أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المهاجر - ضحايا التطهير العرقي في العراق-2















المزيد.....


ضحايا التطهير العرقي في العراق-2


جعفر المهاجر
الحوار المتمدن-العدد: 5063 - 2016 / 2 / 2 - 19:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ضحايا التطهير العرقي في العراق-2
جعفر المهاجر.
تناول العشرات من المؤرخين والباحثين من ذوي الأقلام الحرة الشريفة التي لم تتلوث بأمراض الطائفية والعنصرية مظلومية الكورد الفيليين وما لاقوه من أهوال ومصائب جمة لايمكن أن تمحوها ذاكرة التاريخ ، وكذلك حياتهم ومناطق سكناهم وصفاتهم ومدى اندفاعهم للعمل والبناء ، وحسهم الإجتماعي النبيل ، ورغبتهم في صنع الحياة، والتعامل مع كل الصعاب والأزمات التي مرت بهم بروح مرحة لاتخلو من الدعابة والنكتة التي تسخر من الظلم والإجرام بحقهم. ووأبرز تلك الصفات إخلاصهم وحبهم وتفانيهم لوطنهم العراق الذي عاش فيه آباءهم وأجدادهم. ولا يمكن الإلمام بكل هذه الكتابات الساعية إلى الحق والحقيقة لانها تحتاج إلى مجلدات. لكنني سأكتفي بذكر نماذج محدودة منها. ومن مهازل القدر في العراق الجديد إن بعض الفضائيات التي ظهرت وأطلت برؤوسها الخبيثة بعد سقوط الصنم ، ويملأ أصحابها الدنيا صخبا وضجيجا عن الرغبة في قول الحق والحقيقة ، والسعي إلى الديمقراطية والدولة المدنية ، ونبذ التعصب الديني،و(إنهم أول من يعلم وآخر من يسكت ) و (إنهم مع المهمشين والمهجرين والمظلومين حتى كطع النفس )، و(إنهم صوت من لاصوت له) وغيره من زيف الكلام لكنهم لم يتطرقوا يوما ولم يذكروا حرفا واحدا أو خبرا بسيطا عن هذه الشريحة ومظلوميتها الكبرى لعقود من السنين وكأنها غير موجودة على تراب العراق. لكننا نراهم يقضون أوقاتا طويلة في فضائياتهم للحديث عن الأبراج ومسابقات القطط والكلاب والكامرة الخفية والماكياج وأخبار الراقصات وآخر صيحات الموضة، وصرخات البوب والهشك بشك. وحين تحدث حادثة في أقصى منطقة من العراق يهبون عن بكرة أبيهم مسعورين ليوظفوا الحادثة طائفيا .ويظلون يضخون أطنانا من الخطاب الطائفي المقيت حولها ، ويطالبون كل منظمات حقوق الإنسان في العالم أن (تنقذ مايمكن إنقاذه من الطائفة المظلومة المقتولة المهمشة قبل حدوث الكارثة) وهم يحلمون من خلال خطابهم الطائفي بأن تكون الفتنة التي يدعون إليها أكثر أتساعا وشمولا حتى تصل نارها إلى كل بقعة من أرض العراق وكأن الله خلقهم لتحقيق هذا الغرض الرهيب . ولا عجب إذا قلنا أن الكذب صار عند هؤلاء أحلى من العسل.وليس لنا إلا القول إذا عرف السبب بطل العجب. والأدهى والأمر من ذلك لقد طالب بعض أرباب السياسة الجدد بمنح الجنسية العراقية لجماعة ماتسمى ( مجاهدي خلق ) الإرهابية وحجتهم في ذلك إنهم سكنوا العراق منذ أكثر من خمس سنوات والقانون الدولي يقر بذلك. أما الكورد الفيليون الذين عاشوا في العراق لآلاف من السنين فهم لايستحقون إلا القتل والسحق لأنهم يمثلون ( طابورا خامسا تابعا للفرس) حسب مفاهيم سيدهم المقبور المريضة العوراء وكما يقول المثل( ( الولد على سر أبيه )وهذه إحدى فضائح بعض ساسة العراق الجدد وما أكثرها. وأرجو أن لايفسر كلامي بأنه محاباة إلى وسائل إعلام الحكومة التي قصرت كثييرا في تسليط الضوء على مظلمومية الكورد الفيليين.
وعلى الرغم من عدم الثبات على المعنى الحقيقي لكلمة (فيلي) لكن يقال إنها تعني (الشجاع) أو(الفدائي)و( (العاصي)و( المتمرد) . وقسم من المؤرخين نسبها إلى الفيل لضخامة جسمه نظرا لضخامة وقوة البعض من أبناء هذه الشريحة وهذا غير ثابت. ويسجل المستشرق غروته أن المصطلح قد أخذ من اسم (بيلي) وهو ملك عيلامي حكم عام 220 قبل الميلاد.
والمرأة الفيلية يضرب بها المثل في الصبر وتحمل مشاق الحياة والعفة وتقديسها للحياة الزوجية . والوقوف مع الزوج في السراء والضراء. وتربية أبنائها تربية صالحة مستقيمة بشهادة هؤلاء الباحثين. وقد أظهرت الحروب التي شنها دكتاتور العراق صدام المعدن النقي للمراة العراقية بصورة عامة والفيلية بصورة خاصة فقد تحملت هذه الإنسانة العصامية من الأعباء والمسؤوليات والظلم ماتنوء عن حمله الجبال. وتناولت هذا الأمر الدكتورة سعاد خيري في كتابها (المرأة العراقية كفاح وعطاء ) والمؤرخ الدكتور سيار الجميل في كتابه (بنية المجتمع العراقي) والأستاذ المربي جلال سلمان الجصاني في كتابه (المسيرة الدامية للكورد الفيليين) ومؤرحين وباحثين آخرين. والكورد الفيليون ينتمون إلى شعب حضاري عريق . وهم من بقايا ( العيلاميين ) و( الكوشيين )الذين سكنوا وسط وجنوب العراق منذ آلاف السنين وعلى الأخص (يغداد وديالى وجلولاء والسعدية والحي والنعمانية وبدره وجصان وعلي الغربي وكركوك ومندلي وخانقين والعمارة والكوت والبصرة ).
يقول السياسي المعروف الأستاذ عزيز شريف:
(إن الكورد الفيليين أمة تكون تأريخها من إمتزاج أقوام متعددة وتمتد جذورهم لتصل إلى مملكة عيلام القديمة. وهم نتاج سلالات قديمة من لولويين وكاشيين وإيلاميين وميديين، وانتشروا بين جبال زاكروس شمالا وأصفهان جنوبا.)
وقد كان معظمهم يمتهن الزراعة والأعمال الحرفية ومنهم الصفارون والبقالون والبزازون والقصابون. وبرع قسم منهم في صناعة السجاد اليدوي.واتجه قسم قليل للدراسة نظرا للظروف المعيشية القاسية التي أحاطت بالغالبية العظمى منهم عدا بعض النفر القليل من التجار الذين أصبحوا كذلك بكدهم وكفاحهم وعرق حبينهم لم يكن حظهم أفضل من الآخرين حينما حسدهم النظام الصدامي الفاشي،وسلب منهم كل مايملكون من عقارات وأموال وسحب منهم هوية التجارة والمستمسكات العراقية بأسرع من لمح البصر. ووجدوا أنفسهم خلال ساعات مجردين من كل متاع العمر، ومرميين على الحدود الإيرانية العراقية بثياب بسيطة لاتقيهم من ذلك البرد الشديد . ورغم كل هذا الحصاروالظلم والإستلاب الذي نال الكورد الفيليين فقد برزت منهم شخصيات متميزة تركت بصماتها على الساحة الثقافية والعلمية والفنية العراقية ومن اشهر تلك الأسماء اللامعة:
الدكتور لقمان الفيلي والعالم اللغوي الدكتور كامل البصير والأديب المبدع عبد المجيد لطفي ومطرب المقام الشهير حسن خيوكه والمثقف الشهير الدكتور علي باباخان والموسيقار عازف العود الشهير سلمان شكر، وكل من السياسيين التقدميين الشهيرين حبيب محمد كريم وعزيز الحاج. والسياسي القديم منذ العهد الملكي محسن حسن نور الملقب (أبو كاطع) والشاعر رياض النعماني والشيخ محمد سعيد النعماني.والفنان الشهير رضا علي والاقتصادي رجل الأعمال المعروف السيد عبد علي محمد والقاضية المعروفة المناضلة زكية اسماعيل حقي والفنان سليم البصري والشاعر زاهد محمد والشاعر جليل حيدروالدكتور سامي قربان والدكتور شهاب احمد والمطرب الراحل جاسم الخياط والسفير عادل مراد والدكتور الطبيب جمال مراد والروائيون عبد الخالق الركابي وهشام الركابي والفنان الموسيقار جعفر حسن و الشاعر برهان شاوي والأستاذة الجيولوجية نظيرة إسماعيل والفنان جاسم محمد علي حسين الفيلي، والمطرب صلاح عبد الغفور، والفنان جلال خورشيد والموسيقار نصير شمه، وقارئ المربعات فاضل رشيد ورسام الكاريكاتير علي المندلاوي والرسام إسماعيل خياط، والرسام ماجد شاليار، والنحات حسين مايخان والفنان فرهاد حسن والكاتب المسرحي حيدر الحيدر والمخرج المسرحي حسين الحيدري، ومطربة المقام فريدة ومن الرياضيين جلال عبد الرحمن وشاكر علي ومحمود أسد وصمد أسد ومحمد علي قنبر وداود سلمان وعبد الحسين خليل والملاكم اسماعيل خليل وبطل الكمال الجسماني ماجد جعفر وغيرهم.
وكتب الباحث الدكتور سيار الجميل مقالة بعنوان:
(الفيليون طيف رائع سحقه الإستلاب.):
بالرغم من كثرة ما كتب عن المظلومية التي عانى منها هذا الطيف العراقي منذ عقود طوال من الزمن.. لقد كان العراق ستقّل مشكلاته كثيرا، لو اعتمد المقياس الإنساني والاعتبار الوطني والتقويم الإبداعي أسسا حقيقية للانتماء بديلا عن كل النزعات القومية والعرقية والأوبئة المذهبية والطائفية وكل المخلفات العشائرية والجهوية المناطقية. ما كان أحرى بالعراقيين لو عدّوا العراق واحدا موحدا لكل الأطياف الاجتماعية التي تؤلف تشكيلاته البنيوية من اجل تكوين حضاري مدني بعيدا عن كل التباينات السياسية والإيديولوجية التي كانت بمثابة تعبير صارخ عن الانقسامات التي صنعتها كل تلك النزعات والأوبئة والمخلفات التي توطنت في المجتمع، فعانى منها الإنسان معاناة شديدة في سلسلة من المآسي القاتلة. دعوني اليوم، احلل احد تلك الأطياف الاجتماعية العراقية التي عاشت زمنا طويلا مهمشة وهي تعاني من الآلام والأحزان بالرغم من كون هذا " الطيف " الكردي الفيلي، قد تميز بميزات رائعة في تكوين المجتمع وفي كل إبداعاته ومنتجاته الخصبة. لكنه عانى ولم يزل من القهر والظلم والمهانة، خصوصا، عندما يشعره الآخرون انه طارئ، ويقلل من إنسانيته، ويحطّم معنوياته، ويسحق نفسيته ويعامل من الدرجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة على ارض يشترك فيها الجميع، ويفترض أن يعمل عليها الجميع، ولا فرق بين من يعيش عليها إلا بقدر ما يقدمه كل إنسان من إبداع وإنتاج وخدمات، أما أن تسحب منه جنسيته وتصادر منه أمواله وتنزع عنه أملاكه.. ويجري تسفيره ظلما وعدوانا، فهذا اضطهاد ضد الإنسانية أولا، وجريمة ضد المواطنة ثانيا. لقد تعّرض هذا الطيف من الكرد الفيليين إلى هجمة اضطهاد واسعة ليست اجتماعية حسب، بل سياسية، ودفع الفيليون أثمانا باهظة من دمائهم وحرياتهم وإبداعاتهم التي طواها البعض من المتألقين منهم خوفا من اضطهاد السلطة إبان حكم النظام السابق. ويروي الفيليون قصصا مرعبة عما صادفوه من المظالم، اذ اتهموا كونهم طوابير خامسة لإيران، وشملت التهمة كل أبناء هذا الطيف زورا وبهتانا، إذ كان الفيليون من أكثر العراقيين التصاقا بعراقيتهم، ومن أقوى العراقيين اعتزازا بأعمالهم وإبداعاتهم.. لقد احتجب الكثير من المواطنين العراقيين الفويلية عن ممارساتهم وأنشطتهم بفعل الملاحقات والمطاردات ليس في داخل البلاد، بل حتى في بلدان المنفى. ولعل أقسى الحملات التي تعرّضوا لها هي سلسلة التهجيرات التي طالت عوائلهم، والتفريق بين الأزواج وزوجاتهم ومصادرة أملاكهم وحلالهم.. تلك التهجيرات التي بدأت منذ العام 1970 في أقسى عملية للاستئصال العرقي سواء بالترحيل الداخلي أو الخارجي، ووصلت ذروتها في العام 1980. إن عمليات التطهير العرقي شملت قضايا الجنسية ونزاعات الملكية والتغييب القسري مع السجن السياسي.. ولقد صمدت المرأة الفيلية صمودا قويا ضد اكل التحديات التي واجهتها عبر تاريخ طويل. )
وكتب صاحب الضمير الحي والوجدان المتوقد القاضي زهير كاظم عبود في كتابه:
( نظرة في القضية الكردية والديمقراطية في العراق):
( تميز الكورد الفيلية في تقديمهم قرابين للحرية العراقية، وأمعنت السلطة الصدامية الجائرة في عذاباتهم الإنسانية، فسلخت الوليد عن صدر أمه، وأبعدت الطفل عن والديه، والشاب عن والدته وجده، وأسكنت مجاميع منهم في مجاهل السلمان بأطراف البادية التي عافتها حتى الحيوانات ، وطمرت أعداد منهم تحت الرمال وفي ثنايا سجن النقرة ، في حين أكلت منهم التجارب الكيمياوية والأجساد البشرية التي تفجر حقول الألغام في حرب الطاغية مع إيران.
إن مالحق بالكرد الفيلية يمكن أن يكون من الجرائم الفريدة في العالم والتي لم تلتفت إليها الإنسانية ، فلم تنحصر قضية محاربة هذه الشريحة بسبب قوميتها الكردية ، ولا في جرائم الإبادة الجماعية ضدهم ، ولا في أماكن قبورهم وجثث أبنائهم وبناتهم ، ولا في تهجير شيوخهم وأمهاتهم عبر الحدود ، ولا في إجبارهم على تخطي حقول الألغام بين العراق وإيران للموت فيها ، ولا في إبعادهم إلى منطقة ( نقرة السلمان )الصحراوية النائية ليلقوا حتفهم ويدفنوا تحت الرمال الحارقة والتي تيبست جثثهم ، وتبخرت سوائل أجسادهم فيها فباتوا كالريش في صحراء البادية الجنوبية في العراق. ولم تكن بسبب إعتبارهم نماذج تجارب للسموم والكيمياويات في القضاء عليهم ، ولا في سلب ممتلكاتهم وأموالهم وتجريدهم من مستنداتهم الرسمية ولا في ترحيلهم عبر الحدود في أسوأ الظروف المناخية إلى إيران المسلمة التي عاملتهم بكل حذر وجعلتهم يعيشون حياة مزرية في المخيمات التي لاتحمي من حر أو قر بشكل بعيد عن الإعتبارات الإنسانية. لكن في هذا الزمن الطويل الذي مضى ولم نستمع لقرار يكفكف دموع الأمهات الثكالى ، ولم تتذكرهم المنظمات الدولية بعد أن غرق ضميرها في سبات عميق. هؤلاء الكورد الفيلية الذين سطروا أنبل معاني الوفاء والتضحية والصبر في سبيل وطنهم العراقبشهادة كل الحركات الوطنية ألا يستحقون من الحكومة مايميز نضالهم وجهادهم وتضحياتهم.؟ ألا يستحقون الإلتقات إليهم لتخليصهم من العذاب المضاعف ومنحهم أدنى حقوقهم الشرعية والسياسية والقانونية.؟
أما يكفي كل هذا العذاب ونحن نترك أخوتنا في عذاب المخيمات والحياة القلقة في مدن الجوار لإعادة لهم مايشعرهم بعراقيتهم وجسامة تضحياتهم وآعتبار المدة التي قضوها في المنافي والغربة خدمة لأغراض التقاعد ممن لاراتب له ، ومنحهم ماسرقته منهم السلطة الطاغية، وإعادة الإعتبار الذي يليق بهم . زمن مضى لاتتركوه إلى زمن آخر.)
وكتب الدكتور راسم النفيس مقالا بعنوان:
( من هم الكورد الفيليون ) جاء في قسم منه:
( تعود مأساة الكرد الفيليين (وهي مرتبطة إلى حد كبير بمأساة العرب من شيعة العراق) إلى ذلك الصراع السياسي الطويل الذي دار بين الدولتين العثمانية التركية والصفوية الإيرانية والذي أدى إلى منح أبناء العراق حرية المفاضلة بين التبعية الإيرانية والتبعية التركية فكان أن اختار كثير من الشيعة العراقيين التابعية الإيرانية ومن بينهم الكرد الفيلييون.
ثم جاء النظام الصدامي البائد ليسقط عنهم الجنسية العراقية مستفيدا من هذه الورقة في صراعه مع إيران ويقول المطلعون على هذا الملف أن أبشع ما أقدم عليه النظام العراقي في تعامله مع الكرد الفيليين هو محاولة إبادة هذه الشريحة من الشعب الكردي وإنهاء وجودها القومي من بغداد والبقاع العربية الأخرى في العراق عن طريق البطش بمئات الألوف من أبنائها ولا سيما في السبعينات والثمانينات بتهجيرهم قسرا إلى إيران وما رافق ذلك من عمليات سبي وقتل للرجال والنساء والأطفال وهو ما لم يشهد له التاريخ مثيلا في العصر الحديث كما قام هذا النظام باعتقال الألوف من الشباب الفيليين رهائن لا يعرف أحد من ذويهم أو من المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان عنهم شيئا حتى الآن.
وقد اتخذ النظام الصدامي من مفهوم التبعية الإيرانية ذريعة لتهجير هؤلاء الكرد الفيليين جماعيا وبالقوة الغاشمة من مناطق سكناهم في بغداد وفي المدن والقرى العراقية الأخرى وإلقائهم على الحدود العراقية الإيرانية قبل وأثناء الحرب بين البلدين 1980-1988، متجاهلا بذلك عدة حقائق تاريخية منها:
إن البريطانيين قد نصبوا دولة في العراق على شعب عريق متعدد القوميات والأصول والأديان واللغات تنازعت عليه الإمبراطوريتان الفارسية والعثمانية مئات السنين وتبادلتا التحكم بمصيره عدة مرات في حين ظلت الحياة الروحية والثقافية لأكبر نسبة من سكانه من أهل الشيعة عربا وأكرادا فيليين مرتبطة بجارتهم إيران. وكان ذلك هو واقع الحال في عموم العراق قبل تأسيس الدولة العراقية وصدور أول قانون للجنسية عام 1924. إذ كان معظم سكان العراق قبل تأسيسها إما من التبعية العثمانية أو من التبعية الإيرانية.
ولأسباب تتعلق مباشرة بتلكؤ الدولة الإيرانية في مسألة الاعتراف بالدولة العراقية الملكية نص قانون الجنسية العراقية على اعتبار السكان المقيمين ضمن حدود الدولة عراقيين إذا كانوا من رعايا الدولة العثمانية، ووضع القانون المذكور عراقيل في قبول سكان المناطق الجنوبية ولاسيما القريبة من الحدود الشرقية للدولة كمواطنين عراقيين، وشمل ذلك أفراد القبائل العربية والكردية الفيلية على حد سواء.
وقد تجاهل قانون الجنسية العراقية حقائق تاريخية موثقة أخرى من بينها أن إقليم لورستان كان تابعا من الناحية الإدارية للكوفة في الحقبة العباسية كما كانت العلاقات التجارية والثقافية مزدهرة بين بلاد لورستان أي إمارة الفيلية مع عاصمة الخلافة العباسية في بغداد ومع المدن الشيعية المقدسة في جنوب العراق... ولم يكن إلحاق لورستان بالدولة الإيرانية إلا نتيجة للصراع بين السلاطين العثمانيين وملوك الفرس على هذا الإقليم وقد اشتد الصراع منتصف القرن التاسع عشر على ترسيم الحدود الفاصلة بين الإمبراطوريتين حيث أصر العثمانيون على المطالبة بعربستان والمنطقة الواقعة شرقي نهر دجلة بما في ذلك جزءا كبيرا من أراضي لورستان وبعد مفاوضات مضنية ومعقدة قضت معاهدة أرضروم الموقعة عام 1847 بتقسيم الإقليم بين الدولتين.
وفي عام 1914 استكملت الإدارات الاستعمارية ترسيم الحدود الدولية الشرقية بين العثمانيين والفرس من أقصى الشمال إلى شط العرب جنوبا وهي الحدود التي تفصل الآن بين إيران والعراق. وكان من نتائج ذلك الترسيم إلحاق منطقة السليمانية بالعراق، واقتطعت منطقة من لورستان محاذية للعراق والحق هذا الشريط الحدودي بأملاك الدولة العثمانية في ولايتي بغداد والبصرة والتي أصبحت بعد ذلك جزءا من المملكة العراقية بما في ذلك جزءا من أراضي الكرد الفيليين. ماذا صنع النظام العراقي بالكرد الفيليين؟
تكشف العديد من الوثائق عن القرار الذي أصدره النظام الصدامي البائد بتسفير أو طرد العراقيين من أصحاب التابعية الإيرانية والذين بقيت ملفات حصولهم على الجنسية معلقة في دوائر السلطة العراقية وقد جرى تنفيذ هذا القرار الجائر بصورة بالغة التعسف مما أدى إلى عديد من الكوارث الإنسانية التي شملت اقتلاع اكثر من مائتي ألف من الأكراد الفيليين وأضعافهم من الشيعة العرب الأقحاح من بلادهم بعد مصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة وإتلاف مستندات انتمائهم لوطنهم. وقد أشار هؤلاء الضحايا وشهود العيان إضافة إلى ما وثّقه عديد من الباحثين والمنظمات القانونية والإنسانية إلى إجبارهم على السير على حقول الألغام لتنفجر بهم لأغراض تمهيد الطريق للوحدات العسكرية في جبهة الحرب مما أدى إلى اختفاء آثار الآلاف ويقال أن الدوائر الاستخبارية قد استخدمتهم كمادة حية في تجاربها العسكرية الكيماوية والبيولوجية وأشار العديد منهم إلى صنوف التعذيب البشع في سجون النظام الرهيبة الذي تعرّضت له ألوف أخرى من الكورد الفيليين العراقيين.
قرارات الترحيل القسري
أصدر وزير الداخلية العراقي في عام 1980 قرارا ينص على تسفير من وصفهم (بالإيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاملين على الجنسية العراقية وكذلك المتقدمين بمعاملات التجنس أيضاً ممن لم يبت بأمرهم) والمقصود بهم العراقيون من التابعية الإيرانية كما نص القرار على الاحتفاظ بالشباب الذين تتراوح أعمارهم من 18-28 سنة والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر كما أكد القرار على فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين والذين جرى إلقائهم قرب الحدود الإيرانية في أوضاع بالغة السوء بعد أن نهبت ممتلكاتهم و جرى أسر أبنائهم الذين تتراوح أعمارهم بين 18-28 عاما وأخذوا كرهائن.
أما ابتكار صدام الأغرب من هذا فهو إجبار الرجال على تطليق زوجاتهم من التابعية الإيرانية مقابل مبلغ قدره 4000 دينار إذا كان عسكرياً و2500 دينار إذا كان مدنياً في حال طلاق زوجته أو في حال تسفيرها إلى خارج القطر وقد اشترط هذا النظام من أجل منح المبلغ المشار إليه ثبوت حالة الطلاق أو التسفير بتأييد من الجهات الرسمية المختصة وإجراء عقد زواج جديد من عراقية كما ألزم الشخص الذي استفاد من قرار مجلس قيادة الثورة أعلاه بعدم الزواج ثانية من إيرانية وفي حالة زواجه يسترد منه كافة المبلغ!!.
الأبعاد الراهنة لمأساة الكرد الفيليين
يسعى الأكراد الفيليون الآن وبعد سقوط نظام صدام لاستعادة أموالهم وممتلكاتهم وبيوتهم التي يسكنها الآن البعثيون من بقايا النظام البائد كما صادر النظام كافة وثائقهم الثبوتية حين قام بتسفيرهم وبناء على ذلك لا يمكن لأي منهم المطالبة بأي شيء ولا حتى بحق المواطنة... كما أن أجيالا قد ولدت في المهجر (خاصة إيران) حيث يفتقدون إلى العيش الكريم والرعاية الصحية والتعليم والثقافة أما المشكلة الأهم التي تواجه هؤلاء الآن فهي إثبات جنسيتهم ليتسنى لهم ممارسة حقوقهم السياسية التي حرموا منها طيلة العقود الماضية.
وأخيرا فقد أعلن مجموعة من الكرد الفيليين تأسيس كيانات سياسية خاصة بهم للاضطلاع بمهمة تجميع صفوفهم ورصها وتوحيد كلمتهم للدفاع عن حقوقهم وتمثيلهم في كافة المواقع والمجالات أسوة بباقي مكونات وشرائح المجتمع العراقي. ولا زال صندوق النظام الصدامي يكشف لنا كل يوم عن مزيد من المفاجآت والغرائب.)- يتبع.
جعفر المهاجر.
2/2/2016





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,051,460,968
- ضحايا التطهير العرقي في العراق.-1
- بغداد ُ يادوحً الرجا
- كلما أوقدوا للحرب نارا أطفأها الله .
- رسالة إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور حسين الش ...
- طوفان الغضب المقدس.
- سلاما أيتها الشهباء.. ياتوأم الشمس.
- ماأبهى حكمتك ، وأنقى ضميرك ياسيد المقاومة.!
- الأديب الراحل جعفر سعدون لفته الجامعي وحديث عن الحياة والموت ...
- الأديب الراحل جعفرسعدون لفته الجامعي وحديث عن الحياة والموت ...
- وخير جليس في الزمان كتاب.
- إعدام الشيخ الشهيد النمر لن يمر بسلام على حكام الجريمة والغد ...
- الراحل الشيخ علي الشرقي شاعر المعاناة والحب والنهوض.- القسم ...
- الراحل الشيخ علي الشرقي شاعر المعاناة والحب والنهوض.-القسم ا ...
- الراحل الشيخ علي الشرقي شاعر المعاناة والحب والنهوض.
- منتهكوا الأعراض وحديث الإنقراض.!!!
- ياطائر العنقاء.
- المثقف والمبدع والأنظمة الدكتاتورية.
- جبل الفداء.
- صدى الذكرى.
- إكذوبة عام 2015 .


المزيد.....




- خلفان: أسدل الستار على اسرار مقتل خاشقجي بعد الصلاة والعزاء ...
- إخفاق القبة الحديدية: الروس استطاعوا.. إسرائيل لا
- لمَ نشرب القهوة (وغيرها) ما دامت مرّة إلى هذه الدرجة؟
- ترامب: أكملت بسهولة الإجابة خطيا على أسئلة مولر حول التدخل ا ...
- لمَ نشرب القهوة (وغيرها) ما دامت مرّة إلى هذه الدرجة؟
- ترامب: أكملت بسهولة الإجابة خطيا على أسئلة مولر حول التدخل ا ...
- كاميرا "يورونيوز" تسجّل صوراً مؤلمة لأزمة السكن في ...
- نيويورك تايمز: مكالمات بن سلمان كشفت دوره في قتل خاشقجي
- السويد تطرد عراقيا بعد ادانته بـ-اعتداء-
- مؤتمر حاشد لأهالي الوراق أمس يؤكد استمرار الدفاع عن الجزيرة ...


المزيد.....

- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - جعفر المهاجر - ضحايا التطهير العرقي في العراق-2