أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -39-















المزيد.....

حدث في قطار آخن -39-


علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 5081 - 2016 / 2 / 21 - 20:05
المحور: الادب والفن
    


آهٍ، متى ينقشع هذا الضباب الغريب؟
أنا واثقٌ من أنّ الصباح الضبابيّ لا يعني بالضرورة نهاراً غائماً.
لست في مدينة الضباب لندن! بل هنا، سأكون هناك قريباً، هكذا أخبرتني سابينه، سنكون هناك لنحتفل بعيد ميلاد هينلوري من جديد، هكذا قررت سابينه، حجزت الرحلة ومكان الإقامة، هذه هديتها لصديقتها الشرطية.

اذهب أيها الضباب، لا أحتاجك في هذه الساعات سألتقيك في لندن لأدخل فيك بما يكفي! أغرب عن وجهي أيها الضباب لأتأكد من بياض السيارة التي خلفي، أشعر بها تلامس فقرات ظهري، ستسحقني كما تُسحق الرجال في حروب الشرق!

أمامي عمود إضاءة الشارع بكامل هيبته وجماله وخلفي سيارة من كوكايين، إلى أين المفر!؟ أمامي العمود المعدني، في أعلاه ذلك المصباح الفرنسي الذي طالما حلمت أن أتعرف إليه، أن أمشي في ظله الرومانسي، أخاصر اِمرأة غربية وأسمع موسيقا قادمة من الرصيف الآخر للشارع.

أعمدة الكهرباء في الشرق لا حياة فيها، لا عشّاق يمشون في ظلها، ماتت منذ زمن... لا طاقة توزعها، يَبَس التيار في أوردتها... قد تصلح جثثها للتدفئة وربط حمار... أو للصق أوراق النَعِيّ اليومية!

على يميني رصيف ضيق، ثمة درجتان تفضيان بك إلى خمارة قد أغلقت أبوابها، على يمين بابها ثمة واجهة زجاجية تنبعث منها أضواء ملّونة لآلات القمار، المقمرة أغلقت أبوابها، على يسار باب الخمارة ثمة باب يوحي لك بأنه مدخل لبناية يقطنها ناس طبيعيون.

يصلني من الخلف صوت يشبه صوت سابينه: عُدْ يا أحمد، لا تخف، لن نؤذيك...
أنظر خلفي، ألمح رغم الضباب وجه هينلوري يطل من النافذة، ألمح فمها الغاضب يصرخ بي: هل جننت!؟ عُدْ أيها الأحمق، لقد فضحتنا...

هل أترك نفسي أُصلب على عمود الاضاءة؟
هل أترك نفسي أُدهس ليصطدم وجهي بعمود الإضاءة فأصير صليباً مَدْهوساً!؟

هل سمعتم يوماً أنّ عين طائر الحِدَأَة السوداء "أبو الخُطّاف" قد قاومت مِخْرَزاً إلّا في المنام؟
كيفَ يُمكنُ للعينِ أنْ تُقاومَ المِخْرَز!؟
هل سمعتم يوماً أنّ عُنُق المَخْطُوف قد قاوم سِكّين الذَبْح؟
كيفَ يُمكنُ للعُنُقِ أنْ يُقاومَ سِكّين الخاطف!؟
هل سمعتم يوماً أنّ طفلة قد نجت من حَرِيق المخيمات؟
كيفَ يُمكنُ للطُفولَة أنْ تنجو من الحَرائق!؟
هل سمعتم يوماً أنّ بقايا صور شعب قد قاومت بَراميلَ الغَار؟
كيفَ يُمكنُ للبَقِيَّة أنْ تُقاومَ بَراميلَ التصدّي والصُمُود!؟
لا يَفُلُّ المِخْرَزَ إِلاَّ المِخْرَزُ، ولا السِكّينَ إِلاَّ السِكّينُ، ولا الحَرِيقَ إِلاَّ الحَرِيقُ... لا يَفُلُّ الْبَرميلَ إِلاَّ الْبَرميلُ ولا يَفُلُّ الْكُوكايين إِلاَّ الْكُوكايين!

في التشاؤم يكمن التفاؤل. غالباً ما يكون المتشائمون متفائلين في العثور على أسباب تشاؤمهم! لكن لِمَ التشاؤم وأنا في هذا المَأْزِق؟ ولِمَ التفاؤل حتى لو لمْ أكن في هذا المَأْزِق؟ سأنتمي من اللحظة إلى عَائِلَةِ الروائي إميل حبيبي، عَائِلَةِ الْمُتَشَائِلِ، سأتشائل، أعتقد أنّ كل مُتَشائِل واقعي.

هل تسعفني قدمي اليمنى بالقفز إلى الرصيف الضيق والوصول إلى مدخل البناية، لأقدم طلب لجوء عند أول ساكن يفتح لي باب العمارة؟ أم أترك نفسي أسقط مُنْهكاً في حفرةٍ صنعتها أمطار شتاء هذا البلد؟ أسقط لتدوسني سيارة تلاحقني، لتتطاير أسناني، لينسلخ جلد وجهي، لتتصدّع أصابعي، لتسقط النقود التي أحملها في ماء الشارع، لتقع نظارتي أرضاً، لأخمد في مكاني ويدي اليمنى مرفوعة للأعلى، كمُناضل يخوض حرب عصابات في حقول الكوكايين، وبين السَّبَّابَة والوُسطَى سيجارة بولمول، لتكتب عني صحف المدينة: مات أحمد أبو النحس المتشائل غريباً والجاني مجهول!؟

سأنهض من سقوطي هذا قوياً، لأني تعلمتُ لغة النهوض منذ طفولتي، أين أنت يا رجل الفراميكا والخيزرانة والخيزران؟ أين أنت يا أبي لتُنقذني من هذه الوَرْطَة؟ لقد وقعتُ في الوَحَل كما تقعُ فيه الغَنَمُ، أنا في وضع لا أُحسد عليه يا أبي!

-----

"جَلَسَ رَبُّ الأسرة على كرسي الخيزران مُتكئاً بذراعهِ اليمنى على طاولةِ الفراميكا شقراءَ اللون، لم يكن قد مضى على شرائها سوى بضعة أيام، على الطاولة وفوق ورقةٍ من دفتر تلميذ قديم ثَمّة حفنة من فستق العبيد، في صحن بلاستيكي أزرق رقدتْ بضعة قطع من الخيار والبندورة، بجانبه انتصب كأسه الزجاجي المملوء بالعرق الممزوج بالماء البارد، وبطحة زجاجية مُسَطَّحة وقفت شامخة، محتواها العظيم شارف على النهاية.

من علبة البريزة المكسورة والمُثبَتة على الجدار الرطب برزت أسلاك كهربائية، غير محمية تثير الخوف في كل مرة، أَدخَلَ فيها فيشَ الراديو الجديد ذا اللون الأحمر، الراديو الذي اشتراه في اليوم ذاته من حلاق الضيعة أبو سليم، كان في تلك اللحظات فخوراً بجهازه الجديد، يغزل في رأسه خيوط حكاية شراء الراديو ومزاياه، تلك التي سيرويها بكل تأكيد في أقرب وقت لصديقه أبو جازي.

من شُّبَّاك غرفة العائلة الواسعة أَطلّت نسائم العصر وحَيّته، عدّل جلسته، انتابته نشوة ربيعية، دلق ما تبقى من كأسه في فمه، ملأه ثانيةً، البطحة فارغة إلا من الرائحة، نظر صوبَ حصيرٍ جوارَ قدميه، عليه انبطح الصغير أحمد ذو الأعوام السبعة، أحمد يرسم فصل الربيع بعد أَنْ كتبَ وظائفه المدرسية.

ناداه، أتاهُ مسرعاً، أعطاه البطحة الفارغة وبعض النقود، ولم ينسَ إضافة بعض القروش إليها لشراء قطعة من السكر المُعلَّل، ثم أعطاه الأمر أنْ يذهب بسرعة البرق إلى دكان الشيخ رويش، ليعبئ البطحة من عرق التين، وأضاف بصوته الجميل: هل تعرف أين يقع دكان الشيخ رويش؟ أجابه: نعم يا أبي، قرب الروضة!

غمرته السعادة، أخيراً أصبحَ رجلَ الفراميكا يَشْعُر بوجودهِ، أخيراً بدأ يحتاج إليه لقضاء بعض المهمات الرجولية، تسائلَ في سره: ما الذي قصده بسرعة البرق؟ هل تشبه سرعة باص الخوجا مثلاً؟ كان الباص كحمار وحشي مدهوناً بالأزرق والأبيض، يشبه مالكه وسائقه الخوجا بعيونه الزرقاء وقميصه الأبيض المُخطّط وشَعره البني.

لطالما حَلمَ سراً، حينما كان هدير المحرك يتناهى إلى سمعه، أنْ يتدّلى من السلم الحديدي المعلّق في مؤخرة باص الخوجا، مثل كل الأولاد، لكن خوفه كان أكبر من حلمه، كان يخاف على نظارته من الضياع، من غضب جدته، من الخدوش والدم بفعل السقوط ومن تمزق صدرية المدرسة.

ارتدى حذاءً لا يشبه الأحذية وانطلقَ إلى الشارعِ، مشى حتى وصل محطة القبو، حيث يتفرع الشارع إلى شارعين، أحدهما باتجاه مشايخ البيبا والحارة القبلية والآخر باتجاه دكان الشيخ رويش، والخوجا يدخل القرية مسرعاً، يتوقف في المحطة الأولى، محطة القنطرة، لثوانٍ معدودات لإنزال ركابه، وينطلق ليصل محطة المحيفر، ثم تأتي محطة دلعونا الاستثنائية، بعدها يصل محطة القبو، ليغادرها باتجاه المحطة النهائية، باتجاه محطة المحطة.

في محطة القبو التقى أحمد الصبيان نزير وساري، أحفاد الشيخ رويش، كانا كعادتهما ينتظران اعتلاء مؤخرة الخوجا، كي يصلان إلى منزل جدهما... فرح لرؤيتهما، قَرّر في ذاك اليوم أن يهدم جدار عذريته، حيّاهما وانتظر معهما ركوب مؤخرة الخوجا والتمسك بها جيداً.

وصل الباص، نزل الركاب، أعطى ساري إشارة التَدَلِّي، تَمَسّك أحمد بالسلم الحديدي بيده اليمنى، أسندَ طرف قدمه اليمنى على أحد الأفاريز، وباليد اليسرى أَمْسّك بعنق البطحة المسطحة وبالنقود... على يمينه تدلى نزير، خبيراً، مُرْخياً بعض جسده على كتف أحمد، أما ساري فقد عَانقَ بإتقانٍ الزاوية الخلفية اليمنى.

كانوا مُعَلَّقَين مثل عَنَاقِيد عِنَب تَدَلَّتْ مِنَ الكَرْمِ، علا أنين الخوجا، تمايل مغناجاً، أطلقت مؤخرته ريحاً سوداء، صرخت العناقيد الثلاثة من الرغبة وخوف السقوط، كان هدير الباص أعلى من صرخاتهم، شعر أحمد بانتمائه لأولاد الحارة، تعبت الأيادي، وصل الخوجا محطة المحطة، لم تستغرق رحلة الوصول أكثر من بضع ثوان، وصل الخوجا ولم يفرمل كالمألوف، بل نَفَّذ نصف دورة اِستعداداً للسفر إلى المدينة من جديد، لعلّه استَلّذ بطعم العناقيد في مؤخرته، وّد مداعبتهم ومناكفتهم.

سقط أحمد من التعب قبل البدء بالدورة، عانق جسده زحفاً أرض الشارع الخشن، سقط قابضاً بيده اليمنى على عنق البطحة والليرات، يُنقذها من التَشَظِّي والضياع، يرفعها للأعلى، كمقاتل يخوض حرباً في حقول التين، سقط ورأسه للأعلى مُنْقذاً نظارته من التَفَتُّت، سقط وعيونه ترقب المارة، خشيةَ أن يفضحَ أحدهم سره الصغير.

نهض من سقوطه، نفضَ عنه غبار الشارع، قطراتُ دم تسيل من الركبتين، من كف اليد اليمنى، وأخرى من الفم، حَمَدَ الله إذ أن البطحة ما زالت بخير... وصل نزير وساري إليه، كانا قد أنْهيا لعبة التَدَلِّي التي اعتادا عليها دون خسائر، ما نَبَسَ لهما بِكَلِمَةٍ، نهض قوياً، تابعوا سيرهم باتجاه دكان الشيخ رويش وكأن شيئاً لم يكن...

تابعوا سيرهم بينما أحمد المختبئ في جسده المرضوض، أحمد المغمور بنشوة العودة للبيت، يحلم بمقابلة الربّ القائد، رجل الفراميكا والخيزرانة والخيزران، ليخبره عن نجاحه في تنفيذ المهمة وبسرعة البرق وليناوله البطحة المملوءة بعرق الكوكايين."

-----
سيارة الكوكايين خلفي، العمود أمامي، الخمّارة والمقمّرة على يساري والضباب على يميني، أنا في وضعٍ حرج لا أُحسد عليه يا أبي! كأنني وضعت السَّبَّابَة والوُسطَى في الشق الطولي الضيق والفاصل بين باب المخبز الحديدي غليظ السماكة، المفتوح على مصراعيه، وملبنه المُثبَّت في الجدار، مُطْمَئِنّاً لفعلِ الفتح الدائم!





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,932,753,856
- حدث في قطار آخن -38-
- حدث في قطار آخن -37-
- حدث في قطار آخن -36-
- حدث في قطار آخن -35-
- حدث في قطار آخن -34-
- حدث في قطار آخن -33-
- حدث في قطار آخن -32-
- حدث في قطار آخن -31-
- حدث في قطار آخن -30-
- حدث في قطار آخن -29-
- حدث في قطار آخن -28-
- حدث في قطار آخن -27-
- حدث في قطار آخن -26-
- حدث في قطار آخن -25-
- حدث في قطار آخن -24-
- حدث في قطار آخن -23-
- حدث في قطار آخن -22-
- حدث في قطار آخن -21-
- حدث في قطار آخن -20-
- حدث في قطار آخن -19-


المزيد.....




- فنانة وشوم تبلغ 101 عام.. ترسم الوشوم بأشواك الأشجار
- العثماني يلقي الخطاب الملكي في الجمعية العامة وملف الصحراء ع ...
- بعدسات الجمهور: حجرتي المفضلة
- رحيل رائد الرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل
- اعمارة يجتمع بنظرائه الأفارقة بالحسيمة
- بايتاس قيادي الحمامة يقصف العمراني.. والعثماني يدعو الى الته ...
- #ملحوظات_لغزيوي: اللعب بالحريك !
- -الرسم على الجسد-...فنانة كورية تخطف الأضواء بأعمالها الفنية ...
- مهرجان المسرح الأوروبي سيشهد دورته الأولى بلبنان
- نمر يصاب بنوبة صرع أثناء عرض السيرك في روسيا! (فيديو)


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -39-