أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (أ):















المزيد.....



قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (أ):


بشاراه أحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5104 - 2016 / 3 / 15 - 02:45
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هناك أقوام زخر التاريخ بقصصهم وأهوال أعمالهم التي يستحيل على الناس المعتدلين الطيبين مجرد تصورها لبشاعتها وجسارة الوحوش البشرية التي كانت تتعاطاها بدم بارد ولا تزال هذه الوحوش. وكم من ضحايا حرموا حتى من فرصة الموت للهروب به من فظاعة ما يلاقونه من هؤلاء الجبابرة المتكبرين. حكى الله تعالى هذه الفظائع وأرسل الأنبياء والرسل فكذبوا وقتلوا وشوهت سيرتهم العطرة على أيد أقوامهم, قد وصفهم الله تعالى في سورة الشعراء, بدءاً من قوم نوح الذين واجهوا وأعنتوا نبيهم ورسولهم الذي نصحهم, فعارضوه وحاربوه: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ 116), ثم جاء من بعده قوم عاد, الذي قال لهم نبيهم هود: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ 129), (وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ 130), وثمود الذين جابوا الصخر بالواد,,, قال لهم نبيهم صالح: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ 149), (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ 150), وحذرهم من ناقة الله وأن لا يمسوها بسوء, فكذبوه فعقروها بدم بارد فأصبحوا نادمين, فأخذهم العذاب ولم يغن عنهم الندم من الله شيئاً, وكذلك قوم لوط, الذين قال لهم نبيهم: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ)؟؟؟,: (قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ). فعاقبهم الله قال: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ).

ثلاثة رهط في المدينة يفسدون في الأرض ولا يصلحون, متربصون, خراصون, عدوانيون, قد كتب الله عليهم الهوان فهانوا حتى عند أنفسهم. فكلما حصحص الحق فاض باطلهم عن باطنهم وتجلت مخازيهم ومثالبهم للعيان. صورة طبق الأصل من ذلك العتل التعس الزنيم الذي قال الله تعالى فيه متوعداً (سنسمه على الخرطوم), ولعل الله تعالى قد وسم هؤلاء الرهط فجعلهم أئمة للضلال والإضلال, لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون.

على أية حال,, لقد جاءنا أحدهم في تعليق قال لنا فيه: (... فى مقالك الماضى وجهت لك سؤال عن القرده الزانيه, للاسف لم اتلق رد من جنابك؟؟ ارجو ان يكون المانع خير ...). نعم,, كان قد سأل هذا السؤال المغرض من قبل, فأدركنا خبث النوايا والمسعى,, الذي خبرناه عنه دائما, فهو يبحث عن مدخلٍ ليعبر من خلاله عن ما بداخله من بركان يغلي تربصاً وإستخفافاً فقد إعتاد دائماً إما أن يسخر أو يُشبه أو يتهكم بدلاً من أن يرقى إلى مستوى التحدي في الحوار الذي حقيقةً لم نترك له حتى سم خياط ليلج فيه, المهم أنه لم يسأل ليعرف أو ليحاور ولكن ليبهت أو لحفظ ماء الوجه الذي جف بعد أن تكدر,, فصرفنا النظر عنه وقليناه ولم نرد عليه آنذاك. لذا عاود الإلحاح مرة أخرى فرددنا عليه بقدر إستيعابه وفي حدود قدراته الفكرية بالمختصر المفيد, وبما فيه مزدجر, وإكتفينا بذلك لأن الرد العلمي والفقهي التفصيلي لن يستطيع أن يستوعبه لشح المعايير اللازمة له عنده. فجاءت تعليقاتنا كما يلي:

قلنا له: ((... المشكلة لا تكمن في تلك القردة أو باقي الحيوانات والأحياء الأخرى غير الإنسان يا أخي!!! فهي مخلوقات غير مُكَلَّفةٌ, وبالتالي كثرة تلاقحها يعتبر تنمية وتكاثر حقيقي لا غبار عليه, بل هو بركة ورحمة من عند الله لأن فيه الرزق الوفير. فلو كانت هذه الحيوانات مكلَّفة ومبتلاة بدلاً عن الإنسان أو معه لوُصِفت كلها بالتقوى والورع, ولَكَانَ كل أو جل العقلاء والعلماء والزهاد منها, لأنها إن كانت مثل الإنسان الظلوم الجهول, تتجرأ على الله خالقها وخالق كل شيء بالكفر والمعصية وهوى النفس والفجور والبغي,,, لما أبت الأمانة التي عرضت عليها مع السماوات والأرض والجبال قبل الإنسان.

ولَمَا أبَتْهَا وزهدت فيها بكل مغرياتها التي قد لهث وراءها وتدله ذلك الظلوم (الذي يكثر الظلم بلا حدود ولا قيود), والجهول (الذي يجهل, ويتحرى الجهالة على الغير ويوسع دائرة سُوئِهِ وسوآته بلا تورع ولا حياء). فبالطبع لن تجد بينهم مثليين قذرين, ولا سحاقيات فاجرات داعرات, ولا زناة أنذال, ولا كفرة فجرة وملحدين ومشركين ومنافقين...الخ .بل المشكلة تكمن حقيقةً في ذلك الإنسان الذي رده الله خالقه من أحسن تقويم إلى أسفل سافلين بعمله وكسب يده فظهر الفساد في البر والبحر .

فأصبح هذا الإنسان أضل من الأنعام, إذ أصبحت المرأة – المدَّعية الحضارة والرقي والعلم – تشتهي حمارها وبّغْلَهَا وخنزيرها وتعقد قرانها على كلبها لأن الرجل الساقط المخنث, لديها وفي نظرها أصبح دون هذه البهائم, لأنه بات يشتهى زكراً مثله ويعزف عن النساء لقذارتهن وخيبتهن وشذوذهن.

أما القردة التي تتحدث عنها, والتي تريد أن تجعل منها قضية تظن بأن فيها حرج لنا كمسلمين أو يمكن أن تخدش متانة الإسلام وإحكامه, فأبشرك بالخيبة والحسرة, فقد حكاها رجل أخرجه الله من سوداء جاهلية ماحقة صورت له بأن الحيوانات تزني وأنها تقيم حد الرجم على الزناة منها.

فلو فرضنا جدلاً أن هذه القرود رأت الإنسان يفعل ذلك مع زناة البشر وقلدته, فهذا يعني أنها قلدت أهل الكتاب, فهم الذين يرجمون الزناة, والقصة حدثت في الجاهلية التي يعتبر المسئول عنها أهل الكتاب بإعتبارهم حملة كتاب الله قبل الإسلام.

أما ذكر هذه القصة في صحيح البخاري, لن يرفعها إلى درجة الشبهة في الإسلام,, فهي مجرد رواية نقلها البخاري عن رجل مسلم يحكي غرائب من عجائب جاهليته,, المهم في الأمر أن:
البخاري ليس نبياً ولا رسولاً ولا معصوماً.

لم يذكر البخاري هذه القصة في أي أحكام أو تشريع أو فقه, لذا لا يكون لوجودها هناك أي قيمة فقهية يمكن أن تبنى عليها, فالبخاري وحده المسئول عن وجودها في مصنفاته,, وهو الذي عليه أن يبين مراده منها الذي مهما علا فلن يكون له أي علاقة بأي أحكام شرعية.

هناك بعض المحسوبين على علماء الأمة من أولئك الذين إعتادوا بجهلهم شبهة الإسلام بمحاولاتهم إيجاد تبريرات فارغة التي تنزه بعض الكتب أو المصنفات من إحتمال الخطأ العفوي أو غيره مصرين على إصباغ القدسية على أصحابها المجتهدين, كأنما الخطأ في البخاري مستحيل, وأنه – لو وجد فيه – سيحسب على الإسلام كله كأنما النبي هو الذي أخطأ فيه أو القرآن, وهذا هو الغباء الحقيقي من هؤلاء مما عطل ملكة التدبر والتفقه في الدين. فالقرآن الكريم الذي لا تنقضي عجائبه, قد إنقضت بحبسه في كتب التفسير, وتعطيل ضرورة التدبر والتفكر التي أمر الله تعالى بها عباده الصالحين.

فالبخاري وغيره غير معصومين, بل هم أناس قد إجتهدوا قدر طاقاتهم في هذا الدين الذي وصفه المصطفى بأنه -متين- فنحن نقبل إجتهاداتهم ونتعامل بها ولكن لا نرهن التدبر والتفقه الذي قد يوصلنا إلى غير ما وصلوا إليه, وهذا لا يقدح في إجتهاداتهم التي نسأل الله أن يجزيهم عنها خير ...)).

وقد قصدنا من ذلك أن نغلق دونهم الباب الذي يريدون الدخول منه ليخوضوا فيما لا يمكن أن يبلغ مداركهم التي أعماها الحقد والتطاول والعدوان. وغير متوقع منهم سوى ما هم عليه, ولعل هذا جزء من رد الله تعالى عليهم وعلى سعيهم الشرير فأشقاهم بالسفه واللجاجة والخزلان, أما وقد حبس الله تعالى أسلافهم في أرض التيه, لعله قد حبسهم في عتمة وظلام الفكر والفقه وخواء الوجدان. فالوَرِعُ هو الذي يعقل أولاً قبل أن يورط نفسه بالقول المرسل أو السفه. ولكن يظهر أنه كالعادة لم يفهم كلمة واحدة من عشرات المعاني التي إن فهمها أو فطن لبعضها لأغنته عن الحرج وفضح الحال. فأدخل نفسه من باب الصفوة الفقهاء, فكُبَّ على وجهه, فلننظر ماذا قال لنا في تعليقه هذا؟؟؟

قال لنا,, أولاً: (... بالنسبه لردك على الاخ ايدن, حديث القرده الزانيه يا صاح ليس حديث ضعيف او من الاسرائيليات بل هو حديث قوى جدا فى البخارى وصحيح مسلم وصححه جميع مفسرى الاسلام على مختلف العصور ...).

ثانياً,, قال لنا: (... اذن انت هنا تطعن فى السنه الشريفه والعقيده المحمديه, هل تريد ان تؤلف اسلام جديد على مزاج جنابك ام ماهى مشكلتك؟ فى رأى مشايخ الاسلام فأن هذا يعتبر كفر بواح وصريح,...؟). فصار مفتياياً ما بين ليلة وضحاها, بل هو أكثر حرصاً منا على السنة الشريفة والعقيدة المحمدية,, بل وجزعاً من مغبة الطعن فيهما والكفر الصريح البواح,,, سبحان الله فلكأنما الشاعر كان مطلعاً على هذا الموقف الشاذ حين قال (برز الثعلب يوماً... في ثياب الواعظينا).

ثالثاً,, قال لنا: (... المشكله فى الاسلام انه كل شيخ يريد ان يخترع اسلام على مزاجه بل ويكفر الاخر ويتمنى ذبحه, بأى حق تحتكروا الحقيقه المطلقه؟ الا تخجلوا من انفسكم؟ ...).

لعل القراء الكرام قد أدركوا الآن غاية هذا الرجل من بداية السؤال الخبيث الذي تفادينا وتجاهلنا الرد عليه, لأننا ندرك تماماً أنه يريد من خلاله أن يوجد لنفسه متنفساً ينفث من خلاله سمه على من حوله بعد أن ضاق بهم الحال وعجزوا عن أن يكون في مستوى الحوار في المواضيع المطروحة عليهم والمتاريس الفكرية التي ضربناها حولهم وبداخلهم, فأعجزتهم وأحبطتهم, فلم يستطعوا نفي تلك الحقائق الدامغة أو على الأقل الرد على أسئلتنا المباشرة التي طوقناهم بها, ويعلمون تماما أنهم إن فعلوا لخسفت بهم الأرض من مشارقها ومغاربها.

الآن سنتجاوزهم بردنا العلمي المفصل مكتفين بما قلناه لهم ولمن معهم من أتباع وسنرد على أهل الفكر والنهى من القراء الكرام لنضع الأمور في نصابها ولنوسع الفجوة بينهم وبين رواد الفكر وأهل العزم والعزائم.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

أولاً وقبل كل شيء سنبيِّن المعايير الدقيقة التي يتعامل بها أهل الفكر والنهى وفرسان الكلام وعلماء الحديث بصفة عامة – ما دون المرفوع – ثم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة فيما يلي:

لقد إجتهد المسلمون في وضع معايير غاية في الدقة والروعة والإنضباط والحزم والحسم لتوثيق هذه الحالة النموذجية الفريدة التي مَنَّ الله تعالى بها عليهم, فجاءوا بعلم الحديث الذي لم يسبقهم إليه أحد أو يلحقهم فيه أو يجاريهم. وفيما يلي لمحة خاطفة عن دعائم وأساسيات وضوابط هذا العلم البديع:

أولاً: لقد بدأ العلماء الأجلاء بالنظر إلى رجال الحديث أنفسهم الذين أطلقوا عليهم مصطلح (السَّنَدِ), لأنهم يقومون بإسناد الحديث إلى مصدره, وذلك لدراسة وضبط وتقييم شخصياتهم وأحوالهم ومدى صدقهم وتورعهم وقربهم من النبي صلى الله عيه وسلم, وأهليتهم لحمل ورواية الأحاديث عنه ,,, الخ. وقد وضعوا معايير غاية في الدقة والحسم لتمحيص وتقييم السند أولاً, فلا يقبل قول من غير العدول منهم مطلقاً.

ثم أطلقوا على ما إنتهى إليه السند (مصطلح « المَتْنِ »), فلا يقبل منه شيء ما لم يخضع تماماً لمعايير دقيقة قبل أن يعتبر متناً « مرفوعاً » كان أم « موقوفاً » أم « مقطوعاً», أو ما دون ذلك فيعتمد بِقَدَرِهِ ودرجته أو يُبْعَدَ بحُجَّتِهِ وشواهده,

ثم ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم أطلقوا عليه مصطلح: (الحَدِيْثُ النَّبَوِيُّ), سواءاً أكان ذلك الحديث (قولاً, أو فعلاً, أو وصفاً, أو تقريراً).
وهناك الكثير من المُحدِّثِيْنَ – وليس كلهم - أطلقوا مصطلح (حديث) على أقوال وأفعال وتقرير الصحابة والتابعين لهم، مع تفصيل لكل منهم,, فهم يقولون:
- لما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (حَدِيْثَاً مرفوعاً)،
- ولما أضيف إلى الصحابي وإنتهى عنده: (حَدِيْثَاً موقوفاً)،
- ولما أضيف إلى التابعي وإنتهى عنده: (حَدِيْثَاً مقطوعاً).

ثانياً: بالإضافة إلى ذلك فإن هناك مزيد من المصطلحات التي تحقق أكبر قدر ممكن من الإنضباط بمعايير واضحة لحفظ الأثر وفي نفس الوقت توفر أكبر قدر ممكن من الدقة والتفاصيل والتمييز.. الخ فإستخدموا مصطلحاً يميزون به ما بين "الحديث" و"الخبر".
فمصطلح: « الخبر » عند علماء الحديث جاء مرادفاً لمصطلح "ألحديث", فقالوا:
- إنَّ « الحديث » هو « ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم،
- وإنَّ « الخبر » فهو ما جاء عن غيره.
وبناءاً على ذلك التفصيل قالوا لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: (إخْبَارِيَّاً)، ولمن إشتغل بالسنة النبوية (مُحَدِّثاً).

أما مصطلح « الأثر », فيطلقه المُحدِّثون على كلٍّ من («المرفوع » و « الموقوف ») من الحديث, بإستثناء فقهاء خراسان فإنهم يسمون المرفوع « أثراً », و الموقوف « خبراً ».
ومصطلح « الحديث القدسي », يُطلق لتمييز ما رواه النبي عن ربه من « غير القرآن الكريم », ويأتي بصيغٍ متعددة كقولهم مثلاً: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « فيما "يرويه" أو " يحكيه" » عن ربه عز وجل: كذا ...), أو (قال الله تعالى « فيما رواه عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم » : كذا..).

ثالثاً: ولم يقف العلماء عند هذا الحد من التفصيل, بل تعمقوا فيه أكثر, فجعلوا ألحديث "المرفوع" أنواعاً, هي:
1. رفعٌ تَصْرِيْحِيٌّ - « للقول »: وهو الرفع الذي فيه إضافة « "قول" أو "فعل" أو "تقرير" » إلى النبي صراحة,, كقول الصحابي مثلاً: ("سمعت" رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول": كذا...),, أو ("حَدَّثنَا" رسول الله صلى الله عليه وسلم: بكذا...), أو ("قال" رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا ...), أو (عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنه قال": كذا...).

2. رفعٌ تَصْرِيْحِيٌّ - « للفعل »,, منه قول الصحابي: )"رأيْتُ" رسول الله صلى الله عليه وسلم "فعل" كذا ...), أو قوله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم "يفعل" كذا...).

3. رفعٌ تَصْرِيْحِيٌّ - « للتقرير»,, كأن يقول الصحابي مثلاً: ("كنا نفعل" على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا ...), أو يقول: ("فَعَلْتُ/فَعَلْنَا" بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم كذا...) ثم يقف عند ذلك الحد من القول دون أن يذكر إنكاراً من النبي لما فعله/فعلوه,, مما يدل على إقراره.

4. رفعٌ حُكْمِيٌّ - « للقول »,, وهو مصطلح يُذكر لتمييز ما لم يُضِفْهُ الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, وذلك إذا لم يصرح فيه بقوله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا, أو فَعل كذا, أو فُعِلَ بحضرته كذا...).

5. رفعٌ حُكْمِيٌّ - « للفعل »,, وهو مصطلح يُذكر عندما يفعل الصحابي ما لا مجال فيه للاجتهاد فيدل على أن ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

6. رفعٌ حُكْمِيٌّ - « للتقرير »,, وهو مصطلح يذكر عندما يُخبر الصحابي انهم كانوا يفعلون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كذا. حيث يكون له حكم المرفوع من جهة أن الظاهر اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليه وذلك لتوفر دواعيهم على سؤاله عن أمور دينهم.

7. الحديث "الموقوف",, وهو ما أضيف إلى الصحابي من قول أو فعل أو تقرير، سواءاً أكان الإسناد إليه متصلاً أم منقطعاً. وقد ميز بهذا المصطلح لأنه وُقِفُ به عند الصحابي الرَّاوِي، ولم يرتفع إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. وقد قسم الحديث الموقوف إلى أنواع هي: (موقوف قولي, وموقوف فعلي, وموقوف تقريري).

8. الحديث "المقطوع",, وهو ما أضيف إلى التابعي أو مَنْ دونه (من قول أو فعل), سواءاً أكان ذلك التابعي كبيراً أم صغيراً,, أو كان إسناده متصلاً أم غير ذلك.

9. الحديث "الصحيح",, هو الحديث الذي لا يكون صحيحاً إلَّا إذا: (إتَّصل سنده « بنقل العّدْلِ الضَّابِط ضبطاً كاملاً عن العَدْلِ الضَّابِط إلى مُنتهاهُ »، و « خَلا من الشُّذُوذِ والعِلَّةِ »). لذا فإنه:
- لا يتحقق فيه "إتصال السند" إلَّا عندما يكون كل واحد من رواته قد سمع مِمَّنْ فوقه حتى يبلغ قائله.

- ولا يتحقق فيه "العدل (العدالة في الرواة)" إلَّا بتوفر المَلَكَةِ التي تَحُثُّ على التقوى، وتحجز صاحبها عن المعاصي والكذب وما يخل بالمروءة. وهذا الشرط قد أفرز نوعان من الضبط, هما:
"ضَبْطَ صَدْرٍ", وهو أن يسمع الراوي الحديث من الشيخ ثم يحفظه في صدره، بحيث يستطيع أن يستحضره بتمامه وكماله متى شاء.
و" ضَبْطَ كِتَابٍ", وهو أن يسمعَ الراويَ الحديثَ من الشيخ ثم يكتبه في كتاب عنده ويصونه من التحريف والتبديل,

- ولا يكون الحديث فيه (خالياً من "الشذوذ") إلَّا إذا كان "لا يخالف - في الثِّقَةَ" - مَنْ هو أوثق منه من الرواة,

- ولا يتحقق فيه "خُلُوّهُ من العلة" إذا ما طرأ على الحديث سبب يقدح في صحته مع أن الظاهر السلامة من تلك العلة.

رابعاً: بالإضافة إلى كل ذلك فإن للحديث الصحيح أحكام ومراتب وضوابط ومعايير تتضمن مصادره. فهناك:
- "الصحيح لذاته", وهو ذلك الحديث الذي بلغ درجة الصحة بنفسه دون أن يحتاج إلى ما يُقَوِّيْهِ, ثم
- "الصحيح لغيره", وهو ذلك الحديث الحسن لذاته - إذا ما رُوِيَ من وجه آخر مثله أو أقوى منه بلفظه أو بمعناه -، فإنه يُقَوَّىْ ويَرتَقِي من درجة الحسن إلى درجة الصحيح،

ثم "الحديث الحسن", وهو مصطلح يميز به (ما اتصل سنده بنَقْلٍ عدْلٍ خفيفِ الضَّبطِ من غير شُذوذ ولا عِلَّةٍ). فالراوي في كلا النوعين من الحديث (الصحيح والحسن) يكون عدْلاً لكِنَّ ضبطه في الحسن أقل من ضبطه في الصحيح,, وبالتالي لن يكون مثله تاماً.
أما "الحديث الحسن لغيره", فهو مصطلح يميز الحديث الضعيف إذا تعددت طرق رواياته، ولم يكن سبب ضعفه فسق الراوي أو كذِبهُ.

ثم هناك أحاديث "مقبولة", وقد ميزها علماء الإختصاص بمجموعة من الألقاب بجانب قولهم (صحيح أو حسن), مثل قولهم: ("جَيِّدٌ", "قَوِيٌّ", "صَالِحٌ", "مَعْرُوْفٌ", "مَحْفُوْظٌ", "مُجَوَّد", "ثابِتٌ).
كل ذلك يضفي مزيداً من معايير الدقة والضبط والشفافية والتمحيص للحديث قبل العمل به.

خامساً: أما "الحديث الضعيف" فهذا لم ولن يُضَعَّف بجر القلم عليه, أو بهوى نفس أو بتهاون وتمرير,,, وإنما يتم ذلك بمجهر علم الحديث الثاقب. وقد أُستعمل هذا المصطلح لتمييز كل حديث لم تجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن), هذا من حيث التبويب والتمييز, ولكنه ينقسم – من حيث فقده لشروط القبول - إلى أقسام عديدة لكل قسم منها مصطلحاته, وهي كما يلي:

1. فُقْدُ "إتصال السند": - وأقسامه هي: ("المُعلَّق", و "المُنقطِعُ ", و "المُعَضلُ", و "المُرْسَلُ", و "المُدَلَّسُ"),
2. فُقْدُ "العدالة": - وأقسامه هي: ("المَوْضُوْعُ", و "المَتْرُوكُ", و "المُنْكَرُ", و "المَطْرُوحُ", و "المُضَعَّفُ", " و "المُبْهَمُ"),
3. فُقْدُ "الضبط": - وأقسامه: ("المُدْرَجُ", و "المَقْلُوبُ", و "المُضْطَّرِبُ", و "المُصَحفُ", و "المُحرَّفُ"),
4. فُقْدُ "السلامة من الشذوذ": - إذ ان فقد السلامة من العلة ينشأ عنه نوع واحد هو "المُعَللُ".

سادساً: أما الحديث « المُضَعَّفُ »,, فهو مصطلح يميز الحديث الضعيف الذي لم يجمع على ضعفه، بل ضَعَّفه بعضهم وقواه آخرون: إمَّا في "المتن" أو في "السند".

سابعاً: والحديث « المتروك » وهو مصطلح يميز الحديث الذي يرويه من يُتَّهم بالكذب ولا يُعرف ذلك الحديث إلا من جهته, ويكون مخالفاً للقواعد المعلومة، وكذا مَنْ عُرف بالكذب في كلامه وإن لم يظهر منه وقوع ذلك في الحديث النبوي. ولكن رغم تركه لم يُعتبر لديهم حديثاً "موضوعاً"، وذلك لأن مجرد الاتهام بالكذب لا يُسَوِّغُ الحكم عليه بالوضع.

ثامناً: والحديث « المطروح », وهو مصطلح يميز نوع من الأحاديث التي تعتبر أدنى مرتبة من « الضعيف » وأعلى مرتبة من « الموضوع ».

تاسعاً: أما الحديث « الموضوع »,, فهو المصطلح الذي يميز كل خبر مُخْتَلَقٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم إفْتِرَآءاً عليه. فهو:
- يصنَّف – عند بعض العلماء - ضمن مجموعة الضعيف, ولكنه يعتبر عندهم أشَرُّ أنواعها وأقبحها,
- البعض الآخر من العلماء قد جعله قسما مستقلاً - حتى لا يندرج تحت الأحاديث الضعيفة - , بل ولا يطلق عليه لفظ "حديث" (إلا من جهة واضعه فقط).
وقد وضع له أهل الإختصال معايير دقيقة وضوابط وعلامات وشواهد كافية لكشفه وإبعاده.

عاشراً: والحديث « المتصل »,, هو مصطلح يميز به الحديث الذي اتصل إسناده بسمع كل راوٍ ممَّن فوقه من الرواة, من أوله إلى منتهاه، إما (مرفوعاً للنبي), أو (موقوفاً على الصحابي).

حادي عشر: والحديث « المسند »,, هو مصطلح يميز الحديث الذي اتصل سنده مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم. فلا يدخل فيه "الموقوف على الصحابي ولا "المقطوع عند التابعي", ولو اتصل إسنادهما،,, ولا "المنقطع"، ولو كان مرفوعاً.

ثاني عشر: ثم الحديث "المُعَنْعَنُ والمُؤَنَّنُ",,
فهذان النوعان يدرسان بعض الصيغ التي يستعملها الرواة في النقل عمن فوقهم، لما فيها من احتمال عدم الاتصال.

سنكتفي بهذا القدر,, ونعود إلى أصل موضوعها لنرى كيف طبق العلماء الأجلاء هذه المعايير Standards,, لنفهم لماذا أطلق على مصنف البخاري "صحيح البخاري", رحمه الله تعالى.

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

جاء في صحيح البخاري – بباب المناقب – القسامة في الجاهلية القصة/الرواية التالية:
قال,, حدثنا: نعيم بن حماد، حدثنا, هشيم عن حصين، عن عمرو بن ميمون قال: (رأيت في الجاهلية قردة إجتمع عليها قردة قد زنت فرجموها فرجمتها معهم). ولم يزد البخاري على ذلك أو يعلق عليه.

وهناك روايات أخرى, مثلاً:
أبي نعيم الإصبهاني – معرفة الصحابة – باب العين, هذا نصها:
(حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمد بن إسحاق، ثنا رزق الله بن موسى، ثنا شبابة، ثنا عبد الملك بن مسلم، عن عيسى بن حطان، قال: دخلت مسجد الكوفة، فإذا أنا بعمرو بن ميمون الأودي جالساً وعنده الناس، فقال رجل من القوم: حدثنا بأعجب شيء في الجاهلية، قال: )بينما أنا في حرث لأهل اليمن، إذ رأيت قروداً قد إجتمعن، فرأيت قرداً أو قردة إضطجعا، ..... إلى قوله: فحفروا لهما حفرة، ثم رجموهما حتى قتلوهما، قال: فوالله لقد رأيت الرجم قبل أن يبعث الله محمداً).

إبن حجر – فتح الباري – قال:
قد ساق الإسماعيلي هذه القصة من وجه آخر مطولة من طريق عيسى بن حطان، عن عمرو بن ميمون قال: (كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد مع قردة فتوسد يدها ..... إلى قوله: فحفروا لهما حفرة فرجموهم ، فلقد رأيت الرجم في غير بني آدم. قال بن التين لعل هؤلاء كانوا من نسل الذين مسخوا فبقي فيهم ذلك الحكم).
وقد إستنكر بن عبد البر هذا وقال: إن ثبت فلعل هؤلاء كانوا من الجن, وأنكر الحميدي في جمعه وجوده في صحيح البخاري.

وفي إبن الأثير – أسد الغابة – جزء 4:
إبن مسعود وهو معدود في كبار التابعين من الكوفيين وهو الذي روى: إنه رأى في الجاهلية قردة زنت فإجتمعت القرود فرجمتها، وهذا مما أدخل في صحيح البخاري والقصة بطولها تدور على « عبد الملك بن مسلم »، عن « عيسى بن حطان » وليْسَاْ مِمَّنْ يُحتج بهما, وهذا عند جماعة من أهل العلم « منكر »، إضافة الزنا إلى غير مكلف وإقامة الحدود في البهائم ولو صح لكانوا من الجن لأن العبادات في الأنس والجن دون غيرهما وقد كان الرجم في التوراة.

وفي تفسير القرطبي: قال إبن العربي: وفي البخاري، عن عمرو بن ميمون أنه قال: (رأيت في الجاهلية قردة ...... إلى قوله: فرجموها فرجمتها معهم)، فالحديث ثبت في بعض نسخ البخاري وسقط في بعضها، وثبت في نص الحديث « قد زنت » وسقط هذا اللفظ عند بعضهم.

وإبن عساكر – تاريخ مدينة دمشق – الجزء 46:
أخبرنا: أبو المظفر القشيري، أنا: أبو عثمان البحيري، أنا: أبو الحسين محمد بن عبد الله المخلدي الهروي، أنا: أبو محمد عبد الله بن بشر البكري، نا: سعيد بن يعقوب الطالقاني، نا: عبد الله بن أبي جعفر الرازي، نا: أبو سلام، عن عيسى بن حطان، عن عمرو بن ميمون الأودي قال: قيل له أخبرنا بأعجب شئ رأيته في الجاهلية قال: (رأيت الرجم في غير إبن آدم، إن أهلي أرسلوني في نخل لهم أحفظها من القرود فبينا إنا يوماً في البستان ........ إلى أن قال: فحفروا لهما فرجموهما.

تعليقناً المختصرة نقول فيه ما يلي:
1. القصة أو الرواية جاء نصها فقط دون أي تعليق عليها من البخاري رحمه الله,
2. هذه الرواية في البخاري سبقتها رواية عن إبن عباس قال فيها: (أيها الناس اسمعوا مني .... إلى قوله: من طاف بالبيت فليطف من وراء الحِجْرِ ...), وجاءت بعدها رواية عنه انه قال: (... من خِلالِ الجاهلية الطعن في الأنساب والنياحة... الخ),

3. جاءت هذه القصة في أوآخر المجلد الرابع (3-4), بكتاب رقم 63 "مناقب الأنصار", حيث لا علاقة له بكتاب النكاح الذي رقمه 67 ولا بكتاب الحدود الذي رقمه 86, فإن كانت القصة معتبرة لدى البخاري بموضوعها لكان الأجدر بها أن تكون في كتاب الحدود.
4. هنا نرى حكمة الله تعالى في إستعمال المتربصين بالإسلام – أنفسهم - "قسراً" يدعمون ويعملون على إظهار مناقب الإسلام ومتانته وترابط أهله فكرياً ووجدانياً وتوجهاً, وذلك من خلال محاولاتهم الدؤوبة اليائسة للإساءة إليه وإلحاق الشبه به فيجعلهم الله هم المشبوهين المقبوحين المحبطين وهم لا يشعرون.

قال تعالى عنهم لرسوله الكريم في سورة التوبة: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ 48), هكذا يعذبهم الله بجعل أعمالهم ومساعيهم في الحياة الدنيا حسرات عليهم, وناراً تلظى في قلوبهم وعلقماً زقوماً في حلوقهم ويغلي في البطون, ولهيباً في صدورهم,,, ولهم عذاب عظيم مقيم. وقلنا لهم مراراً وتكراراً إن الإسلام نضار خالص,,, كلما طرقتم عليه ليطفئوا نوره إزداد بريقه ولكنهم لم يعوا ما نقوله لهم فإستمروا في طرقهم, وسيزداد في بريقه والله متم نوره ولو كره المشركون.

5. على أعداء الله أن يتذكروا دوماً أن أمة الإسلام أهل علم وفكر وحجة وحوار وبينة,,, غايتهم إحقاق الحق ولو على أنفسهم أو أهليهم,, لن يقبلوا بالباطل ولا بأنصاف الحلول ولا بالغبش,, حتى لو كان الثمن الدنيا بحزافيرها, ولا يدهنون مع المدهنين, حتى لو كان الثمن مهجهم, ولا ينتصرون لأنفسهم بالباطل وهم يعلمون حتى لو كان ذلك من ألد أعدائهم, قال الله تعالى في سورة الأنفال: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 61).

الآن فلنر معاً التطبيق العملي الدقيق للنظام التوثيقي الإسلامي المتين الذي ذكرناه فيما سبق بشيء من التفصيل, وقد صور الأخ الفاضل عبد الله الكريم أبو عبد العزيز سعود الزمانان بموقع صيد الفوائد المبارك,, وذلك وفق معايير وضوابط علم الحديث الذي ذكرناه فيما سبق. تلك المعايير التي فاقت كثيراً كل ما بلغته الحضارة الإنسانية في مجال التوثيق والتدقيق والتحليل حتى الآن وما ستبلغه مستقبلاً,,,

وليعلم كل اولئك المرجفين أن الإسلام لم يترك مجالاً للتخالف والإختلاف بين ألمسلمين إلَّا وصولاً إلى أدق النتائج التي تحققها تلك المعايير حيث يتوافق الكل عند كتاب الله أو عند سنة رسوله الكريم حيث المركز الموحد لكل دوائرهم وحلقاتهم التي لا يسعهم عندها سوى التآزر والتعاضد والتناصح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر. وسنرى كيف يلتقي الخلف بالسلف وكيف إلتقى فكر ووجدان سعود الزمانان بفكر ووجدان البخاري الذَيْنِ يفصل بينهما أكثر من أثني عشر قرناً من الزمان, ويتلاشى الفاصل الزمني هذا بين وجدانيهما وفكريهما وتوجههما.


قال الزمانان في الردُ على الشبهةِ المثارةِ حول روايةِ: " قردةٌ في الجاهليةِ زنت فرُجمت" ما يلي:
نصُ الأثرِ: -روى الإمامُ البخاري في " صحيحه " (3849) ، كتاب مناقب الأنصار، بابٌ القسامة في الجاهليةِ: (حَدَّثَنَا ‏‏نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ ،‏ ‏حَدَّثَنَا ‏‏هُشَيْمٌ ،‏ ‏عَنْ ‏حُصَيْنٍ ‏، ‏عَنْ ‏عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ ‏‏قَالَ :‏ " رَأَيْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ ، قَدْ زَنَتْ ، فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ .(

الردُ:- أولاً : هذا الحديثُ ليس على شرطِ الإمامِ البخاري ، فصحيحُ البخاري سماهُ : " الجامعُ المختصرُ المسندُ الصحيحُ من أمورِ رسولِ اللهِ – صلى اللهُ عليه وسلم – وسننهِ وأيامهِ «« فالخبرُ ليس مسنداً للرسولِ فهو ليس على شرطِ البخاري »» – رحمهُ اللهُ.
فالأحاديثُ الموقوفةُ، وهي الأحاديثُ التي تروى عن الصحابةِ، ولا يتمُ رفعُها للنبي – صلى اللهُ عليه وسلم - ، والتي يسميها بعضُ أهلِ العلمِ « الآثار » هي ليست كذلك على شرطِ البخاري – رحمه الله .
وكذلك الأحاديثُ المعلقةُ، وهي الأحاديثُ التي يوردها البخاري، ويحذفُ أولَ أسانيدها، أو يوردُ قولاً بدون سندٍ كأن يقول: « قال أنسٌ »، أو يوردهُ بصيغةِ « التمريضِ » كأن يقول: « يُروى عن أنسٍ »، وهذه المعلقاتُ سواءٌ رواها بصيغةِ الجزمِ، أو بصيغةِ التمريضِ، (فليست هي على شرطِ الإمامِ البخاري) - وقد بلغت معلقاتُ البخاري في الصحيحِ ألفاً وثلاثمائة وواحداً وأربعين.

ثانياً :هذا الخبرُ رواهُ عمرو بنُ ميمونٍ، وهو من كبارِ التابعين، « وليس صحابياً »، وإنما هو ممّن أدرك الجاهليةَ، وأسلم في عهدِ النبي صلى اللهُ عليه وسلم « ولكنهُ لم يرهُ ، ولم يرو عنهُ »، ويطلقُ على أمثالهِ في كتبِ التراجمِ والرجالِ « مُخَضْرَمٌ »، ترجم له الحافظُ في " التقريب " فقال: " مُخَضْرَمٌ مَشْهُوْرٌ " [ سيرُ أعلامِ النبلاء (4/158) – والإصابةُ (3/118)[ .
قال ابنُ الجوزي – رحمه الله : " وقد أوهم أبو مسعود بترجمةِ عمرو بنِ ميمونٍ أنهُ من الصحابةِ الذين انفرد بالإخراجِ عنهم البخاري، وليس كذلك فإنهُ ليس من الصحابةِ، ولا لهُ في الصحيحِ مسندٌ ". [ كشفُ المشكلِ من حديثِ الصحيحين لابن الجوزي (4/175) [ .

فعمرو بنُ ميمونٍ كما قال الإمامُ القرطبي – رحمه الله يعدُ من كبارِ التابعين من الكوفيين [ تفسيرُ القرطبي (1/442) تفسير سورة البقرة الآية 65 [ .

ثالثاً :البخاري – رحمهُ اللهُ – لما ذكر هذا الأثرَ « الذي ليس على شرطهِ »، إنما أراد الإشارةَ إلى فائدةٍ والتأكيدِ على أن عمرو بنَ ميمونٍ قد أدرك الجاهليةَ، ولم يبالِ البخاري بظنِ عمرو الذي ظنهُ في الجاهليةِ، بأن القردةَ قد زنت فرجموها بسببِ الزنا.

رابعاً: الخبرُ استنكرهُ الإمامُ ابنُ عبدِ البرِ – رحمهُ اللهُ – قال الحافظُ ابنُ حجرٍ – رحمهُ اللهُ - : " وَقَدْ اِسْتَنْكَرَ اِبْن عَبْد الْبَرّ قِصَّة عَمْرو بْن مَيْمُون هَذِهِ وَقَالَ: " فِيهَا إِضَافَة الزِّنَا إِلَى غَيْر مُكَلَّف ، وَإِقَامَة الْحَدّ عَلَى الْبَهَائِم وَهَذَا مُنْكَر عِنْد أَهْل الْعِلْم " . [ فتح الباري لابن حجر 7/197 ( الطبعة السلفية. [

خامساً: استنكر الخبرَ الإمامُ الألباني – رحمه الله – فقال: " هذا أثرٌ منكرٌ، إذ كيف يمكنُ لإنسانٍ أن يعلمَ أن القردةَ تتزوجُ، وأن من خُلقِهِم المحافظةَ على العرضِ، فمن خان قتلوهُ ؟! ثم هبّ أن ذلك أمرٌ واقعٌ بينها، فمن أين علم عمرو بنُ ميمون أن رجمَ القردةِ إنما كان لأنها زنت " . [ مختصر صحيح البخاري للألباني (2/535. (

سادساً : قال الشيخُ الألباني – رحمهُ اللهُ - : " وأنا أظنُ أن الآفةَ من شيخِ المصنفِ نعيمِ بنِ حمادٍ ، فإنهُ ضعيفٌ متهمٌ، أو من عنعنةِ هُشيم، فإنهُ كان مدلساً " )] مختصر صحيح البخاري للألباني (2/535) . [

سابعاً: وممن ذهب إلى تضعيفِ الأثرِ محققُ " سير أعلام النبلاء " (4/159) فقد قال في الحاشيةِ: " ونعيمُ بنُ حمادٍ كثيرُ الخطأِ ، وهُشيمٌ مدلسٌ وقد عنعن " .

ثامناً: فالخبرُ ضعيفٌ في سندهِ «« نُعيمُ بنُ حمادٍ ، من رجالِ معلقاتِ البخاري لا من أسانيدهِ »»، روى عنهُ البخاري مقروناً بغيرهِ في الأحاديثِ أرقام ( 393-4339-7139) ، ولم يقرنهُ بغيرهِ إلا في هذا الحديثِ « المقطوعِ » الذي ليس على شرطهِ – رحمهُ اللهُ – حديث رقم (3849 .( ونعيمُ بنُ حمادٍ قال عنه الحافظُ في " التقريب " : « صدوقٌ يخطيءُ كثيراً«، وقال النسائي: " ضعيفٌ " ، وذكرهُ ابنُ حبان في " الثقات " وقال: " ربما أخطأ ووهم " . [ تهذيب الكمال (29/476 [(.

تاسعاً: وكذلك الخبرُ ضعيفٌ لأن في سندهِ « هُشيمَ بنَ بشيرٍ الواسطي ، وهو كثيرُ التدليسِ »، وجعلهُ الحافظُ في المرتبةِ الثالثةِ في طبقاتهِ، وهُمْ « مِمَّنْ لَّا يُحتجُ بحديثهم إلا بما صرحوا به السماعَ »، قلتُ: ولم يصرح بالسماعِ في هذا الخبرِ.

عاشراً : مال الشيخُ الألباني إلى تقويةِ هذا الأثر مختصراً دون وجود النكارةِ أن القردةَ قد زنت وأنها رُجمت بسببِ الزنا فقال - رحمه الله - : " لكن ذكر ابنُ عبدِ البر في " الاستيعاب " (3/1205) أنهُ رواهُ عبادُ بنُ العوام أيضاً، عن حصين، كما رواه هشيم مختصراً .

قلتُ: ( القائلُ الألباني ) وعبادُ هذا ثقةٌ من رجالِ الشيخين، وتابعهُ عيسى بنُ حطان، عن عمرو بنِ ميمون به مطولاً، أخرجهُ الإسماعيلي، وعيسى هذا وثقهُ العجلي وابنُ حبان، وروايته مفصلةٌ تبعد النكارةَ الظاهرةَ من روايةِ نعيم المختصرة، وقد مال الحافظُ إلى تقويتها خلافاً لابنِ عبدِ البر، والله أعلم. " )] مختصر صحيح البخاري للألباني (2/535-536 . [(

الحادي عشر: لو اقترضنا صحةَ الخبرِ، فإن الراوي أخبر عما رأى في وقتِ جاهليتهِ فإنهُ لا حرج من القولِ بأن هذا ما ظنهُ لا سيما أنهُ في روايةٍ رأى قرداً وقردةً مع بعضهما فجاء قردٌ آخر، وأخذها منهُ فاجتمع عليها القردةُ الآخرون ورجموهما.

فهذه صورةُ الحكايةِ ظنها الراوي رجماً للزنى، وهو لم يأخذ هذا حكايةً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وليس كذلك الراوي لها أحدُ أصحابِ النبي – صلى الله عليه وسلم - ولو أخبر بها النبي – صلى اللهُ عليه وسلم - ، وصح السندُ عنه قبلناهُ ، فإننا صدقناهُ فيما هو أعظمُ من ذلك.

الثاني عشر: والغريبُ في هذا الأمرِ أن بعضَ أهلِ العلمِ قد تكلف جداً في توجيهِ هذا الخبر، والذي كما أسلفنا ليس من قولِ الرسولِ – صلى الله عليه وسلم – ولا من قولِ أحدٍ من الصحابةِ، فالخبرُ مقطوعٌ على أحدٍ التابعين، فلا أدري لم هذا التكلفُ في هذهِ الردودِ على (خبرٍ ضعيفِ السندِ ليس على شرطِ الإمامِ البخاري – رحمهُ اللهُ – ).

ومن هذهِ الأقوالِ التي فيها الكثيرُ من التكلفِ ما قالهُ بعضُ أهلِ العلم كما نقل عنهُ الحافظُ في " الفتح " : " لَعَلَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا مِنْ نَسْل الَّذِينَ مُسِخُوا فَبَقِيَ فِيهِمْ ذَلِكَ الْحُكْم ". وقد ردهُ ابنُ التينِ والحافظُ ابنُ حجرٍ فقال بعد أن نقل القولَ عن ابنِ التينِ ." ثُمَّ قَالَ – أي ابن التين - : إِنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسِل قُلْت: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَد, لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم " أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا نَسْل لَهُ " ( حديث رقم 2663- كتاب القدر – باب أن الآجال والأرزاق وغيرها لا تزيد) .

ومن الردودِ الظاهرةِ التكلفِ هو ما أوردهُ الحافظُ عن بعضِ أهلِ العلمِ بأنهُ : " لَا يَلْزَم أَنْ تَكُون الْقُرُود الْمَذْكُورَة مِنْ النَّسْل, فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الَّذِينَ مُسِخُوا لَمَّا صَارُوا عَلَى هَيْئَة الْقِرَدَة مَعَ بَقَاء أَفْهَامهمْ عَاشَرَتْهُمْ الْقِرَدَة الْأَصْلِيَّة لِلْمُشَابَهَةِ فِي الشَّكْل فَتَلَقَّوْا عَنْهُمْ بَعْض مَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَفْعَالهمْ فَحَفِظُوهَا وَصَارَتْ فِيهِمْ , وَاخْتُصَّ الْقِرْد بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفِطْنَة الزَّائِدَة عَلَى غَيْره مِنْ الْحَيَوَان وَقَابِلِيَّة التَّعْلِيم لِكُلِّ صِنَاعَة مِمَّا لَيْسَ لِأَكْثَر الْحَيَوَان.

وَمِنْ خِصَاله أَنَّهُ يَضْحَك وَيَطْرَب وَيَحْكِي مَا يَرَاهُ, وَفِيهِ مِنْ شِدَّة الْغَيْرَة مَا يُوَازِي الْآدَمِيّ وَلَا يَتَعَدَّى أَحَدهمْ إِلَى غَيْر زَوْجَته, فَلَا يَدَع فِي الْغَالِب أَنْ يُحَمِّلهَا مَا رُكِّبَ فِيهَا مِنْ غَيْرَة عَلَى عُقُوبَة مَنْ اِعْتَدَى إِلَى مَا لَمْ يَخْتَصّ بِهِ مِنْ الْأُنْثَى, وَمِنْ خَصَائِصه أَنَّ الْأُنْثَى تَحْمِل أَوْلَادهَا كَهَيْئَةِ الْآدَمِيَّة, وَرُبَّمَا مَشَى الْقِرْد عَلَى رِجْلَيْهِ لَكِنْ لَا يَسْتَمِرّ عَلَى ذَلِكَ, وَيَتَنَاوَل الشَّيْء بِيَدِهِ وَيَأْكُل بِيَدِهِ, وَلَهُ أَصَابِع مُفَصَّلَة إِلَى أَنَامِل وَأَظْفَار, وَلِشَفْرِ عَيْنَيْهِ أَهْدَاب.

قلتُ : لا يخفى على الناقدِ البصيرِ أن هذا التوجيهَ لا يخلو من تكلفٍ واضحٍ لا يتناسبُ مع التيسيرِ في فهمِ النصوصِ، وإضافة قيودٍ ومحترزاتٍ لا داعي لها أصلاً، بل توحي لقارئِها إلى وجودِ التقعرِ والتشدقِ ولي أعناقِ النصوصِ حتى تتفقَ مع من ذهب إلى هذا الرأي.

ومن الغريبِ حقاً في سبيلِ ردِ هذا الخبر أن الحميدي في كتابهِ " الجمع بين الصحيحين « زعم أن هذا الخبرَ أُقحم في كتابِ البخاري »، قال الحافظُ – رحمه الله - :" وَأَغْرَبَ الْحُمَيْدِيّ فِي الْجَمْع بَيْن الصَّحِيحَيْنِ فَزَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيث وَقَعَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ , وَأَنَّ أَبَا مَسْعُود وَحْده ذَكَرَهُ فِي " الْأَطْرَاف " قَالَ: وَلَيْسَ فِي نُسَخ الْبُخَارِيّ أَصْلًا فَلَعَلَّهُ مِنْ الْأَحَادِيث الْمُقْحَمَة فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ ".

وقد رد الحافظ هذا القول:" وَمَا قَالَهُ مَرْدُود, فَإِنَّ الْحَدِيث الْمَذْكُور فِي مُعْظَم الْأُصُول الَّتِي وَقَفْنَا عَلَيْهَا, وَكَفَى بِإِيرَادِ أَبِي ذَرّ الْحَافِظ لَهُ عَنْ شُيُوخه الثَّلَاثَة الْأَئِمَّة الْمُتْقِنِينَ عَنْ الْفَرَبْرِيّ حُجَّة, وَكَذَا إِيرَاد الْإِسْمَاعِيلِيّ وَأَبِي نُعَيْم فِي مُسْتَخْرَجَيْهِمَا وَأَبِي مَسْعُود لَهُ فِي أَطْرَافه, نَعَمْ سَقَطَ مِنْ رِوَايَة النَّسَفِيّ وَكَذَا الْحَدِيث الَّذِي بَعْده, وَلَا يَلْزَم مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يَكُون فِي رِوَايَة الْفَرَبْرِيّ, فَإِنَّ رِوَايَته تَزِيد عَلَى رِوَايَة النَّسَفِيّ عِدَّة أَحَادِيث قَدْ نَبَّهْتُ عَلَى كَثِير مِنْهَا فِيمَا مَضَى وَفِيمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى " .

قلتُ: القولُ بإقحامِ خبرٍ أو حديثٍ ليس في أصلِ البخاري قولٌ فاسدٌ يفضي إلى عدمِ الوثوقِ بجميعِ ما في الصحيحِ، وهذا القولُ خطأٌ، بل ظاهرُ البطلانِ، فلا أدري لم كلُ هذا التكلفِ في هذهِ التوجيهاتِ الباطلةِ لقبولِ خبرٍ ضعيفٍ ليس على شرطِ الإمامِ البخاري رحمهُ اللهُ.

(مقتبس من: صيد القوائد, بقلم أستاذنا الجليل ودرتنا المكنونة/ سعود الزمانان).
وها هو الفجر قد تَنَفَّسَ!!!,, فماذا بعد الفجر إلَّا ضياء الكون بنور الضحى؟؟؟
بارك الله لك وفيك أخي الكريم سعود الزمانان, وأكثر من أمثالك علماً وتبياناً وصدقا.

هذه هي وسطية أمة محمد الخاتم,, فهم ينزعون إلى الوسط دائماً في دوائر متداخلة مركزها واحد مُوحَّدٌ مضيء, حيث كتاب الله وسنة رسوله الكريم,, وأنَّ السراط المستقيم هو أنصاف أقطارها, فإن تفرقو عند المحيط وطالت الأقواس بينهم إلتقوا حتماً عند المركز,,, قال تعالى في سورة البقرة: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ 143).

@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@@

لم نفاجأ بعدم إستيعاب علي سالم لما قلناه له, فلمَّا ألجمه البيان لجأ إلى البهتان, فجاد علينا بتعليقه التالي, كأنه قد خَرَقَ الأرض ونفذ من أقطارها أو بلغ الجبال طولاً,, فقال لنا ناصحاً, واعظاً محذراً .... بالدرر التالية:
((... بالنسبه لردك على الاخ ايدن, « حديث القرده الزانيه يا صاح ليس حديث ضعيف او من الاسرائيليات بل هو حديث قوى جدا فى البخارى وصحيح مسلم وصححه جميع مفسرى الاسلام على مختلف العصور », اذن « انت هنا تطعن فى السنه الشريفه والعقيده المحمديه », « هل تريد ان تؤلف اسلام جديد على مزاج جنابك ام ماهى مشكلتك؟ » فى رأى مشايخ الاسلام « فأن هذا يعتبر كفر بواح وصريح », « المشكله فى الاسلام انه كل شيخ يريد ان يخترع اسلام على مزاجه بل ويكفر الاخر ويتمنى ذبحه », « بأى حق تحتكروا الحقيقه المطلقه؟ الا تخجلوا من انفسكم؟ » ...),
بعد هذه الرائعة منه حق لأبي حنيفة أن يمد رجله, ففعل,,, نقول له وبالله التوفيق!!!
1. يا أخ علي سالم,,, لماذا تدخل نفسك في منابر العلم وجوقة العلماء والفقهاء,,,؟ ألا ترى هذا الترابط والتناغم العلمي والفكري والوجداني البديع المبارك من خالق الأكوان؟؟؟ حسبك الدنيا وهمومها وظلامها, أما علمت أن العلم نور, ونور الله لا يعطى لعاصٍ؟؟؟

2. القصة أصلاً تشير إلى غرائب وعجائب ومخازي بني إسرائيل وأهل الكتاب والمشركين الذين هم كيانات متداعية تجمعها كلمة (جاهلية), ولو أن الجاهلية أكثر قرباً من بني إسرائيل بدليل أن أهل الكتاب تفرقوا من بعد ما جاءتهم البينة, ولكن المشركين الجاهليين فكروا فعقلوا التوحيد فكان منهم الصحابة وهم "خير أمة أخرجت للناس".

3. أنظر إلى قول الله تعالى لرسوله الكريم في سورة المائدة: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ 59)؟, ونحن نقول لكم أيضاً ونكرر ونعيد نفس القول, فليتكم تقولون لنا سبب نقمتكم عليها وملاحقتكم لنا ألِأنَّنَا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل, فما هو مبرر هذه النقمة والإرهاب السفر الغاشم!!!

ثم أنظر إلى مخاطبة الله له كأنما يقول له, يا رسول الله: أخبرهم بالجزاء والعقوبة التي هي أشر من عقوبة الفسق التي أنتم فيها, قال: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ ...),
-;- (... مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ ...), من الفاسقين الفجار المعتدين الملعونين,
-;- (... وَجَعَلَ مِنْهُمُ « الْقِرَدَةَ » ...), و " الْقِرَدَةَ " بالتعريف, يعني أن كل جنس القردة أصله كان إنساناً ملعوناً ومغضوباً عليه فمسخ,
-;- (... « وَالْخَنَازِيرَ » ,,,), وكذلك الخنازير,
-;- (... « وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ » ...), وكذلك عبد الطاغوت,

لذا قال فيهم: (... أُولَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ 60).
هؤلاء خلافا لأهل السبت من بني إسرائيل, الذين قال الله تعالى لهم في سورة البقرة: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ 65), على أية حال,, المنطق والموضوعية يقولان بأن قصة الرجم في القصة مستحيلة حتى لو كانت تلك القرون من الممسوخين, لسبب بسيط وهو ان الرجم حدود شرعية ولا يقدم عليها ويقيمها إلَّا الذين يخشون الله ويطيعونه ويلتزمون أوامره ويقيمون حدوده,,, فإن كانوا في الأصل كذلك, لما غضب عليه ولعنهم ومسخهم.

4. أما إدعاؤك بأن رواية القردة هي: (... حديث قوى جدا فى البخارى وصحيح مسلم وصححه جميع مفسرى الاسلام على مختلف العصور ...), فهذا كذب محض, وغاية تنشدها, وأمنية خائبة تتمناها وهي غور لا مجال لطلبها, حالك في ذلك كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ. وقد أوردنا ما قاله العلماء فيها فكان مكذباً لإدعائكم جملةً وتفصيلا.

5. أما قولك لنا: (... اذن انت هنا تطعن فى السنه الشريفه والعقيده المحمديه ...), نقول لك إنَّ إنفعالك وتوترك ظاهر لدرجة أنك قلت كلمة حق في "السنة الشريفة والعقيدة المحمدية" وأنت تريد بها باطل, لعل الله قد قهرك عليها فأنطقك بها, ولتكن حسرة إضافية لك جزاءاً وفاقاً,,, فكيف أطعن في ما هو يسموا عن مرامي الطعن والنيل؟؟؟ لا والله إني عبد لربها ومحباً ومطيعاً لنبيها ورسولها الخاتم, ومتأسياً به عاشقاً لهديه.

6. وقولك لنا: (... هل تريد ان تؤلف اسلام جديد على مزاج جنابك ام ماهى مشكلتك؟ فى رأى مشايخ الاسلام فأن هذا يعتبر كفر بواح وصريح ...). نقول لك,, أرح نفسك فإن الإسلام لا يؤلف ولا يتكرر في الدنيا مرة أخرى, فقد بُعِثَ النبي الخاتم والساعة كالوسطى والسبابة مبسوطين معاً, ولن يَجِدَّ فيه جديد ما دامت السماوات والأرض. فدعني ومشايخ الإسلام الكرام,, فهم لن يتجرأ أحدهم أو يجهل فيظلم نفسه بأن يكفر من عند نفسه وبهواه من لم يُكفِّرَهُ الله تعالى بصريح قوله في القرآن الكريم.

7. قولك لنا أيضاً: (... المشكله فى الاسلام انه كل شيخ يريد ان يخترع اسلام على مزاجه بل ويكفر الاخر ويتمنى ذبحه ...). نقول لك,,, المشكلة فيكم أنتم وليست في الإسلام ولا في المسلمين,,, فالمسلمون الصادقون قد يختلفون ولكنهم ينتهوا إلى مركز الدائرة حيث كتاب الله وسنة رسوله, فمهما إتسعت دائرة المحيط وتباعدت أنصاف الأقطار وطالت الأقواس بينها فإن كل نقطة تعتبر شعاعاً أصله ألمركز وبالتالي فطر االله تعالى هذه الأشعة كلها على النزوع في حركتها نحوه ذلك المركز. فلا تأمل في ما ليس فيه أمل.

فكما ترى،، صلاتنا جماعة وإمامنا واحد, وحجنا جماعة وإمامنا واحد وقبلتنا واحدة ومناسكنا واحدة, وصومنا جماعة ووقتنا واحد إمساكاً وإفطاراً , وكل مناسكنا واحدة وأسوتنا واحدة ووجداننا واحد وربنا واحد,,, ومصيرنا واحد ومسعانا وغايتنا واحدة. فلن تستطيع أن تسحب لبنة من هذا البنيان المرصوص يا هذا, فالمشكلة أساساً تكمن في الأقذام الذين يريدون أن يخرقوا الأرض أو يبلغوا الجبال طولاً فيبتلعهم الوادي على تخرصهم إبتلاعاً وهم كالحون مغبونون.

8. وأخيراً تقول لنا: (... بأى حق تحتكروا الحقيقه المطلقه؟ الا تخجلوا من انفسكم؟ ...). فنقول لك,,, يا هذا,, ليتك تقل لنا أنت: لماذا نحتكر الحقيقة ونحن ليل نهار نعمل جاهدين على إظهارها ونشرها, بل ونسعى جاهدين لأن نملكها لكل الناس!!! أنتم (الذين هم يراءون ويمنعون الماعون) وليس نحن. فإن أردتم الحقيقة منا قدمناها لكم ونحن سعداء فرحون, وإن سعيتم لنيلها من دوننا فرحنا لكم وتمنينا أن يوفقكم الله لها, وإن سبقتمونا إليها لن نتورع في أن نقبلها منكم. فأين المشكلة إذاً يا علي سالم؟؟؟

تأكد بأننا سنخجل من أنفسنا إن نحن كتمنا الحقيقة, أو عطلنا مسارها,, إننا إذن لمن الظالمين المعتدين. ولكن ليتكم تخجلوا أنتم من أنفسكم, وإيقاف ملاحقتكم وإرهابكم وتطاولكم على عباد الله الذين يدعونكم إلى النجاة وتدعونهم إلى النار,, وأن توقفوا التربص بهم وكراهيتهم عياناً بياناً, وإرهاقهم بنزع ألغامكم وغسل سمومكم. وتذكروا بأنكم قد إخترتم لأنفسكم معتقداتكم ورسمتم طريقكم,, دون يد لنا في ذلك,,, فلماذا تريدون أن يكون مثلكم, وقد تأكد لكم أنكم لن تنالوا منها غايتكم إلَّا أن يشاء الله تعالى الذي قال لنا: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا إهتديتم).

الآن أود أن أقول للأخ أيدن حسين, أنت سألتنا بالله تعالى إن كنا مقتنعين بأن الدين لكي يوضح يحتاج لكل هذا التطويل, نقول لك بأن الدين واضح ولا يحتاج إلى توضيح,, ولكن شياطين الإنس الذين يبغونها عوجاً والمتبرصون هم الذين يضطرونا إلى دحر شرهم بالبيان. ولو نظرت إلى أصل الموضوع قد صاغه الإمام البغاري في جملتين لا أكثر, وقد إكتفى المسلمون بذلك البيان, فالإرهابيون الذين يحاربوننا في ديننا هم الذين يضطرونا إلى ذلك.

أما موقفك من مقالاتي ورد فعلك عليها,, فهذا شأن خاص بك, فأنا عندما كتبت مقالاتي لم أخص بها أحد لا إرضاءاً ولا إغضاباً ولم أقصد بها نفسي مجداً ولا سمعة ولا رياء. فأنا أكتب من منطلق المسئولية والأمانة والإنسانية وأترك التقييم للغير, فأنت حر في أن تقرأ المقال أو تتركه فإن فعلت أي من الخيارين فلن يكون العائد إلَّا لك أو عليك, وأجري على الله تعالى الذي أرجوه أن يتقبله مني عملاً صالحاً خالصاً لوجهه.
فالإختصار في غير محله معيب, والتطويل في غيره معيب أيضاً,,, فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وقارنا سورة البقرة مع سورة مع سورة الإخلاص نستطيع إدراك ما قصدناه, فنجد أن سورة البقرة لا يمكن إختصارها بإنقاص حرف واحد منها أو شكل,, وبالمقابل, فإن سورة الإخلاص يستحيل أن يضاف إليها حرف واحد أو شكل. فمن بهت سورة البقرة بالتطويل ضل وأثم, ومن بحت سورة الإخلاص بالإختصار, أثم وضل.

أما قولك بأنك ميال إلى الدين أكثر من الملحدين فإن هذا لن يفيدك في شيء ما دام هناك شيء من قبول للإلحاد, فالميل إلى الدين يمكن أن يكون مرحلة محدودة وليس وضعاً دائماً مستقراً, فالتأرجح ما بين الحق والباطل لعله يرجح كفة الباطل.
أما رد فعل الملحدين أو غيرهم فهذا شأنهم, ولو إتفق أن إطلعت إلى كتاب الله وسنة رسوله تجدهما لا يتطرقان إلى ذكر الملحدين إلَّا عرضاً, ولم يناقش الأنبياء والرسل قضيتهم لأن الله تعالى أرجأ أمرهم إليه يوم القيامة, فنحن لن نكيف حياتنا لا وفق هوانا ولا وفق هوى غيرنا.

وكم أتمنى أن تكون الآن قد أدركت لماذا نؤكد الحقائق ونعطي الفكر الإنساني حقه من البيان بقدره حتى لو رأى الآخرين في ذلك تطويلاً وقالوا لنا (حرام عليكم).

ذو العَقْلِ يَشْقَىْ فِي النَّعِيْمِ بِعَقْلِهِ * * * وأخُوْ الجَّهَالَةِ فِي الشَّقَاوَةِ يَنْعَمُ

لا زلنا في مرصد معترك الفكر

تحية كريمة للقراء الكرام

بشاراه أحمد





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,937,377
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ه »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ج »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « ب »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (تصحيح مفاهيم - « أ »):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (C):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (B):
- عندما يصير اللامعقول مألوفاً (A):
- ميتافيزيقا بيداويدية:
- تعليقات: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ ..... نتيجة غير منظورة:
- قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ:
- رَشِيْدِيَّاتٌ ضَالَّةٌ, لا تَرْشُدُ 2 ( خاتمة):
- رَشِيْدِيَّاتٌ ضَالَّةٌ, لا تَرْشُدُ 2 ( ج ):
- رَشِيْدِيَّاتٌ ضَالَّةٌ, لا تَرْشُدُ 2 ( ب ):
- وقفة تأمل .... وتقويم:
- رَشِيْدِيَّاتٌ ضَالَّةٌ, لا تَرْشُدُ 2 (- أ -):
- رَشِيْدِيَّاتٍ ضَالَّةٌ, لا تَرْشُدُ (1):
- الإسلام والعنصرية وجه لوجه (جزء ثاني عشر):
- الإسلام والعنصرية وجه لوجه (جزء 11):
- الإسلام والعنصرية وجه لوجه (جزء عاشر):
- الإسلام والعنصرية وجه لوجه (جزء تاسع):


المزيد.....




- تجدد مأزق الديمقراطية البرجوازية  بين مغالطات التصور الحداثو ...
- مفكر مصري يثير ضجة بـ-إساءة للخلفاء الراشدين-.. القناة تعتذر ...
- -محمد المسيحي- مرفوض بفريق إسرائيلي شعاره -الموت للعرب-
- مسلمو فرنسا.. إغلاق المساجد -عقاب جماعي-
- مماحكة بين تركيا والقوى الشيعية العراقية
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- أول قداس في كاتدرائية نوتردام بعد الحريق المدمر
- بعد شهرين على الحريق.. إحياء أول قداس في كاتدرائية نوتردام ...
- فرنسا: إصرار على إقامة القداس السنوي لكاتدرائية نوتردام بحضو ...
- حكاية الطائفة الدينية التي أسستها معلمة يوغا لخلق جنس متفوق ...


المزيد.....

- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق
- المعتزلة أو فرسان العقلانية في الحضارة الاسلامية / غازي الصوراني
- الجزء الأول من كتاب: ( دعنا نتخيل : حوارا حدث بين النبى محمد ... / أحمد صبحى منصور


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - بشاراه أحمد - قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (أ):