أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فكري آل هير - في ضوء علم نحو النص: المعنى بين التشكيل والتَشكُّل















المزيد.....


في ضوء علم نحو النص: المعنى بين التشكيل والتَشكُّل


فكري آل هير
الحوار المتمدن-العدد: 5111 - 2016 / 3 / 22 - 23:01
المحور: الادب والفن
    


في ضوء علم نحو النص: المعنى بين التشكيــــل والتَــشكُّل
..
فكري آل هير
..
اتخذت قضية المعنى في الدرس النحوي المعاصر متخذة من النظرية اللسانية والنحو التوليدي التحويلي، أبعاداً أخرى لم تكن غائبة عن الدرس النحوي القديم، ولكنها لم تؤطر أيضاً فيه بشكل كافي للظهور المطمئن، فالحديث عن المعنى السياقي، والدلالات اللالغوية داخل النص وفي محيطه، والحديث عن ثنائيات اللغة والكلام والنحو والمعنى، والذاتية والموضوعية والنفعي والفني، كل ذلك كان يستهدف – ولو من وجهة نظر نقدية - الكشف عن هذه الأمور في النص، والذي يفضي إلى تعزيز علاقة الفهم والتأويل والتذوق بين النص ومتلقيه، وبالطبع فإن هذا خلق مقابلة أخرى بين الجملة والنص، كان لابد أن ويكون النحو محكاً جوهرياً في كل النقاشات التي دارت حول ذلك.
الأمر لا يقتصر على العربية وحدها، بل يشمل بحكمه كل اللغات، وبحسب بوغراند فقد اعتمدت دراسات التراكيب اللغوية جميعها منذ نشأتها في العصور السحيقة على مفهوم الجملة دون غيره من التركيب[[1]]. والحقيقة أن البحث عن تفسير سيطرة الجملة على القواعد في جميع لغات العالم المعروفة في القديم والحديث، كان موضوع الكثير من الدارسين، إلا أن العديد منهم عزوا ذلك الى تأثير التقاليد الراسخة التي كرسها النحو اليوناني حين ارتبطت الجملة في النحو بالحكم المنطقي[[2]]. فعلى نحو ما رآه "دانييل مانيس" فالنحو التقليدي كان منذ أقدم العصور مكرسا لتصنيف اللغة في أقسام وأصناف تشريحية، ولم يكن همه اللغة ذاتها، بل تحديد القواعد النموذجية الملاحظة في لغة ما[[3]]، وبالطبع فإن الموروث العربي لا يشذ عن هذه القاعدة، كما أنها لا تختص به وحده.
بين نحو الجملة ونحو النص:
لقد كانت وظيفة النحو الأساسية، هي تعليم الناس صياغة الجملة التي تمثل حجر الزاوية في النص، وعليه فقد سارت قواعد الوضع النحوي التقليدية وفق هذه الغاية المعيارية بل وجعلت الجملة نصب عينها، فدارت أكثر تعريفاتها ومنها النحو العربي على أن النحو به يعرف الصواب والخطأ، وتتحقق به السلامة للكلام كتابة وقراءة[[4]].
بيد أننا هنا نشير الى جانب مهم من جوانب مصطلح النحو، وهو أنه لا يقتصر في الدراسات اللغوية قديما وحديثا على بعد واحد، سواء من حيث المفهوم أو الاهتمامات، فمن الناحية المفهومية نجد لهذا المصطلح مفهومان: عام وخاص، وهذا الأخير يتمثل بالعلم الذي يدرس مستوى محددا أو نظاما واحدا من أنظمة اللغة، وهو مستواها التركيبي أو نظامها التركيبي[[5]].
أما المفهوم العام للنحو فلم يكن غائبا في الدرس النحوي القديم، بل كانت له تجليات أشهرها عند ابن جني، لاسيما في إطار حديثه عن النحو ووصفه إياه بأنه انتحاء سمت كلام العرب، ولاشك أن انتحاء سمت كلام العرب لا يكون إلا بمعرفة أصول لغتهم الصوتية والمعجمية والصرفية والنحوية والدلالية العامة، كما كان لهذا المفهوم العام حضوراً مماثل عند سيبويه، إذ يعرف عن كتابه بأنه معني بالمعنيين العام والخاص للنحو، ناهيك وأنه كرس اهتمامه بالجوانب الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية[[6]].
في كل الأحوال، فإن النمط المعياري للنحو واقتصار الدرس النحوي القديم من الناحية التطبيقية على الجملة أو العبارة أو الشاهد دون النص الكامل المتكامل، ظل هو القسمة الأكثر بروزاً وسيطرة.
وفيما يتعلق أما باللسانيات الحديثة، فمنذ مطلع القرن العشرين، والرغبة في إضفاء المزيد من العلمية والموضوعية على دراسة اللسانيين للظاهرة اللغوية جعلت المتقدمين مثل "بلومفيلد وتشومسكي" يعرضون عن العناية بالمعنى مع أنه بيت القصيد في الظاهرة اللغوية[[7]]، ويقتصرون في ذلك على الجمل المجتزأة حينا والمصطنعة حينا آخر والأكثر قابلية من النص للتجريد وللخضوع لما يبتغيه القانون العلمي من الطرد والإطلاق[[8]]. وعلى حد تعبير "فاندايك" فقد جرت العادة أن تعتبر الجملة بمثابة الوحدة الكبرى من نحو التركيب الصرفي، والتركيب النحوي، ومن نوع مراتب الدلالة، والمستويات السيمانطيقية على حد واحد، وذلك كله في معظم النظريات اللسانية[[9]].
هذا الاتجاه، لقي في بداية نشأته نقداً شديداً من قبل الكثيرين من المعنيين، خاصة النظرة البلومفيلدية التي تلقت النقد الأكثر ايجاعاً، مع أن النظرية التوليدية لم تسلم هي الأخرى من النقد، فقد كان هناك شعور بأن ما ينقص اللسانيات الحديثة لكي تحدث تحولاً حقيقياً، ليس إلا أن تخرج عن دائرة الفكر التجزيئي للوحدة النصية، في إشارة الى العيوب التي بدت وكأنها ثقوب واسعة وكثيرة في جسد اللسانيات الحديثة وهي تجتر النمط التقليدي نفسه وتبني عليه موضوعيتها ونظرتها العلمية. فأكد "فاندايك" على المسار الحقيقي النصي للغة الحية، فيما تبنى "لوسركل" دوافع التحول من لسانيات الجملة الى النص كمنتج لغوي وكلامي لا يمكن تجزئته أو تفريغ معانيه على أساس الجملة والرؤية التقليدية[[10]].
لقد تأطرت فكرة النصية عند فاندايك من خلال التصريح من قبله بميله إلى التشديد على الأساس المجتمعي للغة[[11]]، وعربياً، كان رأي "سعد مصلوح" قائماً على أن الفهم الحق للظاهرة اللسانية يوجب بالضرورة دراسة اللغة على أساس النص وليس على أساس الجمل، بل ودعا الى تهميش دراسة المعنى كما ظهرت في اللسانيات البلومفيلدية أول أمرها[[12]]، وقد أدرك –كما سنرى بعد قليل- الخلف من أعلام هذه المدارس قصور الاقتصار على الجملة في دراسة اللغة، فعدلوا عن ذلك إلى دراستها درساً نصياً حياً في منظور متكامل، وذلك في إطار السعي إلى بلورة نظرية نصية، شُغِل بالعمل على بلورتها علوم متعددة المشارب والاهتمامات، وفي مقدمتها ما بات يعرف بعلم لغة النص، أو لسانيات النص، أو نحو النص[[13]].
والسؤال الذي يمكن القول عنه بأنه ذو مغزى، هو ذاك الذي يبحث في غاية نحو النص بالنسبة لنحو الجملة، هل يهدمه أم يبقي عليه؟ هل يكمله أم يلغي وجوده؟
في الحقيقة أن نحو النص كان يستهدف التخلص من "قواعد النحو السوسيري"، وهو النحو بصورته العربية الكاملة، أو ما نسميه هنا بنحو الجملة أو النحو التركيبي، من خلال الدعوة الى نحو جديد، مادته (النص) لا الجملة، انطلاقاً من الشعور بوجود إجحاف بالغ في التقعيد المنطلق من الجملة، والتي لا تعدو أكثر من جزء من النص، ويذهب أصحاب هذا الاتجاه، إلى أنَّ "النص أولى بوضع القواعد من الجملة التي سيكون التقعيد انطلاقاً منها تقعيداً محدوداً ومبتسراً، فهو يمثِّل الكلية التي تفضي إلى تأدية رسالة اللغة، وهي تحقيق التواصلية بين المنتج والمتلقي"[[14]].
بالنسبة للعرب القدماء فإننا نجد لهم اهتماماً بالعنصر الخطابي الذي عدّوه نصاً صالحاً للتحليل لا التقعيد، فنشأ عندهم ما يعرف بأدب التوقيعات، فقد كان أولو الأمر من الحكام والولاة أو كتَّابهم يجيبون على مطالب الناس بتوقيع جملي قصير[[15]]. كما أن الدراسات المتعلقة بإعجاز القرآن تدخل حتماً ضمن هذا الإطار. أما في اللسانيات الحديثة فقد كان من الضروري وقد اتجهت نحو النص، أن تجد وصفاً اصطلاحياً ومفهومياً للآلية التي يحدث بها النص ويظهر لنا من خلالها كمنجز لغوي، أو كخطاب، أو كما هو "نص"، وبالطبع فإن هذه المعضلة هي التي ستدعونا الى الانتقال إليها، ولكن في إطار حديثنا عن التشكيل اللغوي وعلاقته بنحو النص.
نظرية النحو بين التشكيل والتشكل:
كما أشرنا آنفاً، فقد كان على نظرية النص أن تضع لنفسها إطاراً نحوياً قادراً على تبيين قاعدة أو قواعد تَخّلُق النص وانتاجه وأيضاً تلقيه وتذوقه، في الإطار نفسه الذي تشدد فيه التوليدية على الإطار المجتمعي للنص، أو ما يسمى بــ "بيئة النص". فكان وصف هذه المسألة بالغاً في التعقيد من الناحية النظرية، فضلاً عن التطبيقية، ذلك أن النص، بوصفه نسيجاً لغوياً مؤلفاً من عناصر متضامّة ومترابطة وَفق شبكة من العلاقات، نَتاجٌ مباشر لعدة أطراف وعمليات أسهمت، بصورة أو بأخرى، في تشكيله وتحديد مضمونه.
في البداية تبنت "جوليا كريستيفا" فكرتها عما يمكن أن يَسْبق تكوين النص في صورته النهائية، من خلال ما أطلقت عليه بــ «النص المُوَلِّد»، والذي يقابله اصطلاح آخر هو «النص الظاهر» بمعنى النص في هيئته الأخيرة حين يقدَّم للمتلقين بوصفه بنيةً لغوية ناجزة جاهزة. ثم أن "غريماس" جاء وأطلق على النص الأول مصطلح «Textualization»، وهو مصطلح يشير الى «مجموعة الإجراءات، المُسْتدْعاة لتشكيل تركيب نصّي، والتي تهدف إلى تكوين متوالية خطابية في هذه اللغة الطبيعية أو تلك"[[16]]، ويعرف أيضاً بأنه: "معاناة الظروف التي يخرج فيها النص الأدبي من العدم إلى الوجود"[[17]] – وهو التعبير الذي استخدمه "عبد الملك مرتاض" في نقله هذه الفكرة الاصطلاحية الى العربية.
ظلت المشكلة الاصطلاحية والمفهومية حاجزاً صعباً، لاجتياز نظرية النص حدود بيئتها الغربية ومن ثم انتقالها الى البيئة العربية، فليست المسألة مسألة تأصيل بحيث يمكن أن نستمد لها جذور من موروثنا اللغوي العربي، بقدر ما هي مشكلة وصفية ناتجة عن عدم وضوح الرؤية في البيئة التي أنتجتها، الأمر الذي بدا واضحاً في الاضطراب الشديد الذي أظهره اللغويين العرب في العصر الراهن، والاختلاف الذي نشب بينهم بخصوص نقل المصطلح الغريماسي إلى العربية وصياغة مفهومه، ومن ثم مقاربته النظرية مع الموروث اللغوي؛ فمن «النّصية» أو «التنصيص» لدى " سعيد علوش"[[18]]- كما ترجمه "حسين خمري الى «التنصيص» أيضاً- غير أنه حرص على أن يميز بين مصطلحه وبين مصطلح «النُّصوصية» الذي يجعله مقابلاً لِما يمكن تسْميته، في اللغة الفرنسية، بــــــ (Textualité)[[19]]- فالتنصيص على حد تعبيره "هو نشاط وفعْل يقوم به الناصّ لتشكيل مجموعة من الجمل في شكل نصّ، وبالتالي فإن عمله ما قبْليّ. أما النصوصية فهي تتناول النص من زاوية النظر إليه باعتباره منتوجاً مكتمِلاً؛ أي أن النشاط في هذا الموقف نشاط ما بعْدي. وبهذا تكون العلاقة بين المفهومين علاقة تتابُع: ما قبْلي/ ما بعْدي"[[20]].
كما نجد "مرتاض" مضطرباً ومرتبكاً، فبعد أن ترجم (Textualisation)، أولَ الأمر، بـ«لحظة المَخاض النّصّي» أو «لحظة التنصيص»، مجاراةً لِما كان رائجاً في الساحة النقدية العربية حينذاك[[21]]، عاد وتخلى عنهما معاً، ليطرح اصطلاحاً آخر له، هو «النَّصْنَصَة»، والذي حدَّده بأنه «مرحلة إنجاز النص ومعاناة مَخاضه»[[22]]. وذهب إلى أن هذا المصطلح ينسجم تماماً مع مصطلح غريماسي آخر، هو (Discurcivisation)، يُستعمَل في السياق نفسِه، ويقترح ترجمة هذا اللفظ الاصطلاحي السيميائي بـ«الخَطْبَـبَة»؛ وهي مصدر مشتقّ من الفعل الرباعي المولَّد «خَطْـبَب»، ومَقيس على صيغ عربية قديمة مماثلة؛ مثل «حَصْحَص»[[23]].
لم تصل هذه المسألة الاصطلاحية والمفهومية لمفهوم (Textualisation) مع كل تلك المحاولات الى مستوى القبول والرضا، فضلاً عن التطابق والتقابل اللغوي الناتج عن عملية النقل والترجمة، فقد كانت تلك المحاولات تفتقر إلى الدرجة المناسبة من الدقة، هذا إن لم يلطخ بعضها صفحة العربية، ومع ذلك فقد استقر البعض على اصطلاح «لحظة المخاض النصي»، ورأوا فيه أن أجْود ما طرح من تلك المصطلحات وأدلّها على مفهومه. ولكنه يفتقر الى التركيز، الأمر الذي قاد الى بلورة مصطلح جديد رأى فيه العديدين قدراً كبيراً من الدقة والتركيز والمقابلة اللغوية للمصطلح المترجم عنه، لاسيما وأنه ينطوي على دلالة فعل السيرورة والصيرورة والتي تشبه الى حد كبير حركية النص بين النقطيتين، وهو مصطلح «التشْكيل النصي» أو «المرحلة ما قبل نصّية»[[24]].
وحول معنى كلمة "تشكيل"، نجد أن كلّ المعاجم اللغوية العربية التي تتناول هذا المصطلح تكاد تجمع على العودة به إلى جذره اللغوي "شكّل : تشكيل"، في حين أن معنى الفعل يتصّل بالجانب التصوّري والتمثيلي "تشكّل: تصوّر وتمثّل"[[25]]، وهذا بحد ذاته ما ساعد التوصيف والتعريف الاصطلاحي على أن يتم ويظهر ويكشف عن صيرورة الفعل بهذا المعنى، والارتفاع به نحو بلوغ حدّه التصويري والتعبيري الأقصى.‏
كان مصطلح التشكيل أكثر وأقدم حضوراً من الناحية الأدبية، وذلك من خلال ما كانت عليه حمولات الثنائية التقليدية "ثنائية الشكل والمضمون"، التي كان لها سطوة كبيرة لفترة طويلة على عمليات تتبع ورصد حركة إشكالية المعنى النصّي في التراث النقدية القديم.‏ أما في النقد الحديث فقد تم تعويض هذه الثنائية بأخرى بديلة عنها، هي "ثنائية التشكيل والرؤيا"، إذ تحوّل الشكل بمعناه المجرّد والبسيط والأحادي إلى التشكيل بمعناه المركّب والمعقّد والمتعدد، وتحوّل المضمون بمعناه المباشر والكمّي والقصدي إلى الرؤيا بمعناها الحلمي والنوعي واللاقصدي، تماماً كما في ثنائية التشكيل والرؤيا، ومع ذلك لايزال حتى هذا النقطة أسئلة تعوق تماسك الفكرة، على الأقل فيما يتعلق بالمنهجيات النصية وحدودها الموضوعية بالنسبة للنص نفسه.‏
في كل الأحوال، فإننا نستطيع فهم مصطلح التشكيل على أنه "الشكل" ولكن في مسار وحال الصيرورة، والحراك الدينامي الحيّ حتى في منطقة التلقي. وعلى هذا الأساس نقول بأن مصطلح التشكيل تتوافر فيه خواص المرونة والرحابة والدينامية في الطبقتين السطحية والعميقة للمصطلح، فهو لا يتلبّث في منطقة معينة ومحددة من النص، بل يتمظهر في كل منطقة وزاوية وبطانة وظلّ منه يمكنها أن تسهم في إنتاج حساسية التصوير والتمثّل، ويكون التشكيل على هذا الأساس مصطلحاً (فوق نصّي أو ما بعد نصّي)، أي أنه يمثّل النص في حالة تشبّعه الفني وامتلائه الجمالي، الغائرة في فضاء القراءة والمتفتّحة بين يدي التداول.‏
من جهة أخرى، نجد أن مصطلح التشكيل يتعلق بالعملية التي يتم فيها تركيب النص وتكوينه أو بالأحرى عملية "انتاجه وتوليده"، كما يتعلق بالاطّراد الذي يعترف بالمؤشرات الأسلوبية، وهي تصرفات خاصة يلجأ إليها منشئ النص ليميزه عن غيره أو ليثير بها انتباه المتلقي. وهو أبعد ما يكون عن المعيارية والإطلاق؛ لأنه نحو تطبيقي لا يأتي دوره إلا بعد أن ينشأ النص ويكتمل. وكذلك يتجاوز نحو النص العلاقات داخل حدود الجملة الواحدة إلى أجزاء النص كله أيا كان طوله، محللاً إياها ومتتبعاً لها، وذلك في مقابل ما يمكن أن تكون عليه خصائص نحو النص وحده ولا تعني نحو الجملة في شيء، وهي: "القصد والتناصّ ورعاية الموقف (المقامية) والإعلامية والقبول"[[26]].
إلا إن كل من نحو الجملة ونحو النص متفقان في صفتين هما: التضام (السبك) وهو تلك العلاقة اللفظية التي تشمل الافتقار والاختصاص والتلازم والمطابقة وعود الضمير وما شابه هذا، والصفة الثانية هي الاتساق (الحبك)، ويقصد بها العلاقة في المعنى بين المتضامين تجعل أحدهما غير نابٍ في الفهم عن الآخر. فلا وجه لجملة فعلية مثل "فهم الحجر" ولا لجملة اسمية مثل "السماء تحتنا". فذلك غير مقبول في الظروف العادية لاستعمال اللغة وقد يكون مقبولاً في المواقف غير المعتادة كالسخرية والمجاز[[27]].
ونخلص هنا، الى أن أي اختلاف لمسناه واضحاً نحو الجملة ونحو النص، لا يمكن أن يترتب عليه إمكان إغناء أحدهما عن الآخر، أو امكان إفناء أحدهما للآخر، بقدر ما يمكن القول بأنهما يظهران قدراً من التكامل، ذلك أن قواعد نحو الجملة لابد وأن تمثل جزءًا أساسياً غير قليل ينبني عليه نحو النص.
وعلى هذا الأساس، فقد حظي مصطلح التشكيل في دائرة المنهجيات الحديثة المشتغلة إجرائياً في حاضنة النصوص بأهمية خاصة واحتفاء استثنائي نوعي، باعتباره كاشف جوهري لجمالية الخطاب أو المنتج الأدبي، لاسيما مع القول بأن لا سبيل إلى إدراك النص واختراق فجواته وتحليل نظمه، من دون الاشتغال على منطقة التشكيل الحيوية والكثيفة، وقراءة أنموذج التشكيل الفني والكشف عن طبقات اشتغاله الجمالية، فمن الناحية التطبيقية تبدو نظرية النحو العربي قادرة على التجاذب مع ثنائية جديدة تتمثل بــ "التشكيل والتشكل"، دون إيجاد أي فواصل بين ما يمكن أن تكون عليه النظرية، وما يمكن أن تكشف عنه التطبيقات الأدبية والفنية، فالنص في الأشكال الفنية عموماً والأجناس الأدبية على نحو أخصّ، ووفق هذا المنظور تشكيل قبل أن يكون جمالاً، وتشكلاً بعد أن يكون نصاً، أو أثناء ما تتم عملية التشكيل نفسها، فالأمر جمالياً يمكن رصده في كلّ مراحل بناء النص وتشكيله، من البنية، إلى الخطاب، إلى النص، وصولاً إلى التشكيل[[28]].
ولكن ماذا عن المعنى والدلالة، واختبارات المقايسة النظرية للنحو العربي كنظرية أمام هذا المتغير المفهومي والاصطلاحي، الذي لا يزال يطرح الكثير من التساؤلات الشائكة والبالغة الحساسية والتعقيد؟- بالطبع، هذا ما لايزال مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
*** *** ***
[[1]]. روبرت دي بوغراند: النص والخطاب والإجراء، عالم الكتب، القاهرة، 1998. ص 47.
[[2]]. سعد مصلوح: من نحو الجملة إلى نحو النص، جامعة الكويت، الكتاب التذكاري بقسم اللغة العربية، إعداد طه نجم وعبده بدوي 1990. ص 408.
[[3]]. روبرت دي بوغراند: المرجع السابق. ص 88.
[[4]]. سعد مصلوح: مرجع سابق. ص 412.
[[5]]. يعرف هذا المفهوم في الإنكليزية بــ (Syntax) وهو ذلك العلم الذي يعنى ببيان الأحكام والقواعد الناظمة لترتيب الكلمات داخل الجملة أو العبارة أو التركيب، أما المفهوم العام للنحو فالمراد به دراسة صوتيات اللغة ومعجمها وصرفها، وجملها وتراكيبها ودلالتها العامة- أنظر: سعد مصلوح: مرجع سابق. ص 38.
[[6]]. سعد مصلوح: مرجع سابق. ص 119.
[[7]]. سعيد البحيري: علم لغة النص، المفاهيم والاتجاهات، مكتبة لنان ناشرون، والشركة المصرية للنشر لونجمان، 1997. ص 88- 89.
[[8]]. سعد مصلوح: العربية من نحو الجملة، مرجع سابق، ص 408.
[[9]]. فان دايك: النص والسياق، استقصاء البحث في الخطاب الدلالي التداولي، بيروت، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، ٢-;-٠-;-٠-;-٠-;-. ص ١-;-٧-;- وص ٣-;-٣-;-.
[[10]]. جبار سويس الذهبي: النص والخطاب، دراسة إجرائية في العلاقات النصيّة، بدون ناشر ومكان النشر، 2011. ص 57.
[[11]]. فان دايك: مصدر سابق، ص ٣-;-٣-;-.
[[12]]. سعد مصلوح، العربية من نحو الجملة، مصدر سابق، ص ٤-;-١-;-3.
[[13]]. المرجع السابق نفسه. ص 413.
[[14]]. يحيى عبابنة وآمنة الزعبي: علم اللغة المعاصر، مقدمات وتطبيقات، دار الكتاب الثقافي، إربد، 2005. ص 31.
[[15]]. جورجي زيدان: تاريخ اللغة العربية، دار الهلال، القاهرة، 1904. ص 25.
[[16]]. عبد الملك مرتاض: نظرية، نص، أدب (ثلاثة مفاهيم نقدية بين التراث والحداثة)، بحْث منشور ضمن كتاب «قراءة جديدة لتراثنا النقدي»، نشْر النادي الأدبي الثقافي بجُدّة، ط 1990. 1/ 269.
[[17]].سعيد علوش: معجم «المصطلحات الأدبية المعاصرة» (عرض وتقديم وترجمة)، مطبوعات المكتبة الجامعية، الدار البيضاء، ط 1984. ص 144.
[[18]]. حسين خمري: «نظرية النص: من بنية المعنى إلى سيميائية الدالّ»، الدار العربية للعلوم ناشرون (بيروت) – منشورات الاختلاف (الجزائر)، ط.1، 1997، ص52.
[[19]]. المرجع السابق نفسه. ص 52.
[[20]]. عبد الملك مرتاض: مرجع سابق. ص 275.
[[21]]. المرجع السابق نفسه. ص 275.
[[22]]. عبد الملك مرتاض: تحليل الخطاب السردي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ط 1995، ص262.
[[23]]. قال أحد تلاميذ مرتاض عن هذه الترجمة: «على غرابة هذه (الخطببة)، فإنه ليس في الإمكان أبْدع مما كان، لأنها تظل - في اعتقادنا - أفضل من التخْطيب الذي يدعو إليه رشيد بن مالك. أنظر: يوسف وغليسي: إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، الدار العربية للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف، ط.1، 2008، ص427.
[[24]]. يوسف وغليسي: إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، الدار العربية للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف، ط.1، 2008. ص 426.
[[25]]. المعجم الوسيط، ج1، دار إحياء التراث العربي، بيروت، قام بإخراجه إبراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر، محمد علي النجار، وأشرف على طبعه عبد السلام هارون، د.ت : 493 .
[[26]]. عبد الجليل منقور: المقاربة السيميائية للنص الأدبي- أدوات ونماذج، ضمن كتاب السيمياء والنص الأدبي (محاضرات الملتقى الوطني الأول)، منشورات جامعة محمد خيضر بسكرة، 2000. ص 64.‏
[[27]]. سعيد البحيري: علم لغة النص، المفاهيم والاتجاهات، مكتبة لنان ناشرون، والشركة المصرية للنشر لونجمان، 1997.. ص 120.
[[28]]. صلاح عبد الصبور: حياتي في الشعر، ديوان صلاح عبد الصبور، دار العودة، بيروت، 1969. ص 563 .‏





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,868,801,145
- الدلالية النحوية والدلالة النصية بين النحو التقليدي واللساني ...
- الرموز والدلالة وجدل المعرفة الباطنية- مقاربة ابستمولوجية
- من العمق: استخلاص بحثي لقراءة مغايرة في الطراز الروائي: الحل ...
- ثرثرة عابرة على صفحة كتاب الوجه
- الخاصرة المطعونة: هل بدأت نهاية النفوذ السعودي في اليمن؟
- الطعن في الخاصرة: الرئيس هادي يتحدى إرادة العائلة السعودية ف ...
- اللحظة العصية بين الوعي واللاوعي قراءة في ذبذبات الفعل الثور ...
- لا شيء هنا أكثر من الهَوَس


المزيد.....




- الموت يغيب -شيخ الرواية السورية- الأديب حنا مينة عن عمر 94 ع ...
- نجم مانشستر يونايتد يصف صلاح بالممثل المسرحي!
- وفاة الأديب والروائي السوري حنا مينة
- نجمة عالمية تدفع 380 ألف دولار لإخفاء فضيحة جنسية (صورة)
- -Eagles- تتفوق على مايكل جاكسون!
- نصوص من العراق
- مصر.أدب الرسائل:رسالة الرفيقه عبير الصفتى الى ابنتها وروحها ...
- يُصدر قريبًا «صوت الغزالي وقِرطاس ابن رشد» للباحث والناقد ...
- مفتي تترستان يتحدث إلى الصحفيين عن حجاج روسيا
- وفاة الفنان المصري ناجي شاكر مصمم عرائس -الليلة الكبيرة-


المزيد.....

- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فكري آل هير - في ضوء علم نحو النص: المعنى بين التشكيل والتَشكُّل