أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد الأحمد - نصفُ الخبرُ؛ متاهة القراءة، النص، واحضار بقيته الغائبة من متنه















المزيد.....


نصفُ الخبرُ؛ متاهة القراءة، النص، واحضار بقيته الغائبة من متنه


محمد الأحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5066 - 2016 / 2 / 5 - 17:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


نصفُ الخبرُ؛
متاهة القراءة، النص، واحضار بقيته الغائبة من متنه
محمد الأحمد
1.
موضعٌ خطير ٌ.. قد اتحرجُ من الولوج فيه، وان كتبتُ نصّاً معرفياً سابقاً، له التأسيس ذاته، "النص علم العلوم ومنه نجتاف العصر ". موضعٌ رأيته كمضمار تتغنجُ فيه شذرات الضوء بفرح يوم سعيد.
قرَّ النص قرّوراً دقيقاً في متاهة قراءة النص، ولم اقصد/ اعنِّ نصوصي تحديداً، بل كنت اعمم به على كل النصوص الذكية، النصُ الذكي اعني به ان كاتبه، الأصل كان القارئ الحصيف، وحسب.
هنا؛ في هذه السطور سوف احاول، اضافة ما فاتني. ولكن بعد ان اضفت لشعلتي الزيت، والمزيد من التأمل، والتروي، حتى بعد ان كبرت فطنتي كشجرة، وباتت موطنا لعصافير من اشجار بساتين اخرى.
وَرفَ ضلها، نَضجَ ثمرها، تطيّبَ سردها.. بما تَسَمَّدَتْ تربته من ازاهر/ حدائقٌ كالجنان/ كتب الانترنيت المذهلة، كتبٌ عظيمةٌ تدخل القلب المسرة، او لنقل تدخل القلب/ العقل الى المسرّة، وتعبث على التطيّب، والاستقواء على خيبة قراءتنا لنصوص بليدة سبق ان اذهلتنا بمحجوبها المفضوح، والظاهر بيانه ومعناه.
هنا؛ نصٌ يقرأ بذات البيان والمعنى، لولا بلاهة التخويف.. التي تعمدت الترهيب، والشلل، نصٌّ مكشوف الغاية.. وسيلة تسلط. وسيلة اعماء..
نصٌّ محتواه كسيح لن يستطيع لوحده ان يتسلط على العقل، لو تجرد من جبروت الحاكم لسقطت هيبتهما معاً، حيث لا هيبة لكليهما الا ان تكون هيبة واحدة.. فارضة، باسطة دولتها على العالمين.
حيث للموضوع بقية، ببقية نصف الخبر.. حيث النص ليس سحرياً، وطلسماً، ولم يكن مقفلاً بمفاتيح الجنان.
نصٌّ عاديٌّ ينفتح بيسر امام ثقافة عصرنا.
نصٌّ يظهر اكثر ما يخفي، يُبَيّن اكثر مما يمحو..
نصّ يحرك العقل، ولا يغمّه.. يبوح للعقل كيفية التحرر منه، ولا يخفي اسراره.
نص لسارد ماهر قد جمعه وحدثه "عصرنه" وفق رغائب رواته، واضافه علينا مع احكامه الشرعية، ليضمن لأولاده الحق بالعيش الكريم، على حساب اولاد مواطنيه..
النصُ يكشفُ النوايا، وقد يلمح لغاياته، التلميحُ نص آخر مخفى بين النص، الظاهر منه اكثر منه طاغ عليه التأويل، اقصد التهويل.. ثمة فرق بين التهويل العظيم، والتأويل الهيرمينوطيقي.. سوف اكشف عن نيتي في بضعة الاسطر التالية.
هنا؛ النص المعجزة، لا يسمح لنا ان نستبدل مفرداته، بمفردات اكثر دقة منها، لان مؤلفه العارف المطلق بدقائق اللغة التي يكتب بها.
النصّ المعجزة فقيهاً لا يقبل الا بتأويل واحد، لا يقبل الا المعنى الا باتجاه واحد، ولا يحيد عن خطه المستقيم. يتجلى المعنى واحدا، لا يختلف عليه اثنان.. بمعنى ان كل نص يختلف عليه اثنان لن يكون من معجزات الربّْ.
نصٌّ كتبه نبيل الغاية يجمع ولا يفرق، يقدم بلسان صادق أمين، فعله، واضح، ودقيق.
عالمٌ مطلقٌ بمفرداته، عالمٌ بخلقهِ، عالمٌ بهويته..
الاعجازُ سماهُ "الجرجاني"، وذهب اليه - ان لا تبدل الكلمة بالكلمة، ويبقى المعنى واحد. بل سيكون نصّاً بمعنى آخراً غير الأول، للكلمة موضع لبنة البنيان المرصوص.
سماهُ "نيتشه"، في سياق دعاءه ان كلمة الرب واحدة لا تذهب الا في طريق واحد.. لان البشر غير متساوين في اكتساب المعرفة، وليسوا في موقع واحد، كل بثقافته، وبيئته، وتكامل هويته..
هنا؛ النصُ واحدٌ لا يقبل الا واحد الملفوظ، لا يختلف عليه جميع القراء حتى وان طورت اللغة شكل كتابة حرفها، أو غير الرواة لحاهم، وفق اراء حاكميهم.
(العربية توضحت بيد ابو الاسود الدؤلي، وبان صوتها واضحا بيد الفراهيدي الذي اضاف اليها حرف الألف)

2.
لن يتسع الفهم لما اطرحه على اسماعكم، كوني بالأصل قد بحثتُ مدخلاً صغيراً، عنوانه: (للموضوع بقيّة... بقيّة نصف الخبر)
وهنا؛ امامكم مجبرا على اختصاره. ولست واثقا من قدرتي على الاختصار، والتملص من موضع اهميته.
هنا؛ ادعوكم لقراءة ذلك المدخل كاملا (على الويب).
لأنه شروحات ومقارنات لها غاية واحدة – ان تفرض- العلم.. محاولة مني لرتق الشرخ العظيم في بنية عقلنا الجمعي.. ذلك العقل الذي تحكمه تفاعلات كيميائية بالغة التعقيد، حسب فهمي على الاقل..
كل ما يحدث في رأسي، لا يقل عن تفاعل جار، هو الذي يجعلني متداخلا بما اقرأ، واعطي منه بضعة كلمات.
الجدل عندي مسيرة ذلك التفاعل، تدخله الظروف المعيشية كاملة.
اني احاول ان ارسم مدخلاً، يصل، ولا يخفى.
كل كلمة هنا، مخطوطة او ملفوظة. نتيجة حتمية لذلك التفاعل الذي اشرته. كل منا يسير على خطى خطاها الكثير من الباحثين، الفاتحين، وليس فينا عنصر خام.. كلنا كالماء العذب (اوكسجين، وهيدروجين)، والمعادلة لا تعمل الا بشرارة كهرباء..
هنا؛ لست وحيدا في المضمار كحصان "محمود درويش" لم يعد امامه "اما الصعود او الصعود"، ينطلق وفق معادلة تقول قليل من المعرفة، وكثير من التركيز كافية لأجراء تكامل تلك المعادلة التي سوف اعرض دلالتها عليكم، كما لو انكم سوف تعتقدون اني على خطى بدأها عالم جليل وجريء اسمه بات كالجرس المعلق في رقبتي فاني حيثما اسير متوازنا سوف يرن باسمه "نصر حامد ابو زيد".

3.
لغاية ما في نفس يعقوب – كما يقول المثل – يعقوباً هذا سريانيا كثيرا ما تَقَوَّلَ أقوالاً، وبعد تثبت، معظمها اقواله ..
انه يماثل ايضاً يعقوب السروجي حكاء الحكايات، فكلما تثبتوا من صحة الاخبار وجدوها المصدر الملهم لأغلب القصص الخرافية التي وردت في العهود الأولى، كان قد رواها قبل الميلاد ..
هنا؛ فسرت المصطلح بـ (بقية نصف الخبر، وبقية ما وراء النصف الآخر).. ظاهرهُ كعلم اقرب للتأويل من التفسير كما سيتبين، وبعضهم يصرّ أن المراد من هذه اللفظة (التفسير)..
أو معنى يشمل التأويل والتفسير، فهو (علم التفسير). لأنه الترجمة اللفظية للكلمة بلغتها الانجليزية (hermeneutic), ويعبر عنه أحياناً بالتأويلية أو تفسير النص وفهمه، لأنه أكثر وضوحاً.

4.
التطبيق: النظر الى كلمة "دراسة" وفق اي معجم : دراسة
(اسم)، مصدر درَسَ، الدِّرَاسَةُ: الأعْمَالُ الْمَدْرَسِيَّةُ، أَي القِرَاءةُ وَتَحْصِيلُ العُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وزميل الدِّراسة: زميل التلمذة، والدِّرَاسَةُ: بَحْثٌ، تحقِيقٌ، وجملة قيد الدِّراسة: تعني ما زال محلّ مناقشة وتمحيص.
دَرَسَ: (فعل) درَسَ/ درَسَ بـ/ درَسَ في يَدرُس، دِراسة دَرْسٌ، دِرَاسٌ ودُروسًا، فهو دارس، والمفعول مَدْروس هي دارسٌ والجمع: دُرَّسٌ، ودَوَارسُ.
درَس الكتابَ ونحوَه: كرّر قراءته ليحفظه, دَرَسَ الأثَرُ: تَقَادَمَ عَهْدُهُ، دَرَسَ الثَّوْبُ ونَحْوُه: بَلِيَ. دَرَسَ البَعِيرُ: جَرِبَ، دَرَسَتِ الْمَرأةُ: حَاضَتْ. درَس العلمَ على فلان: تلقّاه على يديه ، تتلمذ له. درَس بالمعهد/ درَس في المعهد: تعلَّم فيه. دَرَسَ الثَّوْبَ: صَيَّرَهُ بَالِياً. دَرَسَ الدَّابَّةَ: رَاضهَا، ذَلَّلَهَا. دَرَسَ الفِرَاشَ: وَطَّأهُ، مَهَّدَهُ. دَرَسَ الدَّارِسُ سَنَابِلَ القَمْحِ: دَاسَهَا بِمِدْراةٍ أو بِدَرَّاسَةٍ. دَرَسَ الطَّعَامَ: أكَلَهُ شَدِيداً. دَرَسَ الكِتَابَ أَوِ الدَّرْسَ: أحَاطَ بِمَا فِيهِ مِنْ عُلُومٍ أو مَعَارِفَ لِيَفْهَمَهَا وَيَتَعَرَّفَهَا. دَرَسَ الْمَوْضُوعَ: تَقَصَّاهُ وَبَحَثَ فِيهِ، دَرَسَ دَرْسًا، ودُروسًا: عَفَا وذَهَبَ أَثرُهُ.

5.
قاعدة: الاصابع في اليد الواحدة هي خمسة، واذا نقص في حسابها، من الفاظ الارقام سرعان ما نكتشف الرقم الذي لم نقراه، فيتبين الرقم الذي عبرناه.
كبشر متساوين لن يستطع ان يخفي علينا ما للبشر من بشرية.
اين نصف الخبر، نصف الخبر اننا نكمل "نصف الخبر" بما لدينا من حواس واعضاء، ووجود، وهوية. فمن مستحيل ان يخفى علينا اي رقم، او خبر عن امر خبرناه، او عرفناه.

6.
لنتتبع "ابو زيد" في مقصده الدقيق:(HER MENEUIN) بمعنى الإظهار والتبيين والترجمة والتفسير، وقد ذكروا بأنه اشتق من (هرمس) في اليونانية، وهو الملاك الذي ينقل رسائل الآلهة من بعضهم لبعضهم الآخر، حسب الأساطير اليونانية، وفي نفس الوقت يساعد البشر في فهم الرسائل الرمزية للألهة، وفي فهم كلام كل منهم مع الآخر.
وفي مصدر آخر، أن هرمس هو الرسول الذي يروح ويغدو بين زيوس والالهة الأخرى، أو بين زيوس والبشر.
وحسب "ابو زيد " أن أول من استخدمه أرسطو في باب منطق القضايا من كتابه (الأرغنون)، وفي القرون الوسطى استخدم المصطلح بمعنى تفسير وتأويل الكتاب المقدس، حيث يشير إلى مجموعة من القواعد التي يجب أن يتبعها المفسر لتفسير النص الديني (الكتاب المقدس)، ثم وسع ليشمل تفسير مطلق النصوص، وقد طبع أول كتاب باسم (الهرمنيوطيقا) عام 1654 ومؤلفه (دان هاور).
يقول "ابو زيد": كأنما الاشتقاق المذكور لا يساعدنا على التعريف الدقيق لهذا العلم، وذلك لأنه لا يمكن أن نعرف الهرمنيوطيقا بأنها (علم التفسير) أو (علم التأويل) كما في بعض الكتابات، وذلك لأن الهرمنيوطيقا، وإن ظهرت في بداياتها (في القرن السابع عشر) كعلم وإتجاه مستقل في الفكر البشري بصورة (علم التفسير) أو (فن تفسير النصوص) ولكنه في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين توسعت بحوثه كثيراً بحيث لا يمكن لهذا التعبير (علم التفسير، أو فن تفسير النصوص) أن يكون معبراً بدقة عن الجهود والبحوث الكثيرة التي دخلت عالم الهرمنيوطيقا في عصرنا.
وقد تجاوز (نصف الخبر) في نظرياته الحديثة مجال النص الشعري الى الديني، بل تجاوز حتى النص إلى تفسير سائر المواقف والسلوك الإنساني، فكان لها تأثيرها الأساس والخاص في الكثير من العلوم ومجالات المعرفة، وخاصة العلوم الإنسانية أمثال الفلسفة والتاريخ، وعلم الاجتماع والنقد الأدبي، وغيرها.

7.
كل ما لدينا من مخطوطات نصوصنا التراثية، اظهرت الواحدة الاخرى. (الغياب نقيض الحضور)، يحفزنا ذلك الى كل حاضر تركه كل غائب. لقد كشف لنا الاشاعرة كل ما اخفي من اخبار المعتزلة، وكشف لنا اصل الخلل الاعرابي بين اهل الكوفة، والبصرة.
كل اختلاف له حضور الغائب. فالعقل يقول، ولا يقول ان قولاً بشرياً، ليس مخلوقاً، الخالق يخلق ولا يقول: الخالق العظيم المطلق، لا يمكننا ان نقول عنه من تفكيرنا.. قولنا البشري. قولنا البشري ليس قولا متكاملاً، قولنا ابن يومه، وظرفه، وهويته.. اما قول المطلق العظيم، يكون قولا مطلقا عظيما، لن تنزله علومنا، بل تعرِّفَ به اكثر، كما تلمس منظار "كوبرنيكوس" ما عارضته الكنيسة، واكدته فيما بعد من اخبار عن "وكالة نانسا الفضائية" ان لمجرتنا "رب التبانة"، عددا من نجوم السماء بلغ حسابه 700001 نجم او شمس او كوكب ملتهب، ولم تحسب لنا بعد ما لحقها من قطع متناثرة تقارن بالقمر الذي رافق الأرض، وعليه تقويمنا الهجري..
العلم يعظم الله العظيم الخالق المهيب، الذي هو اكبر من تخيّل الذين كانوا لا يعلمون.
نصف الخبر الذي امامنا، نصف خبر يكمله العلم؛ بات (يُدرسْ/ تَقَصَّاهُ وَبَحَثَ فِيهِ) عن مسائل عديدة ترتبط بالنص بالرغم من اختلاف اتجاهاته ونظرياته، ولكنها تشترك في أن لها تأثيرها الكبير في تفسير النص وفهمه، وربما تغيرت أو تطورت النظرة والطريقة في عملية التفسير لاختلاف آراءها، فهي تبحث عن مجالات عديدة مرتبطة بالنص فربما بحثت مثلاً حول طبيعة النص ومعناه، وحقيقة الفهم والتفسير وعلاقة النص بالتراث والتقاليد، والعلاقة بين النص والمؤلف، وتركز كثيراً على علاقة المفسر بالنص، وهل للنص شخصية مستقلة عن المؤلف، وليس لقصد المؤلف ومراده من النص أهمية وإنما المهم فهم المفسر، أو أنّ المهم الوصول لقصد المؤلف، وهل يمكن الوصول إليه، وكيفية ذلك، وما هي تأثيرات ظروف المؤلف أو المفسر ومكوناته الثقافية والفكرية والاجتماعية، في النص وتفسيره وخاصة مع اختلاف زمان وظروف المفسر عن المؤلف، هذه مسائل وأمثالها بحثت عنها نظريات التأويلية.

8.
ثمة تعريفات مختلفة حسب الاتجاهات والمراحل التي مرّ بها هذا المصطلح، أمثال (علم تفسير الكتاب المقدس، علم تفسير النصوص، العلم بقواعد فهم النصوص، منهج المنع من سوء الفهم، كما عند شلاير ماخر ، منهج المعرفة في العلوم الإنسانية كما عند (ديلتاي) , البحث عن حقيقة الفهم وفلسفته كما عند (هيدجر، وغادامر ),
التعريفات مع اختلافها في مجالات تأثيرها، في الموضوع والهدف والمجال، فبعضها يهتم بقصد المؤلف، ولكن بعضها يهتم بفهم المفسر، وبعضها يعتقد بوجود معنى معين نهائي للنص.
بينما الهرمنيوطيقا الفلسفية, أنكرت وجود معنى معين ونهائي ومطلق للنص، وإنما للنص تفسيرات متعددة غير متناهية بعدد المفسرين وخلفياتهم وظروفهم المتعددة المختلفة، لذلك فإن أفضل طريقة للتعرف على هذا العلم, هو متابعة بحوث دارسي النص كعلم والتعرف بأهم نظرياته حسب مراحل تطوره, حسبما نقل الى العربية مثل نظرية (هيدجر ، وغادامر ) وخاصة (غادامر) لأنها الأكثر شهرة ونفوذاً أو حداثة في العصر الحديث في مختلف مجالات تأثير التأويلية وخاصة في تفسير النصوص والنص الديني بخاصة.

9.
للهرمنيوطيقا اتجاهات متعددة مختلفة لها ولا يمكن وضع أصول عامة مشتركة لهذه الاتجاهات نذكر بعضها:

1ـ الاتجاه المحافظ: ويمثله شلاير ماخر وديلتاي وهرش، ويذهب إلى أن المفسر يتمكن من خلال المنهج الصحيح التوصل لمقاصد المؤلف والحقيقة الموضوعية للنص والعمل، ونعبر عن هذا الاتجاه بالتقليدي والرومانسي.
2ـ الاتجاه المعتدل: ويمثله غادامر وريكور واميليوبتي، ويذهب إلى أن التفسير خلاق دائماً، وحوار جدلي دائماً بين المفسر والمؤلف (النص) ولذلك لا يمكن الحديث عن الحقيقة الموضوعية أو المعنى الذي قصده المؤلف بل التفسير هو (امتزاج أفق المفسر مع أفق النص)، وتوافق بينهما.
3ـ والاتجاه المتطرف, ويمثله نيتشه، وهيدجر، وفوكو، ودريدا حيث يرى أنه مع التأكيد على أخلاقية المفسر فمن المشكوك به أن يتمكن المفسر من التوصل للمعنى الأصلي للعمل، فكل التفسيرات لمعنى النص احتمالية ونسبية.
4ـ وأخيراً الاتجاه النقدي, ويمثله هابرماس، وكارل اتو، ويذهب إلى أنه من خلال التأمل الناقد يتمكن أن يكون أكثر وعياً بالأعراف، حتى يكون أكثر صيانة من تأثير التراكمات الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية للتقاليد، التي يعيشها المفسر, ولكن لا التحرر الكامل منها، وفي رأي هابرماس أن التحرر من هذا الانحراف شرط على خلاف الواقع.
ولكن في كتاب (إشكاليات القراءة) (يمثل المفكر الألماني شيلر ماخر الموقف الكلاسيكي بالنسبة للهرمنيوطيقا).

10.
في رأي هذا الاتجاه أن الوصول لقصد المؤلف وفهم النص فهماً موضوعياً، حالة عادية وطبيعية ولا يوجد أي مانع من الوصول إليه، إلا وجود بعض الغموض والإجمال في بعض النصوص، ممّا يعرقل عملية الفهم، ولكن يمكن إزالة الغموض عنها من خلال الاعتماد على بعض القواعد والأصول التي ترسم المنهج الصحيح في فهم النص.
وعلى ضوء هذا الاتجاه يكون تعريف التأويلية وأنها عبارة عن (علم يبين لنا منهج الفهم الصحيح للنص، ومنطق إزالة الغموض), ولذلك فإن مهمة التأويلية تبدأ حينما تتعثر عملية الفهم، وتتوقف المسيرة الطبيعية والعادية لها، بسبب وجود بعض الغموض في النص.
كما ذكر شلاير ماخر: أن يعيش المفسر ظروف النص ومؤلفه الفكرية والثقافية ويمكن التوصل لذلك بمساعدة (النص) لأن النص وعي خارجي، يسحبنا لنعيش خلاله التجربة الحياتية للآخرين ونساهم فيها، ومما يساعد على ذلك الاشتراك في البشرية بين الناس والتعرف على ظروف المؤلف وخصوصياته النفسية والاجتماعية والثقافية .
وحسب ابو زيد لكل نص جانبان:
الأول: موضوعي:
ويتمثل في لغة النص، والمعنى اللفظي المباشر لألفاظ النص وهو يعتمد على معرفة اللغة وبعض القواعد اللغوية والأدبية، وهذا الجانب مشترك بين المؤلف والآخرين العارفين بلغته وقواعدها.
الثاني: الذاتي:
وهو فكر المؤلف وذهنيته وقصده، وهو المعنى الكامن في ذهن المؤلف، حيث أن النص كالكتابة ممتزجة باحساسات الكاتب، وقد أودع داخله وما يدور فيه من احساسات ونوايا في قالب الألفاظ.
يعني ذلك:
لا تكفي معرفة اللغة، والقواعد اللفظية واللغوية بل حتى القواعد التي وضعتها الهرمنيوطيقا في فهم النص وتفسيره، في الوصول لقصد المؤلف من إبداعه، والتعرف على داخله وذهنيته، بل لابد من عنصر آخر في عملية الفهم، هو عنصر الحدس والتنبؤ بقصد المؤلف وفكره الذاتي.

11.
وينطلق شيلر ماخر لوضع قواعد الفهم من تصوره لجانبي النص اللغوي والنفسي، ويحتاج المفسر في التوصل إلى معنى النص، إلى موهبتين الموهبة اللغوية، والخيال:
(بأن يملك الفهم الشامل الدقيق لأنواع الألفاظ والصور اللغوية، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشرية أي الوعي الفني والنفسي بذهنية المؤلف الإبداعية والوصول لمقاصده من النص، وهذا الجانب يعتمد على ضرب من التنبؤ يقوم به المفسر، مع اطلاعه على ثقافة المؤلف ، وثقافة عصره وظروفه الثقافية والاجتماعية).

12.
ذهب ابو زيد في مجمل استنتاجه: الى إن الرومانسية في بعض معانيها تحاول اكتشاف العالم الداخلي للفنان ومشاعره، ولكنها في الوقت نفسه تؤكد على دور القارئ وانطباعاته تجاه العمل الفني وتفاعله مع مشاعر الفنان والعمل الأدبي أو الفني.
فالمؤلف في عصر, والمفسر في عصر آخر, ومنظومة المعلومات الحاكمة على كل منهما تختلف عن الآخر, فهو يتأثر على سبيل الحتم بثقافة عصره ومعاييره، وهذا الاختلاف الدائم بين عصر النص والعمل التاريخي ، وعصر المفسر أو الباحث يؤدي دائماً إلى أن تتهدد اعتبار العلوم التاريخية والإنسانية إشكالية حقيقية, حيث لا يمكن معها الوصول للمراد الحقيقي, والموضوعي, للأعمال الأدبية أو الفنية أو التاريخية لعصر آخر.

13.
ويظهر من هيدجر أن العمل أو النص الفني حين يصدر من مبدعه، فيكون له وجود مستقل وشخصية مستقلة عن مؤلفه، بمعنى أن لا أهمية لقصد مؤلفه أو فهم مخاطبه في عصره، وإنما المهم قراءات الآخرين حسب معلوماتهم المسبقة عن مضمون النص, وتوقعاتهم وأسئلتهم من النص حين حوارهم معه، هذه المعلومات والتوقعات التي تصنعها في الغالب المرحلة التاريخية التي يعيشون داخلها.

14.
أي أن النص والعمل ثابت، ولكن التفسير له, مختلف ومتعدد لتعدد خلفيات المفسرين.
ومهمة الفهم هي السعي لكشف الغامض من خلال الواضح المكشوف، واكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله بالفعل, وهذا الفهم للغامض والمستتر يتم من خلال الحوار الذي يقيمه المتلقي مع النص.

15.
لا يعني التفسير الى حل تلك الرموز وتوضيحها، ولابد من إلغاء دور المؤلف، ويؤكد (رولان بارت) من البنيويون الفرنسيين في مقالته المعروفة (موت المؤلف) بأن النقد التقليدي والمنهج السائد في فهم النص لم يهتم بدور القارئ، وإنما وجه كل اهتمامه بالمؤلف ودوره في الأعمال الأدبية، ولكن لابد من إلغاء دور المؤلف، وإعادة ولادة القارئ، ولابد أن تكون ولادة القارئ على حساب موت المؤلف.

16.
ويعبر غادامر عنه (باندماج الأفقين، الأفق الفكري والمعرفي للمفسر ووعيه مع أفق المعنى للنص، حيث أن للمفسر أفقاً فكرياً ووعياً مسبقاً, وللنص كذلك, وإذا اندمج الأفقان وتم التركيب بينهما، حصل الفهم والتفسير.

17.
ليس للنص تفسير نهائي ثابت، وإنما له تفسيرات متعددة لا نهائية

18.
نسبية المعرفة (إن العقل الإنساني لا يحيط بكل شيء, وإذا أحاط ببعض جوانب الأشياء صبها في قوالبه الخاصة. فالعقل لا يستطيع أن يعرف كل شيء، فإذا عرف الأشياء لم يستطع أن يحيط بها إحاطة تامة، وإذا كان العقل كما يقول (عمانوئيل كانت) صائغاً يكيف معطيات التجربة ويصوغها وفق قوالبه الخاصة، فلا تعجب لاختلاف صور المعرفة باختلاف قوالب الصائغ).
ويؤكد (اننا لا نعرف الأشياء كما هي في ذاتها ولكن فقط كما تظهر لنا) أي بعد اكتمال شروط عناصر تفاعلها الكيميائي.
‏25‏ كانون الثاني‏، 16





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,607,465,017
- عن سأسأة طه حامد الشبيب
- ليلة أخرى
- ما رواه ميثم - ليلة صيربيا
- لا جديد في غياب الأوكسجين
- فيروز
- يقول الخبر
- ادوار الخراط .. الروائي الذي لن يتمكنه الموت
- اوراق عن نصر حامد ابو زيد
- فيما بعد الكتابة
- المشهد الشعري البعقوبي
- كازانتزاكيس انشودة نهر عظيم
- المعرفة غاية النص
- تحية الى بوكر الرواية العربية للعام 2014م
- الحسناءُ في البلاد القصية
- الأشوقَ مني اليك قلبي
- كابوس ليلة في بغداد
- أصابع من السر المثير
- كتاب الحندل وابوابه
- غايات اخرى لوردة المحب
- ما قاله الغاوي للرواي


المزيد.....




- لماذا يبقى المناضل والناخب الاسلامي تائهاً بانتخابات الجزائر ...
- اتفاقية تعاون بين الهيئة الإسلامية والمركز الثقافي التركي با ...
- رفض الطائفية ونادى بعراق مدني.. الراحل عدنان الباجه جي في سط ...
- القبض على مطلوب في سلفيت صادر بحقه 7 مذكرات قضائية
- وثائق مسربة تكشف سياسة "بلا رحمة" للصين في حق أقلي ...
- الشيخ نعيم قاسم للعالم: السعودية لاتريد الوحدة الإسلامية
- وثائق مسربة تكشف سياسة "بلا رحمة" للصين في حق أقلي ...
- معرض في نيويورك يجسّد السنوات العشر لملاحقة أسامة بن لادن
- الانقلاب الإعلامي الفاشل ضد الجمهورية الإسلامية الايرانية
- البابا فرنسيس يدعو 1500 مشردا على مأدبة غداء في الفاتيكان


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد الأحمد - نصفُ الخبرُ؛ متاهة القراءة، النص، واحضار بقيته الغائبة من متنه