أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عمر يحي احمد - الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة دراسة مقارنة بين نظريتي الاقتراب المباشر و غير المباشر















المزيد.....


الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة دراسة مقارنة بين نظريتي الاقتراب المباشر و غير المباشر


عمر يحي احمد

الحوار المتمدن-العدد: 5074 - 2016 / 2 / 14 - 16:57
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


المقدمة

إن ظاهرة الحرب و الصراع هي إحدى الحقائق الحتمية في حركة المجتمعات والعلاقات الدولية منذ العصور البدائية وعلى رغم من عدم وجود صياغة علمية للنظريات والعلوم الإنسانية والطبيعية، خلال تلك العصور مقارنة بمفهوم العلوم المعاصرة الحديثة فإن الصراع في حينه كانت تحكمه مبادئ فطرية جاءت استجابة للغرائز الطبيعية للإنسان ودوافعه الأولية وتطورت خصائص العلاقات الدولية، وتعقدت وتشابكت المصالح للمجتمعات والدول، وتباينت ردود الفعل في مواجهة الأحداث الدولية، وأصبحت الدراسات العلمية، والفكر الفلسفي هي التطور الطبيعي في تاريخ البشرية لوضع الأسس النظرية والحقائق العلمية.

ظهرت بعض الأفكار الحديثة في أوقات أخري بسبب مجموعة من العوامل فصيغت المناهج العلمية للتفكير والتخطيط والنظريات وكان من أبرزها ما هو متعلق بسير الحرب وتطوير الفكر الإستراتيجي واتجه التفكير إلى تحسين كفاءة القوة العسكرية بصفتها أداة للدولة ووضع الترابط بين العوامل العسكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والمعنوية ، فمن هنا تمت صياغة النظريات كثيرة تتعلق بالحرب وإدارة الصراعات .

يجئ هذا البحث متناولاً استراتيجية نظريتي الإقتراب المباشر ونظرية الإقتراب غير المباشر، يستعرض هذا البحث مفهوم كل من النظريتين و مبادئهما و مرتكزاتهما ، كما ينتاول التطور التاريخي و مزايا كل نظرية ، ثم يتحدث عن نمازج لهما وما هي أهم الإنتقادات التي قدمت لهما ؟ .

المحور الأول : نظرية الإقتراب المباشر

أولاً : مفهوم نظرية الإقتراب المباشر :

يشير مفهوم الإقتراب المباشر إلي الإصطدام بصورة مباشرة بمعنى أنها تقوم على حشد جميع القوة و قوى الحركة التغييرية في مواجهة الطرف العدو ومن ثم الدخول في مواجهة حاسمة وجهاً لوجه تنتهي بالقضاء على قوة أحد الطرفين ولا يمكن أن تلجأ الحركة التغييرية المقاومة إلى هذه الاستراتيجية إلا إذا كانت كفة ميزان القوى تميل لصالحها أو على أقل الأحوال توازن ميزان القوى بينها وبين قوة الطرف الثاني.

ثانياً : التطور التاريخي للنظرية
يتفق العلماء العسكريين بإن أستراتيجية الإقتراب المباشر هي من أقدم الأساليب التي عرفها الإنسان وتاريخياً يؤرخ لها ببداية معرفة الإنسان للحرب فكانت تتم الحرب بصورة مباشرة وجهاً لوجه وإستمرت حتي تحولت طبيعة الصراع، لتأخذ أشكالاً جديدة، من صور الحرب، بدأ عصر المعلومات والتكنولوجيا ، والذي بدأ العالم الدخول فيه، اعتباراً من العقد الأخير للقرن التاسع عشر إلي العصر الحالي حيث استخدمت كل ما وصل إليه العلم والتكنولوجيا، أخذت إستراتيجية الاقتراب المباشر أشكالاً جديدة في الصراع، مع تطور الأساليب الحديثة للإستراتيجية العسكرية ولم يتوقف تطبيقها عند حد المجال العسكري، بل امتد إلى المجال الاقتصادي، والدبلوماسي والسياسي الخارجي، والمجال الاجتماعي، والمجال المعنوي، وتطورت أساليب الإستراتيجية مع تطور الفكر العسكري وتكنولوجيا التسليح في حروب المستقبل، لتأخذ أبعاداً جديدة وأشكالاً حديثة .

ثالثاً : مبادئ نظرية الإقتراب المباشر
1ـ الاشتباك المباشر : وتتصف هذه الاستراتيجية بالقيام بهجوم بصورة مباشرة وبكل الوسائل للقضاء على الخصم وعلى ترتيبات الخصم وعلى إعداد الخصم الهجومي والدفاعي بسرعة لحسم المعركة.
2 ـ حشد القوة : ويقصد بالحشد ضمان التفوق في النقطة أو النقط الحاسمة في مسرح العمليات، وبديهي أن الحشد بهذا المعنى يعتمد على التأليف الصحيح بين القوات والعتاد المتيسر أي حشد جميع القوة والعتاد الذي تمتلكه القوي المحاربة بصورة تضمن لها النصر .
3 ـ الهجوم لا الدفاع : فحسب نظرية الإقتراب المباشر تري إن من الأفضل إن تكون القوات في موقع الهجوم لا الدفاع .
4 ـ خفة الحركة : وخفة الحركة تعني في المنطق العسكري وفقاً لنظرية الإقتراب المباشر أمرين:
أولهما : التحرك بالسرعة المطلوبة في الزمان والمكان الصحيحين .
ثانيهما : سهولة التحرك في أي اتجاه، أي المرونة في إجراء المناورة الاستراتيجية .
5 ـ الإستمرارية : وتعني إستمرار مواجهة العدو بصورة متواصلة دون فتح مجال للراحة أو إعادة ترتيب قواعده حتي يتحقق النصر المطلوب .

رابعاً : مرتكزات نظرية الإقتراب المباشرة :

أولاً : مرتكز بشري : يتمثل في عدد القوات العسكرية المنظمة ذات الكفاءة البدنية العالية.
ثانياً : مرتكز آلي يتمثل في أسلحة القتال المتلاحم مثل السيوف والحربة والدرع والسهم والقوس بالإضافة إلى الخيل والعربات الحربية المجرورة التي يستخدمها الفرسان .
ثالثاً: مرتكز معنوي يتمثل في العامل المعنوي و قوة الدافع ومستوي الروح المعنوية الأزمة لخوض الحرب .

خامساً : المتطلبات الأساسية لخوض الحروب المباشرة :
• تحتاج إلي عدد كبير من القوات والجنود .
• تستلزم وجود عتاد حربي كبير وفعال قادر علي تحقيق النصر .
• تحتاج لمعرفة تامة بطبيعة أرض المعركة و المقدرة علي التعامل مع جميع الظروف والبيئات الصعبة أو القاحلة .
• تحتاج لمعرفة تامة بطبيعة العدو وجميع خصائصه ومستواه ومهارته القتالية.

سادساً : الخصائص المميزة للحرب من منظور الإقتراب المباشر :

أولاً : لاتحتاج لفترة زمنية كبيرة من حيث الإعداد والتنفيذ .
ثانياً : كانت من أهم أسباب النصر في المجتمعات البدائية والقديمة أو الحروب التقليدية بصورة عامة .
ثالثاً : تتيح إمكانية تدمير أكبر جزء من قوات العدو وإمكانياته القتالية .
رابعاً : هي حرب هجومية في المقام الأول لاتتيح للعدو فرصة كافية للتخطيط والإدارة وبالتالي يصبح العدو في موقع الدفاع ويفقد عامل المبادرة .

سابعاً : الإنتقادات الموجهه لنظرية الإقتراب المباشر :
-;- تُوصف بإنها نظرية بدائية للحروب التقليدية وغير مقبولة في العصر الحالي.
-;- تسبب خسائر كبيرة في الأرواح والقوة البشرية .
-;- تحتاج لبزل جهود وتكاليف كبيرة ؛ سواءً كانت جهود وتكاليف مادية التي تتمثل في توفير العتاد الحربي والجنود ، أو جهود و تكاليف إدارية ترتبط بإدارة الحرب ورفع الروح المعنوية .
-;- لا تتيح فرصة أكبر لتعبئة الجبهة الداخلية أو الإستفادة من الفرص غير العسكرية المتاحة .

ثامناً : نمازج تطبيقية لنظرية الإقتراب المباشر
عرف عرب الجاهلية تكتيك أستراتيجية الإقتراب المباشر والتي كانت تنحصر في عاملي «الكر والفر» بلا نظام أو قاعدة أو هدف كان القتال يبدأ بـ«المبارزة» بين أبطال القبيلتين المتخاصمتين، وقد أدت المبارزة دورًا مهمًا في حسم الكثير من الحروب وحالت دون الاشتباك بين العديد من القبائل أما في حال نشوب الحرب فكانوا يعتمدون تكتيك «الكر والفر» من دون أي فكرة مناورة، ويتراشقون بالسهام حتى إذا شعرت قبيلة منهم بالهزيمة، تراجعت ثم كرت من جديد.
إعتمد هذا التكتيك البدائي والبسيط على المبدأ القائل: «أتقنوا الكرّة بعد الفرّة»، بحيث يكرّ كل فريق على خصمه، من دون غاية معينة أو نظام محدد، حتى يصبح في متناول سهامه فيرشقه بها أو يلتحم معه بالسيف، إلى أن ييأس الخصم أو يضعف، فيفرّ لاستجماع قواه والتقاط أنفاسه، ويكرّ من جديد.

أنشأ الأشوريون جيشًا دائمًا ومنظمًا شكّل القوة الضاربة في الشرق الأدنى القديم ، وذلك لاتّباعهم تكتيكًا عسكريًا ناجحًا يعتمد علي عدد من الأساليب والتكتيكات ويبدو إن أبرز عناصر إسلوب الإقتراب المباشر كانت تتمثل في : المفاجأة العسكرية المباشرة للأعداء والسرعة واستعمال الأسلحة الحديد.

المحور الثاني : نظرية الإقتراب غير المباشر
أولاً : مفهوم نظرية الإقتراب غير المباشر

وهي عكس نظرية الإقتراب المباشر حيث تعني نظرية الاقتراب غير المباشر إستخدام وسائل غير مباشرة في التعامل مع الأعداء فتتضمن المناورة وعدم الاصطدام بصورة مباشرة بمعنى أنها تقوم على طرق وأساليب غير مباشرة وهذه الاستراتيجية تتضمن عدم الاقتراب من الخصم إلا بعد أخذ الإحتياطات اللازمة لإزعاجه ومفاجأته بهدف زعزعة توازنه بهجوم غير متوقع تقوم به من اتجاهات متعددة .

ثانياً : التطور التاريخي للنظرية
إن الباحث في التطورالعسكري لجيوش العالم عبر التاريخ، يجد أن مفهوم الاقتراب غير المباشر، لم يكن وليداً للفكر أو الإستراتيجية المعاصرة، كما يتبادر للبعض، بل إن كثيراً من القادة العسكريين القدامى طبقوا أسس هذه النظرية اعتماداً على ذكائهم الفطري وحققوا انتصارات رائعة في حروبهم، ومع تطور الفكر العسكري وتكنولوجيا وسائل الحرب، تطورت أساليب تطبيق النظرية، وبعد أن كانت تشمل البعد العسكري فقط، أضحى لها مفهوم قومي شامل لاستخدام قوى الدولة في مجالها السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي والمعنوي .
ففي الفترة من العصور القديمة وحتى القرن السابع عشر، العصر الذي بدأ باستخدام السيف والرمح والسهم، وانتهى باستخدام البندقية والبارود في الحرب، ويحمل التاريخ العديد من المعارك خلال هذا العصر، والتي اعتمد نجاحها على تطبيق هذه الإستراتيجية، حيث برزت في الحروب الإسلامية، ومعارك الفتح الإسلامي، وفي الفتوحات الكبرى للحروب الإغريقية والرومانية والبيزنطية، وتُعد حروب القرون الوسطى، الفترة من القرن الحادي عشر حتى السادس عشر، قليلة التأثر بها، خاصة في دول الغرب، ولكن في جانب آخر من العالم، قدمت الدولة الإسلامية في حروبها مع الصليبيين مثالاً للإستراتيجية العليا للاقتراب غير المباشر، وقدمت شعوب الشرق من المغول والتتار، مثالاً آخر حققت به إنجازات رائعة على رغم أهدافها التدميرية وإستراتيجية الرعب التي كانت تسبقها.

جاء بعدها عصر جديد، يحمل فكراً عسكرياً حديثاً، وتكنولوجيا مختلفة، وهو عصر البندقية والمدفع والآلات البخارية، والتي تطورت إلى تكنولوجيا الدبابة والطائرة والصاروخ وأسلحة التدمير الشامـل، والذي بدأ مع مطلع القرن الثامن عشر، وكانت حروبه ذات طابع خاص، وفكر إستراتيجي متطور، ترك أثره لأجيال بعدها في مجال إستراتيجية الاقتراب غير المباشر ، بنهاية الحرب العالمية الأولى، قام المفكر العسكري البريطاني ليدل هارت بدراسة وتحليل أكثر من ثلاثين حرباً عبر التاريخ، وصاغ إستراتيجية الاقتراب غير المباشر، وأسس لها المبادئ والأسس النظرية، وسبل النجاح في تطبيقها، إلا أن الفكر العسكري البريطاني لم يأخذ بها، وطبقتها الآلة العسكرية الألمانية في الحرب العالمية الثانية وحققت نجاحاً هائلاً.

كانت الحرب العالمية الأولى في مطلع القرن العشرين، قد حملت العديد من صور الاقتراب غير المباشر، وتبلورت تلك الإستراتيجية، وتبناها "هتلر" وآلته العسكرية، في الحرب العالمية الثانية، التي أفرزت مفاهيم وأبعاداً جديدة للإستراتيجية من الناحية المادية والمعنوية، وعلى الصعيدين العسكري والمدني، وتأتي بعد ذلك، الجولات العربية الإسرائيلية في تطبيقاتها المختلفة لإستراتيجية الاقتراب غير المباشر.

ثالثاً : أهداف نظرية الإقتراب غير المباشر

يتلخص جوهر استراتيجية الإقتراب غير المباشر في الأهداف الاتية :
1. تجنب إستخدام القوة العسكرية بصورة مباشرة .
2. الحصول علي النصر من خلال تحقيق الانهيار النفسي للخصم وليس بالتدمير المادي لقدراته ويتم ذلك عن طريق المناورة بالقوات والنيران وبالوسائل والأساليب الأخرى .
3. استخدام محاور تقدم غير متوقعة، وحشد الإمكانيات وتوجيه الضربات الرئيسة، ضد أضعف نقاط الخصم، لسرعة الوصول إلى العمق والمؤخرة مع إنهاكه من الداخل، بدلاً من تدميره كاملاً .
4. تفتيت الخصم، وتدميره على أجزاء ومراحل متتالية، من خلال تحقيق الانهيار النفسي له مع استغلال الثغرات المفتوحة والمعرضة، أو المدافع عنها بقوات محدودة، كطرق اقتراب غير متوقعة من الخصم .
5. العمل على قطع خطوط مواصلاته، ومحاور إمداده في العمق، وإجباره على العمل في مواجهة واسعة، عن طريق الأعمال الهجومية الخداعية أو التثبيتية على طول المواجهة، بهدف إرباكه أو إفقاده السيطرة على قواته وتفتيت احتياطاته أو تثبيتها وعموماً تركز هذه الإستراتيجية على أن أفضل الأعمال القتالية، هو تحطيم مقاومة الخصم دون قتال.

رابعاً: أنواع الهجوم غير المباشر

يقسم الكاتب البريطاني العسكري (ليدل هارت) الهجوم الاستراتيجي غير المباشر لقسمين :
الأول : مادي يستهدف القوات المعادية وجميع عتادها الحربي وآلياتها العسكرية .
الثاني : معنوي موجه نحو مركز تفكير العدو وقوته المعنوية أو كما يسميه ليدل هارت بالجهازه العصبي وذلك لشل عمله ومنعه من التفكير والتخطيط والتعزيز يرى (ليدل هارت) من خلال تحليله التاريخي للمعارك الحاسمة أن الهجوم غير المباشر يتمثل في المرتكزات التالية:
1. احتلال موضع العدو : بغرض تهديد جوانب الخصم مادياً والتأثير عليه معنوياً.
2. تجاوز الحصون: وذلك بالالتفاف حول المواقع الدفاعية المحصنة وعدم الاشتباك مع الأعداء إذا لزم الأمر .
3. الاعتماد على العوامل النفسية.
4. إيجاد ثغرات حساسة تكون شبيهة بالرباط المفصلي في الترتيب الهجومي أو الدفاعي عند العدو، وذلك لتجزئة وتفتيت قوى الخصم وعزلها عن بعضها البعض.
5. من الواجب قبل الاشتباك مع العدو أن تدمر معنوياته ويقضي على أمنه وموارده وأن لا يضرب العدو إلا عندما تكون القوة أكبر .

خامساً : مبادئ نظرية الحرب غير المباشرة
أ- مطابقة الجهد مع الإمكانات .
ب - متابعة الجهد وعدم إضاعة الهدف.
ج - اختيار الخط الأقل توقعاً.
د - استثمار خط المقاومة الأضعف.
ه - اختيار خط عمليات يؤدي إلى أهداف متناوبة.
و - المرونة في المخطط والتشكيل بحيث يتلاءمان مع الظروف.
ز - عدم إستخدام كافة الإمكانات إذا كان العدو محترساً.

سادساً : مميزات استراتيجية الإقتراب غير المباشرة

أولاً: تقوم على البحث عن حلول لحسم العداء بوسائل غير عسكرية ولا يكمن الفرق الأساسي في الاستراتيجية غير المباشرة وبين التقرب غير المباشر في الطابع الجغرافي فحسب بل التقارب غير المباشر هدفه إحراز النصر العسكري وتحضيراته غير مباشرة لكن الاستراتيجية غير المباشرة لا تسعى لإحراز النصر العسكري بالسلاح بل بطرق عديدة غير السلاح.
ثانياً: تكمن في الطابع الخاص الذي تتخذه فيها حرية العمل وقد كانت هذه الميزة مستعملة قبل ظهور السلاح الذري فلا يمكن أن يجري أي صراع إلا داخل هامش حرية من العمل محدد بصورة جيدة بسبب الانعكاسات التي قد يسببها تطوره على الوضع الدولي.
ثالثاً : تتخذ مظاهر الخدعة برفضها الحرب تقريباً ولذلك النتائج التي تحققها تعتبر نتائج كبيرة الثمن قليلة التكلفة .

سابعاً : وسائل نظرية الإقتراب غير المباشر

من الوسائل التي ركزت عليها استراتيجية الإقتراب غير المباشرة :
أولاً: أسلوب التحديات المرحلية أو التدريجية : وهذا الأسلوب يقوم على تفجير صراعات محدودة مختلفة المناطق ولكنها ضمن استراتيجية محسوبة ضد الخصم الهدف من وراء تلك الصراعات وفي هذا هو تقليل الإستجابة الفعالة إزاء التحديات التي تواجهها واختلافها حول جدية وخطورة هذه التحديات نتيجة لكثرة قطاعات الرأي وطول وتعقد الإجراءات فتأتي ردود الفعل من قبل الأعداء أقل من اللازم نتيجة لهذه الصراعات.
ثانياً: أسلوب حرب العصابات في مناطق المجابهة غير المباشرة : وهذا الأسلوب يقوم على استقطاب مشاعر الولاء لبعض الفئات في أوساط المدنيين المختلفة بمختلف وسائل الإغراء والترهيب والإقناع فاتخاذ هذا الأسلوب كقوة يرتكز عليها العمل العسكري الذي يستهدف من وراء ذلك تحطيم المعنويات وإرباك واستنزاف الخصم وتشتيت قواه العسكرية وفقدان القدرة على تحديد اتجاه الخصم بل وجعل كل هذه الظروف تعمل ضده حتى تأتي اللحظة التي يستسلم فيها الخصم وتنهار قواه.
ثالثا: الدعم بالأسلحة: وهو دعم بعض الدول المشتركة في الصراعات بالأسلحة حتى لا تتوقف الصراعات بينها وحتى تكتسب مستوى أكثر من العنف والقوة في حدود ما يعلق عليها من أهداف أو ما يطلب منها من نتائج فهذا الأسلوب هو وسيلة للتدخل الأجنبي في الصراعات مع تفادي التورط فيه بصورة مباشرة.
رابعاً: إسلوب جذب المتطوعين: فهذا الأسلوب يهيئ إمكانية التأثير الفعال في مجرى الصراع الناشب بين المتطوعين والدولة، فهذا الأسلوب يحمي وجه هذه الاستراتيجية من التدخل المباشر فتدخل المتطوعين يعطيهم مزايا دعائية كبيرة منها أن الإدعاء بأن هذا التطوع يحدث دفاعاً عن الحرية أو الاستقلال أو العدالة
خامساً: إسلوب إستخدام الأجهزة والتنظيمات والعناصر الوسيطة: هذا الأسلوب يقسم لقسمين:
أ. أدوات تحت السيطرة أو التحكم المباشر مثل المنظمات والدول التي ترتبط مع الدول الكبرى بعلاقة سياسية أو عقائدية فهذه الدول تعطي مجالاً للتحكم في هذه التنظيمات.
ب. أدوات لا تدخل في الحكم المباشر وإنما يمكن توجيه هذه المنظمات وجهة ملائمة في ظروف معينة حتى تتدخل في الصراع. ومثل ذلك الدول المجاورة والجماعات المستقلة وكذلك الأحزاب والجماعات الثائرة ضد السلطة في دولة ما أو الجماعات المناوئة .

ثامناً : عيوب نظرية الإقتراب غير المباشر

-;- هي استراتيجية بالغة التعقيد وتحتاج إلي إدارة ذات قدرات ومهارات فنية و فكرية عالية .
-;- تتصف بالمكر والخديعة وتوصف بإنها عكس صفات الشجاعة والقوة .
-;- ومن عيوب استراتيجية الإقتراب غير المباشرة كثرة المناورة فهي مناورة أكثر تعقيداً من مناورة الإقتراب المباشر والهدف من المناورة هو إزعاج العدو بصورة مستمرة ومتواصلة وأن يبقى في حالة نشاط دائم وبشكل يهدد فيه الأهداف الحيوية للعدو ونقاط ضعفه بصورة مستمرة ولكن تمتاز هذه المناورة عن مناورة بأنها تحتاج إلى قوى معنوية دائمة ومجهودات كبيرة .
-;- غالباً ما تتحول أستراتيجية الإقتراب غير المباشر إلي الإقتراب المباشر ؛ وذلك عندما يدرك العدو خطط وأهداف الطرف المحارب الحقيقة أو في حالت إستخدام الطرف الثاني لنظرية الإقتراب المباشر فتتحول النظرية من أستراتيجية هجوم إلي محور دفاع .

نمازج تطبيقية لنظرية الإقتراب غير المباشر
في الحرب العالمية الثانية حين كان الحلفاء يفكرون ويحضرون لهذه الحرب كان القادة الألمان يعملون على شل عدوهم استراتيجياً وذلك بطرق غير مباشر فضربوا أعداءهم بالقاذفات وأنزلوا قوات المظلات فعملوا على قطع طرق المواصلات عند عدوهم فزادت الفوضى عند عدوهم فكانت النتيجة التي حققها الألمان ممتازة من جميع النواحي لقد هزم هتلر جميع أعدائه بواسطة الحرب الآلية بطريقة غير مباشرة لأن النازيون الألمان أتقنوا فن استخدام هذه الحرب ولجأوا بطريقة غير مباشرة مع العلم أن الجبهات الحقيقية لهذه الدول بقيت سليمة تماماً.

إلا أن النصر الاستراتيجي في القيادة الأوروبية في الجبهة الثانية أصبح غير حاسم على مستوى الاستراتيجية الكبرى والسبب في ذلك هو السماح للقوات الفرنسية والبريطانية بالانسحاب من جزيرة (دنكرك) الأمر الذي أتاح لبريطانيا الفرصة في تقوية دفاعاتها عن الجزيرة بواسطة القوات المنسحبة ، لقد وسّع هتلر الاستراتيجية غير المباشرة توسيعاً كبيراً فضمن بواسطة الحرب الآلية أبعاد الاستراتيجية غير المباشرة فعمل على تطوير الحرب في المؤخرات التي تمثلت بمجموعة من العمليات الهائلة واستخدام الحرب النفسية لشل الجهاز العصبي لأعدائه لأن هذا الأسلوب أقل كلفة من تدمير العدو وتحطيمه.

الخاتمة
إن التاريخ الحربي يبرز تجربة عملية لاختبار صحة المسائل العسكرية أو فشلها فهو تجربة شاملة وحصيلة عدة تجارب في الحروب التي أكدت نجاح وتفوق إستراتيجية الاقتراب المباشر أحياناً أو فشلها في أحياناً أخري وكذلك نظرية الإقتراب غير المباشر، حيث أنتجت حقائق غير متوقعة، لكل القادة العسكريين الذين طبقوها في شكلها المادي والمعنوي.

يبدو إن واقع التكتيكات الحربية تفرض نفسها على أحد الخصمين المتنازعين إذا كان لا يثق ثقة تامة بأنه ذو قوة بحيث يستطيع التغلب على خصمه في معركة تنشب على أرض يختارها عدوه ،إن استخدام الهجوم المباشر في الحرب العالمية الأولى وخاصة بالمدفعية أثبتت إنه من الممكن خرق جبهة ضد العدو الضعيف معنوياً ، فالمعركة المباشرة ستكون في النهاية غير حاسمة وقادرة على تدمير العدو تدميراً كاملاً فخرج النقاد العسكريون بدرس قديم قِدم التاريخ وهو أن هدف الحرب الحقيقي هو روح قادة القوات لا أجساد جنودهم.

يتضح إن لكل من نظريتي الإقتراب المباشر وغير المباشر عيوب ومزايا ،الأمر الذي يفرض ترجيح أحد النظريتين علي الأخري أو كما ذهب علماء الأستراتيجية العسكرية بإنه من الصعب تفضيل نظرية أو إسلوب علي الأخري فلكل حرب نظرية تتناسب معها .
ــــــــــ
الاستاذ عمر يحي , جامعة الزعيم الازهري كلية العلوم السياسية و الدراسات الاستراتيجية ـ السودام





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,576,797
- مدخل لماهية الحرب الثقافية
- قصيدة شعرية في الدفعة 17 بجامعة الزعيم الازهري كلية العلوم ا ...
- التخطيط الاستراتيجي للتكامل الغذائي العربي
- مقومات الأمن الغذائي العربي دراسة في فرص و معوقات التكامل ال ...
- التغلغل الإيراني في أفريقيا و أثره على الأمن القومي العربي
- كيفية اختيار عنوان البحث و عناوين مقترحة في مجال العلوم السي ...
- استراتيجيات الصراع الدولي في منطقة القرن الافريقي
- العقلانية و فلسفة الزواج و العمران البشري
- عسكرة المجتمع و أثرها على السلوك المجتمعي و الأمن القومي الس ...
- أهداف و دواعي مشاركة السودان في عاصفة الحزم
- مقال مختصر لشرح و تفسير نظرية الاستكشاف بالنظر
- نظرية الفيض و اثرها على الفكر السياسي الإسلامي
- الانسان وفلسفة الصراع من اجل البقاء
- القرصنة البحرية في الصومال و انعكاساتها على الأمن الاقليمي و ...
- اسباب و مبررات صمود النظام السوري و بشار الاسد في الحكم
- مهددات الأمن المائي في دول حوض النيل قراءة في طبيعة الميزان ...
- الانسان و فلسفة الوجود
- الصراع حول المياه في منطقة حوض النيل دراسة في الابعاد القانو ...
- النكتة السياسية و أثرها على الثورات الشعبية - الثورة المصرية ...
- مهددات الأمن المائي في السودان


المزيد.....




- بطلب -سيادي عاجل-.. سفير الإمارات يغادر المغرب
- قوى -التغيير- السودانية: نرفض رموز النظام السابق بالمرحلة ال ...
- الأمير وليام وزوجته كيت ينشران صورا للأمير لويس لاحتفال بعيد ...
- ارتفاع عدد قتلى زلزال الفلبين إلى 11 شخصا و24 مفقودا
- أراد سرقة عنوان موقع إلكتروني بمسدس
- 71 إصابة بالحصبة في أسبوع
- الجيش اليمني يعلن تكبيد -أنصار الله- خسائر بغارات شرق صعدة
- الصين تحذر مواطنيها من السفر إلى سريلانكا
- بدأ مجرما.. كيف غير إليوت مصيره؟
- مقترح بفرض -ودائع قبول- للتأشيرات قصيرة المدى


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - عمر يحي احمد - الاستراتيجيات العسكرية المعاصرة دراسة مقارنة بين نظريتي الاقتراب المباشر و غير المباشر