويعرفه. فالحقيقة ليست في ما يقال، في ما يمكن قوله، وإنما هي في ما لا يقال، في ما يتعذر قوله.. إنها في الغامض، الخفي، اللامتناهي. وإن تعبير الذات عن الحقيقة أو ما نظن أنه الحقيقة لا يستنفدها، بل إنه لا يقولها إنما يشير اليها. وهكذا فإن معرفة الحقيقة تقتضي إعادة النظر في العقل المحدد ضمن ذاته. لماذا يكون كل ما في الانسان عقلانياً؟.. ولماذا لا نقبل بوجود عدد لا يحصى من الممكنات لم تستكشف بعد، والتي يمكن أن تقدم حلولاً انسانية محضة لمشكلة المعرفة والانسان. انطلاقاً من هذا ترى المعرفة اللاعقلانية أنه لابد من تثبيت اللاشعور بوصفه قوة مطلقة. ولهذا أعطت هذه المعرفة الأهمية لعلوم الأسرار كالسيمياء وعلم النجوم والتراث الصوفي الأسراري.. وغيرها من العلوم التي تستشرف الغيب أو الجانب الخفي من الوجود، والتي تجد فيما بينها صلة قربى وتآلفاً، فهي تلتقي بشكل او بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور وفيما وراء الثقافات(4). وهذه المعرفة في وصفها لهذا الجانب تلتقي مع ما يسميه علم النفس الحديث باللاشعور الجماعي الذي قد تكون الأحلام وسيلة في الانتقال اليه والذي قد يعبر عن نفسه بالرمز. وهنا لابد من أن نتطرق الى مايقوله علم النفس عن هذه المعرفة, ونركز على مايقوله عالم النفس السويسري كارل يونج تلميذ فرويد لأنه قد يلتقي مع الافكار السابقة ومع الفلسفة التي يصدرعنها البحث في وصف هذه المعرفة التي تعبر عن اللاوعي أو اللاشعور الجماعي.
يفترض علماء النفس وجود نفس لا واعية ولو أن كثيرا من العلماء والفلاسفة ينكرون وجودها,لأن مثل هذا الافتراض يعني وجود ذاتين أو شخصيتين في داخل الفرد نفسه. ويبين علماء النفس أن ماندعوه بالنفس اللاواعية لايتماثل مع وعينا ومحتوياته بأية حال من الأحوال. وأن كل من ينكر وجود اللاوعي يفترض في الحقيقة بأن معرفتنا الحالية عن النفس كاملة. ومن الجلي أن هذا الاعتقاد يباري في زيفه بأننا نعرف كل مايجب معرفته عن العالم الطبيعي. إن نفسنا جزء من الطبيعة ومثلها فإن لغزها لاحد له، هكذا لانستطيع تحديد النفس ولاالطبيعة. وكان سيغموند فرويد هو الرائد الذي أجرى أول محاولة لاستكشاف الخلفية اللاواعية للوعي تجريبا". واستند الى الافتراض القائل بأن الاحلام ليست امراً من أمور الصدفة, بل إنها مرتبطة بالأفكار الواعية. وعد الأحلام منطلقاً لعملية من (التداعي الحر) الذي يمكن أن يقود المرء من أي حلم الى الأفكار السرية الحرجة. لكن يونج يكتشف بعده بأن ذلك كان استخداما مضللاً وغير ملائم للتخيلات الثرية التي ينتجها اللاوعي في النوم، فللأحلام دلالة خاصة. وأصبح يعارض التداعي الحر كما وصفه فرويد لكي يكون على أقرب مايمكن من الأحلام نفسها وأن يقصي جميع الأفكار والتداعيات غير ذات الصلة التي قد تثيرها. ومن هنا جاء مفهوم يونج عن اللاوعي ليس كمفهوم فرويد الذي هو مجرد نوع من الثقب للرغبات المكبوتة. اللاوعي هو جزء أساسي وحقيقي من حياة الفرد بقدر ماهو الوعي, وهو أوسع وأغنى بلا حدود. إنه العالم (المفكر) للأنا. إنه تعبير مكمل وشخصي للوعي الفردي. فالوعي واللاوعي داخل الفرد يعرف أحدهما الآخر ويلائمه ويجامله. أما ماهو مصدر اللاوعي وما منشؤه ؟.. فيبين أنه حين يغيب شئ عن وعينا فإنه لايتوقف عن الوجود. إن الفكرة في الحقيقة قد أصبحت لاواعية أو في الأقل قد انفصلت للحظة عن الوعي. ﺇ-;---;--نها ببساطة قد أصبحت بعيدة, لكن الأفكار التي ضاعت مؤقتاﹰ-;---;-- نصادفها وتعود الينا فيما بعد من خلال اللاوعي. وهكذا فإن قسماﹰ-;---;-- من اللاوعي يشتمل على وفرة مما انحجب مؤقتاﹰ-;---;-- من الأفكار والصور التي على الرغم من فقدانها تستمر في التأثير في عقولنا الواعية. كما أن بعض الأفكار تفقد طاقتها الانفعالية وتصبح تحت عتبة الوعي (بمعنى أنها لاتحوز على الكثير من انتباهنا الواعي بعد) لأنها قد أضحت تبدو غير مهمة او غير ذات صلة او لوجود سبب يعلل رغبتنا في إزاحتها لأجل ان نخلي مجالاﹰ-;---;-- في عقولنا الواعية للجديد من الانطباعات والأفكار، وﺇ-;---;--ن لم يحدث هذا فكل مانجربه سيبقى فوق عتبة الوعي وتصبح عقولنا مليئة بالركام بشكل لايطاق. إن هذه الظاهرة معروفة على نطاق واسع جداﹰ-;---;--بحيث أن معظم الناس الذين يعرفون شيئاﹰ-;---;-- عن علم النفس يسلمون بها جدلاﹰ-;---;--.
ثمة وقائع لم ننتبه لها عن وعي, لقد بقيت ﺇ-;---;--ذا جاز التعبير تحت عتبة الوعي. ﺇ-;---;--نها قد حدثت ولكنها قد امتصت تحعتبيا دون معرفة واعية منا. ولايمكننا أن نكون على دراية بمثل هذه الوقائع الا في لحظة حدس او بعملية من التفكير العميق تقود الى تحقق تال من أنها حدثت فعلا, وتنبع فيما بعد من اللاوعي كنوع من فكرة تالية ربما تظهر في شكل حلم .. وكقاعدة عامة فإن المظهر اللاواعي لأية واقعة يتكشف لنا في الأحلام حيث لا يظهر بكونه فكرة عقلانية بل صورة رمزية. وتاريخياﹰ-;---;-- مكنت دراسة الاحلام علماء النفس أولا من البحث في المظهر اللاواعي للوقائع النفسية. إن لغة و (ناس) اللاوعي هي الرموز وإن وسائل الاتصال هي الأحلام. ولا تقتصر الرموز على الأحلام, إنها تظهر في كل أنواع التجليات النفسية, فثمة أفكار ومشاعر وأفعال ومواقف رمزية. إن علاقة الإنسان برموزه هي علاقته بلا وعيه الخاص. الرموز تتضمن شيئا أكثر من معناها الواضح والمباشر. إنها ذات مظهر لاواعي أعم لم يحدد بدقة او يوضح تماماﹰ-;---;--. وإننا نستخدم تعابير رمزية لنمثل مفاهيم لانكون قادرين على تحديدها او إدراكها تمام الإدراك. وهذا هو أحد الأسباب التي تجعل الأديان توظف لغة أو صورا رمزية. ويرى العالم يونج أن الإنسان ينتج رموزاﹰ-;---;-- بطريقة عفوية وبلاوعي في شكل أحلام . وهو يذهب الى أن اللاوعي الفردي للحالم يتصل بالحالم وحده وهو يختار رموزاﹰ-;---;-- لهدفه ذات معنى للحالم وليس لأي شخص آخر, فهناك استخدام فردي للرموز ولايمكن تفسيرها الا بمفتاح فردي، وهكذا يكون تفسير الأحلام سواء فسرها المحلل أو الحالم نفسه بالنسبة لعالم النفس اليونجي عملا شخصيا وفردياﹰ-;---;-- تماماﹰ-;---;--. وهذا مانختلف به معه، فالرموز عامة مطلقة تتصل بعالم المطلق وتعبر عن معان عامة لاتخص الحالم وحده . وهذا يلتفت اليه يونج نفسه كأنه يستدرك على ماقرره وذلك من ملاحظة بعض الرموز ذات الدلالة العامة, فهناك من الرموز ما هو عام وليست فردية بل جمعية في طبيعتها ومنشئها وهي في المقام الأول صور دينية. وهكذا ينتهي الى أن التداعيات الشخصية التي ينتجها الحالم لاتكفي عادة لتفسير مقنع . في مثل هذه الحالات علينا أن نضع في اعتبارنا الحقيقة القائلة بأنه غالبا تحصل في حلم ماعناصر ليست فردية ولا يمكن أن تستمد من خبرة الحالم الشخصية. وكان فرويد هو أول من لاحظ هذه الحقيقة وعلق عليها، وهذه العناصر وهي مادعاه بـ(البقايا المهجورة) انما هي اشكال ذهنية لايمكن تفسير حضورها بأي شئ من حياة الفرد الخاصة وهي تبدو بأنها اشكال بدائية فطرية وموروثة في العقل البشري. وكما أن الجسد البشري يمثل متحفاً كليا من الأعضاء وكل عضو يكمن خلفه تاريخ ارتقائي طويل، فإن العقل منظم بطريقة مشابهة وأنه ليس نتاجاﹰ-;---;-- بلا تاريخ وهو بهذا كالجسد الذي يوجد فيه. ولايعني بـ(التاريخ) حقيقة أن العقل يبني نفسه بإﹺ-;---;--حالة واعية الى الماضي عبر اللغة والتقاليد الثقافية الأخرى وإنما يشير الى التطور البايولوجي القبتاريخي واللاواعي للعقل لدى الانسان القديم الذي كانت ماتزال نفسه قريبة من نفس الحيوان. ﺇ-;---;--ن هذه النفس العريقة في القدم تشكل أساس عقلنا بالضبط مثلما أن تركيب جسدنا مؤسس على نمط تشريحي عام للحيوان الثدﻴ-;---;--ﻲ-;---;--, ﺇ-;---;--ذ تجد العين الخبيرة لعالم التشريح او لعالم الأحياء العديد من آثار هذا النمط الأصلي القديم في أجسادنا . ومن خلال هذه الحقيقة يستطيع الباحث المجرب في العقل أن يرى التناظرات مابين أشكال حلم الانسان الحديث ونتاجات العقل البدائي .
ومثلما يحتاج عالم الأحياء الى علم التشريح المقارن فإن عالم النفس لايستطيع الاستغناء عن (تشريح مقارن للنفس). وفي التطبيق يجب على عالم النفس أن لايكون على خبرة كافية في الاحلام وفي النتاجات الأخرى للفاعلية اللاواعية حسب, بل وبالميثولوجيا في معناها الأوسع , فبدون هذه العدة ليس بقدرة أحد ان يكتشف التناظرات المهمة . لقد كانت آراء يونج عن (البقايا المهجورة) التي دعاها بــ(الأنماط العليا) و(الصور البدائية) ينتقدها باستمرار أناس يفتقرون الى المعرفة الكافية بسايكولوجية الأحلام وبالميثولوجيا. إن مصطلح النمط الأعلى غالبا ماأسيء فهمه بكونه يعني صوراﹰ-;---;-- او موتيفات ميثولوجية محددة, لكن هذه ليست أكثر من تمثيلات واعية. وسيكون من السخف الافتراض بأن هذه التمثيلات المتغيرة يمكن أن تورث. إن مايقصده يونج بالنمط الأعلى إنما هو تمثيلات يمكن أن تتغير بقدر كبير في التفاصيل دون أن تفقد نمطها الأساسي. إن هذه الأنماط أو البنى الاساسية والأشكال الذهنية الفطرية والأبتدائية التي هي عناصر موروثة في العقل البشري يكمن خلفها تاريخ ارتقائي بعيد للعقل(5). إن هذا العقل المتصل على مدى تاريخ الانسان والذي تلتقي عليه وتستمد منه عقول كل البشر هو العقل الكلي الذي قالت به الفلسفة , وإنه العقل الكلي الكامن وراء تاريخ كل البشروالذي يظهرعلى مراحل ممثلة بعقول أفراد البشر, فكل منها يمثل جزءاﹰ-;---;-- منه يظهر في كل مرحلة. هذا العقل الكلي كما تسميه الفلسفة او اللاوعي كما يسميه علم النفس هو المطلق الذي نتصل به في الأحلام ونستمد منه فيها . والدليل على أنه المعرفة المطلقة أن الاحلام تخبر الانسان في منامه بوقائع مستقبلية تتحقق فيما بعد، أي انها مصدر لمعلومات صحيحة صحة مطلقة. وهذا يؤكده بالتجربة علماء النفس فقد تعلن الأحلام احياناﹰ-;---;-- عن احوال محددة قبل وقت بعيد من حدوثها. ويؤكدون أنها كثيراﹰ-;---;-- ماتقدم النصح والإرشاد اللذين لايمكن الحصول عليهما من أي مورد آخر. ويونج نفسه قد نصحه لاوعيه عن طريق الحلم. وهذا يعني أن الحلم يصدر عن المطلق لذا يستطيع أن يتبصر بعواقب الأمور إذ يستمد من الحقيقة التي لاتعرف الخطأ والتي يسميها علم النفس اللاوعي الذي هو في رأي يونج المرشد الأعظم والصديق الناصح للوعي، واننا نعرفه ونتصل به بوساطة الأحلام بشكل رئيس. هذا اللاوعي او مانسميه العقل الكلي او الروح الكلي تتصل به أرواحنا او عقولنا الجزئية او تتفاعل معه، وإننا لنجد حتى لدى البدائيين افكاراﹰ-;---;--عن وجود أكثر من وعي لدى الانسان فيقال إن كثرة منهم تفترض أن للانسان (روح أدغال) فضلاﹰ-;---;-- عن روحه, وأن روح الادغال هذه _التي تقترب من مفهوم الفطرة العامة لدينا_تتجسد في حيوان وحش او شجرة يكون للانسان الفرد معها نوع من الهوية النفسية. وهذا مادعاه عالم الأعراق البشرية الفرنسي البارز لوسيان ليفي – برول بالمشاركة الصوفية، ويؤكد أنها حقيقة سيكولوجية معروفة جيداﹰ-;---;-- أن الفرد قد يملك مثل هذا التماهي اللاواعي مع شخص او شئ آخر(6). أي إنه يتصل باللاوعي بما هو أعم منه ومايتجاوزه كياناﹰ-;---;-- مفرداﹰ-;---;--. إن اللاوعي الذي نتصل به بالأحلام التـي تعبر عنه تعبيراﹰ-;---;-- دقيقا إنما هو وعي عام يجاور وعينا ومعرفتنا الواعية ويتصل بها . ولقد وصفه علم النفس وكارل يونج خاصة بما يلتقي مع وصف الفلسفة للمعرفة الإنسانية الكلية المتحققة عبر تاريخ وجود العقل الإنساني والتي تصدرعن المعرفة الكلية المطلقة السابقة للعقل الإنساني والتي يصدر عنها ويتفاعل معها، فهو ضرب من التفكير، أولي، ينجم تلقائياً عن الجماعة البشرية، متشابه بعضه مع بعض تشابهاً قد يصل الى حد الاتحاد، فهو وحدة فكرية ونفسية تلم أعضاء المجتمع الانساني كله أي إنه التاريخ الكلي للعقل الانساني . ويتصل به الانسان من خلال لاشعوره الفردي فيلتقي ببدايات الجماعات البشرية بما كان لها من عادات وتصورات، فهو تعبير عن رواسب فكرية ونفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية، أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت بطريقة ما في أنسجة الدماغ. ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بها، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف. وهكذا تصل هذه المعرفة الأولية النابعة من اللاشعور الجماعي الى الحياة اليومية الحاضرة ممثلة بالرمز من خلال لا شعور الفرد. وإذا كان هذا الفرد فناناً أو شاعراً نجد في جذور قصائده موضوعات عامة أو رموزاً تنتمي الى اللاشعور الجماعي الذي أشرنا اليه تتجـاوز حدود الزمان، وتتكرر عند المرهفين حسياً لأن هؤلاء يعيدون تفصيل ـ وخلال عملية حلمية ـ كل ما يمكن استمداده من التجارب الأولى حتى ولو كان شعائريات الانسان البدائي(7). وهكذا يبين علم النفس أن اللاشعور الجماعي الذي هو الجانب اللامرئي في الوجود هو عبارة عن معرفة عامة. وهذا اللاشعور الجماعي قد نتصل به بوساطة الأحلام، فالحلم وسيلة لمعرفة المطلق، ووسيلة للاتصال بالمطلق وتجليته في حياتنا، لأن تفصيلات حياتنا وأحداثها تترجم هذه الأحلام. فحياتنا انعكاس عن عالم الحلم، وعالمنا المرئي يستمد من عالم الحلم ويصدر عنه. ويعبر الحلم بالرموز التي قلنا إنها عامة لأنها تعبر عن معرفة عامة مطلقة، هـي المطلق والغيب والأبدية التي نطل عليها بوساطة الأحلام. ولهذا ورد في القرآن الكريم، وفي سورة (يوسف) التي تتصل بالأحلام: "إن كنتم للرؤيا تعبرون" ـ الآية(65) ـ أي تعبرون باطنها اللامرئي الى ظاهرها المرئي، تعرفون ربط هذه الرموز بمدلولاتها الواقعية التي وردت في القصة. ومعرفة هذه الرموز وربطها بما تدل عليه من تفصيلات الحياة الواقعية، يعني تحويلها الى واقع، وتحويل المعرفة بها الى معرفة عقلية واعية. ولهذا قيل إن الرمز يصبح (علامة عرفية) أي يدل على معرفة متعارف عليها بالعقل الإنساني بعد أن كانت معرفة كلية مطلقة غيبية. وهكذا تنتقل هذه المعرفة من اللاشعور الى الشعور، من الغيب الى الشهادة، ويعبر عنها بالرمز، فتصبح رمزاً متعارفاً عليه بين الناس. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الغيب هو الذي يوحي أو يعطي الى الشهادة معرفة يعبر عنها بالرمز يصح تسمية هذا الرمز بعلامة (توقيفية) لأنها معرفة يوقف الغيب البشر عليها.
إن المعرفة بعد هذا معرفتان: معرفة تتصل باللاشعور، ومعرفة أخرى عقلية ومكتسبة متعارف عليها. وقد سمى فلاسفة المسلمين ما يلتقي مع هذه المعرفة الأولى (المعرفة الضرورية) أو (العلم الضروري)، وتعني ما استقر في الطبع والفطرة من المعرفة، وهي ما يشترك به البشر جميعاً، ويتصل بوساطته البشر جميعاً. فهي إذن معرفة موحدة جامعة تلتمس بالطبع او بالفطرة او بالحدس.. وهذه المعرفة تلتقي كذلك مع المعرفة التي تحدث عنها أعلام من البنيويين وهم يبحثون عن المعرفة (الجوهرية) أو (الأصلية) أو (الثابتة) أو (البدئية) أو (القبلية) التي هي الأساس الموحد والثابت لكل الظاهرات الوجودية، ولهذا تأثر البنيويون بعلم النفس وبفرويد واستمدوا منه، ولهذا قيل عنهم إنهم يبحثون عن أبنية لاواعية هي الأساس الأول والأصل البدئي لهذه الأبنية الواعية، يبحثون عن معرفة لاواعية هي الأساس للمعرفة الواعية.
واذا كان بحثنا يتصل بالمتصوفة ومعارفهم، فهي معرفة تتصل بهذين النوعين من المعرفة، وهي تهتم بالمعرفة الأولى خاصة، فهم يصرحون بأنهم يعرفون بالكشف والمشاهدة الروحية والتجلي، وهذه قريبة من اللاشعور الذي تحدث عنه علم النفس، وقريبة من الحدس. وهم يعرفون أيضاً بمعرفة واعية ومعرفة ناشئة عن الاكتساب، ومنها المعارف الربوبية التي تسلمتها النبوات المتواترة عن السماء وأشاعتها بين الناس، فصارت تؤخذ بالاكتساب.. إن المعرفة الصوفية تتطلع الى اللامعقول، واللامرئي، والى الظاهر والباطن وتنفذ من الظاهر الى الباطن ومن الباطن الى الظاهر..
والمعرفة لدى المتصوفة هي علاقة بين الأنا والوجود، وهي تبعاً لذلك علاقة اتحاد بين الذات العارفة والشيء المعروف. والوجود في الرؤية الصوفية ليس موضوعاً خارجياً فقط يدرك بأداة من خارج كالعقل والمنطق.
إن للوجود في الرؤية الصوفية جانبين، خارج وداخل، ظاهر وباطن، الظاهر واضح، عقلي، والباطن خفي، قلبي. الوجود بشكله الباطن (المطلق، الله) مجهول لا يعرف، سر دائم، وهو بشكله الظاهر معروف وحاو للأشياء كلها. يوصف المطلق صوفياً بأنه (كنز مخفي)، محجوب بالأشياء، وأنه لا يعرف الا بزوال هذه الحجب. ان الشيء المخلوق حجاب يحول بين الانسان والخالق. ولا يصل الانسان الى الكشف عن المطلق وأسراره الا بنضال فكري أو روحي وجسدي يؤدي الى امحاء كل ما هو مادي حاجب. إن مقاربة الوجود بوساطة العقل التحليلي المنطقي لا تزيد الانسان الا حيرة وضياعاً، تبعده عن نفسه وعن الوجود في آن. المعرفة الحقيقية التي تهتم بها الصوفية، هي معرفة الشيء من داخل، ذلك أنها تلغي المسافة بينه وبين العارف وتتيح للعارف تحقيق ذاته، فلا نعرف الوجود الا بالشهود وفقاً للمصطلح الصوفي، أي بالحضور أو بالذوق أو بالاشراق، وهي جميعاً مصطلحات صوفية أيضاً. إن المعرفة لا تتم ما دام العارف واعياً أناه أو إنيته بوصفها خارجاً أو ظاهراً حياتياً مندرجاً في الآن اليومي. هذه الأنا هي عائق أمام المعرفة لأن فرديتها حاجز يفصل بين العارف والمعروف فلا يدرك الوجود حقاً الا بتجاوز هذه الأنا حيث يزول الوعي بها. وزوال هذا الوعي هو ما تسميه الصوفية بالفناء. فالفناء هو زوال العائق وامحاء الحجاب، وبالفناء اذن يتم التطابق بين الحالة الذاتية للعارف والحالة الموضوعية، فلكي تعرف ابتعد عن ذاتك ـ كما يقول الجامي ـ ويقول صوفي آخر: (بقدر ما تكون أجنبياً عن نفسك تكون قادراً على المعرفة). والفناء بوصفه معرفة للمطلق، ثلاث مراحل أو درجات: المكاشفة، التجلي، المشاهدة. ولئن كانت المكاشفة تكمن في (كشف الغطاء) الذي يحجب النور الإلهي، وكان التجلي يكمن في تلقي أنوار السر، فإن المشاهدة هي انعكاس او حضور هذه الأنوار في القلب، هي أنوار تنعكس عليه كأنه مرآة صافية. وهناك في المصطلح الصوفي مما يقرب من هذه الحالات ما يسمى بالكرامات، وتنبه هذه الكلمة الى أن في كل فرد عتبة بين شعوره ولاشعوره، يكفي أن يعبرها لكي يرى واقعاً آخر اكثر غنى واتساعاً وموضوعات ومشاعر وأهواء ورغبات لا تحصى ولا تنتهي ينوء تحتها الشعور الذي تحده الحياة اليومية وتحاصره(8). إن المعرفة الصوفية هي اذن تجاوز الفردية والجزئية المتمثلة بالوعي والمعرفة العقلية والدخول في المطلق المتمثل بالمعرفة اللاواعية التي قلنا إنها معرفة مطلقة وثابتة وأولية، أو انها تجاوز المطلق للفردي، تجاوز اللاوعي للوعي، حيث تفنى الذات الفردية بالذات الالهية المطلقة. وهذا يوصف في فلسفة هيجل بأنه امتصاص المطلق أو استرداده للحظات الانفصال الجزئية المتمثلة بالأفراد والوعي العقلي الفردي. ثم إن هذا المطلق يعيد لفظ هذه اللحظات الجزئية ليعيد استردادها ـ عبر الحياة والموت ـ وهكذا حتى يستكمل المطلق تحقيق جميع لحظاته او جميع الخطوات التي يخطوها لكي يتجلى، لكي تتحقق المعرفة المطلقة في الواقع عبر الواقعات الجزئية التي يمثلها الناس أو عقولهم المحدودة. فتاريخ الانسان هو تأريخ أو خطوات للمعرفة المطلقة في سبيل تحققها في الواقع أو الكشف عنها أو تجليها ـ كما يعبر المتصوفة ـ فالانسان المحدود يفنى في المطلق، لكي يتزود عقله المحدود من العقل المطلق ويتلقى من أنوار السر الإلهي، ثم يعود الى الصحو، ثم الى الفناء، وهكذا حتى يتم الكشف عن المعرفة المطلقة أو تجليها كاملة في عالم الشهادة. ويصف القرآن الكريم النوم الذي هو عالم الحلم الذي هو انتقال الى المطلق ومصدر للمعرفة المطلقة، بأنه حالة وفاة، استيفاء الله او المطلق للنفس الانسانية، ثم اطلاقها في اليقظة بعد رحلتها الى المطلق. وهذا ما يختلف به النوم عن الموت، فهذا استيفاء لا رجعة منه في يقظة الى الحياة. النوم والحلم إذن رحلة متكررة بين الحياة والموت، الحياة والمطلق، رحلة معرفة الى عالم الغيب من عالم الشهادة. ان المعرفة رحلة مستمرة وحركة متصلة من بداية خلق الانسان والى يوم القيامة، فالمطلق أو الغيب ليس نقطة نبلغها وتنتهي عندها المعرفة، انه على العكس، يتطلب الحركة المستمرة اليه والسفر الدائم، وكلما كشفنا شيئاً ازدادت الأشياء التي تتطلب الكشف، فلا يمكن الوصول الى معرفة الغيب معرفة نهائية. إن المعرفة الصوفية انتقال الى (الروح المطلق) والعيش في عالمها، فليست علاقة انفصال باردة بين العارف والمعروف، إنما علاقة اتحاد، تعقبها حالة انفصال وعودة الى الواقع.
يحدد وليم جيمس في مقالة معروفة خصائص الصوفية ومنها، أنها حالات روحية لا يقدر الكلام أن يصفها ولا أن ينقلها الى الآخرين . ولا يمكن معرفتها إلا بأن يعاش فيها خصوصاً أنها اكثر ارتباطاً باللاشعور، ونحن نكون مخطئين حين نحكم على مثل هذه الحالات من خارج، او حين نقوّم عقلياً ما لا شأن للعقل فيه. ومنها أنها حالات معرفية مع أنها حالات شعورية انفعالية، فهي معرفة بالروح لا بالعقل. وهي حالات نفاذ الى أعماق حقيقية لم يسبرها العقل بعد. وأنها لا تدوم طويلاً وغالباً ما تفشل الذاكرة في وصفها بعد أن تنتهي. ثم إنها لا تكاد تنشأ حتى يشعر صاحبها أنه فقد ارادته وانه معتقل أو مأخوذ بقوة عليا لا يستطيع أن يتغلب عليها، إنها حالة تحكم أو سيطرة المطلق على الجزئي، وهذه الخاصية تقرب هذه الحالات من بعض الظواهر الخاصة كالنبوة والانخطاف والكتابة الآلية والأحلام. هذا الذي يقوله وليم جيمس يقوله هنري ميشو بطريقته الخاصة، واصفاً هذه الحالة التي تنعدم فيها الرقابة العقلانية، وحيث يعمل الفكر في داخل فضائه الغامض دون أية رقابة. ويسمي ميشو هذه الحالة حالة الطمس أو المحو، والكتابة التي تعبر عن هذه الحالات غامضة بالضرورة، بل هي غير قابلة للقراءة بالنسبة الى الأشخاص الذين ألفوا برودة العقل وبرودة الوضوح، لكن في هذه اللامقروئية كان يتم الكشف عن الأعمق، لا في ميدان اللغة وحدها، بل في ميدان العالم الداخلي ايضاً، عالم الانسان وعالم الأشياء على السواء.
من أجل الكشف عن هذا العالم أو الوجود الأعمق والأغنى والأشمل يأتي الحلم والرؤيا والشطح والجنون في التجربة الصوفية كوسائل أو لغات أخرى تبطنها اللغة، وهذه كلها تشكل وسائل لاكتشاف طريقة ادراك لحقائق لا يمكن ادراكها بالمنطق او العقل، فهذا يدرك المحسوس وحده أو المجرد وحده، يفصل بين المرئي واللامرئي، بينما الإدراك الصوفي يوحد بين المحسوس والمجرد، الظاهر و الباطن، المعلوم والمجهول.
إن الرؤيا بوصفها جزءاً من النبوة هي من الله، وهي مبدأ الوحي ولا تكون الا في حال النوم، ويبدأ الوحي بالرؤيا لا بالحس، إذ يتم تجاوز العقل والمنطق بفعل الخيال والحلم، تجاوز الواقع والوصول الى ما وراء الواقع أو الغيب حيث السر والحقيقة والمعنى(9). فالحلم يعبر عن الغيب ونحن ننتقل الى الغيب أو المطلق بوساطة الحلم وهو يستمد منه، ويحوله الى الواقع، يجليه فيه. من هنا لم يكن الحلم في التجربة الصوفية تماماً خارج الواقع أو غريباً عنه.. الحلم والواقع هما على العكس بالنسبة اليها وجهان لحقيقة واحدة، إنهما جسم واحد لمرئي ولامرئي، ومن هنا ايضاً كانت الكتابة بالنسبة اليها تجربة الوصل بين المرئي واللامرئي.
لقد أسست الصوفية لكتابة يتوجه بها الصوفي نحو الغيب ويحاوره. وعمدت من أجل ذلك الى اكتشاف آليات الابداع العفوي، التي تفلت من الإكراهات الآتية من العقل الرقيب والفكر النقدي والمواضعات. وهي تدفع الكاتب الى الخروج من أناه المألوفة الى فضاء آخر. ولهذا تبدو الكتابة في التجربة الصوفية غالباً مليئة بالغرابة والتناقضات وتفكك الصور، مما يجعلها عصية على الفهم. ولهذا أيضاً يذهب بعض الباحثين الى اتهامها بالاعتباطية والتخليط، لكن هؤلاء ينسون أن الغريب، الفوضوي، المدهش، المحير، الغامض أساس أول في الكتابة الصوفية، ولا وجود لهذه الكتابة الا به، لأن هذه الكتابة تفصح عن عالم هو نفسه غريب وغامض ومحير. إنها كتابة تيه لعالم نفسه عالم تيه، فحين يدخل الشاعر عالم التحولات لا يقدر أن يخرج منه الا بكتابة تحولية: أمواج من الصور الإشراقية التي لا تخضع لمعايير العقل والمنطق والتي يتحول فيها الواقع نفسه الى حلم.
بنية الكتابة في الصوفية تقوم على لغة التشويق للبحث والسؤال ومعرفة المجهول والدخول في حركة اللانهاية. هكذا تستجيب لبعد اللانهاية في المعرفة، بعد اللانهاية في التعبير. الكتابة الصوفية تجربة في الوصول الى المطلق، وهو ما نجده عند كبار الخلاقين في جميع العصور. ويأتي الرمز طريقة في الكتابة الصوفية للاتجاه نحو أعماق أكثر اتساعاً، والبحث عن معان أكثر يقينية، العودة اليها نوع من العودة الى اللاشعور الجماعي، الى ما يتجاوز الفرد، الى ذاكرة الانسانية وأساطيرها، الى الماضي بوصفه نوعاً من اللاوعي. الرمز، لحظة التقاء بين الظاهر والباطن، المرئي واللامرئي. وهو إذن نقطة اشعاع، مركز حركي ينتشر في الاتجاهات جميعاً. وهو في الوقت نفسه يعبر عن مستويات مختلفة من الواقع بكليته. وفي هذا ما يتيح للشاعر لا أن يكشف ما لا نعرفه وحسب، وإنما أن يعيد كذلك تكوين ما نعرفه بحيث يربطه بحركة اللامعروف وبما لا نهاية له، وفي هذا المستوى تكون الكتابة معرفة.
لكن ما الرمز في العربية، وهل ترتبط دلالته فيها بطريقة الاستعمال الصوفية؟.. تقول مصادر اللغة، إنه يعني الاشارة، والإشارة طريق من طرق الدلالة. ويقول الجاحظ، إن الدلالة على المعاني لا تكون بالالفاظ وحدها، بل تكون كذلك بالإشارة، وهي دلالة سريعة، خفية، وغير مباشرة. ويقول قدامة بن جعفر عن الاشارة بأنها الايجاز، مشيراً الى أن الرمز هو كذلك ايجاز. ويعرفها بقوله: "أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على معان كثيرة، بإيماء اليها او لمحة تدل عليها". ـ نقد الشعر، ص90ـ ويقول ابن رشيق مطوراً مفهوم الرمز/ الاشارة، بأن الاشارة هي (في كل نوع من أنواع الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه"ـ العمدة1/206ـ فاللجوء الى الإشارة والرمز إنما هو ايماء وتلميح لأنها محاولة للإخفاء،وهذا ما بينه قدامة في حديثه عن الرمز، فيقول: "وإنما يستعمل المتكلم الرمز في كلامه في ما يريد طيه عن كافة الناس والافضاء به الى بعضهم، فيجعل للكلمة أو الحرف اسماً من أسماء الطير أو الوحش او سائر الأجناس، أو حرفاً من حروف المعجم ويطلع على ذلك الموضع من يريد إفهامه، فيكون ذلك قولاً مفهوماً بينهما، مرموزاً عن غيرهما. وقد أتى في كتب المتقدمين من الحكماء والمتفلسفين من الرموز شيء كثير، وكان أشدهم استعمالاً للرمز افلاطون. وفي القرآن من الرموز أشياء عظيمة القدر جليلة الخطر، وقد تضمنت علم ما يكون.. واطلع على علمها الأئمة المستودعون علم القرآن".ـ نقد النثر، ص61ـ62. فالدلالة الرمزية علم خاص يودعه الله لدى المنتخبين من عباده. ويرعى المتصوفة هذه الرغبة في الانتخاب لإيداع المعرفة لذا يحرصون على التعبير بالرمز. يصف القشيري المتصوفين بأنهم "يستعملون ألفاظاً فيما بينهم قصدوا بها الكشف عن معانيهم لأنفسهم والإخفاء والستر على من باينهم في طريقتهم، لتكون معاني ألفاظهم مستبهمة على الأجانب، غيرة منهم على أسرارهم أن تشيع في غير أهلها، إذ ليست حقائقهم مجموعة بنوع تكلف أو مجلوبة بضرب تصرف، بل هي معان أودعها الله قلوب قوم واستخلص لحقائقها أسرار قوم." الرسالة القشيرية، طبعة بولاق، 1984هـ.ص40. وهكذا يكون قوام الرمز في اللغة العربية كامناً في الإيجاز وبعد المعنى عن ظاهر اللفظ، أي في الغموض، لأن الألفاظ تعابير عن عالم غامض، عن العالم اللامرئي، أو عن عالم الغيب أو المطلق، كما لدى الصوفية.
يمكن أن نصف تجربة الكتابة الصوفية، بأنها تجربة موت بالدلالة الصوفية للعبارة: موت عن الظاهر الاجتماعي بمختلف مستوياته وعلاقاته من أجل الحياة في الباطن الكوني. لذلك لابد من تجاوز عالم الظاهر، ولابد من تجاوز لغة الظاهر. نتجاوز عالم الظاهر باللغة نفسها، نسكرها. يجب أن نخلق نشوة في اللغة تتطابق مع نشوة التجربة. والحق ان لكل كاتب صوفي هدفاً أول هو اكتشاف (لغة كونية) تعبر عن المطابقة بين اللامنتهي (المعنى) والمنتهي (الصورة). وهذه لغة تتكلم دون وساطة العقل. إنها لغة تخطف القارئ، تنقله الى اللامنتهي. فكما (يسكر) الصوفي، تسكر لغته. إنه يخلق للغة نشوتها الخاصة في أفق نشوته. لا يعبر عن نشوة الانسان الا لغة منتشية هي أيضاً. يجب ان تخرج اللغة هي أيضاً من نفسها، كما يخرج الصوفي من نفسه، بهذه اللغة نتيح لما هو قائم في مكان آخر، في الغيب أو الباطن أن يجوز الى عالمنا الظاهر، وتتيح لنا هذه اللغة أن نضع اللامنتهي في المنتهي، كما يعبر بودلير.
هذه اللغة جسر يربط بين الباطن والظاهر، بين المعروف والمجهول. وبما أن الغاية هي الكشف عن هذا المجهول، فإن طريقة التعبير ليست بيانية او بلاغية، وإنما هي بدئية تنبثق مع الحركة نفسها التي ينبثق بها الحدس الشعري. لغة عصية على التقاطها عقلياً، أي عصية على التدجين والتكييف مع المحسوس الواقعي. هي واقعية من حيث أنها تكشف عن الأصلي الجوهري، لكنها في الوقت نفسه تفلت من الواقع الملموس من حيث أنها تشير الى ما يتجاوزه، ذلك أنها ناشئة من هذا الجدل الصاعد الهابط معاً بين الله والانسان، بين الوجود غير المرئي والوجود المرئي. وهي لذلك مشحونة بالحلم وبعناصر لاعقلية كالسحر والهذيان والجنون والشطح والانخطاف.
إن الظاهر في هذه اللغة ليس هو الذي يتكلم بل الباطن. وليست الصورة هي التي تكتب، بل المعنى. والصوفي آخر في اللغة، آخر موضوعي لحظة هو ذاتي. ولذلك ليس هو الذي ينطق بالمعنى ويكتبه في صورة، بل المعنى هو الذي ينطقه ويكتبه. ليس هو الذي يفكر ويكتب، بل هو المفكر به والمكتوب كما يقول رامبو . وهكذا تكون الأنا هي الآخر ولا تعود الذات الفردية هي التي تتكلم، بل الذات الكبرى الكونية الكامنة فيها. فلا ذاتية إذن في هذه اللحظة الابداعية الكبرى، بل الذات هي نفسها الموضوع من حيث أنها الآخر والكون، أو من حيث أن (العالم الأكبر ينطوي فيها)(10).
..........
يلتقي مع تصور الصوفية هذا للمعرفة ولعملية الإبداع بعض الحركات الفكرية والاتجاهات الأدبية في العصر الحديث. وهي لا تلتقي معها التقاء تأثر وتأثيرأو امتداد وتفاعل بقدر ما هي مسألة ذلك التوتر الروحي المشترك بين الخلاقين جميعاً، والذي يجد أصحابه أنفسهم سائرين في البحث عن حلول له على طرق متشابهة قد تصل الى نتائج متشابهة، فالأفكار تلتقي على طريق الحقيقة. ومن هذه الحركات والاتجاهات الرومانتيكية والرمزية والسوريالية. ففي مطلع القرن العشرين بدأ اتجاه مناوئ للوضعية مما مهدت له كتابات نيتشه وبرغسون في ما يقوله عن الدفعة الحية والحدس والذاكرة، وفرويد ومفهومه الجديد للحياة النفسية. وكانت المسألة في هذا كله تتمركز حول إعادة النظر في طريقة رؤية الأشياء وفي طريقة التعبير عنها. هكذا نشأ (روح جديد) نقيض للمفهوم التقليدي عن الفن المكتمل الذي يخضع لقواعد ثابتة. وتعقد دراسات أوجه تشابه بين الصوفية وبين هذه الحركات الفكرية أو الأدبية التي سلكت سلوكها المعرفي . وتركز على الحركة السوريالية منها خاصة، وتتفرغ لدراسة تقاربها مع الصوفية. لقد كانت أولية العالم الداخلي على الواقعي من المسلمات عند الرومانتيكيين، وكان الشعر يحمل أبعاداً فلسفية عند هوغو والفرد دوفيني، وكان الرومانتيكيون عامة يقدمون الحساسية والخيال والحلم والشهوة على العقل ومنطقه. وأعمق ما في الرومانتيكية مما أثر في السوريالية هو قولها: إن الشاعر نبي يقرأ نص العالم ويدرك قوانين الكون الخفية بطريقة حدسية. ولعبت الرمزية دوراً كبيراً في نشأة السوريالية، فقد أخذ الشعر مع بودلير منحى صوفياً، واستناداً الى ذلك تأسس مفهوم المطابقة عنده بين المرئي واللامرئي. وذهب رامبو الى أبعد من ذلك فجعل من الشاعر رائياً يمارس كيمياء الكلمة. وجهد السورياليون لكي يصلوا الى سحر العالم والى تحريك القوى النفسية في الفرد، والى الممارسة السحرية للغة، وللقبض على (الحجر الفلسفي) مع إرادة التأثير على الواقع وممارسة النقد الذاتي والاجتماعي في آن.. وقد تأثر السورياليون تأثراً كبيراً بالخفائية والباطنية وبالنظرة القائمة على المعرفة الحدسية فيما وراء العقلانية، المعرفة المتعالية التي يؤسس بها الفرد ميتافيزياء كونية. هذه المعرفة إيقاظ، تولد ذكرى ما كنا قبل ضياعنا في عالم المحسوسات. يكشف هذا كله عن أن السريالية تقول بوجود مجال يتجاوز سلطات العقل وبأن الإنسان لا يستثمره. وأن رؤية الإنسان العقلاني للعالم سطحية، ولكي يبلغ العجيب والخارق لابد له من أن يغير تأويله للعالم الذي يحيط به. المدار الأساسي لتجربة رامبو التي تجعل منها السوريالية مرجعية أساسية هو تخطي المرئي الى اللامرئي كما هو الشان في التجربة الصوفية. ويقول إن إلهامه الرائي أتاح له أن يبلغ المعرفة فاتحاً له أبواب اللاوعي، وإن الشاعر يصبح رائياً بتعطيل لجميع الحواس طويل ومدروس وفائق الحد.
لقد أعلن السورياليون قطيعتهم مع المجتمع القديم وأسسه كلها ومع أخلاقه وجماليته ووضعيته. والمنهج الذي سلكوه هو الاستكشاف المنظم لللاوعي عبر تجارب متنوعة مثل الحلم والجنون والخيال وحالات الهلوسة والتوهم. والشعر أداة لمثل هذا البحث الداخلي، ولهذا استلهموا فرويد واستخدموا كشوفه، من أجل الوصول الى المعنى المجهول في الكائن الانساني. ومن هنا اهتمت السوريالية كثيراً بالشرق ورأت فيه مستودع قوى وطاقات روحية لخدمة ثورة دائمة. ويرى السورياليون أن الشرق هو في آن مجال صوفي ومكان تحررت فيه الرغبة. وكان لهنري غيتون أثر حاسم عليهم، فقد كان يرى أن الغرب يجتاز مرحلة سماها (العصر القاتم)، وأن الشرق خارج هذا العصر، لأنه حافظ على التقاليد المعرفية الخفائية ومبادئها. وينتمي السورياليون الى هذا الاتجاه الفكري الفلسفي اللاعقلاني، اتجاه الأديان السرية، بحثاً عن ينابيع السر فيما وراء مقولات المنطق من أجل العثور على الطاقة في حالتها البدئية وعلى الكلام الحي، كلام الاسطورة التي تعطي للعوالم الداخلية أشكالاً ملموسة. ويعبر عن هذه العوالم الداخلية بتيار اللاشعور الذي يفصح عن ذاته بالحلم وبالكتابة الآلية واللاإرادية. ويؤسس بريتون للعلاقة بين الحلم والفكر الأصلي القائم في أعماق الانسان، ففي الحلم تمحى القوانين المنطقية والعقلانية. الحلم يسلم الانسان الى كون خاص، كون الصور الداخلية والى المد اللاشعوري. هكذا حين لا يكون الانسان نائماً يكون لعبة في يد ذاكرته، والذاكرة هي التي تلغي الحلم وتقتله. ومن هنا يتساءل بريتون عما إذا كانت حالة الحلم هي الأكثر قرباً الى الفكر الأصلي والى طبيعة الانسان العميقة، ولماذا إذن لا نعطي للحلم ما نرفض أحياناً أن نضفيه على الواقع، أعني بعد اليقين؟.. ولماذا لا ننتظر من الحلم أكثر مما ننتظر من الوعي؟.. ثم ألايمكن أن يفيد الحلم هو أيضاً في حل مشكلات الحياة الأساسية؟.. ومقابل هذه القيمة أو هذه الأهمية التي يمثلها الحلم، لا تبدو حالة اليقظة الا عائقاً محضاً، فاليقظة من هذا السياق حالة غياب عن الحقيقة، وان حقائقها جزئية وهامشية بعيدة عن المركز الحي الخلاق للفكر. ويرى موريس بلانشو أن (حريات الكتابة) في تاريخ السوريالية (مرتبطة بتجارب النوم)، فهذا النوم يلغي كذلك الرقابة التي تعيق الفكر ويفتح أبواب المدهش وأبواب الحرية. تؤدي ممارسة هذا النوم الى نوع من إلغاء ملكية الانسان لذاته، وملكية الواقع الخارجي، إذ لا رقابة من أي نوع يمكن ان تتدخل بين النائم والواقع كما تتدخل بين المستيقظ والواقع. وجاء في مقدمة العدد الأول من مجلة (الثورة السوريالية) ان الحلم وحده يترك للانسان جميع حقوقه في الحرية، ولا يعود الموت بفضل الحلم معنى غامضاً، ويفتقد معنى الحياة أهميته، نحن جميعاً تحت رحمة الحلم وعلينا أن نتحمل سلطته. هكذا أعطت هذه المجلة الأولية لسرد الأحلام، بحيث تكون تسجيلاً لما لا يقال. ويرتبط الحلم بالهذيان، إذ يتم تجاوز العقل والمنطق بفعل الخيال والحلم والهذيان، يتم تجاوز الواقع والوصول الى ما وراء الواقع أو الغيب بلغة الصوفية، حيث السر والحقيقة والمعنى. السوريالية اكتشاف للأعماق الداخلية الذاتية، وهي كذلك اكتشاف لعالم خارجي. ويؤكد بريتون أن الحلم والواقع المتناقضين في الظاهر سيتحدان في نوع من الواقع المطلق، سوريالي، وهذا ما يقابل الاتحاد او الوحدة بين الظاهر و الباطن في الصوفية. واذا كان الحلم يقدم للانسان واقعاً جديداً يتيح له مطابقات جديدة بينه وبين الوجود، ويفتح أمامه أبعاداً جديدة، فإن كل ما يحقق مثل هذه المطابقات يكتسب بالضرورة اهمية أولى. ومن هنا اهتمت السوريالية بعلوم الأسرار، ويطالب بريتون بالاهتمام بهذه العلوم كعلم النجوم والسيمياء، ويشدد على ضرورة (البحث عن السر)(11).
وفضلاً عن السوريالية وغيرها من الحركات الأدبيـة التـي اهتمـت
بالجوانب الخفية اللامرئية الكامنة وراء الظواهر، هنالك لون من النقد يتصل بهذه الحركات والأفكار، يسمى (نقد النماذج العليا) أو (النقد الأسطوري) الذي اكتسب أبعاداً تنظيرية وتطبيقية واسعة في اسهامات نقاد مثل (مودبودكين) التي نشرت في العام 1934 كتاب (أنماط نموذجية في الشعر) ثم (نورثروب فراي) الذي هو أكثر تأثيراً والذي كاد هذا المنهج أن يرتبط باسمه خاصة بعد صدور كتابه الشهير (تشريح النقد) في العام 1957. ويقوم هذا النقد على تحديد النموذج الأعلى بأنه نمط من السلوك او الفعل او نوع من الشخصيات أو شكل من أشكال القص او صورة او رمز في الأدب والأساطير وكذلك في الأحلام، وهذا ما يهتم به بحثنا، إذ يدرس رمزاً يتصل بمعرفة مطلقة. ويعكس هذا الرمز في هذا النقد أنماطاً أو اشكالاً بدائية وعالمية عامة أو نموذجية ثابتة، تعبر عن مشاعر ورغبات وأفكار عامة مستمرة. وهذا يشبه ماتحدث به علم النفس عما سماه (البقايا المهجورة) أو (الصور البدائية) أو (الأنماط العليا) كما مر معنا. وفي كتابه (تشريح النقد) يدلل فراي على ما يقول بدراسة عدد هائل من الأعمال الأدبية الغربية، تنتظمها نماذج عليا، تأخذ شكل تكوينات أسطورية. ويقترب فراي بذلك من البنيوية، بل إن من الممكن أن نعد أعمال ذلك الناقد وغيره من أصحاب نقد النماذج العليا إرهاصاً للبنيوية من حيث انها تبحث في المكونات الثابتة الأصلية للخيال الثقافي والأدبي الانساني تماماً كما تفعل البنيوية(12). ولقد ظهر لدى البنيويين على اختلاف تخصصاتهم ميل واضح الى فكرة النسق الشامل ووضع أطر أو قوالب أساسية تندرج ضمنها كثرة الظواهر. وان هذه الأطر أو القوالب لها عندهم طبيعة باطنية كامنة حتى لو اتخذت مظاهرها أشد الصور حسية. وتهتم أبحاث لأعلام البنيوية في بنية الفكر والمعرفة بالبحث عن العلاقات الداخلية والنسق الكامن في المعرفة الذي يتمثل بهذه المعرفة اللاواعية او الاولية او الفطرية. وتسعى الى تجاوز المظهر الذي تبدو عليه من أجل النفاذ الى تركيبها الباطن. وهو ما نحاوله في هذا البحث الذي يحاول الغوص في عمق النظام الرمزي للمربع والدائرة الذي يعبر عن البنية الأساسية للمعرفة ممثلة بوحدات هذا النظام. كما يستهدي هذا البحث بنتائج الفلسفة المثالية، ونخص منها فلسفة هيجل التي ناقش بحثنا منطلقاتها العامة، وهذا مافعلناه في بحوث لنا سابقة(13)، فنحن نستفيد من المشروع الفلسفي الشامل لهذا الفيلسوف الكبير الذي بحث عن النسق أو النظام الجوهري الذي ترتكز عليه كل المظاهر الخارجية للوجود. وهذا النظام الجوهري هو المعرفة او الفكر المطلق الثابت الذي تستمد منه معرفتنا النسبية المحدودة. العقل الانساني المحدود يرتبط بالعقل المطلق ويستمد منه ليحول المعرفة المطلقة الى واقع من خلال أفعال الانسان، التي تعبر عن معرفته ، ليجلي المطلق ـ بتعبير المتصوفة ـ في الوجود الظاهر الواقعي. وتبقى العلاقة بين العقلين او المعرفتين مستمرة يتم من خلالها تجاوز هذه المعرفة النسبية المحدودة المتمثلة بالعقول الانسانية عبر حركة النفي او التجاوز التي يقوم بها العقل المطلق حتى يتحقق العقل الكامل ممثلاً بالانسان الكامل وحتى يتحقق المجتمع الكامل الذي تسوده القوانين المطلقة. فبحثنا إذن يستمد من هذه الأفكار كلها ويؤكدها من خلال الأدب، والأدب الصوفي خاصة، فلقد تلقى المتصوفة أفكاراً عامة، جوهرية أو توصلوا اليها بالحدس أو الكشف الروحي أو الوجداني الذي يتصلون بوساطته بالحقائق العامة الكلية المطلقة. وقد عبر أدباء المتصوفة عن هذه المعرفة بهيئة رموز لم تنفصل عن معناها الأصيل في أذهان الأدباء ومتلقي الأدب بما يؤكد قدرتها على تحقيق الاتصال بينهما ونقل المعلومات أو المعرفة التي تعبر عنها ومن هذه الرموز المهمة لديهم رمز (المربع والدائرة). وسنعمد الى تحليل هذا الرمز الذي تضمن تلك الافكار لنصل اليها. وقبل أن نحلل هذه الرموز في (الأدب الصوفي) الذي عرف عنه تعبيره بالرمز، وفي سبيل التتبع التاريخي للبدايات الأولى لاستعمال هذه الرموز في تاريخ الثقافة وارتباطها بالفكر الصوفي، نحاول أن ندرس هذه البدايات في بعض مظاهر الفن عبر تأريخه.

رمز(المربع والدائرة) في بعض مظاهر الفن والثقافة العامة، القديمة والحديثة:

ظهر رمز المربع والدائرة أو (النقطة والدائرة) في الدين والأساطير والأحلام كما ظهر في الفنون والتصاميم الأساسية للمدن في الفن المعماري. ويستنتج الدارسون من أنها تشير على الدوام الى حقائق للحياة أعظم وأكثر جوهرية. فالمربع يشير الى الحقائق الروحية المطلقة، وتشير الدائرة الى الكلية النهائية والكمال الانساني، فهي رمز للنفس وقد وصف افلاطون النفس بكونها دائرة . وكان بعض من يتفحص أعمال الفن القديمة التي تعود الى الحقب القديمة يظنها نتيجة جهل وعدم دراية وعجز ونقص في الكفاءة ولم يدركوا أنها ليست كذلك، وأنها تعبير عن انفعالات ومعتقدات دينية وروحية محددة. وهي تملك اليوم جاذبية خاصة لأن الفن منذ النصف الأخير من القرن العشرين مر مرة أخرى عبر مرحلة ملحة يمكن نعتها بالتخيلية .
وتعود البدايات الأولى للفن الرمزي التخيلي الى مرحلة بعيدة في التاريخ، ففي النقوش الصخرية التي ترقى بتاريخها الى العصر الحجري الحديث قبل اختراع الدولاب ظهرت دوائر تدعى (دواليب الشمس) وهي رموز عبر بها انسان العصر الحجري. ويعود منشؤها في حوض البحر الأبيض المتوسط الى الألف الثالثة قبل الميلاد(14) أو قبل ذلك. وقدظلت هذه الرموز تؤثر في وعي الانسان ويتجلى تأثيرها في منجزاته الفنية والحضارية. ومن هنا يأتي دورها في اشاعة معرفة موحدة متصلة اتصال الجنس الانساني. وقد حاولت بعض الدراسات أن ترتد بالمعرفة التي تشير اليها هذه الرموز في بعض الظواهر الفنية الى المعرفة القديمة التي أوحت بها الاستعمالات الأولى لهذه الرموز. ففي دراسة للفنان الرائد شاكر حسن آل سعيد للخط العربي الذي يعكس السمات الأصلية للثقافة العربية والاسلامية يحاول إرجاع القيم المعرفية التي يعبر عنها هذا الخط ـ من خلال اعتماده نظام التربيع والتدويرـ الى البدايات الأولى التي عبر بها الانسان بهذه الرموز والممتدة عميقاﹰ-;---;--في التاريخ . ففي دراسته (الخط العربي وأصوله الحضارية والجمالية) يستبطن في الخط العربي قيماً واعتبارات بعيدة ووثيقة الصلة بتكوينه الراهن. ويحاول فصد نسغه الداخلي والغوص في أعماقه واكتشاف قيمه الظاهرة والخفية وتحليله وإعادة تقويمه تقويماﹰ-;---;-- يكشف عن أسسه الجمالية والحضارية البعيدة. لقد سعى الى العودة به الى أبعد مصدر ممكن، فأكد تجذر الخلف في السلف، فلم يبحثه من منظور فني أو تاريخي، لأن جل البحوث التي تلتمس هذا المنظور لم تمس الطبقات التحتانية التي تستنبطها الظواهر المدونة، بل اقتصرت على السحنة الظاهرية وتعمقت بها. فيبادر هو الى دراسته دراسة معرفية بقصد استكناه المعرفة التي وراءه، والكشف عما تحمله الحروف. وأكد أن الخط ليس أداة لتمرير المعنى اللغوي فقط، بل موضوع لمعرفة متشعبة الأطراف، فهو كيان معبر عن حضارة بأكملها وليس مجرد وسيلة لغوية. وأن أهداف الخط والفن يمكن أن تكون هي نفسها في كليهما، فلهما هوية واحدة. وعاد الى الأصول البعيدة التي نشأت عنها الوسائل الأولى للتدوين، أي الى تلك المراحل المعروفة للكتابة الصورية والمقطعية والمسمارية، بل الى ما قبل ذلك، الى المرحلة التي ظهرت فيها الزخارف على الفخاريات في العهود القديمة وكأنها لغة أخرى مدونة بوسائل ما قبل تدوينية. فلقد وسع البحث عن هويته التراثية، ووصل الى فحواه من خلال تأريخه الثقافي.(15)
والذي قاده الى اعتبار الحرف وسيلة للمواصلات الذهنية وللمعرفة، هو ما لفت انتباهه في الأصول الأولى للتدوين، وهو وجود الفكر التربيعي في صلب نظام الخط العربي، فهو يتكون عبر النظام التربيعي وكذلك الشكل الدائري، ففي هذا الخط تحوير لرؤوس بعض الحروف العربية الى ما يشبه الدائرة. فالحرف ينغلق على نفسه، فهو دائرة مغلقة وبداخلها النقطة المركزية. والنقطة تقوم مقام المربع، فقد تتحول الى الشكل المربع أو المعين(أ). وفي نظام التربيع تبرز علاقة ما بين المركز والمحيط، ففي الزخارف المشتقة من الكوفي المربع نجدنا إزاء (نقطة مركزية) أو مربع و(حركة محيطية) أو دورة. ويؤول الأمر بهذه الدورة على محيط المربع الوهمي ومركزه المحور الى مربع وسطي الى رسم الصليب المعقوف المتكون عند تقاطع وحدتين زخرفيتين خطيتين ( ).(16)
إن اهتمامه بالخط الكوفي المربع الذي يكون التربيع هو الوحدة الزخرفية الأساسية فيه والصليب المعقوف هو المصطلح الشكلي له(ب)، يقوده الى الاهتمام بالأوفاق التي تعتمد في كيانها على نظام التربيع أيضاً، بالرغم من أن موضوعه يتعلق بالجانب اللغوي وعلاقته بالعمل الفني الزخرفي. ولقد استرعى انتباهه أنه يجد أن بعض الكتابات بالخط الكوفي المربع تتفق ونظام الأوفاق الى مدى بعيد. والأوفاق جمع وفق، وهو جدول رباعي تسير أوضاعه بموجب علم الحروف(الجفر). ومعناه أن يزدوج كل من معنى الحرف والقيمة الحسابية للعدد الذي يرافقه، فإذا رتبت هذه الحروف وفي ضمنها قيمتها العددية، وجمعت تلك القيم كانت التنائج واحدة في كل ضلع منها. إن الذي لفت نظره لأول وهلة هو وجود الفكر التربيعي في صلب نظام الأوفاق، وإن الوحدات التسع للوفق الثلاثي على فلك زحل(ت) تظل مرتبة في داخل مربع واحد. وقد نبه على أن للوفق عبارته الغيبية، أي تأثيره السحري، وان هناك تعاطفاً شكلياً سحرياً ما بين الحرف والعدد في الأوفاق، وان الحرف هو بمنزلة الجسد، أما العدد فهو بمنزلة الروح، فكأن الوفق حينما يجمع بينهما إنما يؤلف الوجود بمحوريه المادي والروحي فالوفق يمثل العلاقة الجدلية بين الروح والمادة.(17)
لقد تساءل الفنان آل سعيد عن سر التزام النظام التربيعي، وأعاد هذا التساؤل الى المرحلة التاريخية التي ظهر فيها النظام الرباعي الى الوجود، والى طبيعة الذهن الانساني الذي تشبث بالشكل الرباعي، ومن ثم بالفكر الرباعي، وتلك المرحلة هي التي يمكن تحديدها بحدود (5000ق.م) أي حينما رسم الانسان رسومه الزخرفية على فخاريات دور سامراء ممعناً في تدوين أشكال حيوانية أو نباتية أو انسانية ضمن نسق رباعي، (ث) وهذا ما تظهره فخاريات معينة جاء بعضها على شكل الوفق الثلاثي ذي المربعات التسعة. ورأى أن هذه الحقيقة التي تظهرها الحضارات القديمة تقطع الشك باليقين في أصل العلاقة ما بين علم الحروف ورسوم الفخاريات الأولى. فإذا كانت الأوفاق تعتمد في كيانها على نظام التربيع فلابد من أن الأيمان بهذا النظام يمثل تجذر الذهن البشري بكل ما يوازيه في الحياة من حقائق. وكما يربط ما بين علم الحروف والأوفاق والرسوم في فن العراق القديم، يربط بينها وبين الخط الكوفي. فالخط الكوفي المربع وإن كان يعد من الظواهر الفنية الخاصة بالعصر الاسلامي الا أن أصوله البعيدة كانت ممتدة في حضارة وادي الرافدين، ذلك لأنها تنهل كما هو معروف في تسميتها وبنائها الزخرفي من فكرة التربيع القديمة. وينتهي الى أن الخط العربي والزخرفة متأثران بالفكر الاسلامي والصوفي خاصة تأثرهما بالفكر الرافديني القديم. ولهما بكل تأكيد نسب بالفكر الآسيوي، وبفنون الصين والحضارة الرعوية في أواسط آسيا عن طريق الاحتكاك المباشر للعالم الأسلامي بالحضارات المجاورة التي تأصلت فيها ثقافات عريقة ذات اهتمام بالتربيع بوصفه قيمة جمالية، وعن طريق الترجمة عن اليونانية وسواها من اللغات. وهذا ما أسهم بدخول تأثيرات حضارية وثقافية من الحضارات المجاورة على تلك الأعمال الفنية لا سيما أن لمواطن هذه الحضارات نفسها تقاليد دينية أو صوفية لابد من أنها كانت ستسهم في التأثير في التقاليد الاسلامية نفسها. إن جذور الخط الكوفي ترتبط بالمواطن التي ازدهر فيها الفكر الصوفي، وأهم مواطن الفكر الصوفي هي الصين بعد الهند موطنه الأول. فليس بالمستبعد أن يكون لذلك أثره في ازدهار هذا النوع من الخط لأنه يتفق والتصورات الصوفية، إذ ان المربع من الرموز التي اهتم بها المتصوفة، وكذلك الدائرة، وقد صدروا عن الرؤية الكروية للعالم فأحتفوا بالدائرة احتفاءهم بالمربع او النقطة التي ترتبط كما يوضح الفنان آل سعيد بالعين السومرية(ج) والدوائر ذوات النقاط المركزية في التقاليد الزخرفية في العراق القديم.(18)
إن هذا يعني أنه في خلال مسيرة الخط والفن في الحضارة العربية الاسلامية فإنهما اكتسبا مزايا حضارية جديدة، كما عبرا عن التواصل مع القديمة كما يتضح في نظام الأوفاق والكوفي المربع. إن مسيرة الخط العربي تعكس التاريخ الثقافي للوجود العربي بمعناه الواسع. وقد استطاع التعبير عن سمات الفكر الاسلامي، فهناك بنية لا شعورية للكتابة ورصيد لا واعي يخفيه الخط ورصيد اجتماعي هو وليد المحيط الذي تطور فيه. وهو يستبطن كل الشعور الميثولوجي لمجتمعات الكتابة السومرية واللغة الزخرفية لعصر ما قبل السلالات في العراق وما يوازيها في البيئات الأخرى، مثلما يستبطن اللاوعي الديني لمجتمعات الكتابة الأبجدية ورصيدها الفكري المتطور. ولقد ظلت اللغة العربية محتفظة برصيدها الفكري هذا في جميع مراحل حياتها الحضارية مثلما ظلت محتفظة به الفنون الزخرفية، توأمها.(19)
إن بنية الخط والزخرفة تستبطن أفكاراً وعقائد تتأثر بها، وهي تنتقل ـ كما يبين الاستاذ آل سعيد ـ انتقالاً لا واعياً أو غيبياً أو سحرياً أو كرامياً. وهو يستخدم كلمة التخاطر أو التلباثي، وهو انتقال الأفكار بين كائنين انتقالاً لا يعتمد على المواصلات الحضورية بينهما، بل يعتمد على المواصلات الغيابية. وهذا الاستخدام ذو صفة حضارية، أي انه يتم ما بين مرحلتين حضاريتين، أو كيانين إجتماعيين، الأول كان موجوداً في الماضي والآخر موجود في الحاضر.
الرسوم والأشكال الهندسية التي ظهرت على الفخاريات الأولى في العراق قبل ظهور المراحل الأولى للكتابة المسمارية كالمرحلة التصويرية أو المرحلة الرمزية والمرحلة المقطعية كانت خطوات انتقال بين البداية السحرية للغة الطبيعية واللغة الانسانية الصرف. إنها نوع من التدوين السحري، لغة تقتصر على الطبيعة وكأنها لغة حيوانية أو نباتية، لغة لم تدخل بعد طور الثقافة، وقراءتها كمدونة تقتصر على نوع من الوعي القريب من مفهوم الطبيعة لا الثقافة، أو هي أقرب الى اللغة الغيبية أو الماورائية التي تخص عالم السحر والكرامات والدروشة وتحضير الأرواح، الخ.. ويقول الفنان آل سعيد إن هذه الرسوم ذاتها تشبه المرحلة الصورية وهي في حالة تطورها الى كتابة مسمارية في المرحلة الرمزية، فهي تمثل الشكل والمعنى في آن واحد. وكانت بمنزلة التدوين الكتابي، أو لنقل دلالات لغوية أو مفاهيم دينية عن ذهنية انسانية مازالت تجمع ما بين الثقافة الانسانية واللاوعي والحدس بالطبيعة وبما وراء الطبيعة من قوى.(20)
إن فحوى النظام التربيعي في بنية الخط والزخرفة هو إخضاع العنصـر
الزخرفي الى مبدأ التدوير، دورة حول الجهات الأربع للشكل المربع الذي يمثل المركز أو النقطة أو السكون المركزي، في حين يمثل محيطه حركة مستمرة. ان العلاقة بين السكون المركزي والحركة المحيطية هي علاقة بداية وحركة مستمرة، البداية للسكون والتطور عن هذه البداية للحركة. البداية للمربع والتطور للحركة الدائرية حوله.(21)
السكون والحركة هما الفكرة التي يعبر عنها مبدأ التربيع والتدوير قبل أن يصبح ظاهرة فنية لغوية على شكل رسوم أو جداول أوفاقية أو زخارف. الفكرة هي انطلاق الحركة من السكون الذي يمثل المركز أو المربع أو النقطة التي يعقد علم الحروف على هويتها أهمية عظيمة. وهي حقيقة حقائق الحروف في الفكر الصوفي، فهي تحقق معنى تطوير القوة الى الفعل، القوة التي تحتل مركز الوفق في المدونات الأوفاقية، فهي وجود بالقوة يتحول الى وجود بالفعل بوساطة الدائرة التي تمثل معنى الفعل أو الحركة أو تمثل العرض من الجوهر أو الوجود بالقوة الذي يمثله المركز.
النقطة غياب وامحاء لأي ظهور للوجود، إنها تحقق معنى الغياب في الحضور، الغيب في الشهادة. والمركز خال من أي شيء ظاهر، فهو رمز للغياب وللسكون. وهناك أشكال تدور حوله في تلك الرسوم والرموز القديمة، فالدورة لها أشكال أي لها ظهور. ونلاحظ من خلال بعض الأشكال أنها لنساء او لإناث(ح)، فنستنتج أن الدائرة أنثى في مقابل المركز، الذكر. ولقد قلنا إن المركز يمثل الجوهر أو الوجود بالقوة في مقابل الدائرة التي تمثل العرض. فالرجل والمرأة جوهر وعرض.
إن أسلوب الكتابة العربية يعبر من خلال المربع أو النقطة والدائرة عن العلاقة بين السكون والحركة، وهما يمثلان في رأي الأستاذ آل سعيد واقع الانسان البدوي في صحرائه إذ يجمع بين الاستقرار والحركة. ويستمدان من موقف الانسان المتنقل المستفز، الانسان البدوي المستضاف من الواحة والمحيط. إنها ترجمة لرحلة ايقاعية هي في أقصى مستوياتها رحلة دنيوية وأخروية معاً.(22) والعلاقة بين المربع والدائرة أو السكون والحركة، علاقة بين الموت والحياة أو الولادة، أو الموت والبعث والنشور. وهذا ينسجم مع فكرة الخصوبة المعروفة بسياقها المتكامل ما بين الولادة والموت ثم البعث والنشور. إن ظهور الخط الكوفي المربع في العراق والشام يرجح ـ كما يبين الاستاذ آل سعيد ـ معنى ازدهار الفكر الزراعي في مناطق وديان الأنهار التي كانت مهد الحضارات الزراعية الأولى. ولقد أوغل السومريون في استقرائهم للحياة الانتاجية في فكرة الخصوبة مكتشفين شكلها السرمدي في مدى تعاقب الحياة والموت عبر النظام التربيعي والشكل الدائري اللذين كان لهما دور مهم في تجسيد الفكر الخصوبي حتى أصبحا رمزين مهمين من رموز القوى المؤثرة في العالم النباتي، فكأنهما الشكل المادي لفكرة الخصوبة، فهما يعبران عن العلاقة المتكاملة بين الفصول وإيقاعها وتتابعها، (دورة) الفصول (الأربعة): الربيع والصيف والخريف والشتاء. وهذا مطابق للحياة الانسانية في تكاملها: الطفولة فالشباب فالكهولة فالشيخوخة. وقد تعبر هذه الرموز عن آمال ومخاوف، وانها تتصل بالعقيدة الدينية، فالدورة ترمز الى قوة الحياة الدائمة في كل المخلوقات التي تدور في حلقات لا نهاية لها.(23)
ولقد ظلت علامة الصليب المعقوف الوحدة الزخرفية الأساسية، أو لنقل ظلت ممثلة للمصطلح الشكلي نفسه لعصور ما قبل السلالات وفي دور سامراء وفي العصور الإسلامية، إذ تظهر العلامة نفسها وبصراحة عنصراً زخرفياً كما في الخط الكوفي المربع وفي نظام الأوفاق(خ).
وينتهي الأستاذ آل سعيد من استنتاجه للمعاني التي تعبر عنها هذه الرموز ومن خلال مقارنته ما بين الرسوم الفنية والزخارف والأشكال الخطية التي كان المربع والدائرة العنصر الأساسي فيها الى أنها تتفق من حيث المبدأ في النقاط الآتية:
1ـ هناك علاقة ما بين الوحدات المحيطية والمراكز.
2ـ إن اتجاه الحركة فيها هو من اليمين الى اليسار على العموم (عكس عقارب الساعة).
3ـ إن استخدامها يبدو استخداماً (دينياً سحرياً).(24)
واذا تقصينا ارتباط هذه الرموز _ التي عبر عنها الخط العربي والثقافة العربية والأسلامية _ بثقافة وفنون الهند والشرق الأقصى نجد أن الدائرة ذات الأشعاعات الاربعة أو الثمانية في الفن البصري في هذه الانحاء من العالم تمثل الطراز الاعتيادي للصور الدينية التي تستخدم وسائل للتأمل . ونجد الدائرة التجريدية مصورة في الفن المسيحي الاوربي، وهي ترمز الى ماذكرناه من معنى الكمال الانساني, فهي تمثيلات لذات الانسان منقولة الى مستوى كوني والى حقيقة مطلقة. تحيط برسوم السيد المسيح (ع) والقديسين المسيحيين هالات, وفي أحوال عديدة تكون هالة السيد المسيح مقسومة الى أربعة, وفي هذا رمز الى كليته. وعلى جدران الكنائس الرومانية القديمة يمكن رؤية اشكال مستديرة تجريدية أحياناﹰ-;---;-- ويقال إنها قد تعود الى أصول وثنية. ومن الأمثلة المتميزة في الفن المسيحي صورة نادرة للسيدة العذراء(ع) في مركز شجرة مستديرة, هي الله . لكن الهالات التي تشيع كثيرا في الفن المسيحي هي تلك التي للسيد المسيح وهو محاط بالرسل الأربعة، ويذهب بعض الدارسين الى أنها تعود بتاريخها الى التمثيلات المصرية القديمة للإله حورس وأبنائه الأربعة.
وهكذا يرتبط رمز المربع برمز الدائرة في الرسوم الدينية ليرمزا الى الحقائق الأساسية للوجود , فأذا كانت الدائرة تشير الى الكمال الإنساني فإن رمز المربع يدخل معها ليشير الى الحقيقة الجوهرية العقلية والروحية التي يرتبط بها الوجودالإنساني ويتفاعل معها في سعيه الى الوصول اليها. ونجد هذين الرمزين يؤكدان هذه العلاقة في رسومات أخرى في تاريخ الفن الأوربي، فلدى بعض الطوائف والحركات التي قامت حوالي العام (1000) الميلادي كالخيميائيين يتجلى هذان الرمزان تعبيراﹰ-;---;-- عن ارتباط الروح بالجسد، فقد دفع هولاء أسرار المادة وجعلوها الى جانب أسرار الروح السماوية للمسيحية. وما كانوا ينشدونه هو الكلية الشاملة لعقل وجسد الانسان. وقد ابتدعوا آلاف الأسماء والرموز لهما، وكان أحد رموزهم المركزية هو(تربيع الدائرة) وهو رمز الكلية واتحاد المتضادات . ولم يسجل الخيميائيون عملهم في كتابتهم حسب بل خلفوا ثروة من صور أحلامهم ورؤاهم في الكلمة والصورة. ويمكن أن يعد الرسام الفلمنكي هيرونيموس بوش من القرن الخامس عشر الممثل الأكبر لهذا النوع من الفن الخيالي .
وفي عصرنا الحاضر أصبح الرمز الهندسي أو التجريدي للدائرة يؤدي دورا مهما في الرسم لكن ليس على وفق الطريقة التقليدية للتمثيل ﺇ-;---;--نما مع عملية تحويل تنسجم مع معضلة وجود الانسان الحديث . وقد يمكن رؤية المثل على السطح الدائري غير المتناسق في أقراص الشمس المشهورة للرسام الفرنسي روبير ديلوني . وثمة لوحة للرسام الانكليزي الحديث سيري ريتشارد تحتوي على سطح دائري غير متناسق تماماﹰ-;---;--, في حين تظهر في البعيد على يسارها دائرة فارغة وأكثر صغراﹰ-;---;--. وفي لوحة الفنان الفرنسي هنري ماتيس المعنونة حياة ساكنة ومزهرية كيوسين يكون مركز الرؤية كرة خضراء على شعاع أسود مائل يبدو أنها تجمع داخل نفسها الدوائر المتنوعة لأوراق الكيوسين. وفي هذه اللوحة يفصل مابين الشكلين التجريديين(المربع والدائرة)_ اللذين كونا علاقة كلية في الفن القديم _أو يوصل بينهما بشكل غير مترابط, مع ذلك فكلاهما موجود فيها ويلمس كل منهما الآخر. وفي لوحة رسمها الفنان الروسي المولد فاسيلي كاندنسكي ثمة تجميع طليق لكرات ملونة أو دوائر تبدو منجرفة مثل فقاعات لصابون. وكثيراﹰ-;---;-- ماتظهر الدوائر في صلات غير متوقعة في التركيبات الغامضة للفنان البريطاني بول ناش. وفي رسمه المسمى (حدود الفهم) يضع الفنان السويسري بول كلي الشكل البسيط لكرة او دائرة فوق بناء معقد من السلالم والخطوط. ومن المهم ملاحظة أن المربع او مجموعة المستطيلات والمربعات او المستطيلات وأشباه المعين قد ظهرت في الفن الحديث بقدر ما ظهرت الدائرة. ويعد الفنان الهولندي بيت موندريان أستاذ التراكيب المتناغمة مع المربعات. ومع ذلك فاللوحات الأكثر شيوعاﹰ-;---;-- هي لوحات رسامين آخرين ذات تراكيب رباعية غير منتظمة او مستطيلات عديدة مجمعة في مجموعة طليقة تقريبا. ومن الفنانين الذين تضـج رسومه بالأشكال الدائرية والمربعة الفنان الايطالي فكتور فازاريلي وهي تعبر عن حقائق كلية لاتنفصم (د). وقد تنفصم الصلة مابين هذين الشكلين الأوليين في انجازات الفن الحديث, فقد تكون موجودة أو غير موجودة أو طليقة أو عرضية. ويفسر بعض الباحثين هذا الفصل بأنه تعبير رمزي آخر عن حالة النفس لدى إنسان القرن العشرين الذي فقدت روحه جذورها وهو مهدد بالتفكك. لكن التكرار الذي به يظهر المربع والدائرة ينبغي ألا يهمل، ويبدو أن ثمة حث نفسي مستمر لايصال المعاني الاساسية التي يرمزان اليها الى الوعي (25). ومن المعاني الأساسية للحياة والوجود التي يرمزان اليها في فننا الحديث ولدى فناننا الكبير الرائد جواد سليم جدل العلاقة بين الرجل والمرأة (وكنا قد نبهنا في رسوم بعض الفخاريات على أن الذي يقوم بالدورة هو المرأة). ففي لوحة جواد سليم (أطفال يلعبون) (ذ) نجد أن فكرة الأمومة فيها قد عبر عنها بهيئة الهلال والدائرة، فالشكل الذي وجده مطابقاً لمعنى الأمومة، هو الشكل الدائري أو مجزوءه. (ر) ولقد استندت رؤية جواد سليم الفنية الى ضرورة استثمار الشكل الهندسي سواء في مجال النحت أو الرسم كرسم أو نحت للدائرة ومجزوئها وللمربع، واتخاذهما أساساً للتعبير والرمز. ومن الممكن للمتتبع أن يجد لاهتمامه بهذا الموضوع بداية نجدها في أعمال كثيرة رائدة منها اللوحة التي تمثل صورة شخصية لزوجته لورنا في العام 1948. فأرضيتها تعتمد على شكلين مربعين أساسيين، في حين يعتمد بل ينفرد الشكل الإنساني بنسق من المساحات الدائرية تغذيه استدارة الرأس والذراعين من جهة وخطوط الرداء واتجاه القدمين من جهة أخرى. ومن الأعمال الأخرى التي تعبر فيها الخطوط الدائرية عن معناها الأنثوي، لوحة (قرويتان) (ز)، إذ يتخذ من الهلال والدائرة فيها أساساً للرمز، فضلاً عن التورية ما بين أشكال الدلال أو أواني طبخ القهوة العربية وجسد المرأة المكتنز.
ومن أعماله المهمة التي تتضمن التوفيق ما بين الأشكال المربعة والدائرية (وهي من نتائج بلوغه الذروة في موضوع أطفال يلعبون) موضوع (كيد النساء)، وفيه نكتشف تحويراً رائعاً للرموز تمشياً مع مضمون العمل الفني، حيث يظهر الدولاب (رمز المسكن أو المرأة) وهو المكان الذي تسجن فيه المرأة اللعوب عشاقها كما تقول الحكاية المقتبسة في العمل الفني عن ألف ليلة وليلة، مرسوماً بوساطة المساحات المربعة (الرمز الذكري وليس الأنثوي) ولعله في ذلك يشير الى معنى آخر للمربع وهو الغياب أو الكمون، والسجن كمون وضد الظهور أو الخروج. ويظهر الرجال وهم الذين وقعوا تحت رحمة المرأة مرسومين بأشكال دائرية (والدائرة ومجزوئها كما أوضحنا رمز أنثوي وليس رمزاً ذكرياً) ولعله هنا أراد أن يشير الى هيمنة الكيان الدائري (المرأة) على الكيان الرجولي فتشكل بشكله. إن المتتبع لاهتمامات الفنان في بحثه لموضوع الأمومة بجميع تفاصيله يجد لديه حرصاً على التنسيق ما بين الأشكال الدائرية والمربعة. وتمثل لوحة (أطفال يلعبون) الذروة والانطلاق معاً في اكتشاف الفنان لمفتاح رؤيته في العام 1953، تلك اللوحة التي يمكن أن نعدها البديل لمنحوتته الرائعة (نصب الحرية). في هذه اللوحة تتداخل الأشكال الدائرية والمربعة بصورة متقنة ودقيقة غاية الدقة، نستطيع معها أن نشعر بفحوى التوازن المنقطع النظير ما بين الخطوط المستقيمة والمنحنية وما بين الأشكال الهندسية ذوات الزوايا أو الخالية من الزوايا، بحيث يعبر لنا هذا التوازن عن إحساس الفنان المرهف بأنتقائية لا تعكس ذوقه الشخصي حسب، بل موقفه الحضاري أيضاً. إن تداخل الأشكال يعلن لنا عن وعي مفعم بالعدالة والاتزان وينم على صميم (فلسفة) جواد سليم و(إيمانه) بمعنى تكامل الوجود. فلوحاته تعبر عن قيم منطقية وفكرية، فاستخدام جواد سليم استخدام فكري أو فلسفي، وهو استخدام ينطوي على ما أقدم عليه سلفه الفنان السومري، وهو يهتدي في حالة الشعور واللاشعور الى ازدواجية أو جدلية الشكلين المربع والدائري، والى تكامل الخطوط المستقيمة والمنحنية(26).
لقد أشار الفنان شاكر حسن آل سعيد الى أن العلاقة بين المربع أو النقطة والدائرة ترتبط بالفكر الديني قبل الاسلام وبعده. وأشار الى ارتباطها بالمتصوفة، واستخدم تعبير الكشف الكرامي أو الروحي أو الغيبي وسيلة في اتصال المعرفة بما تعنيه هذه العلاقة الجدلية. وعبر مرة بالتخاطر الاجتماعي وأنه وسيلة استمرار هذا النسغ الذي يجده يتخلل الفكر الانساني منذ عصر الفنان الرافديني القديم وحتى عصور متأخرة، بل وحتى العصر الحاضر لدى جواد سليم ولديه ولدى آخرين(27). فالفكر الرافديني القديم (السومري، الأكدي، الخ..) كان يدرك هذه المعرفة التي تعبر عنها الرموز قديماً، وكان يستخدمها وسيلة للأيصال، وهي تعبر عن حالة ذهنية هي مزيج من الانفعال الحسي والعقلاني، وعن عملية ارتباط فكري ما بين الطبيعة وما وراء الطبيعة.
ومن الظواهر الفنية الأخرى التي عبر بها الانسان عن وعيه بهذه الرموز فن العمارة ففي العمارة تشكل هذه الرموز التصميم الأساسي للأبنية المقدسة والدنيوية في كل الحضارات تقريباﹰ-;---;--. وهي تدخل في تخطيط المدن الكلاسيكي والقروسطي وحتى الحديث. ويظهر المثل الكلاسيكي في وصف بلوتارخ لأنشاء روما. فاستناداﹰ-;---;-- الى بلوتارخ أرسل رومولوس في طلب البنائين من ايتروريا فأخبروا بالأعراف المقدسة والقواعد المكتوبة لجميع الشعائر التي ينبغي العمل بها بالطريقة نفسها (كما في الأسرار). حفروا اولاﹰ-;---;--حفرة مستديرة حيث تنتصب الآن قاعة الاجتماع . وفي هذه الحفرة ألقوا بقرابين رمزية من فاكهة الأرض. وقد أعطيت الحفرة اسم موندوس وهو اسم كان يعني الكون كذلك. ورسم رومولوس حول الحفرة حدود المدينة في دائرة بوساطة محراث يجره ثور وبقرة .فكانت المدينة التي أسست على وفق هذه الشعيرة الجليلة دائرية الشكل, ولكن الوصف القديم والمعروف لروما هو (المدينة المربعة). ونفهم من إحدى النظريات التي حاولت تسوية هذا التعارض أن المدينة المدورة كانت مقسومة الى أربعة اجزاء بطريقين رئيسين يمضيان من الشمال الى الجنوب ومن الغرب الى الشرق. وكانت نقطة التقاطع تتطابق مع الموندوس الذي ذكره بلوتارخ. واستناداﹰ-;---;-- الى نظرية أخرى فأن التعارض لايمكن أن يفهم الا بوصفه رمزاﹰ-;---;--(تربيع الدائرة) وهو الرمز الذي شغل اليونانيين كثيرا. إن بلوتارخ قبل ان يصف شعيرة الدائرة في تأسيس رومولوس للمدينة تكلم أيضاﹰ-;---;-- على روما بكونها مدينة مربعة. فبالنسبة له كانت روما مدورة ومربعة معاﹰ-;---;--. ولقد كانت أكثر من مظهر خارجي، إنها بتصميمها الأساسي المندالي وبسكانها قد رفعت فوق العالم الدنيوي المحض. ويؤكد هذا حقيقة أن للمدينة مركزاﹰ-;---;--(موندوس) أسس علاقة المدينة مع العالم الآخر (مقام أرواح السلف). كان الموندوس مغطى بحجر كبير يدعى بـ(حجر الروح) وهذا الحجر يزاح في أيام محددة وبعدها ـ كما قيل ـ تصعد أرواح الموتى من الحفرة .
ولقد أقيم عدد من المدن القروسطية على هذا التصميم الأساسي وأحيطت بجدار دائري تقريباﹰ-;---;--. وفي مدن كهذه كما في روما كان ثمة طريقان رئيسان يقسمانها الى (أرباع) ويقودان الى أربعة أبواب. وكانت الكنيسة تقوم على نقطة تقاطع هذين الطريقين. لقد جاء إلهام المدينة القروسطية بأرباعها من القدس السماوية( في رؤيا يوحنا) التي كان لها تصميم أساسي مربع وجدران باثني عشر باباﹰ-;---;--. لكن القدس ليس لها معبد في مركزها لأن حضور الله المباشر هو مركزها.(28)
وكما في تخطيط روما وغيرها من المدن القديمة في أوربا وغيرها من مناطق العالم، كان التصميم الذي يستلهم رمز المربع والدائرة مؤثراﹰ-;---;-- في تاريخ العمارة الاسلامية والعربية. ويتضح هذان في تخطيط مدينة بغداد المدورة حول المركز المربع (س), فلقد اكد في هندستها هذان الشكلان، فلها أربعة أبواب، وقسمت على أربعة أرباض. وقسم الربض على أربعة أرباع، وهكذا .. وقد يكون الذين أشرفوا على تخطيطها وهندستها قد استوحوا هيئة الكعبة المشرفة او استندوا الى أفكار دينية. ويقال إن من هؤلاء حفاظ القرآن الكريم وبحضور المنجمين (29).
لم يكن التصميم الأساسي المندالي سواء في التأسيسيات الكلاسيكية أم البدائية يملى لاعتبارات جمالية او اقتصادية فقط، إنما كان تحويلا للمدينة الى مكان مقدس يرتبط بمركزه مع العالم الآخر. وهذا التحويل يتفق مع المشاعر والحاجات الأساسية للانسان المتدين. ويجد علماء النفس تلامذه يونج أن هذا التصميم في كل بناية مقدسة أو دنيوية إنما هو اسقاط لصورة نمطية عليا من داخل اللاوعي الانساني على العالم الخارجي فتصبح المدينة والحصن والمعبد رموزاﹰ-;---;-- ذات كلية نفسية. وبهذا تمارس ثأثيرا خاصاﹰ-;---;-- على الكائن البشري الذي يدخلها أو يعيش فيها. إن اسقاط المحتوى النفسي عملية لا واعية في فن المعمار كما يبين يونج، فأمور كهذه تنمو من الأعماق المنسية، وتعبرعن الاستبصارات الأعمق للوعي والحدوس الأسمى للروح. وهكذا (تملغم) فرادة الوعي في الوقت الراهن بالتاريخ الغابر للانسانية.
إن المندالا ليست الرمز المركزي في الفن المسيحي، بل الصليب أو المصلوب . والى حد العهود الكارولنجية كان الصليب المتساوي الأضلاع أو الإغريقي هو الشكل المعتاد(ش). ولهذا كانت المندالا متضمنة فيه بشكل غير مباشر. ولكن مع مضي الزمن تحرك المركز الى أعلى الى أن اتخذ الصليب الشكل اللاتيني بالوتد والعارضة المتقاطعة، وهو المألوف اليوم. هذا التطور مهم لأنه ينسجم مع التطور الداخلي للمسيحية حتى ذروة القرون الوسطى. لقد كان يرمز الى الميل لنقل مركز الانسان وإيمانه من الأرض ولتصعيده الى العالم الروحي . وهذا الميل ناشئ عن الرغبة في وضع مقولة المسيح موضع التطبيق: ”مملكتي ليست من هذا العالم“ . لهذا السبب كانت الحياة الدنيوية والعالم والجسد قوى ينبغي قهرها. لقد وجهت آمال الانسان القروسطي بهذا الشكل الى الآخرة, لأن وعد الانجاز كان يومئ من الفردوس وحدها. ولقد وصلت هذه المحاولة الى ذروتها في القرون الوسطى وفي الصوفية القروسطية. لقد وجدت آمال الآخرة تعبيرا لها ليس في تصعيد مركز الصليب حسب, إنما في العلو المتزايد للكاتدرائيات الغوطية التي يبدو أنها تضع قوانين الجاذبية موضع تحد.
ومع بدء النهضة بدأ تغيير ثوري يطرأ على مفهوم الإنسان عن العالم . إن الحركة الى أعلى التي وصلت ذروتها في القرون الوسطى المتأخرة مضت الى العكس , لقد ألتفت الانسان الى الأرض وأعاد اكتشاف جمال الطبيعة والجسد وتزايد حجب الشعور الديني واللاعقلانية والصوفية بانتصارات الفكر المنطقي وأصبح الفن اكثر واقعية وحسية وانفلت من عقال المواضيع الدينية وتقبل كل العالم المرئي(30).
رمز (المربع والدائرة) في فكر المتصوفة وأدبهم:
ليست التجربة الصوفية في إطار اللغة العربية، مجرد تجربة في النظر، وإنما هي أيضاً، وربما قبل ذلك تجربة في الكتابة، إنها نظرة أفصح عنها الشعر وزناً ونثراً، فضلاً عن لغة البحث النظري والشرح. فهي حركة إبداعية وسعت حدود الشعر مضيفة الى أشكاله الوزنية، أشكالاً أخرى نثرية، نجد فيها ما يشبه الشكل الذي اصطلح على تسميته في النقد الشعري الحديث، بـ"قصيدة النثر". وبدءاً من هذه الكتابة كان ينبغي أن يتغير مفهوم الشعر داخل النقد العربي، وأن يؤسس لمنظور جديد في تحديد الشعر وفهمه، لكن هذا لم يحدث. وكان على الكتابة الصوفية أن تنتظر أكثر من عشرة قرون لكي تجد قلة، ما تزال نادرة، تكافح من أجل قراءتها وفهمها بشكل جديد.
وإنها لمفارقة أن تلجأ الصوفية بوصفها تجربة في البحث عن المطلق،
لكي تعبر عن أعمق ما فيها، الى الشعر، وهو المقصى تقليدياً عن مقاربة المطلق ومعرفته. أليس في ذلك ما يدل على رفضها طرق التعبير الديني ـ الشرعي، التي ترفض الشعر وتضع حداً فاصلاً نقيضاً بينه وبين الدين خصوصاً على الصعيد المعرفي؟.. لقد رأت الصوفية في الكتابة الشعرية الوسيلة الأولى للافصاح عن أسرارها، ورأت في اللغة الشعرية وسيلة أولى للمعرفة. وفي هذا نرى استمراراً لما قبل الاسلام والوحي، واستعادة للعلاقة الوثيقة بين الشعر والغيب. لقد استخدم الصوفيون في كلامهم على الله والوجود الإنساني، الفن: الشكل، الأسلوب، الرمز، المجاز، الصورة، الوزن، القافية. والفن لا يفصح عن المطلق كما يفصح عنه الفكر الديني، الذي هو مرحلة تتقدم على الفن وتتجاوزه في مستوى التعبير والافصاح، كما يبين هيجل. أي إن الصوفيين اتخذوا وسيلة أكثر تعمية في التعبير، لأنهم يقصدون التعمية ولا يقصدون الافصاح. وهم يعمدون الى ما هو أكثر تعمية حتى في نطاق التعبير الفني، فهم يعبرون بلغة الغموض لا الوضوح. ولذلك كانت لغتهم مستعصية على القارئ الذي يدخل اليها معتمداً على ظاهرها اللفظي. بعبارة ثانية يتعذر الوصول الى عالم التجربة الصوفية عن طريق عبارتها، فالإشارة لا العبارة هي المدخل الرئيس. وإن شعرية اللغة الصوفية تتمثل في أن كل شيء يبدو رمزاً.. كل شيء فيها هو ذاته وشيء آخر. الحبيبة مثلاً هي نفسها وهي الوردة، او الخمرة أو الماء او الله، إنها صور الكون وتجلياته. ويمكن أن يقال الشيء نفسه عن السماء أو الأرض. فالأشياء في الرؤية الصوفية متماهية متباينة، مؤتلفة مختلفة، وهي في ذلك تتناقض مع اللغة الدينية ـ الشرعية حيث الشيء هو ذاته لا غير. بهذه اللغة تخلق التجربة الصوفية عالماً داخل العالم، تتكون فيه مخلوقاتها، تولد وتنمو، تذهب وتجيء، تخمد وتلتهب. وفي هذا العالم تتعانق الأزمنة في حاضر حي. إن اللغة الشعرية الصوفية تناقض اللغة الدينية ـ الشرعية من حيث أن هذه تقول الأشياء، كما هي، بشكل كامل ونهائي، بينما اللغة الصوفية لا تقول الا صوراً منها، ذلك أنها تجليات المطلق، تجليات لما لا يقال، ولما لا يوصف ولما تتعذر الإحاطة به. فما لا ينتهي لا يعبر عنه إلا ما لا ينتهي، والكلام منته، والمتكلم هو كذلك منته. ستظل قدرة الكلام، إذن إشارية، رمزية، وسوف يظل القول الصوفي شأن القول الشعري مجازاً، ولن يكون حقيقة كمثل القول الديني الشرعي. وهي لغة تختلف عن اللغة الدينية الشرعية من حيث أن هذه في جوهرها لغة إفهام وتوصيل، بينما الاولى هي في جوهرها لغة حب، والحب هو كذلك لا يقال بل يعاش. تقال صور منه، لكنه في ذاته كمثل المطلق، عصي على القول، ذلك أنه خارج طور او حدود العقل والمنطق، أي خارج حدود الكلام، وليس الشعر إلا محاولة الإنسان أن يقول ـ مجازاً ورمزاً ـ ما لا يقال. وهو بوصفه كذلك لا يحده العقل أو المنطق. لا يمكن للقصيدة إن كانت شعراً حقاً أن تندرج في إطار المعقولية المنطقية. فالقصيدة كمثل الشيء الذي تقوله، لا تفهم ولا تشرح بشكل يستنفدها نهائياً. ما يفهم منها يضيئها ولا يستنفد ما تنطوي عليه. هكذا يجد كل قارئ في القصيدة الواحدة قصيدته الخاصة، وهذا هو الشأن في الكتابة الصوفية. لكن لماذا يحاول الانسان أن يقول ما يعرف أنه لا يقال؟.. ربما لأن الانسان يظل في توق الـى ما يجهله.. ربما لكي يخلق تطابقاً أو تماهياً بينه وبين المطلق، ولكي يشعر أنه يعيش في كون لا ينتهي، وأنه كمثل الكون لا ينتهي، ربما لكي يقول ليس هناك اثنان بل واحد. ومن هنا، وفي هذا بالضبط، تختلف اللغة الصوفية عن اللغة الدينية الشرعية، في أن الأولى تصدر عن تجربة يعيشها المتصوف بوصفها محاولة لتحقيق ذلك التماهي مع المطلق بينما تصدر الثانية عن تجربة في الوصف والتشريع تؤكد الانفصال والبعد الكاملين عن المطلق.
اللغة الصوفية تحاول التماهي مع المطلق، وهي في ذلك ليست وصفاً، بل هي ضوء يخترق ويكشف، إنها اتجاه نحو المجهول، وبهذا المعنى تولد صدمة، وتستدعي حساسية جديدة. وهذا يقودنا الى أن ندرك كيف أن الشعر في التجربة الصوفية، لم يعد أدباً بالمعنى المصطلح عليه، وإنما أصبح تساؤلاً حول جوهر الانسان والوجود ورغبة في تغيير صورة العالم. ونحن إذ نتناول الأدب الصوفي فإن أهميته لا تكمن بالنسبة الى البحث في قيمته الابداعية، بل بقيمته الاعتقادية وبرؤيته الفلسفية، وفي الطريقة المعرفية التي شكلها أو نهجها للتعبير عن هذه المعرفة أو الاعتقاد. إنها تكمن في الحقل المعرفي الذي أسست له التجربة الصوفية، وفي الأصول التي تولدت عنه، وهي أصول خاصة ومختلفة للبحث والكشف. لقد أعادت قراءة التراث الديني، وأعطته دلالات أخرى وأبعاداً أخرى تتيح نظرة جديدة الى اللغة، لا اللغة الدينية وحدها، بل اللغة بوصفها أداة كشف وتعبير. لقد تجاوزت الصوفية تراث (القوانين)، لكي تقيم تراث (الأسرار)(31).
في بحثنا هذا نتجاوز الحديث عن الأبعاد الإبداعية للغة الأدب الصوفي، لنكشف عن (الأسرار) المعرفية التي حاول الكشف عنها أو التماهي معها ليجليها في اللغة. فبحثنا محاولة للتماهي مع المجهول ـ وعبر رمز المربع والدائرة، او النقطة والدائرة ـ الذي حاول من خلاله المتصوفة رفع حجب الغيب، وإسدال هذه الحجب في الوقت نفسه، الا عن الخاصة الراسخة في العلم الإلهي، نحن نحاول أن نرفع الحجب لكي نتيح لمعرفة عامة نطل منها على ما أطل عليه المتصوفة من عوالم الغيب.
يعبر هذا الرمز كما قلنا عن رؤية وعن فلسفة ترتبط ـ فيما ترتبط ـ بالفكر الديني، أي انها الفلسفة الدينية للكون كما أوحت بها النبوات منذ القديم وعلى امتداد تاريخها وتاريخ الانسان. والفكر الصوفي الذي ارتبط هذا الرمز به ـ وكما الفكر الفلسفي الاسلامي متمثلاً بفرق وعقائد اسلامية أخرى ـ يعبر عن فلسفة دينية هي محاولة لاستخلاص المعرفة من الدين. فالمتصوفة لا يستمدون من معرفة وجدانية فقط يكشفون بها الحجب الغيبية فيعرفون، وإنما هي معارف عقلية ودينية توحي بها الأديان. فلقد عبر الدين برمز المربع والدائرة متمثلاً بالكعبة المشرفة، لكن المتصوفة ينفذون من هذه المعرفة الى الباطن، يتجاوزون الظاهر الى الكامن، يعيشون هناك في الخفاء، ثم يتجلون الى عالم الظهور، ليجلّوا عن معرفة تمزج الظاهر بالباطن أو تمتحن الظاهر بالباطن، معرفة ربوبية لا تتاح الا لفئة خاصة من المتفكرين الراسخين في العلم:

علم التصوف علم لا نفادله
علم سني سماوي ربوبي

فيه الفوائد للألباب يعرفها
أهل الجزالة والصنع الخصوصي(32)

فالمعرفة التي يمتلكها المتصوفة معرفة دينية ربوبية، أخذوها مما نزل به الوحي على الأنبياء ونفذوا منها الى بواطنها وتفكروا فيها، فعبروا عنها بتراثهم الفكري وبأدبهم، كما عبر عنها الفنان الرافديني القديم مستلهماً النبوات القديمة من بعض ما استلهم.
والذي نلاحظه أن هذه الرموز تتصل بالأعداد. وقد احتفت المعرفة الدينية بعلم الحروف والأعداد، وهذا نجده لدى المتصوفة وكذلك لدى غير المتصوفة من الفرق والمذاهب التي تصدر عن المعرفة الدينية. فقد كان للعدد في علومهم منزلة مهمة كما كان له ذلك في الفلسفة اليونانية(33). وتمثل هذا الاهتمام بعلم الحروف (الجفر). وممن اهتم بالأعداد أخوان الصفا . وقد نظروا في طبيعة العدد، فوجدوا أن لكل عدد خاصة ليست لغيره. ثم وجدوا أن كل نوع من الموجودات قد اقتصر على عدد مخصوص. ولما بحثوا طبيعة هذا وجدوا تطابقاً بين الطرفين، ولهذا قالوا إن الموجودات بحسب طبيعة العدد، ومن عرف ذلك ظهر له اتفاق الحكمة في كون الموجودات على أعداد مخصوصة(34)، فهناك تماثل بين الأعداد ومخلوقات الكون: ((ما من عدد من الأعداد الا وقد خلق الباري جل ثناؤه جنساً من الموجودات مطابقاً لذلك العدد قل أو كثر))(35) وقد كانوا يربطون أو يوازنون بين الأعداد والأفلاك: ((وكون الكواكب السيارة سبعة مطابق لأول عدد كامل))(36) ويرون أن الحكماء السابقين رتبوا الأعداد آحاداً وعشرات ومئات وألوفاً لتكون مراتب الأمور الطبيعية مطابقة للأمور الروحانية، فأيام العمر فصول أربعة: الصبا والشباب والكهولة والشيخوخة. ومراتب الأعداد الأربع هي: آحاد وعشرات ومئات وألوف. ويذهبون الى أن في معرفة العدد معرفة وحدانية الله تعالى، ذلك أن علم العدد مركوز في النفس بالقوة. وقد ذكروا العدد مقترناً بالفيض لأن العدد فيض كما يقولون. وبينوا مراتب الفيض مقترناً كل منها بعدد معين. فالأول كالاثنين، والنفس كالثلاثة، والهيولى كالأربعة، والطبيعة كالخمسة، والجسم كالستة، والفلك كالسبعة، والأركان كالثمانية، والمتولدات كالتسعة. وهناك أشياء ثنائية وأخرى ثلاثية وغير ذلك. وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، فليس من الصواب أن تكون كلها ثنائية أو ثلاثية. ولكن اخوان الصفا لم يوضحوا تأثير الحروف في الكون مثلما نجده لدى الحروفيين وغلاة المتصوفة. وكانت هنالك جماعات تهتم بعدد دون غيره كالمسبعة الذين أوقفوا حياتهم على التعمق في الكشف عن الأشياء السباعية فلما تبين لهم منها أشياء عجيبة شغفوا بها وأغفلوا سواها من الأعداد. وهنالك الطبيعيون الذين أطنبوا في بحث الطبائع الأربعة وكل مربعات الأمور. ومثل هؤلاء الخرمية في المخمسات والهنود في المتسعات(37).
لقد اهتم الفكر الاسلامي بالعدد، وكان العدد يشير الى أفكار فلسفية للكون والأشياء ويصدر عن معرفة دينية. ونحن نريد أن نعرف ما تعنيه الأعداد التي ارتبطت بها الرموز التي نكتب عنها. لكي نعرف ما ترمز اليه النقطة وما يرمز اليه المربع الذي اقترن بالرقم (4)، وما ترمز اليه الدائرة التي اقترنت بالرقم(7) في فكر المتصوفة وغيرهم. نريد أن نعرف ما هي الأفكار التي عبرت عنها هذه الأرقام والرموز التي ارتبطت بها، لنتبيّن هذه الرموز الفنية معرفياً، نعرف المعرفة الكامنة وراء هذه الرموز التي عبر بها الفن والأدب(38). وسنجد أن العلاقة بين ثنائية المربع والدائرة تنضوي تحتها أو تتصل بها كل العلاقات بين الثنائيات العامة التي سبق أن تحدثنا وبحثنا عنها في هذه العلاقات والمبادئ أو القوانين الجدلية التي تتصل بها. فنحن إذن نريد تأكيد تلك الأفكار من خلال علاقة جدلية أخرى، عامة، مطلقة، ارتبطت بالفكر الديني وعبرت عنه، ونخص منه فكر المتصوفة. فلقد عبر شعر المتصوفة ونثرهم من خلال هذه الرموز، وطالعتنا من خلال أدبهم وارتبطت بفلسفتهم العامة. ونريد أن ننوه قبل هذا بأننا أشرنا الى أن المربع قد عبروا عنه من خلال النقطة، وأنها قد تبدل في رسمها على الحروف بشكل المربع أو المعين. فما دلالة المربع أو النقطة في الفكر الصوفي أو الاسلامي؟..
قيل عن العدد(4) بأنه سيني، والسين يشير الى الروح القدس، الى جانب الروح(39). فالعدد(4) يرتبط بعالم الأرواح وما وراء الطبيعة: ((الأربعة هي الألهيات التي ظهر عنها عالم الأرواح الخارج عن الطبيعة))(40). وعلى أساس عالم الأرواح يقام عالم الموجودات، ولهذا فسر على أساس الرقم(4) قيومية الأشياء(41). فالتربيع أو الرقم (4) مخصص للوجود في فكر ابن عربي، وان الوجود يقوم على التربيع، وعليه يقوم كيان المخلوق(42): (( فأقام الوجود على التربيع وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، فإنه الأول والآخر والظاهر والباطن))(43). وهنا نربط بين معنى المربع والدائرة في الفكر الصوفي وبعض دلالاتها في القرآن الكريم والفكر الاسلامي، فإذا كان الرقم يمثل روح الموجودات فإن الرقم (4) يمثل روح الوجود، فابن عربي يقول انه تعالى أقام الوجود على التربيع وجعله لنفسه كالبيت القائم على أربعة أركان، ونحن نعرف أن بيت الله وهو الكعبة المشرفة أقيمت على أربعة أركان فكانت مربعة الشكل أو مكعبة (ص). والله هو (الباطن) كما وصف نفسه، فهي بيت الله الذي هو الباطن. وحول مركز هذا البيت (المستقر)، هناك حركة (دائرية) وعددها سبعة.ولقد شخصوا الكعبة بشخص الانسان الكامل الذي عبروا عنه بأنه النقطة والمربع والدائرة(44).
وقد أكد الحلاج على مسألة كون اسم الجلالة من أربعة أحرف، وهو يشقّق لفظ الجلالة ويفصل القول على كل حرف فيه على عادة الصوفية:

أحرف أربع بها هام قلبي
وتلاشت بها همومي وفكري

ألف تألف الخلائق بالصنـ
ـع ولام على الملامة تجري

ثم لام زيادة في المعاني
ثم هاء بها أهيم وأدري(45)

ومن أسرار الرقم (4) في القرآن الكريم، مما يؤكد ارتباطه بالوجود الباطن أو الكامن، أن النبي ابراهيم عليه السلام عندما سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، أمره الله أن يأخذ أربعة من الطير، ويصنع بهن كما أمره بإماتتها ووضع كل جزء منها على جبل ثم دعوتها وإحياء الله لها (سورة البقرة، الآية260). فالموت اقترن بالرقم(4). وهو كذلك في عقائد بعض الشعوب، والموت هو وجود كامن يختفي فيه وجودنا الظاهر. ويحتفظ هذا الرقم في الأحلام في بعض دلالاته بما ذكرنا من معنى الموت الذي هو ذهاب الى عالم الأرواح، عالم الكمون وعدم الظهور. ومن ارتباط الموت بالرقم(4) في القرآن الكريم أن الله تعالى أنزل الموت بثمود في اليوم الرابع بعد توعد نبيهم صالح لهم بأن يتمتعوا ثلاثة ايام فقط، وفي اليوم الرابع أنزل عليهم الموت فأصبحوا في ديارهم جاثمين ـ سورة هود، الآية65ـ. وأنزل سبحانه الموت على عاد بعد تكذيبهم نبيهم في (يوم نحس مستمر) ـ سورة القمر، الآية19ـ وهذا اليوم تفسره بعض التفاسير بأنه يوم الأربعاء. ومن ارتباط الموت بالرقم (4) كذلك يقال إن الأمام علي عليه السلام ـ والذي تأثرت به ظاهرة التصوف ـ قال لمن معه قبل موته أن يحفروا له أربعة قبور في أربعة مواضع. ولقد أصبح قبره أكبر مقبرة في العالم، أي اكبر تجمع للوجود الكامن في العالم، والوجود الكامن يقترن بالرقم(4) كما قلنا. والغريب في قصة هذا الأمام العظيم أنه ولد في الكعبة المربعة، ومدة حكمه تتصل بالرقم(4) وهو الابن الرابع من أربعة أبناء لأبي طالب، واسمه يتكون من أربعة حروف، ولربما أدرك من كتب اسمه بالكوفي المربع هذه العلاقة بين اسمه أو حقيقته التكوينية وبين نوع الخط (ض). وإذا كان الرقم(4) يعني الوجود الباطن، فإن الإمام علي(ع) يقول في خطبة (البيان): (أنا باطن الصور(46)).ومن اقترانه كذلك بالرقم(4) أن السماء الرابعة سماها الله مكاناً علياً(47)، وقالوا عنها كذلك: ((السماء الرابعة وهي قلب العالم وقلب السموات.. وأسكن(الله) فيها قطب الأرواح الانسانية، وهو ادريس عليه السلام))(48)، وقد قال تعالى عنه: ((ورفعناه مكاناً علياً)) ـ سورة مريم، الآية57ـ وقالوا إن في السماء الرابعة ملك جالس على كرسي هو مغناطيس الأرواح وجامعها بعد انبثاثها في الصور(49) وإن ((ساق العرش الرابعة عند جنة المأوى))(50). ومن هذا الارتباط لهذا الرقم بالوجود الكامن أو بالموت، أن القبور تتخذ في الواقع والرمز الشكل المربع (ط) ونحن نعرف أن الاهرامات وهي قبور الفراعنة تتصل هندستها به، فقاعدة الهرم مربعة وله أربعة أوجه. وكانوا يعتقدون بحياة أخرى، فالموت في عرفهم حياة كامنة أو وجود كامن. وللمربع الذي يرمز الى الوجود الكامن علاقة بالدائرة التي ترمز الى الظهور أو البعث والتي تمثلها الشمس التي كانوا يعبدونها، ولهندسة الاهرامات علاقة بالشمس.
وهناك علاقة بين الرقم(4) والإنسان الكامل في الفكر الاسلامي وهو الذي يظل مغيباً أو كامناً حتى نهاية الزمان، فقد قسم صدر الدين القونوي الوجود الى أربعين مرتبة، والأخيرة هي مرتبة الانسان الكامل(51) الذي وصفوه بصفات الوجود الروحي أو الوجود الكامن، فهو(الهيولى) و(أصل الجوهر الفرد) و(المادة الأولى) و(الروح الكلي) و(روح العالم) و(العقل الأول) و(الإنسان الأزلي) و(عين الجمع والوجود) و(الحقيقة الكلية) و(نور محمد)(52).
والمربع تقابله النقطة ـ كما ذكرنا ـ وتعبر عن الأفكار التي عبر عنها، وقد ذكروا أن من جاوز مداها حاز مطلق العلم(53):

بين التذلل والتدلل نقطة
فيها يتيه العالم النحرير

هي نقطة الأكوان إن جاوزتها
كنت الحكيم وعلمك الاكسير

يادرة بيضاء لاهويتة
قد ركبت صدفاً من الناسوت

جهل البسيطة قدرها لشقائهم
وتنافسوا في الدر والياقوت(54)


فهي الحقيقة ووسط الدائرة: ((والدائرة ما لها باب، والنقطة التي في وسط الدائرة هي الحقيقة. ومعنى الحقيقة شيء لا تغيب عنه الظواهر والبواطن ولا تقبل الأشكال. فإن أردت فهم ما أشرت اليك(فخذ أربعة من الطير فصرهن اليك) لأن الحق لا يطير))(55).
فهي الحقيقة، وهي لا تقبل الأشكال، أي انها جوهر، وقد ارتبط حديث الحلاج عنها بالحديث عن (أربعة من الطير). ولأنها جوهر، فإن الكل مندرج فيها(56)، فلقد ذهب المتصوفة الى أن جميع أرواح البشر مجتمعة في الوجود الكامن وأنها تخرج على مراحل الى عالم الظهور. ولأنها كذلك فهي لا تفنى ولا تتغير: ((وأدق من ذلك ذكر النقطة، وهو الأصل، لا يزيد ولا ينقص ولا يبيد))(57) وهي المركز وينبوع النور وغاية الأشياء، وأصل الأصول الداعي كل شيء بعوده الى أصله، وعين القطب وسر التجلي: ((ثم كشف لي عن مركز نقطة الفيض لمدد الحافين، فرأيت ينبوعاً فياض النور ظاهراً من عين القطب الغوث. ثم قال لي: هذا أصل الأصول وغاية كل مأمول في الحس، هذا سر تجلي الاسم الظاهر الباطن، الأول والآخر..هذا العين الباصرة منه في الاشياء. الداعي كل شيء بعوده لأصله))(58). فالنقطة هي سر التجلي ومحل الفيض وبها ظهر الوجود(ظ). وقيل إن نقطة الباء تشير الى وجود العالم فبها ظهر الوجود، وإن الانسان الكامل هو النقطة تحت الباء ومحل الفيض(59). ويذكر للأمام علي(ع) قوله: (أنا نقطة باء باسم الله). وللشبلي قوله: أنا النقطة تحت باء الحرف(60). ونجد من المصطلحات التي ترادف مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي أنه (مركز الدائرة(61)) أي النقطة التي تحتل هذا المركز أو المربع.وانه انسان عين الوجود أي مركزها. ونعيد الى الأذهان صورة العين على فخاريات دور سامراء، ((إن ضرباً من وحدة الوجود العقلية الإسلامية قد انتهى في عهد متأخر الى تكوين تصور (للانسان الكامل) على أساس أنه انسان عين الوجود. وهذه العين هي النبي محمد (ص) هي النور النبوي الأزلي الذي يقال إن الله قال لها: (كوني! فلولاك ما خلقت السموات))(62) إن النقطة والمركز في فؤاد القطب المحمدي(63).
لقد عبر الشعر الصوفي عن كل هذه الأفكار، فالنقطة أو مركز الدائرة هي محل الوجود الكامن، قال الحلاج:

يا طالما غبنا عن أشباح النظر
بنقطة يحكي ضياؤها القمر(64)

وهي مدار الشيء وسر دورة الأفلاك وعلتها وقطبها، يقول ابن الفارض:

فبي دارت الأفلاك فأعجب لقطبها ألـ
محيط بها، والقطب مركز نقطة

ولا قطب قبلي عن ثلاث خلفته
وقطبية الأوتاد عن بدلية

فلا تعد خطي المستقيم فإن في الـ
زوايا خبايا، فانتهز خير فرصة(65)

ويلاحظ أن الشاعر يدعي لنفسه كونه القطب الرابع عن ثلاث خلفها. والأوتاد المذكورة في البيت هي المنازل الرئيسة بين الاثنتي عشرة منزلة من منطقة البروج(66).
ولعظم مكانة النقطة، ولنقطة الباء خاصة يبين ابن الفارض أن (الخفضة منها) (ترفع) الى ما لا ينال بجهد:

ولو كنت بي من نقطة (الباء) خفضة رفعت الى ما لم تنله بحيلة(67)

وحول هذا المربع أو النقطة هنـاك دائـرة، ولقـد احتفـت الصوفية
((بالدائرة من بين الأشكال المختلفة لما تتضمنه في زعمهم من كمال وتمام يظهره ما فيها من عود على بدء. وقد ذكر ابن عربي شيئاً عن الشكل الدوري في كتاب(التدبيرات الإلهية ) وأشار اليه في الفتوحات في حديثه عن اختلاف الشرائع لاختلاف النسب الإلهية، واختلاف النسب الالهية لاختلاف الأحوال.. فعاد الى ما بدأ منه بدءاً مبرراً تطابق البداية والنهاية بأن كل جزء من الأمر الدوري يقبل بالفرض الأولية والآخرية وما بينهما، ولا يبعد أن يكون الغنوص الصوفي قد تأثر في ذلك بتصورات هرمسية قديمة موروثة، كان للدائرة فيها هذه الدلالة التي رمز اليها بالحية التي تعض على ذنبها(68)(ع).
ولقد قلنا إن المرأة تمثل في رموز الفن والأدب وفي الفكر القديم، الدائرة. ولعل تشبيه المرأة بالضلع في الفكر الإسلامي الذي يستمد منه المتصوفة ما يشير الى فكرة الدائرة. وهي تمثل كذلك العرض من الجوهر الذي يمثله الرجل. واذا كانت المرأة هي عرض الرجل، واذا كانت هي التي تظهره وإن بها ظهوره، كما يقول ابن الفارض:
ظهوري، وقد أخفيت حالي منشداً
بها، طرباً، والحال غير خفية(69)

واذا كان بالعشق الأنساني، العشق بين الرجل والمرأة، ظهور العدم(70)، الانسان، فإن غاية الصراع بينهما أو التفاعل الناتج عن اختلافهما في الجنس هي أن ينطبق العرض على جوهره تماماً، وأن يتجلى الجوهر من خلال عرضه تماماً، وأن يتحد به، لذا صور شعر المتصوفة معاناة الشاعر بأنها رغبته بالاتحاد بالمرأة التي يحب، واتحاده بها يحقق له العودة الى بدايته، أي ان بالمرأة تلتحق الانسانية وتكتمل الدورة، يقول أبن الفارض:

ولا تدعني فيها بنعت مقرب،
أراه بحكم الجمع فرق جريرة

فوصلي قطعي، واقترابي تباعدي
وودي صدّي، وانتهائي بداءتي

……..
ومن أنا إياها الى حيث لا الي
عرجت، وعطرت الوجود برجعتي

ومن أنا إياي لباطن حكمة،
وظاهر أحكام أقيمت لدعوتي

فغاية مجذوبي اليها ومنتهى
مراديه ما أسلفته، قبل توبتي(71)

إن الدائرة تقترن في الفكر الصوفي بالوجود الظاهر: ((ثم كشف لي عن مرتبة الاسم (الظاهر) فرأيت عالم الشهادة ودوائر الظهور في الأجناس والأنواع))(72) والمرأة التي ترتبط بالدائرة وتمثل الوجود الظاهر، تمثل الحركة، لأن بوجودها وجد التناقض (الرجل والمرأة)، والتناقض حركة، لذا كانت هي التي تقوم بالحركة على محيط الدائرة. ولهذا أيضاً اقترنت حواء بمعنى الحياة، فالمرأة تعبر عن الحركة التي هي الحياة، وحواء في اللغة تعني الحياة، أي إن انبثاق الحياة كان مقترناً بوجودها، انطلاق الحركة كان مقترناً بها، ولذا اقترن بها رمز الحركة أي الدورة أو الدائرة. ونجد من الرموز التاريخية أو الاسطورية للمرأة (ايزيس) التي تمثل في الديانة المصرية القديمة الإلهة الكبرى والرمز القدسي الذي يثير انطباعات وايحاءات ارتبطت بتعاقب الفصول والحركة الدورية للأفلاك، وقد أحبــت ايزيس الحياة وأشاعت فيها روح الخصوبة والنماء(73).
وقد ارتبطت الدائرة بالرقم(7)(74)، فهذه الدورة حول النقطة أو المربع عددها سبع دورات. وهنا يتضح معنى ربط الصوفية بين هذا الرقم والحركة الدائرة. وقد مر بنا حديث أخوان الصفا وهم يذكرون مراتب الفيض التي يقترن كل منها بعدد، فقد ذكروا أن الفلك كالسبعة والهيولى الأولى كالأربعة. والهيولى الأولى لديهم هي ((شيء روحاني وهو جوهر بسيط معقول، وهو صورة الوجود حسب، ولما قبل الكمية صار جسماً مطلقاً ذا أبعاد. فالهيولى الأولى مبدأ من المبادئ القديمة بحكم الفيض، وهي لا تدرك بالحس، وهي أيضاً أساس كل الكائنات، والاختلاف الذي نراه إنما هو في الصورة لا غير، ومن هنا كان العالم وحدة في الحقيقة. وبتأثير من النفس الكلية في الهيولى تنتج الصور المجردة، وهي النقوش والأشكال، وهي أمور بلا زمان ولا مكان. ويتفق معهم أبو بكر الرازي في أن الهيولى الأولى هي أساس الموجودات))(75). فالأربعة هي الهيولى الأولى التي هي جوهر أو شيء روحاني لا يدرك بالحس، والسبعة هي الفلك الدائر. ونحن لا ننسى أن في القصص الدينية أن ابراهيم عليه السلام أخذ هاجر أم اسماعيل الى المكان الذي أقيم فيه بيت الله(الرقم 4)، ونعرف أن هاجر ترددت في سبع حركات باحثة لابنها عن ماء حتى تفجر زمزم. فالرقم(7) اقترن بالحركة، وان التي قامت بهذه الحركة هي امرأة. ولقد ذكر ابن عربي مركز الدائرة بأنه جوهر والدائرة عرض. ففي(انشاء الدوائر) يرسم أمهات الوجود التي يسميها الجدول الهيولاني ويظهر عددها عشرة، وفي المركز يوجد الجوهر وهو ثابت وحوله دائرة تقترن بالوجود الظاهر، العرض(غ)، والجوهر هو الذي يظهره العرض. ونعرف أن الحكمة الألهية تقضي بالسماح للرجل بالزواج من أربعة، أي ان علاقة الرجل (الجوهر) والمرأة (العرض) جاءت من خلال الرقم (4)، فكأن في الرجل جوهراً يعادل أربع نساء(ظاهرات)، أي ان كل جوهر كامن يمثله الرجل يعادل أربع صور ظاهرة، ومن المناسب أن نشير هنا الى أن هناك في جسم الانسان من الظواهر البيولوجية ما يؤكد ارتباطها بهذه الرموز، التي ترتبط بالارقام (ف).
وقد ارتبطت فكرة الانسان الكامل في الفكر الصوفي بالدائرة، فإننا نجد من المصطلحات التي ترادف مفهوم الإنسان الكامل في الفكر الصوفي أنه: (فلك الحياة) و(الفلك المحيط(76)): ((إن الانسان الكامل هو محمد صلى الله عليه وسلم. أو بعبارة أخرى الحقيقة المحمدية، ولكن هذه الحقيقة قطب يدور في فلكه دائماً كل طالب للكمال، فلا يزال يدور، أي يتحقق بالصفات المحمدية ويدور.. وفي دورانه يصغر قطر الدائرة ويصغر، حتى يتلاشى القطر، ويتحقق الطالب بوحدته الذاتية مع مركز الدائرة، أي الحقيقة المحمدية. وهنا في تحققه يطلق عليه اسم من تحقق به، أي اسم الانسان الكامل. فعبارة الانسان الكامل هي لصاحبها، أي لمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصح أن نطلقها على المتحققين به الفانين، لأنهم أصبحوا عينه(الصفاتية)، فهي أصلاً لصاحبها الذي خلق انساناً كاملاً. وهي تحققاً لأكمل الرجال الذين جاهدوا في سلوك طريقها))(77). فالأنسان الكامل هو العرض الدائر الذي يحقق أو يعكس جوهر الحقيقية المحمدية الثابت في المركز.
من هنا نستنتج أن المربع والدائرة علاقة بين وجود كامن وعرض ظاهر، بين سكون وحركة، وبين رجل وامرأة. وهذا يلتقي مع ما استنتجه الاستاذ آل سعيد من تفسير لها في الفن القديم والحديث. ونستنتج من هذا أيضاً أن هذه الثنائيات التي تجتمع تحت رمزي المربع والدائرة تحكمها علاقة عامة أو قانون عام تعبر عنه هذه الرموز. ولكن ما مبادئ هذا القانون، وكيف تتفاعل أطراف هذه العلاقات من خلاله، وما تفصيلات ما يجري بينها؟(78). إن الجواب على هذا يتصل بفلسفة متكاملة في الفكر الصوفي، نحاول أن نتلمس تفاصيلها لننتهي الى الخلاصات النهائية التي عبرت عنها هذه الرموز.
إن العلاقة الجدلية بين الأطراف التي ذكرناها هي مظهر من مظاهر العلاقات الجدلية التي تعم الأشياء جميعاً، وإن العلاقة بين المربع والدائرة هي صورتها الأعم، كالعلاقة بين الوجود والعدم لدى هيجل التي عدّها المقولة الأعلى لكل المقولات التي تعبر عن هذه العلاقات الجدلية.
ولقد بيّن المتصوفة في تصورهم للوجود أنه ينطوي في صميمه على الإزدواجية. وبيّن ابن العربي في (العواصم والقواصم) من 1ـ2، ((أن الله خلق الخلق نوعين، وأبدع من كل زوجين اثنين..وفطر الآدمي فركب عليه وفيه الإزدواج ابتلاء)، أي ان تكوين الكائن البشري نفسه تكوين متناقض، ووجوده ذو صيرورة وصراع، إذ خلق الله فيه العقل والهوى، ووضعه على مسرح هذا الوجود الذي نصب له فيه الدلائل والشبه، والهدى والضلالة،
وعلمه البيان الذي يتأرجح بين منزلتي الحس أو العيان، والنظر أو الاستدلال، وكتب على ذلك الأنسان أن يعاني في صميم وجوده صراعاً بين العقل والهوى، ويكابد نزاعاً شاقاً بين الدليل والشبهة، بين الخير والشر، بين التوفيق والخذلان أو النجاح والأخفاق، وأن تتجاذبه خواطر ملائكية ووساوس شيطانية. ولكن الله مع ذلك كله نصب أمامه على كل طريق أعلاماً هادية وإرشادات دالة. فهناك نوع من الجدال أو الديالكتيك في الوجود. ويمكن القول بأن هذه النظرة الى طبيعة الوجود العام والوجود الخاص، أعني وجود الأنسان، نظرة قرآنية وميتافيزيقا اسلامية نجد الغزالي قد نفذ اليها بتأمله في القرآن. ويتبين لنا ذلك من تفسيره لقوله تعالى: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (الذاريات49). قال الغزالي: (فالمخلوقات كلها مفطورة على الإزدواج، لطيفها وكثيفها، معنويها ومحسوسها، ففي المركبات ازدواج، وفي البسائط ازدواج.وبين البسائط والمركبات ازدواج، وبين العقل والنفس ازدواج.) وفي القرآن آيات كثيرة تشير الى الازدواج في الكائنات، في النفس (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها) (النساء1). في الفواكه: (فيهما من كل فاكهة زوجان) (الرحمن52). في الكائنات التي حملها نوح في سفينته: (قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين) (هود40)، (فأسلك فيها من كل زوجين اثنين) (المؤمنون27). في الكائنات الحية: (فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى) (القيامة39)،(وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى)(النجم 45). في النبات: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض)(يس36). ويصف القرآن الله بأنه خالق الأزواج كلها: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) (الزخرف12)..))(79).
لقد بيّن الفكر الصوفي الذي يستقي من الفكر الديني أن الأزدواج أو التناقض يتخلل عالم الأشياء، وأن التناقض تبديه صور الأشياء، أي ان التناقض تعين وظهور:

تــــرى صـــورة الأشياء تجلـــى عليــك مــــن

وراء حجاب اللبس، في كل خلعة

تجمعت الأضداد فيها لحكمة،
فأشكالها تبدو على كل هيئة

صوامت تبدي النطق، وهي سواكن
تحرك، تهدي النور، غير ضوّية

وتضحك اعجاباً، كأجزل فارح
وتبكي انتحاباً، مثل ثكلى حزينة

وتندب إن أنت، على سلب نعمة
وتطرب إن غنت،على طيب نغمة

يرى الطير غب الاغصان يطرب سجعها
بتغريد ألحان، لديك شجية

وتعجب من أصواتها بلغاتها،
وقد أعربت على ألسن أعجمية(80)

وأكد الفكر الصوفي أن وجود أحد النقيضين شرط لوجود الآخر، فهما يرتبطان بعلاقة تناقض لا معنى لأحدهما خارجها: ((الأشياء تعرف بأضدادها.. ومن لا يعرف القبيح لا يعرف الحسن))(81) فللحقيقة أطرافها الثلاثة:الشيء ونقيضه والعلاقة بينهما. لقد بيّن ابن عربي أن لا كون الا في الحقيقتين، من الضدين، ((فلا يكون أمر الا عن أمرين، ولا نتيجة الا عن مقدمتين.))(82) وأنهما يقترنان: ((الأحدية تصحب كل جمع، فلابد من الجمع في الأحد، ولابد من الأحد في الجمع..وقال تعالى…(وهو معكم أينما كنتم) 57/4، والمعية صحبة، والصحبة جمع… لما كان الدوام لمعية الحق مع العالم لم يزل حكم الجمع في الوجود وفي العدم، فإنه (تعالى) مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده، فأينما كنا فالله معنا، فالتوحيد معقول غير موجود، والجمع موجود ومعقول..))(83). إن الواحد الذي يمثل الله هو معقول، جوهر. والجمع يمثل الجوهر والعرض، عرض يعكس الجوهر.لقد عبر بالجمع عن العلاقة بين الجوهر والعرض التي يمثلها العالم ويمثلها الانسان، فالانسان جوهر وعرض يعكس الجوهر:

وذاك الروح روح الله فينا
وعند النفخ يأخذ في الإياب

الى الأجل الذي منه تعدى
فيسرع في الإياب وفي الذهاب(84)

فهو يضم في صورته البشرية الروح وهي من الله:

عنت لنا أوجه الأملاك ساجدة
لما حوينا من الأرواح والصور(85)

إنه يجمع بين الروح والصورة، أو الظهور والبطون:

فليس الظهور سوى ما ظهر
وليس البطون سوى ما استسر

.................
فمنا اليه ومنه الينا
وكل بحكم القضا والقدر(86)

ولأن العلاقة بها تعرف الأشياء أو تسمى، قلنا في الآية الكريمة: ((وعلم آدم الأسماء كلها)) البقرة، 31، بأن سر مقدرة آدم على تسمية الأشياء مع عجز الملائكة عن ذلك، إنما هو لأن آدم علاقة بين متناقضات، والملائكة لا تناقض في طبيعتها، فهي خير مطلق، أما آدم فهو علاقة بين الخير والشر، وهذا تؤكده الآية:((ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)) الشمس،8، ولقد أدرك الأنسان حقيقة طبيعته المتناقضة بالنسبة الى الوجود
الذي أوجده:
لولا وجودي وكون الحق أوجدني
ما كنت أدري بأني الكائن الفائت

فالحق أوجدني منه وأيدني
به لذلك أُدعى الناطق الصامت(87)

واذا كان التناقض حركة كما قلنا، فإن الانسان حركة. وحركة الانسان صيرورته، تحوله من ظلمات العدم الى نور الوجود وعالم الظهور. وبظهوره الذي هو ظهور للاختلاف أو التناقض، وجدت المعرفة، عرف نفسه، ووجد عقله، لأن المعرفة تقترن بالاختلاف أو التناقض، والعقل وسيلة لأدراكه:

لولا الولاية كنت في الظلمات
فأختصني الرحمن بالحركات

فخرجت منها أبتغي النور الذي
جمعتني فيه وعين شتاتي

ورأيت محياي الذي أسعى اليه
…… وعلمت شأني فيه بعد وفاتي

فالله أكبر والكبير بدايتي
ما دامت الدنيا وبعد مماتي(88)

واذا كان الانسان هو الذي يتحرك لأنه علاقة، فإن الذي يتحرك نحوه هو كله الثابت:
الرب مالكنا والرب مصلحنا
والرب ثبتنا لأنه الثابت(89)

واذا كان الانسان فيه من الجانب الإلهي، فإنه يكسب هذا الجانب الحركة ويكتسب منه الثبات، فهو علاقة بين الحركة والثبات:

وإن كان الظهور له بوجه
فمن وجه يكون له الكمون

له منا التحرك في جهات
ولي منه الاقامة والسكون(90)

إن العلاقة أو التثليث شرط الخلق في فكر ابن عربي، أي ان الخلق ليس أحد النقيضين وليس ضده الآخر، بل هو العلاقة الجامعة بينهما، أي الرتبة الثالثة بعد النقيض وضده: ((إن الأحد لا يكون عنه شيء البتة.. ولا يكون عن الاثنين شيء أصلاً ما لم يكن ثالث يزوجهما، ويربط بعضهما ببعض ويكون هو الجامع لهما، فحينئذ يتكون عنهما ما يتكون بحسب ما يكون هذان الاثنان عليه.. فيسري التثليث في جميع الأمور لوجوده في الأصل))(91) وقوله الأخير نفسره بأن كل شيء من الأشياء إنما هو عبارة عن (ثلاثة) أو (علاقة) تجمع بين أمرين أو مختلفين وتزوجهما. وهذا من مضامين الفلسفة الجدلية المهمة لدى هيجل وغيره في العصور المتأخرة. ويعد هيجل المسيحية (الديانة المطلقة) بسبب قولها بالتثليث، وهو ينظر من خلال ثالوثها الى المعاني الفلسفية الكامنة وراء الأطراف الثلاثة التي يمثلها هذا الثالوث المسيحي لأن الفكر الديني ـ كما يبين ـ يعبر عن المطلق بالمجاز والتمثيل وبتجسيد الحقائق المطلقة بالصور البشرية والواقعية، ولا يعبر عن المطلق بالمطلق كما تفعل الفلسفة. ولم يؤكد هيجل أن الفكر الاسلامي نظر الى الحقيقة من خلال مبدأ التناقض الذي يحكم الموجودات، والعلاقات التي تؤلف بين الأطراف المتناقضة.
واذا كان التثليث أو العلاقة هي الأصل وأن الأشياء بها تكون، فإن
هذا استنتجنا منه بأن العلاقة سابقة على وجود الأشياء لأنها علة وجودها.فكل شيء لا معنى له الا بضده، أي انه لا معنى له الا من خلال العلاقة التي تجمعه بضده. واذا كانت العلاقة سابقة على وجود الشيء، وهو الذي يمثل أحد طرفيها المختلفين، فإنها تكون في حال سبقها بأحد طرفيها، أي ان أحد طرفيها وجود والآخر عدم. وهذه الحالة قلنا عنها بأنها تناقض بلا تناقض، تناقض لأن الطرفين وجود وعدم ، وبلا تناقض لأن أحد النقيضين موجود فقط . وقول ابن عربي بأن التثليث أو العلاقة موجودة في الأصل، نفسره بهذا. ولو عدنا الى قول ابن عربي في نص سابق، وهو إن الله معنا أو مع العالم (وهو ما يسميه الوجـود الممكن أي الحادث بعد أن كان عدماً) قبل الحدوث وبعده، والمعية صحبة كما يقول، والصحبة جمع، فإن هذا معناه أنه كان هنالك نوع من الجمع والعلاقة قبل خلق الانسان والعالم، عندما كان الوجود (معقولاً ) كما يقول، وهو يتمثل بما وصفناه ب (أصل الحركة). ثم ان الجمع أو العلاقة توجد مع تجلي المعقول وظهوره وإيجاد العدم وتحول الوجود الى معقول وموجود. إن أصل الحركة أو أصل العلاقة نوع من الجمع أو الصحبة أو أصل الجمع والصحبة أو أصل العالم ومنه الإنسان . إنها تعني عدم وجود الإنسان والعالم ووجود الله وحده . يقول ابن عربي: ((اعلم أن الله موصوف بالوجود، ولا شيء معه موصوف بالوجود من الممكنات، بل أقول إن الحق هو عين الوجود. وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الله ولا شيء معه. يقول الله موجود ولا شيء من العالم موجود، فذكر عن نفسه بدء هذا الأمر أعني ظهور العالم في عينه.))(92) وهذا هو الوجود الخالص غير المتعيّن عند هيجل(93) ـ مع أنه ساوى بينه وبين العدم ـ وهو الوجود الخالص عند المتصوفة: ((إن الحق له الوجود الصرف، فله الثبوت.))(94) وقد فسرنا الوجود الخالص أو الثابت بأنه امتلاء وهذا معنى وصف الله تعالى نفسه بالصمد، أي الممتلئ غير الفارغ مقابل العدم الذي هو خلو مما يمتلئ به الوجود، فهو محو، والمحو غير الثابت. وهذه الحقيقة بيّنها ابن عربي في مقابلته بين القمر والشمس: ((لأن الله جعل القمر نوراً فهو نور بالجعل، كما كانت الشمس ضياء بالجعل. وهي بالذات نور، والقمر بالذات محو، فللقمر الفناء، وللشمس البقاء:
فللقمر الفناء بكل وجه
وللشمس الإضاءة والبقاء.))(95)

إن الوجود الخالص كائن قبل ظهور العالم، وإن ظهور العالم أو تجليه هو ظهور للعلاقة أو للتناقض الذي هو الحركة، ظهور للحركة، أو وجود الحركة أو العلاقة التي تعني اثنين مع اعتبار أن الطرف السابق على العلاقة (الواحد) سابق على الاثنين :
فالرب والمربوب مرتبطان
ثنى الوجود به وليس بثان(96)

وأحدهما (المربوب) يعرف من خلال العلاقة التي تربطهما:

الملك لولا وجود الملك ماعرفا
ولم تكن صفة مما به وصفا(97)

وإن العالم وحده خارج هذه العلاقة ليس له تعيّن، فهو عدم. وقد عرفنا العدم بأنه أحد النقيضين خارج علاقته بالآخر، وهذا هو تعريفه عند هيجل. ويرى ابن العربي ان (الوحدة المحضة) ليست الا سلباً محضاً لا يمكن وصفها ولا حدها، وذلك هو عين العدم والنفي المحض(98).
ولقد كنا قد فسرنا المعرفة بأنها جمع أو علاقة، والعقل وسيلة للجمع أو العقل بين الموجودات ليتسنى له ادراكها. فالعقل في اللغة هو الجمع، ولقد أشار أخوان الصفا الى هذا التفسير، فالعقل الأول الذي أنشأه الباري من نوره، إنما سمي عقلاً لأنه يعقل الاشياء عن الخروج عنه، أي إن الأشياء لا معنى لها خارجة عن هذا العقل أو الجمع، إنه يجمع بين الأشياء(99).
ولقد بيّن المتصوفة أن المعرفة ترتبط بهذا الجمع الذي هو جمع للأمور المتناقضة ، فالمعرفة ترتبط بالتناقض، وهي معرفة للأزواج، فهناك ((ازدواجية في المعرفة أيضاً ما دامت مرتبطة بالوجود المزدوج، وما دامت آلاتها نفسها ذات طابع ازدواجي، فالعقل يزاوجه الهوى وينازعه، والهدى يقارنه الضلال ويوجد بجانبه.. ومن أجل هذا الازدواج وهذه الجدلية في الكائنات الحسية وفي المعاني أيضاً من الوضوح والغموض، والبيان والالتباس والحق والباطل تباينت المدارك، واختلفت مواقف العقول من موضوعات التعقل المتباينة، قال ابن العربي: (لئن أضاء نهار الأدلة، لقد أغطش ليل الشبهات، أو اتضحت جادة التحقيق، لقد حفت بها بنيات حتى خفيت واضحة الطريق، وأعلام الحق وان كانت قد خفقت، فقد انتشرت ألوية الباطل واستشرفت.) وكتبت المقادير على نسيج الوجود البشري أن يتردد في مجال المعرفة بين ما هو ضروري أو بديهي، وبيـن ما هو نظري محتاج الى تعمق وتأمل، إذ لو شاء الله ما قسم المعارف الى ضروري ونظري، ولجعلها كلها واضحة متميزة، تحمل شارات وضوحها في نفسها فلا تخفى، وتنطوي على بنيتها في ذاتها فلا تلتبس. فالانسان مسكين يرثى لحاله، وحائر قلق، لا يدري أي طريق يسلك، وأي سبيل ينهج، ولا يعرف أين الضر، ولا يعلم أين النفع، إنه في شباك شائكة من الحيرة والارتباك والتردد بين الأخذ والرد))(100).
إن هذه المبادئ الجدلية تحكم كل الموجودات ومنها الانسان فهو محكوم بمبادئ قانون ثابت يحكم الكون كله لأنه تضمه ثنائيات مختلفة منها كونه ثنائية متلازمة من ذكر وأنثى وهما مختلفان في الجنس(101). وهناك نظرية قديمة اهتم بها أخوان الصفا، وهي كون الانسان عالماً صغيراً إزاء العالم الكبير(102)، يريدون بهذا جملة مسائل منها أنه يمكن دراسة العالم الكبير (الكل) من خلال العالم الصغير (الجزء)، لأن هناك قانوناً عاماً يشمل كل شيء، العالم الكبير والصغير، وهو قانون الزوجية العام. وقد نظروا الى كل شيء من خلال هذا القانون، فقد نظروا الى الإنسان من خلاله بوصفه خلق أزواجاً من ذكر وانثى. ولأنهم نظروا الى العالم الكبير من خلال العالم الصغير(الإنسان) فقد عمموا علاقة الذكورة والأنوثة على علاقات التناقض الأخرى، وذهبوا الى أن الطابع الذكري والطابع الانثوي يسودان العالم. ولما كان ذلك كان لابد من أن يحدث توالج حسي ونكاح معنوي، ففي مذهبهم العرفاني أن العالم كله في وضع تعشق وتوالج تبادلي امتد حتى شمل المحسوس والمعقول(103). وسوف نفحص قانون الزوجية العام هذا من خلال بحث المتصوفة في الانسان الذي يحكمه هذا القانون كما بينوا.
مر معنا في مباحث سابقة أن الانسانية تجمع بين الذكورة والأنوثة، والانسان علاقة بينهما. ويرتبط الذكر والأنثى بعلاقة الحب أو الزواج(104)، وهي تتجلى في أولادهما، فالأولاد تجسيد للعلاقة التي تربطهما، وكل منهم يلتقي والداه الاثنان في تكوينه، فهو علاقة بينهما، إن الانسان علاقة. والعلاقة أول وجود عيني لأن بها يتعيّن الضدان، يعرف كل منهما. ولذا فسروا معنى الانسان في اللغة بأنه الظاهر، أي هو خلاف الجن(105)، ولكنهم وضعوا درجات للوجود الظاهر أو المتعيّن، وان آدم هو أول درجات الوجود المتعين، أما حواء فتمثل الدرجة الثانية من هذا الوجود(106)، ذلك لأننا قلنا إن العلاقة مصدرها أحد النقيضين المكوّنين لها، ونقصد به العامل الذكري. فمع أن وجود آدم يقترن بوجود حواء، لكن لأن له أصلا سابقا في الوجود ، لذا كانت له الدرجة الأولى في الوجود المتعيّن.
واذا كان الأنسان مصدره العامل الذكري فإن هذا يعني أن العامل الانثوي مصدره العامل الذكري من حيث أنه مصدر للعلاقة التي تضم الذكر والأنثى. وإن العلم أكد هذا وكذلك الفكر الديني الذي يستلهمه المتصوفة، فالمرأة جزء من الرجل وهي ضلع الرجل(107)، وكل جزء دليل على أصله(108). فحواء أصلها ذكر، وانها العرض منه(109)، فهي الدليل عليه إذن. وإن التذكير أصل والتأنيث فرع. وإن حنين المرأة الى الرجل حنين الجزء الى أصله ولا أصل بلا فرع(110).والقرآن الكريم يشير في خلق المرأة الى إضافتها الى النفس الواحدة التي هي آدم(111)،أي ان العامل الذكري ينطوي على الأنثوي، (انطواء العالم الأكبر أو الكل على العالم الأصغر أو الجزء)، وانه علاقة بينه وبين العامل الأنثوي. ولقد قلنا إن الوجود السابق مصدر
العلاقة السابق على وجودها واذا كان للعلاقة (الرجل) مصدرها السابق في الوجود فإن هذا يعني أن للرجل أصله السابق في الوجود. إن هذا المصدر الثابت، السابق على وجود الرجل، مصدر الرجل ـ في فكر المتصوفة ـ هو الله، والرجل مصدر المرأة.. الله الأصل السابق لوجود الرجل، والرجل أصل للمرأة.. الرجل ظهر عن الذات الإلهية، والمرأة ظهرت عنه. وان الله خلق الرجل على صورته وأحبه، كما يقول ابن عربي، والرجل والصورة أعظم مناسبة كذلك بين الرجل والمرأة(112).
إن وجود المرأة أو ظهورها يقترن بوجود العلاقة، الرجل. ووجود الرجل يقترن بوجودها لأنها أحد طرفيه. عندما يكون الرجل سابقاً على وجود المرأة، فالوجود الإنساني يتمثل بهذا النقيض الذي سميناه (أصل الحركة) الذي هو عبارة عن الحركة أي العلاقة ولكن بأحد طرفيها، لذا فهي ثابتة مستقرة، لأن التناقض لم يوجد بعد، والتناقض منطق للحركة كما بينا. وعندما كان أصل الحركة سابقاً كان النقيض الآخر (عدماً)، وهذا هو الطرف السالب عند ابن عربي الذي هو الشر المطرود(113). إن عدم وجود أحد النقيضين يجعل التناقض غير ظاهر، يجعل هذا النقيض السابق (أصل الحركة) وجوداً كامناً أو جوهراً. فالرجل الذي صنعه الله على صورته كما يذهب المتصوفة، والذي مصدره الله ، هو وجود كامن قبل أن يوجد العدم (المرأة) لتوجد العلاقة (الحركة) أو يظهر النقيضان.
لقد عبر المتصوفة عن الوجود السابق على وجود الأنسان بأنه وجود للروح، وقد قلنا إنهم عبروا عن عالم الأرواح بالمربع أو النقطة. وكان الرجل قبل أن يخلق يعيش في هذا العالم الذي هو وجود غير مرئي، وجود باطن لا ظاهر. وقد عبر الحلاج عن إيمان المتصوفة هذا، ففي القديم وقبل أن يمس جسمه التركيب، كان في عالم الروح يشرب من ماء الإله، وانه تعارف هناك مع فتية هم صحبته في قديم الذر قبل الخلق. ويريد بهذا أن يقرر أن عالم الروح أو الجوهر هو (الكل) لأن جميع المخلوقات كانت مجتمعة فيه، وان عالم الظهور هو عالم (الجزء) لأن المخلوقات تخرج من عالم الروح متتابعة في أزمنة مختلفة، وكل منها يمثل كوناً محدوداً منعزلاً عن الآخر:
إني ارتقيت الى طود بلا قدم
له مراقٍ على غيري مصاعيب

وخضت بحرا ولم يرسب به قدمي
خاضته روحي وقلبي منه مرعوب

حصباؤه جوهر لم تدن منه يد
لكنه بيد الأفهام منهوب

شربت من مائه رياً بغير فم
والماء قد كان بالأفواه مشروب

لأن روحي قديماً فيه قد عطشت
والجسم ما مسه من قبل تركيب




......................
وفتية عرفوا ما قد عرفت، فهم
صحبي ومن يحظ بالخيرات مصحوب

تعارفت في قديم الذرّ أنفسهم
فأشرقت شمسهم والدهر غريب(114)

وقد عبر غير الحلاج من المتصوفة عن هذه المعاني، فابن الفارض يقول إن ذاته قبل أن يخلق كانت موجودة:

ومن عهد عهدي، قبل عصر عناصري
الى دار بعث، قبل انذار بعثة

اليّ رسولاً كنت مني مرسلاً،
وذاتي بآياتي عليّ، استدلت(115)

ويقول إن روحه للأرواح روح، وإن له اتصال روحي برفقاء في عالم ما قبل الظهور:

وروحي للأرواح روح، وكل ما
ترى حسناً في الكون من فيض طينتي

فذري ما قبل الظهور عرفته
خصوصاً وبي لم تدرفي الذر رفقتي(116)

إن كل واحد ينبي عن الآخر، وله اتصال بالآخر، فيخبر عنه، فهما بالروح متصلان، ويقول إن الوليد ينبيك عن شاني، وإن نشأ بليداً وذلك بألهام كالوحي هو الفطرة، ويريد بهذا أن يشير الى المعرفة الفطرية اللاواعية التي هي معرفة عامة والتي بوساطتها يتصل كل أفراد الانسانية:

فينحو سماء النفح روحي ومظهري الـ

مسوى بها، يحنو لأتراب تربتي

فمني مجذوب اليها وجاذب
اليه، ونزع النزع في كل جذبة

وما ذاك الا أن نفسي تذكرت
حقيقتها، من نفسها، حين أوحت

فحنت لتجريد الخطاب ببرزخ الـ
تراب، وكل آخذ بأزمتي

وينبيك عن شأني الوليد، وإن نشا
بليداً، بإلهام كوحي وفطنة(117)

فالعلوم طبعت في النفوس بوحي الأبوة، أي ان العلم قديم مركوز في أصل خلقة الانسان، وهذا أيضاً من إنطواء العالم الأصغر (الانسان) أو الوجود الظاهر، على العالم الأكبر (الروح أو الجوهر) وهو ما يمثل المعرفة الكلية التي يلتقي عليها كل البشر ويتعارفون، وهي المعرفة التي ذكرنا في بداية البحث أن العلوم الحديثة تنظر اليها على أنها المعرفة الأعمق الكامنة وراء الوعي أو المعرفة العقلية، فهناك وراء العلوم النقلية علوم أخرى تدق وتخفى:

وماهي الا النفس عند اشتغالها
بعالمها، عن مظهر البشرية

تجلت لها بالغيب في شكل عالم
هداها الى فهم المعاني الغريبة

وقد طبعت فيها العلوم وأعلنت
…… بأسمائها، قدماً، بوحي الأبوة

ولاتك ممن طيشته دروسه
بحيث استقلت عقله واستقرت

فثم وراء النقل، علم يدق عن
مدارك غايات العقول السليمة

تلقيته مني، وعني أخذته
ونفسي كانت من عطائي ممدتي(118)

.................
فهو يقول إنه تلقى هذا العلم عنه، وإن نفسه أمدته به أي انه ليس علماً مكتسباً من الخارج، إنما هو من الباطن. وإن علمه قديم من عالم التذكار، وإنه التقى في الجمع القديم كهول الحي عندما كانوا صبية، فمع أنه امتداد لهم الا أنه كان معهم، ومع أن غيره امتداد له وأنهم يشربون مما أبقاه الا أنهم كانوا معه في عالم الروح أو المطلق الذي تنعدم فيه الأزمنة والأمكنة:

وفي عالم التذكار للنفس علمها الـ
مقدم، تستهديه مني فتيتي

فحيّ على جمعي القديم الذي به
وجدت كهول الحي أطفال صبية

ومن فضل ما أسأرت شرب معاصري
ومن كان قبلي، فالفضائل فضلتي(119)

وقد كرر ابن الفارض بأنه الروح التي تجلت في نفوس كل أهــل
التقى السابقين، فهو فيهم روح، وباسمه دعوا وبحجته حجوا الملحدين، وفيه شهد الساجدين لمظهره فتحقق أنه آدم:
وفيّ شهدت الساجدين لمظهري
فحققت أني كنت آدم سجدتي

وعاينت روحانية الأرضين في
ملائك عليين، أكفاء رتبتي

ومن أفقي الداني اجتدى رفقي الهدى
ومن فرقي الثاني بداجمع وحدتي(120)

فلولاه لم يوجد وجود، ولم يكن شهود ولم تعهد عهود. ولا حي الا من حياته، ولا ناظر الا بمقلته ، ولا قائل الا بلفظه محدث، ولا منصت الا بسمعه سامع، وهو الذي ظهر في كل صورة، وفي كل معنى لم تبنه مظاهره تصور:
وأهل تلقى الروح باسمي، دعوا الى
سبيلي، وحجوا الملحدين بحجتي

وكلهم عن سبق معناي، دائر
بدائرتي، أو وارد من شريعتي

وإني وإن كنت ابن آدم صورة
فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

ونفسي على حجْر التجلي برشدها
تجلت، وفي حجر التجلي تربت

وفي المهد حزبي الأنبياء، وفي عنا
صري لوحي المحفوظ، والفتح سورتي

وقبل فصالي، دون تكليف ظاهري
ختمت بشرعي الموضحي كل شرعة

فهم والألى قالوا بقولهم على
صراطي، لم يعدوا مواطئ مشيتي

فيمن الدعاة السابقين اليّ في
يميني، ويسر اللاحقين بيسرتي

ولا تحسبن الأمر عني خارجاً
فما ساد الا داخل في عبودتي

ولولاي لم يوجد وجود، ولم يكن
شهود، ولم تعهد عهود بذمة

فلا حيّ الا من حياتي حياته
وطوع مرادي كل نفس مريدة

ولا قائل الا بلفظي محدث،
ولا ناظر الا بناظر مقلتي

ولا منصت الا بسمعي سامع
ولا باطش الا بأزلي وشدتي

ولا ناطق غيري، ولا ناظر، ولا
سميع سوائي من جميع الخليقة

وفي عالم التركيب في كل صورة
ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينت

وفي كل معنى، لم تبنه مظاهري
تصورت، لا في صورة هيكلية(121)

فالمظاهر يجمعها تشابه الجوهر، ولكن بارتفاع الستر تظهر المظاهر وتختلف، وهو بهذا يشير الى كلية (الجوهر أو الروح) واطلاقه وعدم تناقضه، والى جزئية الموجودات الظاهرة واختلافها أو تناقضها ومحدوديتها في الزمان والمكان فهي تظهر بالتدريج:

وكل الذي شاهدته فعل واحد
بمفرده، لكن بحجب الأكنة

إذا أزال الستر لم تر غيره،
ولم يبق بالاشكال أشكال ريبة

وحققت عند الكشف، أن بنوره اهـ
ـتديت، الى أفعاله، بالدّجُنة

كذا كنتُ، ما بيني وبيني، مسبلاً
حجاب التباس النفس في نور ظلمة

لأظهر بالتدريج للحس مؤنساً
لها في ابتداعي، دفعة بعد دفعة

قرنت بجدي لهو ذاك، مقرّباً
لفهمك غايات المرامي البعيدة

ويجمعنا في المظهرين تشابه
وليست لحالي، حاله بشبيهة

فأشكاله كانت مظاهر فعله
بستر تلاشت، اذ تجلى وولّت

وكانت له بالفعل نفسي شبيهةً
وحسي كالأشكال واللّبس سُترتي

فلما رفعتُ الستر عني كرفعه
بحيث بدت لي النفس من غير حجة

وقد طلعت شمس الشهود فأشرق الـ
وجود وحلت بي عقود أخيّة

......................
وألسنة الأكوان إن كنت داعياً
شهود بتوحيدي بحال فصيحة

وجاء حديث في اتحادي ثابت
روايته في النقل غير ضعيفة

......................
تسببت في التوحيد حتى وجدته
وواسطة الأسباب إحدى أدلتي

ووحدت في الأسباب حتى فقدتها
ورابطة التوحيد أجدى وسيلة

وجردت نفسي عنهما فتجردت
ولم تك يوماً قط غير وحيدة

وغصت بحار الجمع بل خضتها على انـ
ـفرادي فأستخرجت كل يتيمة

لأسمع أفعالي بسمع بصيرة
وأشهد أقوالي بعين سميعة(122)

ولقد عبر المتصوفة جميعاً عن هذه المعاني، يقول السهروردي:

عنصر الأرواح فينا واحد
وكذا الأجسام، جسم عّمنا

ما أرى نفسي الا أنتم
واعتقادي أنكم أنتم أنا

فارحموني ترحموا أنفسكم
وأعلموا أنكم في إثرنا(123)

مثل هذه الأفكار نجدها في نظرية الكمون عند المعتزلة. وفيها أن الله خلق الموجودات دفعة واحدة ولم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، غير أنه أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكمنها دون وجودها. وتتصل هذه الفكرة في صورتيها المعتزلية والصوفية بما تؤكده آية الميثاق من سورة الأعراف(7/173): ((وإذ أخذ ربك من بني آدم، من ظهورهم، ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم. قالوا، بلى، شهدنا..))(124) وبما تؤكده أحاديث الرسول، فقد ((قال عليه السلام كنت نبياً وآدم بين الماء والطين، يريد على علم بذلك، فأخبره الله تعالى بمرتبته وهو روح قبل إيجاده الأجسام الانسانية كما أخذ الميثاق على بني آدم قبل إيجاده أجسامهم.))(125).
فالأرواح الكامنة التي تمثل عالم الباطن هي كل متصل. ولقد مر معنا أنهم وصفوا (النقطة) بأن الكل مندرج فيها، فهي كل متصل، وهي تمثل عالم الروح. وأن جماعة الأمهات والآباء السابقين هم الآلة التي تصنع الأنسان، وليس أبوه وأمه المباشرين. ولابن عربي شعر يقول فيه بأنه ما كان عن واحد بل عن جماعة آباء وأمهات هم الصانعون كالآلات. واذا نظرنا الى الآلات طال بنا إلاسناد والعنعنة حتى نصل الى الذات العليا، وهي في الحقيقة الذي أوجدنا لا الجماعات

أنا ابن آباء أرواح مطهرة
وأمهات نفوس عنصريات

ما بين روح وجسم كل مظهرنا
عن اجتماع بتعنيق ولذات

ما كنت عن واحد حتى أوحده
بل عن جماعة آباء وأمهات

هم في الحقيقة، ان حققت شأنهم
كصانع صنع الأشيا بآلات

فيصدق الشخص في توحيد موجده
ويصدق الشخص في اثبات علات

فإن نظرت الى الآلات طال بنا
إسناد عنعنة حتى الى الذات

وان نظرت اليه حين أوجدنا
قلنا بوحدته لا بالجماعات(126)

ولقد عبروا عن الذات الأولى التي صدروا عنها من خلال علاقات النسب. ففي سياق قصص الخلق يشيرون الى رمز لهم هو الأب الأول(127). والسهروردي يعبر عن المصدر العلوي بعبارة الأب والأم. ففي إحدى قصصه: ((وبعد أن أمسيت في غاية القنوط من هجمات النوم، أخذت شمعاً في يدي متضجراً وقصدت الى رجال قصر أمي، وطوفت في ذلك الليل حتى مطلع الفجر. وعندئذ سنح لي هوس دخول دهليز أبي، وقد كان لذلك الدهليز بابان..))(128) وهو ((يقصد بالدهليز وجود نفسه وبأبيه علة وجود نفسه.))(129) وفي قصة حي بن يقظان التي جارى فيها ابن الطفيل وقدم لها صورة جديدة بما يلائم فلسفته الاشراقية، عبر عنه بالجد الأعظم أيضاً: ((..أعلم أن هذا جبل طور سينا. وفوق هذا جبل طور سينا مسكن والدي وجدك، وما أنا بالأضافة اليه الا مثلك بالأضافة اليّ، ولنا أجداد آخرون حتى ينتهي النسب العظيم الى هذا الجد الأعظم الذي لا جد له ولا أم، وكلنا عبيده وبه نستعين ومنه نقتبس وله البهاء الأعظم والجلال الأرفع، وهو فوق الفوق ونور النور، وهو المتجلي لكل شيء بكل شيء،وكل شيء هالك الا وجهه..))(130).
وبسبب اتصال الأرواح في عالم الباطن يتصل وجودها الظاهر، لذا تكرر لدى المتصوفة معنى أن الفرد يكون أباً كما أنه ابن لأبيه، يقول ابن عربي:

كمّل الله وجودي
بأب ثم بنات

فأنا ابن وأنا أيـ
ـضاً أب في المحدثات(131)

وابن الفارض يقوله كذلك، إنه ان كان ابن آدم في الصورة فله فيه معنى يشهد بأبوته له لوجودهم جميعاً في عالم الروح، أما عالم الصورة فيظهرهم متتابعين، الواحد بعد الآخر بما يقرر أسبقية آدم في الوجود على بنيه، فالروح واحدة والصور كثيرة ومتتابعة أي ان ظهورها يقترن بالزمان فيتقدم بعضها على بعض زمناً وتكون الأبوة لبعضها المتقدم والبنوة لبعضها المتأخر، أما قبل الزمان وفي عالم الروح فالجميع كل متصل حاضر وبهذا فإن أياً من أبناء آدم يسبقه في عالم الروح فهو أبوه. ومن المعاني التي اهتم بها المتصوفة، وجود الصوفي قبل آدم، ولقد تقدم ذكر كثير من الشعر لابن الفارض في هذه المعاني.
وفي قصص المعراج عند الصوفية حديث عن الوالد الذي أبوه ابنه،
وعما سموه نكاح الأم، وهو تعبير رمزي عن أفكارهم. فالأب الذي هو ولد لابنه تلميح رمزي الى الروح الكلي، فهو ابنه من حيث الصورة وأبوه من حيث المعنى أي ان الصورة تجلّي المعنى، فيكون المعنى ابناً للصورة. أما نكاح الأم فهو كما يفسرونه تعبير عن تزاوج العقل الأول والطبيعة، ولقد عبر الصوفية عن الجوهر الأنثوي بوصفه انكشافاً للجمال الإلهي في الصور الطبيعية(132)، يقول الحلاج: ولدت أمي أباها. وقد فهموا من قوله إنه يريد أن أمه تظهر هذا الوجود الأبدي اللانهائي الإلهي، فكأنها قد ولدت أباها لأنه مصدر وجودها. وللحلاج شعر يقول فيه هذا، وإن بناته اخواته، وهذا ليس من فعل الزناة:
ولدت أمي أباها!
إن ذا من عجباتي

فبناتي بعد أن كنـ
ن بناتي، أخواتي

ليس من فعل زمان
لا، ولا فعل الزناة

فاجمع الأجزاء جمعاً
من جسوم نيّرات

من هواء ثم نار
ثم من ماء فرات

فازرع الكل بأرض
تربها ترب موات

وتعاهدها بسقي
من كؤوس دائرات

من جوار ساقيات
وسواق جاريات

فإذا أتممت سبعاً
أنبتت كل نبات(133)

وننبه على أنه في البيت الأخير قرن ظهور الحياة بالرقم(7) الذي يمثل لديهم الدائرة التي ترمز الى الحياة والعرض من الجوهر. ولصـدر الديـن
القونوي وهو ربيب أبن عربي وابن زوجته، شعر في مثل هذه المعاني:

ولدتُ أبي من قبل أمي وأمها
وأنكحتها إياي حين تولدي

وإني أبو الآباء قبل بنوتي
لهم، وهم في النشء كانوا ولائدي

وقد خال عمي أنني ابن أخ له
ولم يدر أني جد أم المولّد(134)

وللأمير عبدالقادر الجزائري، وكان صوفياً من أنصار وحدة الوجود، أبيات تناسب هذه المعاني، وأنه ولد جده وجدته، وأبوه تولد عن أمه، ثم ولدوه بعد كونه هو وأبوه توأمين في صلب.فكل من له عليك ولادة فهو ابنك وهو أبوك، وكل من يتصل بك بنسب فهو كذلك(135)، يقول:

وَلدْتُ جدي وجداتي، وبعدهما
أبي تولد عن أمي، وأيّ أب

وبعد ذا ولدوني بعد كوني أنا
ووالدي البر توأمان في صلب

وكنت من قبل في الحجور ترضعني
بطيب ألبانها الأمهات، لأترب

وليس يدري الذي أقول غير فتى
قد جاوز الكون من عيب ومن رتب (136)


ويذكرنا قول الحلاج: أمي ولدت أباها بقول الرسول(ص) في فاطمة(ع) بأنها أم أبيها، فمع ما يحمله هذا القول من معاني المحبة والحنو فله معنى أو تفسير آخر هو انها تظهر بأبنائها صفات أبيها المقدسة، فكأنها تلد حقيقته الجوهرية الكامنة وتظهرها بوساطتهم، فهي(ع) تمثل الوجود الظاهر من شخصية الرسول(ص) في حين يمثل الإمام علي(ع) كما قلنا الوجود الباطن، فهو كما تنص آية المباهلة يمثل (نفس) الرسول(ص) أو جوهره، ففاطمة(ع) تعكس جوهر الرسول(ص) في أبنائها عن طريق الامام علي(ع) وعن طريقها.
وقد نفهم من قول الحلاج أيضاً أن في الرجل امرأة كامنة تظهرها ابنته فكأنها تلده، تلد الوجود الكامن الذي فيه. فهو عبارة عن امرأة كامنة وهي تظهره أو تلده. ولقد ذكرنا في ما سبق أن الرجل عندما كان سابقاً كان يمثل وجوداً كامناً، وبعد وجود المرأة وتحوله الى علاقة فإنه يبقى يمثل وجوداً كامناً ذلك لأن المرأة التي فيه وهي أحد طرفي العلاقة التي يمثلها مازالت تمثل عدماً، فيبقى الرجل يمثل وجوداً كامناً أي انه بالنسبة الى المرأة التي هي وجود ظاهر يمثل اللاظهور. الرجل هو وجود كامن للمرأة، هو امرأة كامنة، لأنه مازال يحمل عدماً يمثلها.وهذا يعني كما قلنا أن وجود المرأة له مظهران: وجود سالب في الرجل، ووجود موجب تمثله هي.. إن المرأة هي الشكل الذي يظهر الوجود الكامن.. هي الوجود المتأخر، الظاهر، الذي يعكس الوجود الكامن فبوجودها وجد الرجل. إن النساء تعكس الجوهر الإلهي الذي يتصل به الرجل، كما يبين ابن عربي:
رأيت ذكوراً في إناث سواحر
تراءين لي ما بين سلع وحاجر

فخاطبت ذكراناً لأني رأيتهم
رجالاً بكشف صادق متواتر

وكن اناثاً قد حملن حقائقاً
من الروح إلقاء لسورة غافر

وبعلهم الروح الذي قد ذكرته
وانهم ما بين ناه وآمر(137)


إن صورة المرأة تجلي الإلهي:

أقبل الأرض اجلالاً لوطأتها
حباً له وأنا منه على حذر

من أجل تقييده بصورة امرأة
عند التجلي فقلت النقص من بصري

ونسوة كنجوم في مطالعها
وأنت منهن عين الشمس والقمر

يا حسنها غادة كالشمس طالعة
تسبي العقول بذاك الغنج والحور(138)

إن وجود المرأة يظهر الوجود الذي كان كامناً، أي إن وجود المرأة يعني وجود الشكل وانتقال الوجود الى عالم المادة، إن المرأة تظهر الوجود ولذلك يعلّي ابن عربي مكانة العنصر الأنثوي لظهور نشأته به ووجود عينه، فهو ابن لأمه حقيقة(139). والذي نستخلصه من مذهب الصوفية في التجلي أن الله لا يشاهد جهرة، وانما في الأشكال والصور العينية التي تنعكس عنه وتحاكيه، ففيها نتعرف عليه. الله المحبوب المتعالي يظهر في صورة الأعيان، في شكل فيزياوي من أشكال الانعكاس أو التجلي. وتبرز المرأة بوصفها رمزاً لهذا الانعكاس او التجلي في شكل محسوس. وينشط الخيال الإبداعي للشاعر الصوفي في التوحيد بين المتجلي والصورة التي تجلى فيها، إذ يحب في الكائن المرئي ظهور المحبوب الأقدس وتجليه، فهو يرفع هذا الكائن الى درجة النموذج أو الصورة غير القابلة للفساد، أي جعله روحياً. إن المرأة هي الوسيط الذي من خلاله يتجلى الجمال المطلق وفعل المطلق اذ يبدو فيها فعله الخالق تحريراً لأسر الموجودات(140) من عالم الكمون الى عالم الظهور. فرمز المرأة يرتبط لدى الصوفية المسلمين بالتجلي الإلهي في الصور، اذ المطلق لا يشاهد مجرداً عن المواد أبداً. فإذا كان الأمر ممتنعاً، ولم يكن الشهود الا في مادة، فشهود الجمال المطلق في النساء أعظم الشهود وأكمله. وهذا مذهب ابن عربي ويرتبط به غيره من المتصوفة، فجلال الديــن الرومي يذهب الى أن ((المرأة هي النموذج الأعلى للجمال الأرضي. ولكن هذا الجمال ليس شيئاً ما لم يكن انعكاساً وتجلياً للصفات الالهية) واذا ما نحينا حجاب الشكل، وجدنا الشاعر يتأمل الجمال الأبدي في المرأة.. وانه ليراها بوصفها الوسيط الذي يكشف به الجمال غير المخلوق عن ذاته، ممارساً ايجابيته الخالقة.. وطبيعي الا ترتبط هذه الخالقية بوظائف المرأة الفيزيائية، وإنما ترتبط بخصائصها الروحية التي تخلق الحب في قلب الرجل وتجعله يبحث عن الاتحاد بالمحبوب الأقدس))(141).
إن المرأة عندما تجلّي الوجود المطلق أو تنعكس عنه، فإنما تجلّي الوجود المطلق الذي يتصل به الرجل ـ كما يبيّن المتصوفة ـ فالرجل مصدره الله كما قالوا، والمرأة مصدرها الرجل. وهم يتأملون في المرأة الوجود الظاهر الذي يحرر الوجود الكامن من الأسر. إن جوهر الرجل يظهر في المرأة، فكما أن آدم هو النموذج الذي كشف الله فيه عن أسمائه التي كانت مخفية في ذاته، فكذلك المرأة، إنها المرآة والمظهر الذي يتأمل فيه الرجل حقيقته التي هي وجوده الخفي. لقد أُشرب الجوهر الأنثوي رمزاً معرفياً، لأنه لما كانت الأنثى في التصورات الصوفية تجسداً للنفس، ولما كانت معرفة النفس هي معراج الانسان الى معرفة الرب، لزم أن تكون معرفة المرأة من خلال عاطفة الحب المتوهج موصلة الى الله. فحنين الرجل الى المرأة هو حنين الكل الى جزئه والشيء الى نفسه، كما أن حنين المرأة اليه هو حنين الشيء الى وطنه. إن المرأة تجسد للنفس التي معرفتها مقدمة جوهرية ومدخل الى معرفة الربوبية. المرأة هي الموجود الأسمى الذي ربط الحب الصوفي بوساطته بين الروحي والحسي. وإن الحب والزواج هما العلاقة التي تكشف للمحب في الدنيا تجلي المعاني الإلهية في الصورة المحسوسة. وعاطفة الحب الإلهي المشبوب هي الحد الجامع بين التجلي والمشاهدة (142). والمحب يدرك أن الصورة ليست خارجة عنه بل إنها باطنة في وجوده، فيصبح المحبوب أقرب للمحب من نفسه. إن المحبوب كامن في أعماق وجوده، فهما نفس واحدة كما عبر القرآن الكريم، وقد خلق منها زوجها. وإن خلقها وفصلها عنه يظهر هذا الوجود الذي كان كامناً فيه. فآدم وحواء نفس واحدة. واذا رجعنا الى غير القرآن الكريم، الى الأصول التاريخية والاسطورية، فهناك أسطورة الجنس الواحد غير المتمايز، حيث توحي هذه الوحدة غير المتمايزة في التصور الاسطوري الى خنوثة ذلك الجنس الذي كان يجمع بين مبدأي الذكورة والأنوثة(ق). وقد ألمح الى ذلك الرمز الاسطوري، افلاطون في محاورة (المأدبة) ولعله استقى تلك الأسطورة من أصول شرقية قديمة. وفي اللغات الاوربية يطلق اسم الرجل (homo) على الجنس الانساني من باب التغليب، فهو يوحي بهذه الوحدة. وفي كثير من قصص الخلق فإن المرأة خلقت بعد الرجل، على الرغم من أنهما في بعض هذه القصص خلقا في زمن واحد. ولا يخفى أن هناك تطابقاً بين قصة الكتاب المقدس وكثير من القصص الأوربي(143). فالمرأة كانت مع الرجل في وحدة، فهي نفسه التي كانت في داخله، ويبين ابن الفارض أن حبه لمن يحب حب لنفسه، لأن المرأة هي نفسه:
وصرت بها صباً، فلما تركت ما
أريد، أرادتني لها وأحبت

فصرت حبيباً، بل محباً لنفسه
وليس كقول مرّ: (نفسي حبيبتي)

خرجت بها عني اليها، فلم أعدْ
اليّ، ومثلي لا يقول برجعة(144)

وهو لا يحيل عن قوله انه هي، أو انها حلت فيه:

متى حلت عن قولي: أنا هي، أو أقل
وحاشا لمثلي: إنها فيّ حلّت

ولست على غيب أحيلك، لا ولا
على مستحيل موجب سلب حيلتي

وكيف وباسم الحق ظل تحققي
تكون أراجيف الضلال مخيفتي(145)

فهو وإياها ذات واحدة، وكذلك من وشى بها وثنى عنها، فكلها مظاهر للوجود الكامن:

وإني وإياها لذات، ومن وشى
بها وثنى عنها صفات تبدت

فذا مظهر للروح هاد لأفقها
شهوداً، بدا في صيغة معنوية

وذا مظهر للنفس حاد لرفقها
وجوداً غدا في صيغة صورية

ومن عرف الأشكال مثلي لم يشبـ
ـه بشرك هدى في رفع اشكال شبهة(146)

وهي تمثل الحقيقة التي في داخله والتي بها شغل عنها، وأنه عندما كشف حجاب النفس وجدها لأنها في نفسه، فجلا مرآة ذاته، وانه عندما وصل فإلى ذاته وبها، وانها أشهدته نفسه فتحقق أنه وهي واحد:

ومازلت إياها وإياي لم تزل
ولا فرق، بل ذاتي لذاتي أحبت

......................
أسائلها عني اذا ما لقيتها
ومن حيث أهدت لي هداي أضلت

وأطلبها مني، وعندي لم تزل
عجبت لها بي كيف عني استجنت

ومازلت في نفسي بها متردداً
لنشوة حسي والمحاسن خمرتي

أسافر عن علم اليقين لعينه
الى حقه، حيث الحقيقة رحلتي

وأنشدني عني، لأرشدني على
لساني، الى مسترشدي عند نشدتي

وأسألني رفعي الحجاب بكشفي الـ
نقاب، وبي كانت الي وسيلتي

وأنظر في مرآة حسني كي أرى
جمال وجودي، في شهودي طلعتي

فإن فهت بأسمي أصغ نحوي تشوقاً
الى مسمعي ذكري بنطقي وأنصت

وألصق بالأحشاء كفي عساي أن
أعانقها في وضعها عند ضمتي

وأهفو لأنفاسي لعلي واجدي
بها مستجيزاً أنها بي مرت

الــى أن بدا مـني لعـيني بـارق

وبان سنا فجري، وبانت دجنتي

هناك الى ما أحجم العقل دونه
وصلت وبي مني اتصالي ووصلتي

فأسفرت بشراً إذ بلغت الي عن
يقين، يقيني شدّ رحل لسفرتي

وأرشدتني، إذ كنت عني ناشدي
اليّ، ونفسي بي عليّ دليلتي

وأستار لبس الحس لما كشفتها
وكانت لها أسرار حكمي أرخت

رفعت حجاب النفس عنها بكشفي الـ
نقاب فكانت عن سؤالي مجيبتي

وكنت جلا مرآة ذاتي من صدا
صفاتي، ومني أحدقت بأشعة

وأشهدتني إياي، إذ لا سواي في
شهودي موجود فيقضي بزحمة

......................



ولما شعبت الصدع والتأمت فطو
ر شمل بفرق الوصف غير مشتت

ولم يبق ما بيني وبين توثقي
بايناس ودي، ما يؤدي لوحشة

تحققت أنا في الحقيقة واحد
وأثبت صحو الجمع محو التشتت(147)

إن المرأة تجلي الوجود، وجوده وكل وجود، وإنه ليراها في كل مرئي، وبها يشهد غيبه:

جلت في تجليها الوجود لناظري
ففي كل مرئي أراها برؤية

وأشهدت غيبي اذ بدت فوجدتني
هنالك إياها بجلوة خلوتي

وطاح وجودي في شهودي وبنت عن
وجود شهودي، ماحياً غير مثبـت

وعانقت ما شاهدت في محو شاهدي
بمشهده للصحو، من بعد سكرتي

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها
وذاتي بذاتي إذ تجلت تجلّت

فوصفي إذ لم تدع باثنين وصفها
وهيئتها، إذ واحد نحن هيئتي

فإن دعيت كنت المجيب وإن أكن
منادى أجابت من دعاني ولبت

وإن نطقت كنت المناجي كذاك إن
قصصت حديثاً إنما هي قصت

فقد رفعت تاء المخاطب بيننا وفي
رفعهاعن فرقة الفرق رفعتي

فإن لم يجوّز رؤية اثنين واحداً
حجاك، ولم يثبت لبعد تثبت

......................


كذا كنت حيناً، قبل أن يكشف الغطا
من اللبس، لا أنفك عن ثنوية

أروح بفقد بالشهود مؤلفي
وأغدو بوجد بالوجود مشتتي

يفرقني لبي التزاماً بمحضري
ويجمعني سلبي، اصطلاما بغيبتي

أخال حضيضي الصحو والسكر معرجي اليها، ومحوي منتهى قاب سدرتي(148)













والشاعر في الأبيات هذه، يؤكد أنه كان متحداً بها في عالم الروح فشتتهماالصحو والظهور الى عالم الحس.وأنها هي التي نقلته الى عالم الصحو والظهور بعد المحو والكمون، فتجلت ذاته بها، أي تجلت ذاته بذاته…إن جمال الجوهر الأنثوي يهدي الى جمال حقيقي يتسم بالكلية والثبات. فهو يعبر عن الحقيقة المطلقة التي هام بها الشاعر والتي يحاول الوصول اليها ورؤيتها ليصير ويتحقق وجوده:
حقيقتي همت بها
وما رآها بصري

ولو رآها لغدا
قتيل ذاك الحور

فعندما أبصرتها
صرت بحكم النظر

فبت مسحوراً بها
أهيم حتى السحر(149)

وهذا الجمال في تجليه في المظهر الحسي يتجاوز هذا المظهر في سعيه صوب اللامتناهي والفكرة المطلقة. إن الشاعر يتطلع من خلال المرأة الى الجمال الإلهي. ومن هنا بدت المرأة في الشعر الصوفي رمزاً موحياً دالاً على الحب الإلهي، وتم للصوفية فيه التأليف بين هذا الحب والحب الانساني. فقد ردوا الجمال الأنثوي الى الجمال العالي المطلق الذي لا تعيّن له في نفسه. والشاعر يحن الى الوحدة ويشتاق الى الجمع. ويصور جلال الدين الرومي لقاء الحبيبة بالرحلة للقاء الله والسعي الى الوحدة معه، ولابن عربي شعر في ذلك(150). ولكن الحبيبة ضنينة بالجمع سمحة بالتشتت، محجبة دون الألباب التي تتعلق بها:


فلي بين هاتيك الخيام ضنينة
عليّ بجمعي، سمحة بتشتتي

محجبة بين الأسنة والظبى
اليها انثنت ألبابنا إذ تثنت(151)

والشاعر من فئة تؤمن بالاتحاد لا بغيره:

وجل في فنون الاتحاد ولا تحد
الى فئة في غيره العمر أفنت

فواحده الجم الغفير، ومن غدا
ه شرذمة، حجت بأبلغ حجة

فمت بمعناه وعش فيه أو فمت
معّناه، واتبع أمة فيه أمت(152)

وهو اتحاد بالجمال المطلق لا بغيره، فما يهواه هو الجمال غير المقيد الذي تجلى في شخص الحبيبة، وهو الجمال الذي تجمعت فيه الأهواء وصبت اليه الأرواح:

تجمعت الأهواء فيها فما تـرى
بها غير صب لا يرى غير صبوة

اذا أسفرت في يوم عيد تزاحمت
علــى حسنــها أبصــــار كـــــل قبـيلــــــة




فأرواحهم تصبو لمعنى جمالـها
وأحداقهـــم مـــن حسنهـــــا في حديقــــة


وعندي عيدي كل يـوم أرى به
جمال محـياها، بعيـن قريـرة

وكل الليالي ليلة القدر إن دنـت
كما كل أيـام اللقـا يوم جمعـة



وسعيي لها حج، به كل وقفــة
على بابها، قد عادلت كل وقـفة

وأي بلاد الله حلـت بـها، فـما
أراها، وفي عيني حلت، غير مكة

وأي مكان ضمها حـرم، كـذا
أرى كل دار أوطـنت دار هجرة

ومـا سكنته فهـو بــيـت مقــدس
بقرة عيني فيه، أحشـاي قـرت

ومسجدي الأقصى مساحب بردها
وطيبي ثرى أرض، عليها تمشت

....................
وإن طرقت ليلاً، فشهري كله
بها ليلة القدر ابتهاجا بزورة

لئن جمعت شمل المحاسن صورة
شهدت بها كـل المعانـي الدقيقـــة

ولم لا أباهي كل من يدعـي الهـوى
بها وأنــا هـــي في افتخـــاري بحظــــوة


وقد نلت منها فوق ما كنت راجياً
وما لــم أكـن أملت من قـرب قربتي(153)
وهذا الجمال المطلق يبدو بمظاهر كثيرة يعبر عنها الشاعر بلفظ الأنثى، وهي تبدو وتخفى على حسب الأوقات لعلة في كل حقبة وتظهر للعشاق في مظاهر كثيرة، ففي مرة لبنى وأخرى بثينة وآونة عزة، وقد تراءت لآدم في صورة حواء فهام بها، ولسن سواها ولا كن غيرها. وهو يبدو لها في صورة كل صب متيم، والذين سبقوه في هواها ليسوا غيره، ففي مرة يكون قيساً وأخرى كثيراً وآونة جميل بثينة، فقد تجلى فيهم ظاهراً واحتجب باطناً. وهن وهم عبارة عن مظاهر تتعلق بعضها ببعض بوساطة عاطفة الحب، فكل فتى أحب إنما كان هو، وهي حب كل فتى، والكل إنما أسماء للظاهر:

وصرح باطلاق الجمال ولا تقل
بتقييـده ميـلاً لزخـرف زيـنـة

فكل مليح حسنه من جمالها

معار له، بل حسـن كـل مليـحة

بها قيس لبنى هام، بل كل عاشق
كمجنون ليلى أو كثيـر عـزة

فكل صبا منهم الى وصف لبسها
بصورة حسن لاح في حسن صورة

وما ذاك الا أن بدت بمظاهر
فظنوا سواها، وهي فيـها تجلـت

بدت بأحتجاب،واختفت بمظاهر
على صبـغ التلوين في كـل برزة

ففي النشأة الأولى تراءت لآدم
بمظهر حّـوا، قـبل حكـم الأمـومة

فهام بها كيما يكون به أبا
ويظهر بالزوجين حكم البنوة

وكان ابتدا حب المظاهر بعضها
وما بــرحت تبـــدو وتــخفــى لعلــــة لبعض، ولا ضد يُصدّ ببغضة
على حســب الاوقــات في كــل حقبـــــــــــة
وتظهر للعشاق في كل مظهر
من اللّبس في أشكال حسن بديعة

ففي مرة لبنى وأخرى بثينة
وآونة تدعى بعزة عزت

ولسن سواها، لا ولا كن غيرها
وما إن لـها في حسـنها من شريـكة

كذاك بحكم الاتحاد بحسنها
كما لي بدت في غيرها وتزيت

بدوت لها في كل صب متيم
بأي بديع حسنه وبأية

وليسوا بغيري في الهوى لتقدم
عليّ لسبق في الليالي القديمة

وما القوم غيري في هواها وإنما
ظهرت لهم للّبْس في كل هيئة

ففي مرة قيساً، وأخرى كثيراً
وآنة أبدو جميل بثينة

تجليت فيهم ظاهراً واحتجبت با
طناً بهم، فأعجب لكشف بسترة

وهن وهم، لا وهن وهم مظاهر
لنا بتجلينا بحب ونضرة

فكل فتى حب أنا هو، وهي حـ
ب كل فتى، والكل أسماء لبسة

أسام بها كنت المسمى حقيقة
وكنت لي البادي بنفس تخفت(154)


إن الجمال المطلق يتجلى في الأشكال، بخلق الأشكال.. الوجود الإلهي السابق يوجد الوجود الظاهر ليخلق أشكالا تظهره . فالوجود السابق له صفة الفعل، والوجود اللاحق له صفة الأنفعال:

فما ثم الا الحق والحق فاعل
وما ثم الا الخلق والخلق منفعل(155)

فالشكل أو الوجود الظاهر محل للانفعال والتكوين في مقابل صفة الفعل التي للوجود الباطن، فالله خلق الرجل على صورته، فالرجل محل انفعال لله، والمرأة محل انفعال للرجل. ولم يعبر الفكر الاسلامي عن فعل الرجل وصدور الأبناء تعبير(الخلق) بل استعمل عبارة (التولد)(156).فالأولاد يتولدون عنه، والمرأة محل للانفعال به. الرجل فاعل، والمرأة منفعل به، جوهر فاعل، وعرض منفعل، يظهر آثار الفعل، فالنساء جعلهن الله محلاً لظهور الأبناء. ولقد قرروا قانوناً عاماً في علاقة الفاعل والمنفعل، مؤداه أن كل مؤثر فاعل وكل مؤثر فيه منفعل، وأن قبول المرأة للحمل يوازي رتبة الانفعال. والمرأة بالنسبة الى الرجل كالطبيعة بالنسبة الى الأمر الإلهي. من عرف الطبيعة عرف مرتبة المرأة، فهي محل الفعل والبذر. ونفهم من ابن العربي أن هناك توازياً ما بين الأنثى والطبيعة من حيث كونهما في مدرج الأنفعال، إذ كما تنفعل الأنثى للرجل تنفعل الطبيعة بأسرها للحق. فالطبيعة هي النفس الذي فيه انفتحت صور العالم لسريان النفحة الإلهية. ولقد كانت السماء رمزاً للذكر في مقابل رمزية الأرض، الأم التي ارتبطت بتصورات وأفكار خاصة أضفت عليها رمز الوعاء(157).
لقد وضع الفكر الاسلامي المرأة في مرتبة الخلق المنفعل في مقابل مرتبة الجوهر الفاعل. والخلق المنفعل يظهر تأثير الفاعل، أو يعكس هذا التاثير، فالمرأة تعكس الجوهر الذي في الرجل.وفي تصور ابن عربي عن المرأة أن فيها يشاهد الرجل فاعلاً فهي فاعل ومنفعل. أي إن المرأة رجل كذلك من حيث أنها تعكس جوهر الرجل(158). وننتهي معه الى نتيجة لعلها تفسير لأبياته الآتية التي يقول فيها إنه ما في الكون من رجل، لأن الرجال هم الأناث اللواتي يعكسن الرجال:

إنا اناث لما فينا يولده
فلنحمد الله ما في الكون من رجل

إن الرجال الذين العرف عينهم
هم الأناث وهم نفسي وهم أملي(159)

إن المرأة فاعل ومنفعل، لأن فيها ينعكس جوهر الرجل، هي تعكس هذا الوجود في ما يظهر منها من وجود، ففيها يظهر تكوين ما سوى الله(160).
وقد عبر الصوفية عن الفعل والانفعال بالإيجاب والسلب. ولقد جعلوا (الذكورة) تمثل مبدأ الايجاب أو الفعل، والذكر خالق بالفعل، وهذه الصفة انعكاس عن صفة الله الخالق:

فأشكاله كانت مظاهر فعله

بستر تلاشت، إذ تجلى وولت

وكانت له بالفعل نفسي شبيهة
وحسي كالاشكال واللّبس سترتي(161)

وكما أن الأشكال مظاهر فعل الله، وأن الرجل مظهر فعله، كذلك فإن المرأة بوصفها مظهراً أو شكلاً فهي مظهر فعل الرجل، وهي بهذا تجمع بين مبدأ الفاعل والمنفعل. والرجل يمثل مبدأ الفاعل فقط. ولقد حلل بعضهم مصطلح الحقيقة بوصفه مصطلحاً دالاً على التأنيث بأنها أب وأم للكل لأنها وفقاً لاسمها المؤنث تجمع بين الفعل والانفعال وتتضمن التوازن والانسجام بين الظهور والاحتجاب، فهي الفاعل من حيث أنها الباطن الخفي في كل شكل والمعين الذي يعيّن ذاته في كل متعيّن. وهي المنفعل من حيث ظهورها في المظهر الذي يظهرها ويحجبها. المرأة يتأمل فيها الرجل طبيعته الكلية التي هي فعل وانفعال. إن الذكورة والأنوثة مبدآن: الأول فاعل والثاني منفعل، وان المرأة تنطوي على مبدأ الفاعل والمنفعل، فلها رتبتان، وللذكر رتبة واحدة.(162)
إن ظهور المرأة هو ظهور للحياة. ووجودها وجود للحركة لأن وجودها وجود للعلاقة أو وجود للتناقض الذي هو الحركة. ولذلك تقترن برمز الدائرة حول المربع. وكنا قد ذكرنا أن الحياة توجد من خلق العدم، وأن العدم (وهو أحد النقيضين قبل ايجاده) يؤدي الى كمون الوجود(الذي هو النقيض الآخر السابق الذي سميناه أصل الحركة) وان الوجود السابق ينفي العدم او يوجده فيتجلى الوجود، فأيجاد العدم هو تجلي للوجود، أي ظهور بعد كمون(163)، أي ان وجود الحياة هو ظهور للحياة التي كانت كامنة، وان هذا الظهور أو التجلي على مراحل أو أجزاء. فالوجود السابق يوجد الوجود الظاهر على مراحل أو أجزاء. فالخلق لا يتجلى كله مرة واحدة في فكر المتصرفة وغيرهم. وهناك جوهر كامن أو روح كلية كامنة تخرج على أجزاء، وان الأشياء تخرج من حيز القوة الى حيز الفعل شيئاً فشيئاً، وانها تخرج الى حيز الفعل بوساطة العقل الأول، والعقل الأول هو النفس الكلية، ويسمونه المبدأ والمعاد. والمبدأ هو أصل الأشياء، والمعاد ما تعود اليه الأشياء، وقد وصفوه بأنه لا يتعرض للفناء أبداً لأنه جوهر روحاني، فهو تام كامل(164). إن العلو لا يتجلى على نحو واحد، وإنما يتنوع التجلي بتنوع الصور، كما يتنوع بحسب استعداد المتجلي لتفاوت الاستعدادات شدة وضعفاً(165).
ومن جملة الوجود المتجلي الانسان. وهو كذلك يتجلى على مراحل أو أجزاء أو أفراد، وإن هؤلاء الأفراد يدفع بعضهم بعضاً، أو ان الوجود السابق يدفع بعضهم ببعض أو يقذف بعضهم ببعض فيزهقه، وما يزهق هو الباطل. وهذا يعني أن الانسان حق وباطل او علاقة بينهما. وإن هذه العلاقة تنشطر دائماً ليزهق منها الباطل أو العدم الذي أصبحت له رتبة وجودية في الانسان كما يبين ابن عربي. ويستمر تتابع الصور البشرية الذي هو تتابع لوجود صور الحق وتتابع لزهوق صور الباطل حتى يتم ازهاق الباطل كله تماماً، ذلك العدم المقترن بأصل الحركة: ((إن الباطل شيء قذف بالحق عليه فدمغه، فإذا الباطل زاهق. ولا يزهق الا ما له عين أوما تخيل أن له عينا, فلابد له من رتبة وجودية خيالاً كانت أو غير خيال قد اعتني بها على كل حال. ثم إنه من أعظم الحيرة في الحق أن الحق له الوجود الصرف، فله الثبوت، وصور التجلي حق بلا شك.
وما لها ثبوت وما لها بقاء
لكن لها اللقاء فما لها شقاء

ما من صورة ينجلي فيها إلا اذا ذهبت ما لها رجوع ولا تكرار وليس الزهوق سوى عين الذاهب، فأين تذهبون. فهل في الحق باطل، أو ما هو الباطل، وما أذهب الصورة الا قذف الصورة الأخرى، وهي تذهب ذهاب اختها، فهي من حيث ورودها حق، ومن حيث زهوقها باطل، فهي الدامغة المدموغة.فصدق من نفى رؤية الحق فإن الحق لا يذهب فإنه إن كانت الصور صورنا فما رأينا الا أنفسنا، ونحن ليس بباطل وقد زهقنا بنا فنحن الحق لأن الله بنا قذف علينا، فما أتى علينا الا منا فالله بالحق قاذف، والعبد
للحكم الإلهي واقف:
فالعين مني ومنه
لها البقا والثبوت

ومنه مني يحيي
أو منه مني يموت

لا تدعي فيه دعوى
فإنه ما يفوت

من ذا الذي منه يحيي
أو من هو منه يميت

قد حرت فيه وفينا
فنحن خرس صموت

أصبحت لله قوتاً
وإنه لي قوت

فالأمر دور وهذا
علمي به ما بقيت))(166)

إن ايجاد العدم هو غاية الخلق، ولقد قلنا إن العدم بالنسبة الى جنس الانسان هو المرأة. وهذا يعني أن ايجاد المرأة هو هذه الغاية،فهي الجانب السالب أو العدم في جنس الانسان. وأن ايجاد هذا الجانب السالب إظهار للوجود الذي جعله (العدم) كامناً. إن اظهار هذا الوجود هو الغاية التي تحرك تطور تاريخ الانسان، وذلك بوساطة خلق المرأة، فهي إذن غاية تطور الجنس الانساني. لذا نجد في الاساطير القديمة(ايزيس) رمزاً لكل ما كان وما هو كائن وما سوف يكون. وقد تحدثت الأساطير القديمة عن الأم السارية الأمومة، أي الوجود المتصل المصاحب للزمان، وإن تعبير (ما سوف يكون) يعني أن المرأة تحقق التجلي الأعلى(167). وهذا التحقق أو التجلي يتم على مراحل أو أجزاء كما قلنا. واذا كان الوجود السابق يوجد المرأة أو يوجد العدم على أجزاء، فإن هذه الأجزاء التي يظهر كل منها جزءاً من الوجود الكامن أو يعكسه والتي يمثلها وجود المرأة على الأرض لا تمثل أو لا تعكس الوجود السابق عليها كاملاً حتى يتم ايجاد آخر جزء من العدم الذي تراكمت فيه كل الأجزاء التي تم ايجادها (لأن الوجود الأنساني وجود متصل ومتراكم)، فهو يعكس الوجود الكامن أو الجوهر السابق عليه تماماً، الشكل الذي لا سلب فيه اذن هو المرأة الأخيرة الكاملة. ان غاية التطور الطويل في تاريخ الانسان هي الوصول الى هذه المرأة، فهي غاية استمرار الجنس الانساني، غاية وجود الانسان، انها الغاية التي يسعى إليها الكون كله.
إن الرجل يمثل الوجود الكامن، غير الظاهر في مراحل تطوره، في مراحل تناقضه مع صورته الكاملة التي تمثلها المرأة الكاملة قبل أن يصل التطور الى المرحلة الأعلى، فهو يمثل مرحلة عدم تحقق الجوهر تماماً في الشكل قبل الوصول الى المرأة الكاملة. والجوهر يبقى يوجد العدم [ويستمر في تجليه] حتى ينطبق عليه الشكل تماماً، حتى يتعادل العدم الذي في الرجل مع الوجود الذي تمثله المرأة بأن يصبح وجوداً على قدره تماما، أي بأن تخلق المرأة التي تمثل وجوداً ظاهراً أو شكلاً يعكس كل الوجود الكامن في جنس الرجل، المرأة التي تمثل وجوداً ظاهرا للمرأة الكامنة في الرجل. فالرجل وجود كامن لأنه لم يستكمل نفي ما فيه من سلب أو عدم، والمرأة وجود ظاهر. واذا كانت غاية الخلق هي تحويل الوجود الكامن الى وجود ظاهر، فإن المرأة هي التي تحقق غاية الخلق. وإن الخلق والتوالد يستمر للوصول اليها. إن الشكل الأعلى تمثله المرأة لأنها تمثل شكلاً ينطبق على جوهره. وإن الوصول الى هذه المرأة هو الغاية التي يسعى اليها الجنس الإنساني من وراء عملية التناسل المستمرة، وإن الوصول اليها يمثل انتهاء علاقة التناقض (التي يمثلها الانسان) وهذا يعني انشطارها. أي ان الوصول اليها يشطر كل علاقات التناقض السابقة (الناس كلهم) التي بقيت تحتفظ بكيانها لأن الجوهر الكامل لم يستكمل تجليه في الصورة أو الشكل، لم يستكمل ايجاده للعدم.
إن انشطار علاقة التناقض يعني انتهاء علاقة الذكر والانثى، فالوصول الى هذه المرأة التي تجلي الوجود الكامن في الرجل تماماً ينهي التناقض والاختلاف بين الجوهر الذي يمثله الرجل والشكل الذي تمثله المرأة. أي ان هذه المرأة تمثل اتحاداً بين الرجل والمرأة، تمثل انطباقاً بين شكل المرأة وجوهر الرجل، وعندها تنتهي العلاقة التي يمثلها الجنس الانساني. إن الوصول اليها يعني انتهاء الجنس الانساني.
لقد تحدث الفكر الصوفي عن هذه المعاني، وإن الخلق تجلي، وإن التجلي هو غاية الخلق. والتجلي تحقق واقعي وتجاوز لهذا التحقق، إنه اتصال وانفصال بين الجواهر والأعراض(168). وإن المرأة هي التي تحقق التجلي الكامل. والتجلي الكامل يمثل انطباق الشكل على الجوهر الكامل تماماً. وهذا يمثل عودة الخلق الى المبدأ الذي صدر عنه، فهو يصل في النهاية الى البداية التي انطلق منها. والبداية هي الجوهر الكامل أو الوجود السابق الكامن، هي الله، فلقد وصف الخالق عز وجل نفسه بأنه الأول لأن الخلق ومنه الانسان قد صدر عنه، وبأنه الآخر من خلال عودة الإنسان أو الوجود المادي اليه ، لأن الخلق صدر عنه ليسعى الى العودة اليه عن طريق إظهاره . وللسهروردي قوله في (مناجاة) له:
((إلهي واله جميع الموجودات، من المعقولات والمحسوسات.
……
أنت الأول الذي لا أول قبلك.
وأنت الآخر الذي لا آخر بعدك.
…..
يا نور كل النور.
يا قيوم يا حي، يا كل، يا مبدأ الكل.))(169)
فهو الأول وهو الآخر، ولأنه كذلك فإن الوصول اليه بالسعي الى الكشف عنه يسير في حركة دائرية. وقد أكد الفكر الاسلامي مسألـة الدورة في مسيرة النفس الانسانية، وأن ((النفس بدأت من عالم تعود اليه))(170) وأن صدور الخلق عن الله يعتمد على عمليتين أساسيتين، هما عملية صدور هابطة من الواحد الأول الإلهي في خلال درجات ثمان تنازلية للوجود، ثم عملية عود تصاعدية للتكامل في نفس الانسان(171). وأن المرأة هي التي تحقق هذه العودة، لأنها تمثل حالة الكشف والإظهار، فمن جمالها المقيد يعبر الى الجمال المطلق، فهي تعكس هذا الجمال المطلق، ومن خلالها نعبر اليه(172)، أي انها تحقق العودة اليه. ولذا فإن حب الرجل للمرأة واتحاده معها يحقق له العودة الى مبدأه.
وها أنا أبدي في اتحادي مبدئي
وأنهي انتهاء في تواضع رفعتي(173)

وقد تحدثوا عن (الإنسان الكامل) الذي سيحقق هذه العودة، هذا الإنسان وصفوه بأنه يمثل كل تاريخ الانسان، وقد وصفوه بأنه أبو الوقت، وكأن كل تاريخ الانسان يعمل جاهداً على صنعه. واذا وصفوا تطور تاريخ الانسان بأنه جدل العلاقة بين المربع والدائرة، فقد وصفوا هذا الإنسان الكامل بأنه المربع أو النقطة والدائرة، لأنه يتضمن كل تاريخ الإنسان كما قلنا.
لقد تحدث المتصوفة عن (الإنسان الكامل) الذي أراد الجوهر الكامل أن ينعكس من خلاله، وهذا ما تناولته لديهم نظرية الفيض، وأن الانسان الكامل هو الصورة التي أراد الله أن توافقه.
وفكرة الإنسان الكامل لا تخص المتصوفة وحدهم، وهي فكرة قديمة وقد ألقت عليها الأبحاث المعاصرة ضوءاً ساطعاً، وبينت انها نشأت في الرؤى السامية، فنجدها عند أنبياء بني اسرائيل، وفي المسيحية وفي الاسلام. ولقد وصفوه بأنه النموذج الأول للانسانية وأصلها. وأنه كائن ذو طبيعة إلهية، لكنه متميز عن الألوهية العليا بكونه الحياة الفانية(174). وأنه الانسان الخليفة الذي حاز مرتبة الانسانية، أما غير الانسان الكامل فهو الانسان الحيوان(175): ((وما كل انسان خليفة، فإن الانسان الحيوان ليس بخليفة عندنا))(176) وان الخلافة عن الله معنى مركوز في الانسان بالقوة منذ آدم الى آخر مخلوق وهو الانسان الكامل(177). وهذا قد يتصل بنظرية الكمون كما قلنا، التي تاثروا بها، فجميع الموجودات خلقها كامن في آدم، ثم أكمن خلق بعضها في بعض، وإن التقدم والتأخر لوجودها الظاهر، لا لوجودها الكامن الذي هو وجود كامل وسابق(178). فالانسان الكامل الذي يضم كل تاريخ الانسان يتحقق على أجزاء تتمثل في أفراد البشر، فهو الكامل بالتحقق وليس له الكمال أصالة(179). وقد تكلم أخوان الصفا على النفس الكلية والنفوس الجزئية التي تؤلفها، وهي دورات كل منها قيامة واحدة. وإن النفس الكلية سوف تنتصر، وانتصارها رمز الى ظهور السابع(180). وقد قلنا ان الرقم(7) هو دورة الفلك لديهم فهو الدائرة، والدائرة هي المرأة. فالانسان الكامل يكون من النساء شكلاً كما يكون من الرجال جوهراً، يقول ابن عربي:(( وليس المخصوص بها أيضاً الذكورية فقط، فكلامنا اذن في صورة الكامل من الرجال والنساء.))(181) فالمرأة انسان كامل ولهذا تصلح أن تكون اماماً في الصلاة فهذا للرجال وللنساء على السواء.(182)
إن الانسان الكامل أو النفس الكلية هي تجميع لكل النفوس الجزئية التي ظهرت على مدى التاريخ.(183) وقد يعبرون عن النفس الكلية بأنها المرأة، وقد عبروا عنها بقدسية، فهي اللوح المحفوظ الذي يمده القلم الأعلى.(184) ولقد تحدثوا في فكرة الأنسان الكامل عن انتصار المرأة. ونقرأ في أحاديثهم عنه عبارة: تلد الأمة ربتها. وقد يجعلون للمرأة دوراً تمهيدياً تقوم به، فمنها يولد الانسان الكامل(185)، فهي تهيء لظهوره، لأن المرأة هي السبب لظهور الانسان وهذا ايضاً معنى وصفها بأنها الوجود الظاهر، فهو لا يعني فقط أنها تظهر إنما هي تظهر الرجل كذلك، فهي ظهور للخلق جميعاً. ومعنى انها تهيء لظهور الانسان الكامل نجده عند نيتشه في فلسفته لوجود الإنسان الكامل الذي تلده المرأة ولا تكونه. ولابن عربي شعر يتحدث فيه عن الانسان الكامل الذي كتبت له الغلبة من خلال المرأة التي يعمي سناها الأبصار:
إن الظهور له شرط يؤيده
وليس يظهره الا الذي غلبا

إن الفتاة التي في طرفها حور
تفني الدموع وتذكي قلبنا لهبا

فإن أتوك وقالوا إنها نصف
فإن أفضل نصفيها الذي ذهبا

أنقدتها ورقاً حتى أفوز بها
فمانعت فلهذا صغته ذهبا

لو أنها ظهرت لكل ذي بصر
أعمى سناها لهذا عينها احتجبا(186)

واذا كان قد وصف الانسان الكامل بأنه(الخليفة)، فإنه وصف الشمس ـ وهي مؤنث ـ لا القمر ـ المذكر ـ بأنها خليفة الله تعالى في السموات والأرض.(187)
إن الانسان الكامل يمثل انطباق كل الظاهر على الباطن. وهو ظاهرة فردية لا تنطبق على الواقع الإنساني العام . ولقد جعل ابن عربي الكمال المطلق مقياساً للكمال الانساني بدل أن يستقرئ الانسان متخذاً إياه القياس. ولذلك تتوالى مصطلحاته المرادفة للإنسان الكامل: ظل الله، عرش الله، خليفة الله. فهو صورة الحق(188).هو المظهر الخارجي للاهوت، فاللاهوت يتجلى في الناسوت في صورة الآكل الشارب، كما يقول الحلاج:

سبحان من أظهر ناسوته
سر سنا لاهوته الثاقب

ثم بدا لخلقه ظاهراً
في صورة الآكل والشارب

حتى لقد عاينه خلقه
كلحظة الحاجب بالحاجب(189)

وقد ذهب الحلاج الى ((أنه صورة الإله القائمة على الأرض. وأن كل انسان يمثل واحدة من تلك الصور الألهية التي لا تحصى… وفي ضوء ما قلنا يتضح معنى الدعوى الحلاجية التي من أجلها لقي صاحبها حتفه، وهي قوله (أنا الحق)..أي أنا المظهر الخارجي الذي ظهر فيه الحق وبواسطته ظهر جلال الحق وجماله.))(190) وله شعر كثير يخاطب فيه الحق بأنه هو نفسه، ومنه:
كتبت ولم أكتب اليك وإنما
كتبت الى روحي بغير كتاب

وذلك أن الروح لا فرق بينها
وبين محبيها بفصل خطاب

وكل كتاب صادر منك وارد
اليك، بلا رد الجواب، جوابي(191)

وقد تعارف المتصوفة على المعاني التي ترددت في شعر الحلاج، يقول الجنيد:
إذا شئت أن أدعوه ناديت: يا أنا
وان يدعني، نادى جميعي بيا إني

فيخبرني عني بما أنا مخبر
اذا شئت عني بالذي مخبر عني(192)

فالناس صور تصدر عن الذات الإلهية، والإنسان الكامل هو الصورة الكاملة ولهذا سمي كاملاً(193): ((إن الانسان الكامل لا يبقى له في الحضرة الالهية اسم الا وهو حامل له.))(194) فهو فريد من نوعه، كما يقول الأمير عبدالقادر الجزائري(195)، ((ثم كشف لي عن برزخية الانسان الكامل، وقال لي: هو الوجه لكل وجهة، وهو مولاها، وهو الجامع لأحكام الوجوب والامكان. وهو مجمع البحرين: أي الظهور والبطون. وقال لي: هو صاحب درجة الاعتدال ومنصب النقطة والعلة، وهو سر الاسم الأول من حيث المعنى، والآخر من حيث الصورة. وقال لي: (الانسان طابع علامة الاسماء وهو الختم المذكور بسر الإمداد والاستمداد، وهو وارث الخلافة بمظهر الوحدة والكثرة. ثم كشف لي عن تاموره الأزلي فقرأت قوله تعالى: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين.) لمعنى قوله: (إن الله خلق آدم على صورته))(196). فهو يجمع بين الباطن المطلق والظاهر المطلق_كما يقول_: ((اعلم أن مرتبة حقيقة الانسان الكامل هي باطن الاسم الظاهر، وهو برزخ بين الظاهر المطلق وبين الباطن المطلق. فالحضرة الكونية المسماة بالعالم هي صورة الاسم الظاهر، والحضرة الإلهية هي مرتبة الاسم الباطن. وحضرة الانسان الكامل هي مظهر الاسم الجامع بين الاسم الظاهر والاسم الباطن، فالانسان الكامل برزخ بين الحضرة الالهية..والكونية.))(197) فلقد ((أقامه الحق برزخاً بين الحق والعالم، فيظهر بالأسماء الالهية فيكون حقاً، ويظهر بحقيقة الإمكان فيكون خلقاً.))(198) فهو (الجامع لحقائق العالم وصورة الحق سبحانه))(199) إذ ((خلقه الله في أحسن تقويم وأبرزه نسخة كاملة جامعة لصور حقائق المحدث وأسماء القديم..وأنشأه برزخاً جامعاً للطرفين،))(200) وبهذا ((فما صحت الخلافة الا للانسان الكامل، فأنشأ صورته الظاهرة من حقائق العالم وصوره، وأنشأ صورته الباطنة على صورته تعالى، ولذلك قال فيه (كنت سمعه وبصره)، ما قال كنت عينه وأذنه: ففرق بين الصورتين))(201) ((فكأنه برزخ بين العالم والحق، وجامع لخلق وحق. وهو الخط الفاصل بين الحضرة الالهية والكونية، كالخط الفاصل بين الظل والشمس وهذه حقيقته.))(202) ((فظاهر الانسان خلق وباطنه حق، وهذا هو الانسان الكامل المطلوب، وما عدا هذا فهو الإنسان الحيواني.))(203) ((الإنسان الكامل: هو الحد الجامع الفاصل بين الحق والعالم، فهو يجمع من ناحية بين الصورتين، يظهر بالأسماء الإلهية فيكون حقاً، ويظهر بحقيقة الامكان فيكون خلقاً))(204) ((وكما هو برزخ بين الحق والخلق في الوجود، كذلك هو برزخ بينهما في العلم والمعرفة))(205) ((وهو…الكلمة الجامعة، وأعطاه الله من القوة بحيث أنه ينظر من النظرة الواحدة الى الحضرتين فيتلقى من الحق ويلقي الى الخلق))(206) ((وهو يفصل من ناحية أخرى بين وجهي الحقيقة، فيمنع الخلق من عودة الإندراج في الغيب الذي ظهر منه، إنه حد بين الظاهر والباطن، يمنع الظاهر من اندراجه في البطون))(207) فهو يمثل قمة تجلي الباطن، حتى يمنع الظاهر من اندراجه في البطون، أي لا اندراج في البطون مع وجوده، فقد خرج كل الوجود الباطن الى عالم الظهور والحس، ونفي العدم أو الجانب السلبي تماماً. ولأنه الظهور الأكمل والأخير، فقد جعله صدر الدين القونوي المرتبة الأخيرة في الوجود الذي قسمه الى أربعين مرتبة، فهو يمثل ظهور الحق الأكمل، وهو العالم الدنياوي والعالم الأخراوي، وهو القديم والحادث.(208)
إن الإنسان الكامل هو الغاية التي تحرك الوجود الإنساني. ظهوره بالولادة وتجاوز هذا الظهور بالموت، فهناك فكرة كلية كامنة تحرك كل تاريخ الإنسان الطويل. وهذه الغاية كامنة في آدم وتتحقق على أجزاء في ذريته، حتى الجزء الأخير الذي يمثل الأجزاء كلها، فهو الوجود الجامع الكامل الذي يعادل الوجود السابق الكامن . كما انه غاية العالم، والحافظ له. أي انه ما دام التطور لم يصل اليه بعد، فوجود العالم يبقى مضموناً مستمراً حتى يتحقق هو: ((إن الانسان الكامل هو علة وجود العالم، والحافظ له.. أي المخلوق بسببه العالم.))(209) وإنه ((روح العالم، والعالم المسخر له علوه وسفله. وإن الإنسان الحيواني من جملة العالم المسخر له))(210) فالفكر الصوفي يفرق بين الانسان الكامل، الخليفة، والإنسان الحيوان: ((وما كل انسان خليفة، فإن الانسان الحيوان ليس بخليفة عندنا))(211) وذلك ((لأن الانسان الكامل وجد على الصورة لا الانسان الحيوان.))(212)
والإنسان الكامل هو الأول، بوصفه يمثل الباطن. كما انه الآخر، بوصفه يمثل الظاهر الكامل. فهو الأول والقديم(213) ((بوصفه ممثل الانسانية ومعناها الباطن))(214) وغائية التاريخ هي الرجوع القهقرى بشخص هذا الإنسان(215). وقد وصفه ابن عربي بأنه الأول والآخر، الأول لأنه يصدر عن الأول، والاخر لأنه يسعى الى الآخر بمحاكاته، وهذه الحقيقة يأخذها عن الشرع ويشتقها بالعقل:

سبحان من جمع العباد لذكره
يوم العروبة فأصطفاه الأول

ختم الاله به وجود عباده
شرعاً وعقلاً سادتي فتأولوا

ما قلته فلقد أتيت بحكمة
غزا جلاها المقام الأنزل

لما تواضع عن علو مكانه
في ذاته أخفاه عنا الأسفل

فهو المهيمن لا أشك وإنه
لهو الجواد على العباد المفضل(216)

وإن هذه الأولية والآخرية تحفظ العالم، والا لعجز المخلوق القاصر. وهي تعني التقاء الآخر بالأول وعودته اليه، فحركته نحوه حركة دائرية. وهو في حركته الدائبة هذه يجلي الجوهر الكامن فتتحقق المعاني الإلهية في الواقع:

والله ما الأول والآخر
الا لحفظ العالم الداثر

فإنه يعجز عن حفظه
لوصفه المخلوق بالقاصر

فكأن بالآخر حفظاً له
ليلتقي الواحد بالآخر

فأمرنا دائرة كله
فالتحق الأول بالآخر

وإنه جلى لنا ذاته
في صورة الباطن والظاهر(217)

ثم أجمل لنا فكرة واضحة عنه، مبيناً أنه يتحقق على مراحل أو مراتب، كل منها تمثل إحدى الصفات الالهية، وأنه الغاية وحالة الكمال التي تصاحبها حالة كمال للواقع أو المجتمع، إذ تتحقق دولة العدل الإلهي ويتجلـى عدل الله في الأرض، أي يتحقق الواقع الذي يمثل انطباقاً كاملاً على القيم الإلهية، وبهذا ينتهي التناقض بينهما، وبانتهاء التناقض ينتهي وجود العالم الذي يقوم على هذا التناقض: ((ولله الأولية لأنه موجد كل شيء، ولله الآخرية فإنه قال واليه يرجع الأمر كله. وقال واليه ترجعون. وقال الا الى الله تصير الأمور. فهو الآخر، كما هو الأول، وما بين الأول والآخر، تظهر مراتب الأسماء الإلهية كلها. فلا حكم للآخر الا بالرجوع اليه في كل أمر. فإذا كان الله الأول، فالانسان الكامل هو الآخر، لأنه في الرتبة الثانية، وهو الخليفة، وهو أيضاً الآخر بخلقه الطبيعي، فإنه آخر المولدات لأن الله لما أراد به الخلافة والإمامة بدأ بأيجاد العالم وهيأه وسواه وعدله ورتبه مملكة قائمة، فلما استعد لقبول أن يكون مأموماً أنشأ الله جسم الانسان الطبيعي ونفخ فيه من الروح الالهي، فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف فظهر بجسمه وكان المسمى آدم، فجعله في الأرض خليفة. وكان من أمره وحاله مع الملائكة ما ذكر الله في كتابه لنا وجعل الأمامة والخلافة في بنيه الى يوم القيامة. فهو الآخر بالنسبة الى الصورة الإلهية والآخر أيضاً بالنسبة الى الصورة الكونية الطبيعية. فهو آخر نفساً وجسماً. وهو الآخر برجوع العالم اليه لأنه يرجع اليه أمر العالم. فهو المقصود به عمرت الدنيا وقامت، واذا رحل عنها زالت الدنيا ومارت السماء وانتثرت النجوم وكورت الشمس وسيرت الجبال وعطلت العشار وسجرت البحار وذهبت الدار الدنيا بأسرها وانتقلت العمارة الى الدار الآخرة بأنتقال الانسان فعمرت الجنة والنار وما بعد الدنيا من دار الا الجنة والنار. فالاسم الأول للأولى وهي الدار الدنيا، والاسم الآخر للأخرى وهي الآخرة. وإنما قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، وللآخرة خير لك من الأولى، لأن الآخر ما وراءه مرمى فهو الغاية، فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل فله الثبوت والبقاء والدوام. والأول ليس كذلك فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي الى الآخر وهو الغاية فيقف عنده، ولهذا قال له وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى، فأعطاه صفة البقاء والدوام والنعيم الدائم الذي لا انتقال عنه ولا زوال، فهذا ما أعطاه حكم هذه الحضرة والله يقول الحق وهو يهدي.))(218)
ويبين ابن عربي أن حالة الكمال الانساني يسعى اليها الإنسان من خلال ما غرسه الله فيه من مثل أو صفات إلهية يسعى الى التماثل معها. وهذا معنى ما مر ذكره من أن الخلافة عن الله التي يحققها الانسان الكامل معنى مركوز في النفس بالقوة يسعى الانسان الى التماثل معه. فالسعي من جانب الانسان، وهذا يتصل بحقيقة أن الانسان علاقة، والعلاقة حركة، فهو الذي يتحرك باتجاه الكل، الجزء يسعى الى كله، الى التمثل به ، وليس العكس:

(إذا كان من تدري مصور ذاتنا
عليه فما في العين الا مماثل

وإن كان هذا مثل ما قلته لكم
وصح به حكمي فصح التماثل

فما عنده الا الذي هو عندنا
فإن صح هذا القول أين التفاضل

بل أنه عيني وما أنا عينه
ولو أنني كفؤ لبان التقابل

واعلم أن الله لما خلق آدم على صورته علمنا أن الصورة هنا في الضمير العائد على الله، أنها صورة الاعتقاد في الله الذي يخلقه الانسان في نفسه من نظره أو توهمه وتخيله، فيقول هذا ربي فيعبده، إذ جعل الله له قوة التصوير ولذلك خلقه جامعاً حقائق العالم كله، ففي أي صوره اعتقد به فعبده فما خرج عن صورته التي هو عليها من حيث هو جامع حقائق العالم، فلابد أن يتصور فيه، أعني في الحق إنسانيته على الكمال أو من إنسانيته.. فالانسان ينشئ في نفسه صورة يعبدها، فهو المصور وهو مخلوق منشأ أنشأه الله عبداً يعبد ما ينشئه.))(219)
إن العقل البشري يسعى الى التوافق مع العقل الإلهي الذي هو العقل الكامن أو الجوهر أو المركز الداخلي في الإنسان، والذي يدفعه الى تجاوز عقله الفردي الجزئي ويحثه على السعي الى محاكاته. وبتجاوزه لنفسه وحذفه أو الغائه لجزئيته، يعود العقل الجزئي اليه ويكون على قدره.

هوامش المبحث الرابع :

(1) ينظر: معرفة الآخر، مدخل الى المناهج النقدية الحديثة، عبدالله ابراهيم، سعيد الغانمي، عواد علي المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 1990، ص 74ـ 75، 80، 107، 111.و: الأسطورة اليوم، لرولان بارت، ترجمة حسن الغرفي، سلسلة الموسوعة الصغيرة(345)، بغداد دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الاولى، 1990، ص8ـ9، 11،14،16، 23،32، 34،36،95.
(2) ينظر: معرفة الآخر، ص 83، 107، 110.و: الاسطورة اليوم، ص5ـ6.
(3) ينظر: معرفة الآخر ، ص 81.
(4) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص15،31،89،162،164،165،167،168.
(5) ينظر الانسان ورموزه,كارل غوستاف يونغ وجماعة من العلماء, ترجمة سمير علي, دار الشؤون الثقافية والنشر الجمهورية العراقية,1984,ص9, 12, 19, 26, 29, 37,31, 45, 65, 85, 86.
(6) المصدر السابق, ص10, 59.
(7) ينظر: النقد الأدبي الحديث، أصوله واتجاهاته، دكتور أحمد كمال زكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972، ص189،195ـ196.
(8) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص39ـ42،44،46.
(9)المصدر السابق، ص57ـ59،84،89،160،161.
(10) نفسه، ص89، 115، 125، 133، 137، 145، 156، 157، 159، 160، 161، 162، 167، 168.
(11) نفسه، ص, 28, 29, 31, 32, 47, 48, 51, 59, 60, 61, 87, 89.
(12) ينظر: دليل الناقد الادبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2000ص230-231.
(13) هذه البحوث نشرت مسلسلة في مجلة الموقف الثقافي تحت العناوين: 1ـ كروية العقل، العدد7، ص 72، 1997. 2ـ القانون المطلق، العدد8، ص72، 1997. 3ـ في جدل الانسان، العدد 16، ص29، 1998.
(14) ينظر: الانسان ورموزه, ص359, 374, 382.
(15) ينظر: الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي، شاكر حسن آل سعيد/ دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط. أولى، 1988، ص 7ـ 11، 32، 77، 80، 81.
(16) المصدر السابق: ص 64، 114، 162، 191.
(17) نفسه، ص 205، 219ـ 223.
(18) نفسه، ص88، 114، 176، 202، 204، 222، 223.
(19) نفسه، ص 141، 147، 148.
(20)نفسه، ص 9، 10، 59، 61.
(21)نفسه، ص 57، 64، 175، 176.
(22) نفسه، ص70، 103، 155، 165، 170، 176، 226.
(23) نفسه، ص 57، 60، 62، 63، 70، 226.
(24) نفسه، ص70، 225، 227.
(25)ينظر: الانسان ورموزه, ص360, 362, 363, 371, 374, 376, 378, 382.
(26) ينظر:فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق،الجزء الأول،شاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1983، ص 211ـ 214.
(27) ينظر: رسالة في سياق الخطاب الجمالي، شاكر حسن آل سعيد/ مجلة أسفار، العدد 17، 18، 1994، ص 24ـ 25.
(28)ينظر: الانسان ورموزه, ص363, 366.
(29)ينظر : المدن في الاسلام حتى العصر العثماني , الجزء الاول, شاكر مصطفى, ص367-370.
(30)ينظر: الانسان ورموزه, ص368, 369.
(31) ينظر: الصوفية والسوريالية، ص22ـ26.
(32) ديوان أبي بكر الشبلي، جمع وتحقيق الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الطبعة الأولى 1386ـ 1967، ص 132.
(33) ينظر: المعجم الصوفي، الدكتورة سعاد الحكيم، دندرة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الأولى، 1401هـ ـ 1981م، ص 249.

(34) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، الدكتور عبداللطيف محمد العبد، دار العلم للطباعة، ص 98.
(35) المصدر السابق، ص 70.
(36) نفسه، ص 199.
(37) نفسه، ص70، 72، 99.
(38) من الكتب الأدبية التي استوحت المربع والدائرة أو النقطة والدائرة كتاب (نقطة الدائرة) لناصيف اليازجي، بيروت، المطبعة الأميركانية، 1948. و(النقطة والدائرة) لطراد الكبيسي دار الشؤون الثقافية العامة، 1987، و(أنا النقطة فوق فاء الحرف) لشاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1998.
(39) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، هانز شيدر، ترجمة الدكتور عبدالرحمن بدوي، الطبعة الثانية.1976، ص 137.
(40) المعجم الصوفي، ص 514.
(41) المصدر السابق، ص 249.
(42) نفسه، ص 248، 513.
(43) نفسه، ص 514.
(44) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص125، والمعجم الصوفي، ص158، 181ـ 182.
(45) شرح ديوان الحلاج، الجزء الاول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي،مكتبة النهضة، بيروت ـ بغداد، الطبعة الاولى، 1394هـ ـ 1974، ص214.
(46) الانسان الكامل في الاسلام، ص142.
(47) ينظر: المعجم الصوفي، ص121.
(48) المعجم الصوفي، ص 539، عن ف2، 445. وينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص168.
(49) ينظر: الأنسان الكامل في الاسلام، ص168.
(50) المصدر السابق، ص214.
(51) نفسه، ص147.
(52) ينظر: المعجم الصوفي، ص158.

(53) عبرت السوريالية، وهي التي قلنا إنها تلتقي مع الصوفية في سلوكها المعرفي وفي تفسيرها للمعرفة عن هذا الفهم لما تدل عليه (النقطة العليا) وهي من المصطلحات التي اهتمت بها السوريالية، فيحددها بريتون قائلاً: كل شيء يدفع الى الاعتقاد بوجود نقطة روحية ينعدم فيها التناقض بين الحياة والموت، الواقعي والخيالي، الماضي والمستقبل، ما يمكن ايصاله وما لا يمكن. ومن العبث البحث عن محرك آخر للفاعلية السوريالية غير الأمل بتحديد هذه النقطة التي هي بمنزلة كون يتلاقى فيه الكون الداخلي الذاتي والكون الخارجي الموضوعي، وفيها تتجمع الطاقات الإلهية التي حلم نيتشه بأستردادها والتي عاش فيها التصوف العربي في نظرية الحلول وفي نظرية وحدة الوجود. في هذه النقطة العليا يتم الانعتاق من عالم الظواهر والعقلانية الموضوعية وتتم المعرفة. في النقطة العليا نتجاوز الغربة ونحظى بذاتنا الحقيقية، وإذ نحظى بذاتنا الحقيقية نحظى في الوقت ذاته بالعرفان.. ينظر: الصوفية والسوريالية، ص49ـ51.
(54) الفتوحات المكية، محيي الدين ابن عربي/ مطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر، جـ4، ص556.
(55) كتاب الطواسين، منصور الحلاج، القاهرة، مطبعة النديم، 1989، ص26ـ 27.
(56) ينظر: المعجم الصوفي، ص124.
(57) كتاب الطواسين، ص29.
(58) الانسان الكامل في الاسلام، ص177.
(59) ينظر: المعجم الصوفي، ص181.
(60) المصدر السابق، ص182.
(61) نفسه، ص158.
(62) الانسان الكامل في الاسلام، ص113.
(63) المصدر السابق، ص196.
(64) شرح ديوان الحلاج، الجزء الأول، ص204.
(65) ديوان ابن الفارض، حققه وقدم له المحامي فوزي عطوي، الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت ـ لبنان، ص81.
(66) ينظر هامش ص81 من الديوان.
(67) المصدر السابق، ص41.
(68) الرمز الشعري عند الصوفية، الدكتور عاطف جودة نصر، دار الأندلس، دار الكندي، بيروت، ط.أولى، 1978، ص144.
(69) ديوان ابن الفارض، ص65.
(70) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص210.
(71) ديوان ابن الفارض، ص64.
(72) الأنسان الكامل في الاسلام، ص207.
(73) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص26
(74) من الحقائق العلمية التي تؤكد اقتران الدائرة بهذا الرقم، أن العناصر في (الجدول الدوري) تتشابه خواصها كل ثمانية عناصر، أي أن الرقم (8) ينقل الحركة الدورية الى بداية منطلقها فتتشابه، وان الرقم (7) يمثل نهاية الحركة الدائرية.
(75) الانسان في فكر اخوان الصفاء، ص80ـ 81.
(76) المعجم الصوفي، ص158.
(77) نفسه، ص161.
(78) في مباحثنا السابقة، كنا قد انتهينا الى(قانون مطلق) أو عام يحكم كل الاشياء والظواهر ويتغلغل فيها مكوناً أساسها وبنيتها الجوهرية.وقد استخلصنا مبادئه، وهذه المبادئ العامة نجد صياغتها النهائية في علاقة (المربع والدائرة) التي تمثل القانون الذي يحتوي كل تفاصيلها وهو ما نتوصل اليه من تأويلنا لهذين الرمزين.
(79) آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، الجزء الأول، عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، ص89ـ 90.
(80) ديوان ابن الفارض، ص99.
(81) كتاب الطواسين، ص49.
(82) المعجم الصوفي، ص248، عن الفتوحات المكية، 1/5.
(83) المصدر السابق، ص271، عن الفتوحات المكية، 4، 306ـ307.
(84) الفتوحات المكية، جـ4، 334.
(85) المصدر السابق، جـ 4، ص301.
(86) نفسه، جـ4، ص300.
(87) نفسه: جـ4، ص198.
(88) نفسه، جـ4، ص146.
(89) نفسه، جـ4، ص198.
(90) نفسه، جـ4، ص302.
(91) المعجم الصوفي، ص248، عن الفتوحات المكية، جـ3، ص126.
(92) الفتوحات المكية، جـ3، ص429.
(93) ينظر: المنهج الجدلي عند هيجل، ص153.
(94) الفتوحات المكية، جـ4، ص280.
(95) المصدر السابق، جـ4، ص198.
(96) نفسه، جـ3، ص396.
(97) نفسه، جـ 1، ص134.
(98) ينظر: آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص186.
(99) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص 73.
(100) آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص89، 91.
(101) المبادئ الجدلية العامة التي كنا قد اشرنا اليها في الهامش رقم(78) تتضح في كل علاقة تناقض ومنها الانسان، فهو محكوم بمبادئ قانون ثابت لأنه تضمه ثنائية متلازمة مكونة من ذكر وأنثى وهما مختلفان في الجنس، وقد تتبعنا في المبحث الثالث تطور العلاقة بين الذكر والأنثى عبر تاريخ الانسان وما تفترضه الفلسفة الجدليةـ التي قررنا مبادئها ـ لهذا التطور. وتتبعنا تطور هذه العلاقة في جسم الانسان وتعرفنا على طبيعة الصراع بين الأطراف المتناقضة أو المختلفة وتطوره ونتيجته التي ينتهي اليها.
(102) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص111.
(103) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص148، 156.
(104) ينظر: المعجم الصوفي، ص248.
(105) المصدر السابق، ص152.
(106) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص151.
(107) ينظر: المعجم الصوفي، ص144.
(108) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص151.
(109) ينظر: المعجم الصوفي، ص144.
(110) المصدر السابق، ص145.
(111) نفسه، ص146.
(112) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص152ـ 154.
(113) ينظر: المعجم الصوفي، ص208.
(114) شرح ديوان الحلاج، ص157.
(115) ديوان ابن الفارض، ص76.
(116) المصدر السابق، ص63.
(117) نفسه، ص73.
(118) نفسه، ص98ـ 99.
(119) نفسه، ص107.
(120) نفسه، ص78.
(121) نفسه، ص94ـ 95.
(122) نفسه، ص101ـ 103.
(123) السهروردي، ص97.
(124) ينظر: شرح ديوان الحلاج، ص171ـ172.
(125) الفتوحات المكية، جـ1،ص134ـ 135.
(126) شرح ديوان الحلاج، ص170.
(127) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص148ولعل هذا المصطلح يشبه مصطلح المسيحية.
(128) السهروردي، ص78.
(129) المصدر السابق، ص78.
(130) نفسه، ص91.
(131) شرح ديوان الحلاج، ص171.عن ديوان ابن عربي، ص211.
(132) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص160ـ161.
(133) شرح ديوان الحلاج، ص167.
(134) المصدر السابق، ص168، عن الديوان، ص33.
(135) نفسه، ص168ـ169.
(136) نفسه، ص168، عن كتابه(المواقف) ص60ـ61.
(137) الرمز الشعري عند الصوفية، ص266، عن الديوان الكبير لأبن عربي، ط. مكتبة المثنى/ بغداد، ص26. ويلاحظ أن هذه التعابير قريبة من تعابير المسيحية التي يمكن حملها على المجاز والنظر الى ما وراءها من الحقائق الفلسفية، وهذا ما ذهب اليه هيجل.
(138) المصدر السابق، ص226، عن الديوان الكبير لابن عربي، ص55ـ56.
(139) نفسه، ص149.
(140) نفسه، ص,140,134ـ 141، 145، 149.
(141) نفسه، ص150.
(142) نفسه، ص144،151ـ 153.
(143) نفسه، ص124ـ125،146.
(144) ديوان ابن الفارض، ص52.
(145) المصدر السابق، ص59.
(146) نفسه، ص71.
(147) نفسه، ص58، 82، 83، 84،89.
(148) نفسه، ص53، 55.
(149) الفتوحات المكية، جـ4، ص556.
(150) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص162، 175،186، 217،227.
(151) ديوان ابن الفارض،ص109.
(152) المصدر السابق، ص62.
(153) نفسه، ص66، 68.
(154) نفسه، ص56ـ 58.
(155) الفتوحات المكية،جـ4، ص37.
(156) ينظر: آراء أبي بكر بن العربي الكلامية، جـ1، ص182.
(157) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص155ـ158،231.
(158) ينظر: المعجم الصوفي، ص144ـ146.
(159) المصدر السابق، ص145.
(160) نفسه، ص121.
(161) ديوان ابن الفارض، ص102.
(162) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص130،150، 156،157.
(163) ينظر: المعجم الصوفي، ص119.
(164) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا، ص174ـ 175.
(165) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص140ـ141.
(166) الفتوحات المكية، جـ4، ص280.
(167) ينظر: الرمز الشعري عند الصوفية، ص126، 148، 157.
(168) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص177.
(169) السهروردي، ص46، 49.
(170) الانسان في فكر اخوان الصفا، ص164.
(171) المصدر السابق، ص111.
(172) ينظر: المعجم الصوفي، ص146.
(173) ديوان ابن الفارض، ص53.
(174) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص32، 52، 107ـ 108.
(175) ينظر: المعجم الصوفي، ص155.
(176) المصدر السابق، ص156.
(177) نفسه، ص154.
(178) ينظر: شرح ديوان الحلاج، ص171.
(179) ينظر: المعجم الصوفي، ص153.
(180) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص221.
(181) المعجم الصوفي، ص156.
(182) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص143.
(183) المصدر السابق،ص211.
(184) ينظر: المعجم الصوفي،ص145.
(185) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص113،131، 137.
(186) الفتوحات المكية، جـ4، ص229.
(187) ينظر: الانسان في فكر اخوان الصفا ص139. عن(انشاء الدوائر)ص4.
(188) ينظر: المعجم الصوفي، ص161.
(189) كتاب الطواسين، ص130.
(190) شرح ديوان الحلاج، ص152.
(191) المصدر السابق، ص154ـ155.
(192) نفسه، ص156.
(193) ينظر: المعجم الصوفي، ص153ـ154.
(194) المصدر السابق، ص162. عن كتاب (حلية الابدال) ط.حيدر آباد، ص9.
(195) نفسه، ص168.
(196) الانسان الكامل في الاسلام، ص202ـ203.
(197) المعجم الصوفي، ص168. عن كتاب (الأجوبة عن الانسان الكامل) وهو مخطوط المكتبة الظاهرية.
(198) المصدر السابق، ص162، عن ف2/391لابن عربي.
((199) نفسه، ص162، عن ف3/ 447.
(200) نفسه، ص162. عن عقلة المستوفز، ص42.
(201) نفسه، ص162.عن نصوص 1/55.
(202) نفسه، ص163.عن انشاء الدوائر، ص22.
(203) نفسه، ص156ـ 157. عن ف3/ 296.
(204) نفسه، ص161.
(205) نفسه، ص163.
(206) نفسه، ص163.عن ف2/ 446.
(207)نفسه، ص 161ـ162.
(208) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص147.
(209) المعجم الصوفي، ص 162.
(210) المصدر السابق، ص163.
(211) نفسه، ص 156.
(212) نفسه، ص 156.
(213) ينظر: الانسان الكامل في الاسلام، ص113.
(214) المصدر السابق، ص27.
(215) نفسه، ص 109.
(216) الفتوحات المكية، جـ4،ص298.
(217) المصدر السابق، جـ4،ص298.
(218) نفسه، جـ4، ص299.
(219) نفسه، جـ4، ص212.































مـلحق الصـور






































ـ أ ـ
حرف الفاء: لاحظ التناوب ما بين الشكل الرباعي والنقطة بأسلوب الكتابة.. ينظر كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي ص129).






















ـ ب ـ

1ـ اشكال مختزلة من كلمة (حي) بالكوفي المربع. عن كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص181).
2ـ الكتابات الكوفية التجميعية الرباعية طرداً وعكساً. عن كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص45).





















ـ ت ـ

(الوفق الثلاثي على فلك زحل) ومنظومة للخط الكوفي المربع المشتملة على كلمة (محمد). وهي منظومة معروفة في زخارف هذا النوع من الخط المستخدمة في حرفيات بناء الجوامع وكانت هذه المنظومة قد ثبتت في واجهة ضريح الشيخ جنيد البغدادي قبل ترميمه مجدداً). ومنها نعرف معنى كلمة (بدوح) التي تستخدم عادة في الوفق الرباعي. فهي (البديل) لكلمة (محمد) وذلك اذا ما طبقنا المنظومتين على بعضهما البعض تماماً. ينظر كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص223).























ـ ث ـ

1ـ فخاريات سامراء (الالف الخامس ق.م).
2ـ صحن من صحون اسلوب سوسه (الالف الرابع ق.م).
حيث تظهر العلاقة ما بين علم الحروف ورسوم الفخاريات الاولى، وتؤكد تشبث الذهن الانساني بالشكل الرباعي والدائري.. عن كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص222).
3ـ نموذج من الفخاريات يبدو فيها الاهتمام بالشكل الرباعي والدائري. وتكون الصليب المعقوف مصطلحاً شكلياً اساسياً. عن كتاب الاصول الحضارية..ص68.
4ـ نماذج فخارية متنوعة يظهر فيها الاهتمام بالشكل المربع والدائري. عن كتاب (الاصول الحضارية) ص42.
5ـ التيوس الاربعة على الرسوم الفخارية.






















ـ ج ـ

1ـ العين السومرية
2ـ نقاط محفورة في الحجر
مجموعة من (الوحدات) تمثل (العين) ورموزها كما تظهر في الفن العراقي القديم. عن كتاب الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص110.
3ـ رأس لشخص: نحت بارز على كأس اينانا. لاحظ الوجه المنحوت من الجانب والعين المنحوتة بوضعية المواجهة(3000ق.م.) عن كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص129)

















ـ ح ـ
اربع نساء محاطة بحلقة من العقارب تشكل اربعة اطراف لصليب. وتنساب شعورهن الطويلة المنسدلة في الهواء) والعقارب مرسومة على محيط الشكل الدائري للصحن. أما المركز فيبدو خالياً من أي شيء. في حين نرى النسوة الاربع بشعورهن الطويلة في وضعية راقصة، وقد فتحن أذرعهن الى الجانبين تماماً كرقصات الغجريات في العراق.ان الشكل الرمزي أي(الصليب المعقوف)( ) هو ما يمكن استنتاجه من الحركة العامة للنساء في الموضوع عن كتاب(الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي) ص70.

















ـ خ ـ

1ـ آنية فخارية عليها رسوم لماعز وحشرات ومنها علامة ( ) (الالف الخامس) دور سامراء. عن كتاب (الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي) ص226.
2ـ تصميمان زخرفيان مألوفان في فن صناعة الابواب وزخرفتها ويبدو فيهما ان الصليب المعقوف هو الوحدة الزخرفية الاساسية. عن كتاب الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص224.
3ـ اربعة حيوانات تدور على محيط المربع الوهمي ومركزه المحور الى مربع وسطي، مما يؤول الى رسم الصليب المالطي. عن كتاب الأصول الحضارية والجمالية للخط العربي، ص65































( د )
بعض من رسومات فكتور فازاريللي التي تعكس اهتمامه بالمربع والدائرة.


























( ذ )
اطفال يلعبون من أعمال جواد سليم (1953ـ1954)
























ـ ر ـ

(الامومة) من أعمال جواد سليم، (1954):
























ـ ز ـ

قرويتان: من اعمال جواد سليم:1956
















ـ س ـ
ظل هذا المصطلح الشكلي مؤثراً في العصور الاسلامية ويتضح هذا في تخطيط بغداد المدينة المدورة حول المركز المربع. وقد اكد في هندسة المدينة هذان الشكلان، فلها أربعة أبواب، وقسمت على أربعة أرياض، وقسم الربض الى أربعة ارباع، وهكذا.. وقد يكون الذين اشرفوا على تخطيطها وهندستها قد استوحوا هيئة الكعبة المشرفة او استندوا الى أفكار دينية، ويقال ان من هؤلاء حفاظ القرآن الكريم، وبحضور المنجمين.. ينظر: المدن في الاسلام حتى العصر العثماني، الجزء الاول ـ شاكر مصطفى، ص367ـ370.






ــ ش ــ

كان البناء في القرون الوسطى غالبآ ما يؤسس على شكل صليب .
( في الصورة كنيسة من القرن الثالث عشر منحوتة من الصخر ) .























ـ ص ـ

الكعبة المشرفة: جدل المربع والدائرة، والمعروف أن حركة الدائرين حول الكعبة عكس عقارب الساعة كحركة الأشكال الدائرية حول المركز المربع في رسومات الفخاريات القديمة. وهذا هو اتجاه حركة كل المتحركات في الكون من جسيمات الذرة الى الكواكب والمجرات.. وهذا يعني أن الذي أوحى ببناء الكعبة وبأن تكون الحركة بهذا الاتجاه هو الذي يعرف اتجاه الحركة المركزية في الكون كله قبل أن تعرف في المراحل الزمنية المتأخرة.
وتشير المصادر التاريخية والرسوم التخطيطية للكعبة المشرفة في عهد النبي ابراهيم عليه السلام الى أن معنى التربيع يرتبط بالكعبة حتى في الناحية الجغرافية، فهناك أربعة مرتفعات تحيط بها من جوانبها مما يهيئ لأربعة طرق أن تنفذ اليها من خلال هذه المرتفعات، وهي بكيانها المربع في المركز تحيط بها الحركة الدائرية للدائرين.




















ـ ض ـ

كتابة كوفية زخرفية نصها: لفظة: علي مكررة بأطراد. عن كتاب (الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي)، ص150.








ـ ط ـ

مذبح ترابي الشكل ومكون من أربع طبقات ( لوحة صينية من القرن التاسع عشر ) .










ــ ظ ــ

في هذه اللوحة للفنان السويسري بيتر بيركهاوسر تقترب العين بالرقم (4)— اربعة عيون – وهي ترمز الى امكان انجاز الكلية , وهذا يرتبط بالمربع أو النقطة التي عبر عنها بالعين الباصرة والتي هي سر التجلي وبها يظهر الوجود في الفكرالصوفي .














ـ ع ـ

ثعبان ذيله في فمه , وهو رمز قديم يشير الى احتفالهم بالدائرة ( من مخطوط اغريقي من القرن الثالث ق.م.).


























ـ غ ـ

في (انشاء الدوائر) لابن عربي، يرسم (الجدول الهيولاني) حيث الجوهر في المركز وهو ثابت، وحوله دائرة، والدائرة تقترن بالوجود الظاهر أو العرض عن المعجم الصوفي، ص127.





















ـ ف ـ

من الظواهر البيولوجية في جسم الانسان التي ترتبط برمزي المربع والدائرة ما نلاحظه في هذه الصورة التي تمثل بعض مراحل انقسام الخلية، حيث يبدو أن الكروموسومات تستقر في مركز الخلية بهيئة مربع، والكروموسومات كما نعرف تختزن معلومات كامنة مما سيتجلى في الظواهر الجسمية، فهي تمثل الجوهر الكامن الذي تمثل بصورة المربع. وحول هذا المربع هناك دائرة أو دورة، وينتهي هذا التكوين الى ظهور خلية جديدة، أي تجلي وجود جديد، وهذا ما ذكرناه عن العلاقة بين المربع والدائرة التي تعني تجلي الجوهر الكامن الى وجود ظاهر.






_ ق _

ثنائية الذكر والانثى , غالبآ مارمز اليها شخص خنثوي يحتوي على الآخر (مخطوط خيميائي من القرن السابع عشر )
























مصادر البحث:
ـ القرآن الكريم.
ـ آراء ابي بكر بن العربي الكلامية، الجزء الاول، عمار طالبي، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر.
_الاستنساخ، د . خليل البدوي ، عمان_ الأردن، الطبعة الأولى ، 2000.
ـ أسرار الذرة، أميد شمشك، ترجمة أورخان محمد علي.
ـ أسرار العربية، أبو البركات الأنباري، تحقيق محمد بهجة البيطار، مطبعة الترقي بدمشق، 1957م.
ـ أسس المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية، سبيركين وياخوت، ترجمة محمد الجندي، موسكو، دار التقدم،1972.
ـ الاسطورة اليوم، رولان بار، ترجمة حسن الغرفي، سلسلة الموسوعة الصغيرة(345)، بغداد ـ دار الشؤون الثقافية العامة، الطبعة الاولى، 1990.
ـ الاصول الحضارية والجمالية للخط العربي، شاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، طـ.أولي، 1988.
ـ الف باء النسبية، برتراند رسل، ترجمة فؤاد كامل، دار الثقافة العربية للطباعة ـ عابدين.
ـ الالكترونات، الكسندر كينايجورودسكي، ترجمة الدكتور داود سليمان المنير، دار مير للطباعة والنشر، موسكو.
ـ انا النقطة فوق فاء الحرف، شاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1998.
ـ الانسان في فكر إخوان الصفاء، الدكتور عبداللطيف محمد العبد، دار العلم للطباعة.
ـ الانسـان الكامل في الاسلام، هانز شيدر، ترجمة الدكتور عبـدالرحمن بـدوي،
الطبعة الثانية، 1976.
_ الانسان ورموزه, كارل غوستاف يونغ وجماعة من العلماء, ترجمة سميرعلي, دار الشؤون الثقافية والنشر, الجمهورية العراقية, 1984.
ـ البنيوية، جان بياجيه، ترجمة عارف منيمنة وبشير أوبري، منشورات عويدات، بيروت ـ باريس.
ـ الجينوم، مات ريدلي، ترجمة د.مصطفى ابراهيم فهمي، سلسلة عالم المعرفة، رقم (275)الكويت.
ـ حوار مع انطوان مقدسي حول الحداثة والتحديث، أجراه سعدالله ونوس، مجلة قضايا وشهادات، العدد3،1991.
ـ الحيوان، الجاحظ، تحقيق عبدالسلام هارون، طبع في القاهرة سنة 1945.
ـ الخلية، الدكتور محمود حياوي، الجمهورية العراقية.
ـ الدجاجة، البيضة، ام الديك، أيهم الأصل؟..الدكتور عبدالاله صادق، جريدة الجمهورية، الثلاثاء10/12/1985.
ـ دليل الناقد الادبي، د. ميجان الرويلي، د. سعد البازعي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الثانية، 2000.
ـ ديوان ابن الفارض، حققه وقدم له المحامي فوزي عطوي، الشركة اللبنانية للكتاب، بيروت ـ لبنان.
ـ ديوان ابي بكر الشبلي، جمع وتحقيق الدكتور كامل مصطفى الشيبي، الطبعة الاولى، 1386ـ1967.
ـ الذرة والكون، بيار روسو، ترجمة عصام مياس، دار الكتاب اللبناني.
ـ رسالة في سياق الخطاب الجمالي، شاكر حسن آل سعيد، مجلة اسفار، العدد 17،18،1994.
ـ الرمز الشعري عند الصوفية، الدكتور عاطف جودة نصر، دار الاندلس، دار الكندي، بيروت، ط.اولي، 1978.
ـ السهروردي…
ـ شرح ديوان الحلاج، الجزء الاول، الدكتور كامل مصطفى الشيبي، مكتبة النهضة، بيروت ـ بغداد، الطبعة الاولى، 1394هـ ـ 1974.
ـ الصراع في الوجود، بولس سلامة، دار الكتاب اللبناني، الطبعة الثانية، 1393هـ ـ1973.
ـ الصوفية والسوريالية، أدونيس، دار الساقي، بيروت ـ لبنان، الطبعة الثانية، 1995.
ـ طاقة الذرة، جلادكوف، دار مير للطباعة والنشر، موسكو.
ـ علماء فلاسفة، د.محمد عبداللطيف مطلب، الموسوعة الصغيرة(400) دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ـ العراق.
ـ علم الأحياء، للصف السادس العلمي، الجمهورية العراقية، مديرية مطبعة وزارة التربية، الطبعة الثانية، 1407هـ ـ1987م.
ـ علم الوراثة، تأليف أ.د.عثمان عبدالرحمن الأنصاري، أ.د.ناصر محمد سلامة، منشورات شركةELGA، مالطا، 1999.
ـ الفتوحات المكية، محيي الدين ابن العربي، مطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر.
_فلسفتنا ، محمد باقر الصدر ، دار التعارف للمطبوعات ، بيروت _ لبنان ،الطبعة الثانية ،1419 _1998 .
ـ الفلسفة والفيزياء، د.محمد عبداللطيف مطلب، الموسوعة الصغيرة(163)دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ـ العراق.
ـ فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، الجزء الاول، شاكر حسن آل سعيد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1983.
ـ فلسفة هيجل، ولتر ستيس، ترجمة دكتور امام عبدالفتاح امام، دار الثقافة للطباعة والنشر بالقاهرة، 1975.
ـ فكر هيغل، روجيه غارودي، ترجمه وقدم له الياس مرقص، دار الحقيقة، بيروت.
ـ في جدل الانسان، مجلة الموقف الثقافي، العدد 16، 1998.
ـ فيزياء عالم الصغائر، ك.ي.شولكين، ترجمة بسام المعصراني، دمشق.
ـ القانون المطلق، مجلة الموقف الثقافي، العدد8، 1997.
ـ قصة الذرة، وجيه السمان، الفن الحديث العالمي للطباعة والنشر والاعلان.
ـ كتاب الطواسين، منصور الحلاج، القاهرة، مطبعة النديم، 1989.
ـ كتاب النفس، لأرسطو طاليس، نقله الى العربية الدكتور أحمد فؤاد الاهواني، دار إحياء الكتب العربية، الطبعة الأولى،1949.
ـ كروية العقل، مجلة الموقف الثقافي، العدد7، 1997.
ـ الكون الأحدب، الدكتور عبدالرحيم بدر، دار القلم، بيروت ـ لبنان.
ـ لسان العرب، العلامة ابن منظور، دار صادر للطباعة والنشر، دار بيروت للطباعة والنشر،1956م.
ـ المعجم الصوفي، الدكتورة سعاد الحكيم، دندرة للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، الطبعة الاولى، 1041هـ ـ 1981.
ـ معرفة الاخر، مدخل الى المناهج النقدية الحديثة، عبدالله ابراهيم، سعيد الغانمي، عواد علي/ المركز الثقافي العربي، الطبعة الاولى، 1990.
- مع الفلسفة اليونانية ، الدكتور محمد عبد الرحمن مرحبا ، منشورات عويدات ، بيروت – باريس ، الطبعة الثالثة 1988
ـ المقابسات، ابو حيان التوحيدي، حققه وقدم له محمد توفيق حسين، مطبعة الارشاد، بغداد،1970.
ـ مقدمة في الفيزياء النووية، تأليف أنكا، ترجمة الدكتور عاصم عبدالكريم عزوز، جامعة الموصل، مديرية دار الكتب.
ـ المنطق الشكلي والمنطق الديالكتي، كيدروف، ترجمة محمد عيتاني، سهيل يموت، دار المعجم العربي، بيروت.
ـ المنهج الجدلي عند هيجل، ولتر ستيس، تأليف امام عبدالفتاح امام، دار التنوير للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، 1982.
ـ موسوعة العلوم الفلسفية، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت ـ لبنان، طبعة أولى،1983.
ـ النسبية، بول كوديراك، ترجمة مصطفى الرقي، منشورات عويدات، بيروت.
ـ نظرية الأدب، رينيه ويليك، اوستن وارين، ترجمة محيي الدين صبحي، المجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، دمشق، ط3،1972.
ـ النقد الادبي الحديث، اصوله واتجاهاته، دكتور احمد كمال زكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1972.
ـ نقطة الدائرة، ناصيف اليازجي، بيروت المطبعة الاميركانية، 1948.
ـ النقطة والدائرة، طراد الكبيسي، دار الشؤون الثقافية العامة، 1987.
ـ نهج البلاغة، دار الاندلس للطباعة والنشر، بيروت.
ـ هكذا تكلم زرادشت، فريدريك نيتشه، ترجمة فليكس فارس، دار القلم، بيروت، لبنان.
ـ هيجل أو المثالية المطلقة، زكريا ابراهيم، الناشر مكتبة مصر للطباعة، 1970.
ـ هيغل، مختارات ـ1ـ، ترجمة إلياس مرقص، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى،1978.

مصادر من الإنترنيت
_ اتجاهات في البيولوجيا ، لماذا نشيخ ،الإجابة مدونة الى حد كبير في جيناتنا ولكن في أي منها ، بحث جديد واعد يقترب من حل هذا اللغز ، L.R. رستنك محرر مجلة ساينتفك امريكان ، مجلة العلوم ، سبتمبر 1995، المجلد (11) .
_الاستنساخ .
_ استنساخ الخلايا الجذعية ، ضرورة أم افتعال ؟ طارق قابيل .
_استنساخ علاجي..
_الاستنساخ العلاجي ، الوراثة الطبية ، الصفحة التعليمية .
_ إشعاع مؤين (الموسوعة الحرة ) .
_ الإشعاع وتأثيره على الخلية ، تعليق على مقال د. أسعد الخفاجي ، د. بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 686 ، 18 /12/2003 .
_أفكار علمية : العلاج بالجينات.
_ اكتشاف جديد للعلماء ، امزيم يحمي الخلايا من الموت والشيخوخة .
_ الأنثى هي الأصل..
_ البروتيوم عالم ما بعد الجينوم ، طارق قابيل .
_ التأثير البايولوجي والوقاية من الأشعة السينية ، قاسم أمين الهيتي ، الحوار المتمدن ، العدد 2015، 22/7/2007 .
_تعريفات فيزيائية ، مجلة الفيزياء العصرية ، العدد السادس .
_التيلوميرات والتيلوميراز والسرطان ،W.C . كريدر_ H.E.بلاكبيرن ، مجلة العلوم ، يونيو 1996 ، المجلد(12) .
_حقيقة حواء أو حواء الحقيقية..
_ زوبعة حول الأطفال المعدلين وراثيا ، طارق يحيى قابيل ، 7/5/2001.
_ الساعة البيولوجية ، كيف تعمل وكيف تؤثر في صحة الانسان وحياته ؟ الأستاذ الدكتور مسعد شتيوي ، مجلة أسيوط لدراسة البيئة .
_الشيخوخة ربيع العمر..
_طاقة تأين(الموسوعة الحرة) .
_العلم يقترب من معرفة الجين المسؤول عن طول العمر .
_ علوم وتكنولوجيا ، هندسة وراثية .
_ لتحديد تاريخ ميلادك ..طريقة جديدة لفك شفرة عمر الانسان ..
_مأخوذة من أماكن عادية بالجسم : تحويل أنسجة بشرية لتحل محل الخلايا الجذعية .
_مشكلة الشيخوخة ، الانسان والحياة ، نعيم نمورة _ الخليل ، مجلة العربي الحر . _ _موسوعة تشريح جسم الإنسان ، الخلية .
_ الميتاكوندريا بيت طاقة الخلية مصدرها المرأة فقط ، د. بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 598 ، 21/9/2003.
_ هل الميتاكوندريا التي تورث من الأم فقط هي سبب شيخوخة الأنسان ؟ د. بهجت عباس ، الحوار المتمدن ، العدد 1212، 29/5/2005.



























المحتــوى

مقدمة : المعرفة المطلقة والقانون المطلق........................ 7
1. في الفلسفة : المبادىء العامة والحركة الدائرية........... 23
2. في الدين والعلم : الخطوتان الأولى والثالثة الى الحقيقة... 75
3. في الإنسان : الإنسان الكامل , النهاية والبداية .......... 135
4. في الأدب والسيميولوجيا : جدل المربع والدائرة......... 247
مصادر البحث ............................................. 401










كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,649,048
- الريادة في القصة العراقية : ذو النون أيوب
- التفكيكية والديمقراطية الرأسمالية
- الحوار المتمدن مع اسحاق الشيخ يعقوب
- اللاعقلاني في حركة الحداثة
- 3 - بين ملحمة كربلاء وملحمة كلكامش
- 2 - ملحمة كربلاء
- ملحمة كربلاء والفن الملحمي
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل
- ثورة الرابع عشر من تموز ، إرادة شعب وإنجاز بطل
- الحياة الخلوية : أي المركبات العضوية فيها أسبق في الوجود
- المرأة : سر ظهور الخلق
- الحزب الشيوعي والانتخابات
- دعوة متكررة الى مشروع ثقافي لإنقاذ العراق
- من ذكريات 8شباط الأسود - جارتنا أم عباس -
- تداخل الأجناس الأدبية في (المقاصة) / أبو هريرة وكوجكا - انمو ...
- مع الفلاسفة الإلهيين في استنباط القانون المطلق
- دفاع عن هيجل
- دور المرأة في تحقيق الوفاق والتلاحم الوطني
- الفلسفة التربوية وأهدافها ومناهجها - رأي في بعض ما يكتب فيها ...


المزيد.....




- القانون الانتخابي التونسي: ما هي أبرز التعديلات وما أهدافها؟ ...
- شاهد: أهالي قرية العدوة مسقط رأس مرسي يصلون عليه "الغائ ...
- إحالة الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمحاكمة بتهم فسا ...
- ترامب يرشح عراقية سفيرة في بلغاريا
- اشتباكات عائلية وانتشار للسلاح بالضفة.. هل هي نهاية السلطة ا ...
- وزير يمني: الوجود الإماراتي في سقطرى احتلال متكامل الأركان
- الزيارات المتبادلة... خطوات نحو التقارب السعودي مع لبنان
- لمواجهة الحرب الأمريكية... هواوي تلجأ إلى -الخطة الأخيرة-
- بالفيديو... شاب يمارس التفحيط بسرعة جنونية وبجواره طفل صغير ...
- الحلبوسي يناقش مع أمير الكويت الملفات ذات الاهتمام المشترك ( ...


المزيد.....

- التطور الفلسفي لمفهوم الأخلاق وراهنيته في مجتمعاتنا العربية / غازي الصوراني
- مفهوم المجتمع المدني : بين هيجل وماركس / الفرفار العياشي
- الصورة والخيال / سعود سالم
- في مفهوم التواصل .. او اشكال التفاعل بين مكونات المادة والطب ... / حميد باجو
- فلسفة مبسطة: تعريفات فلسفية / نبيل عودة
- القدرةُ على استنباط الحكم الشرعي لدى أصحاب الشهادات الجامعية ... / وعد عباس
- العدمية بإعتبارها تحررًا - جياني فاتيمو / وليام العوطة
- ابن رشد والسياسة: قراءة في كتاب الضروري في السياسة لصاحبه اب ... / وليد مسكور
- الفلسفة هي الحل / سامح عسكر
- مجلة الحرية العدد 4 2019 / كتاب العدد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بتول قاسم ناصر - النظرية الأخيرة : ( القانون المطلق )