أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - منير جمال الدين سالم - سبيل الوِرد وصليب الوَرد















المزيد.....



سبيل الوِرد وصليب الوَرد


منير جمال الدين سالم

الحوار المتمدن-العدد: 5061 - 2016 / 1 / 31 - 08:36
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


سبيل الوِرد وصليب الوَرد
1 – الطرق الصوفيه والحنابله
بالرغم من قضاء بن تيميه إغلب حياته في السجن، بسبب إتهامات الأئمه والفقاء له بالزندقه, فقد تباينت فيه آراء معاصريه.
يقول إبن تيميه عن الشيخ تقى الدين السبكى قاضى قضاة دمشق, والذى كان أكثر معارضيه نجاحاَ فى دحض وتفنيد آراءه: "لم يغلبنى من الفقهاء إلا الشيخ السبكى", وكان السبكى يقول عنه: "إنى أتواضع له إعجاباَ بزهده وتدينه وتقواه وإنكاره لذاته فى سبيل نصرة الحق وإتباعه للسلف الصالح وسعيه لبلوغ الكمال,وفى ذلك هو مثل نادر فى زماننا وفى زمن السابقين, ولكن علمه يفوق ذكاؤه".
ويقول الرحاله الشهير "إبن بطوطه" عنه أنه مختل, بسبب تعصبه وتشدده الفائقين.
ومن معاصريه من العلماء الذين واجهوه أيضا، قال فيه الشيخ صلاح الدين أبو الصَّفاء خليل بن أيبك بن عبد الله الألبَكِي الفاري الصَّفديّ الدِّمشقيّ الشَّافعيّ. ( 696 هـ - 764 هـ) : "انه يضيع وقته فى دحض المسيحيين والرافضه، أو من يعترض على الدين أو يناقضه ، ولكن إذا كان قد كرس نفسه لشرح البخاري أو القرآن الكريم، لكان قد وضع تاج كلامه المعسول على رقاب أهل العلم".
الشيخ يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن إسماعيل بن محمد ناصر الدين النبهاني، القاضي والفقيه الصوفي (1849- 1932م) قال فيه: "لقد فند المسيحيين، والشيعة، وعلماء المنطق، والأشاعره وأهل السنة، لم يترك أحداَ, سواء مسلم أو غير مسلم، سني أو غير سنى.". وانتقده واحد من تلاميذه، المؤرخ الشهير والباحث، الشيخ شمس الدين الذهبي( 673 ـ / 748 1274- 1349 م) الذي قال فيه : "تبارك الذي تحول به أخطاؤه عن أخطاء الآخرين, وملعون من ينفر من أخطاؤه الآخرين, إلى متى ستنظر القشه التى في عين أخيك، وتنسى الجذع المغروس فى عينك؟".
وممن كانوا فى السابق من المعجبين, وأصبحوا له من أشد ناقدين: القاضي كمال الدين إبن الزملكانى (666 – 724 م)، والعلامه الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عمر أبو المعالي جلال الدين القزويني الشافعي، المعروف بخطيب دمشق،( ولد سنة 661هـ، الموافق سنة 1268م)، وعالم الدين المغربى الشيخ عبد الرحيم بن أحمد بن حجون الشهير بالقنائى أو القناوى( 523 هـ/1127م – 592 هجريه – 1196 م) , والشيخ أبو محمد أحمد بن محمد بن الحسين الجريري، من علماء أهل السنة والجماعة ومن أعلام التصوف السني فى القرن الرابع الهجرى. بعد ثلاثة قرون من تفنيد آرائه من كبار علماء عصره, مثل السبكى وغيره, وفى القرن السادس عشربالتحديد,صدرت فتوى فى حق إبن تيميه من الشيخ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، (909 – 973 هجريه) الذى كان يمثل وقتها أعلى مصدر فى الفتوى الشرعيه على كامل المذهب الشافعى: " إبن تيمية هو العبد الذى نبذه الله، مضلل وأعمى وأصم، وخارج عن المله ".
ومن الأئمة الذين كشفوا وكتبوا عن فساد آراءه وكذب أقواله, الإمام أبو الحسن السبكي وإبنه الشيخ تاج الدين السبكي، والإمام العز بن جامع وغيرهم كثيرمن علماء المذاهب الشافعي والمالكي والحنفي الذين أجمعت فتاويهم على ضلاله وتضليله, وعلى أن بدعته وجهله قد جلبا الشر على الإسلام والمسلمين. (ندعوا الله أن يقينا ويحفظنا من ضلال فكر وعمل أمثاله).
ورث الوهابيين عن إبن تيميه, كراهيته الشرسه للتصوف وللمتصوفين, وأضحت هذه الكراهيه سمه بارزه من سمات المذهب الحنبلى.
وفى عصرنا الحديث شملت كراهيتهم وعدائهم كل المسلمين من أتباع المذاهب الأخرى, لترسخ سياسة الفرقه ولتقسيم المسلمين إلى معسكرين متناحرين يندد كل منهما بالآخر ويفضح عيوبه ومساوئه, ويدعى كل منهما بأنه هو فقط المسلم الحقيقى ويدين الآخر بالكفر والضلال.
نرى فى عصرنا الحالى أن الصوفيين هم أبرز المعارضين للفكر الوهابى, وبالرغم من صدق حججهم تجاه هذا الفكر, إلا أن فكرهم هم أيضاَ لايخلو من هرطقه وشذوذ ونشاز عن صلب العقيده.
ابن خلدون (1332-1406) الذى يعتبر واحدا من آباء التأريخ الحديث، ومن أعظم فلاسفة العالم الإسلامي، يقول عنهم في كتابه "مقدمة إبن خلدون" :
" تتبع المذاهب الصوفية مسارين أساسيين, أولهما هو إتباع وتقليد السلف الصالح من صحابة رسول الله, ووفقا للكتاب ولسنة رسوله. وثانيهما ملوث بهرطقة مجموعه من المفكرين المتأخرين (الجدد) يتخذون من السبيل الأول وسيله لرفع مايسمونه بحجاب الحواس أى "الكشف" بالتعبير الصوفى. ومن هؤلاء إبن عربى وإبن سبعين والبراجان وأتباعهم ومريديهم الذين سلكوا طريقتهم وعبدوا طبقاَ لنحلتهم, لديهم العديد من الأعمال مليئة بالتجديف والبدع الشاذه والزندقه، فضلا عن التفسيرات المغايره للمعنى الظاهر للكتابات والطقوس والتى تثير التساؤل, هل هم فعلاَ على المله؟ وهل هم مسلمين ؟".
منذ القرن التاسع كانوا فى صراع مع إجماع المسلمين, وبلغت قمة الصراع حين تم تنفيذ حكم الإعدام فى "الحسين بن منصور الحلاج", ومن المسلم به أن أول من قدم التعاليم الصوفيه هو "ذو النون المصرى النوبى" فى القرن التاسع الميلادى, وقام الجنيد البغدادى بتسجيل ومنهجة تعاليمه, وقام تلميذه الشبلى الخراسانى بترويجها وتلقينها لتلاميذه.
كان الحلاج زميلاَ للشبلى فى حلقات الدرس, وكانت أفكاره تكشف عن هرطقات واضحه, كعقيدة التناسخ والتجسد (الحلول), وفى النهايه حوكم بالإعدام لتجديفه بالقول: "أنا الحق", مشبهاَ نفسه بالله. ومع ذلك فقد إعتبره المتصوفه من بعده كقديس وشهيد عانى وإضطهد ومات فى سبيل كشفه للسر الباطنى الإعظم لإتحاد الإنسان والله.
أعادت الصوفيه تفسير الطقوس السحريه القديمه عن فكرة التوحد مع القوه الإلهيه )الإتحاد), أو تجسد الإله فى جسم إنسان (الحلول), خلافاَ لعقيدة التوحيد للتيار العام من المسلمين والتى تعنى وحدة الإله وإنفراده وتنزيهه, إلا أنها تعنى للصوفيين إتحاد الإله مع البشر, وأن الإنسان كائن إلهى, فالله قد خلقه على شاكلته, ولذلك أمر الله الملائكه بالسجود لآدم (عبادة آدم) لأنه متوحد فيه.
الإستعاره من العقائد الهنديه والصينيه والفارسيه والفلسفه الإغريقيه ومزجها وتصويرها على أنها من الإسلام, واضحه للعيان. كما نرى أيضاَ فى شطحات الحلاج, نقطة إلتقاء بين الصوفيين وفلاسفة المدرسه الإسماعيليه النزاريه.
كما كانت الأفلاطونيه الحديثه مصدر هام للعلوم الباطنيه والتصوف, كانت أيضاَ رسائل جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" التى إزدهرت فى مدينة البصره بالعراق, ويتفق مجمل الدارسين بأنها كانت تتألف من كبار دعاة الطائفه الإسماعيليه النزاريه (الحشاشين) إلى جانب أقطاب الصوفيه وقتها .
هذه الرسائل كموسوعة فلسفية ودينية, واضح أنها مزيج بين تقاليد ومباديء وعقائد متعدده, من الأرسطوطالسيه الفيثاغورسيه والأفلاطونية الحديثة والعقيده الزرادشتية والغنوصيه , إلا أنهم يقولون أن ذلك إثبات لوحدة جذورها ومنابعها.
يفاخر أصحاب "إخوان الصفا" بإن مريديها يمثلون كل طبقات المجتمع, فمنهم الفلاسفة والحكماء، وعلماء الهندسه والفلك والطبيعة والأطباء والعرافين والكهان ومفسرى الأحلام والسحره والمنجمين.
ساهمت رسائل إخوان الصفا فى نشر وتعميم الأفلاطونيه الحديثه فى العالم العربى, وكان لها تأثير كبير على التصوف والفلسفة الإسلامية، وإنتقلت إلى الأندلس، حيث ألقت بتأثيرها على الكابالا اليهوديه, وكتابة الزوهارالذى يعتبر من أهم كتابات الكابالا اليهوديه (دون فى الأندلس فى القرن الثالث عشر), قد إستندت على ماسبقها من التراث الصوفى ومن كتابات القابالا العربيه, كرسائل إخوان الصفا وغيرها.

إسحاق الأعمى، وهو شخصية محورية بين أصحاب المعرفة الباطنيه اليهوديه، وقد درس أيضاَ رسائل إخوان الصفا, إلى جانب كتب الهرطقه اليونانيه والمسيحيه، إذ أصبحت هذه الرسائل وغيرها من كتابات المتصوفه المسلمين, مرجع لأقطاب العلوم الباطنيه والمتصوفه من اليهود مثل إبراهيم بن عزرا، وموسى بن ميمون، ويهوذا اللاوى، وباهيا إبن باكودا وسليمان بن يحيى المشهور بإسم "إبن جابيرول"
من أهم من جسد الترابط والتشابك بين الصوفيه اليهوديه والإسلاميه, الفيلسوف اليهودى الأندلسى إبن جابيرول (القرن الحادى عشر), إذ آمن بفكر إخوان الصفا حتى أصبحت رسائلهم وكتابات أبو عبدالله محمد إبن مسرَه الجبلى الأندلسى (883 -931 م), هما المصدر الأساسى لإلهامه بعد التوراه.
إعتبر إبن جبرول وإبن عربى من أبرز تلاميذ إبن مسرَه, ومن أكثر المتأثرين برسائل إخوان الصفا, ويرجع لإبن عربى فضل بلورة الفكر الذى أصبح محوراَ لكتابات الزوهار, على سبيل المثال نظريته عن المعانى الباطنه لحروف الهجاء, ومفهوم أن الإنسان هو نموذج مصغر من الإله (نظرية الكون الأكبر والكون الأصغر), قد أصبحت تعاليم أساسيه فى الكابالا اليهوديه.

في القرن الحادي عشر، قام الفيلسوف الإسلامي الصوفى الشافعى الأشعرى "الإمام أبى حامد الغزالي" (1058 – 111م) بحمله للتوفيق بين الفكرالإسلامى العام والصوفية وبالفعل وضع حداَ لكثير من الجدل. ولكن ذلك لم ينهى إعتراضات عدد ليس بقليل من أئمة المذهب الحنبلى, حيث أظهروا معارضه شرسه لممارسات صوفية معينة، ورغم ذلك كان هناك عدد كبير منهم ينتمى للطرق الصوفية, وابن رجب الحنبلى (1335-1393) في كتابه "ذيل طبقات الحنابله" لتعزيز حملة الإمام الغزالى، ذكر أن أكثر من مائة من كبار علماء الحنابلة كانوا من يتبعون الطرق الصوفيه، أى مايساوى سدس عدد أئمة الحنابلة فى ذلك الوقت.

على الرغم من إستنكارات الحنابله المسعورة على الصوفية، فيبدو أن إبن تيميه نفسه كان من مريديها, ولم أجد فى أى من كتاباته أى إدانه لها, بل على العكس من ذلك فقد أبدى إعجابه لأعمال مشاهير الصوفه, كأبى القاسم الجنيد وسهل إبن يونس التسترى أبا يزيد البسطامى وعبد القادرالجيلانى وأبى طالب المكى وأبو حفص السهروردى (1145-1234), والذين كانوا من أعلام الفقه السنى أيضاَ.

من أقوال إبن تيميه عن علم الظاهر وعلم الباطن:
- " هَذَا الْعِلْمَ ظَاهِرٌ مَوْجُودٌ مَقُولٌ بِاللِّسَانِ مَكْتُوبٌ فِي الْكُتُبِ ؛ وَلَكِنْ مَنْ كَانَ بِأُمُورِ الْقَلْبِ أَعْلَمَ كَانَ أَعْلَمَ بِهِ وَأَعْلَمَ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ".
-" فَلِهَذَا كَانَ فِي حَقَائِقِ الْإِيمَانِ الْبَاطِنَةِ وَحَقَائِقِ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الرُّسُلُ مَا لَا يَعْرِفُهُ إلَّا خَوَاصُّ النَّاسِ فَيَكُونُ هَذَا الْعِلْمُ بَاطِنًا مِنْ جِهَتَيْنِ : مِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْمَعْلُومِ بَاطِنًا وَمِنْ جِهَةِ كَوْنِ الْعِلْمِ بَاطِنًا لَا يَعْرِفُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ . ثُمَّ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ فِي هَذَا الْعِلْمِ يَدْخُلُ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ مَا لَا يَدْخُلُ فِي غَيْرِهِ فَمَا وَافَقَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ فَهُوَ حَقٌّ وَمَا خَالَفَ ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ كَالْكَلَامِ فِي الْأُمُورِ الظَّاهِرَة ".

قام السهروردي بنشر الطريقه الصوفية السهروردية التي أنشئها عمه "أبو نجيب السهروردي" والذى إدعى أنها بدأت بالإمام على إبن أبى طالب ووصلت إليه عبر الجنيد البغدادي وأبو حامد الغزالي, وقد لعبت السهرورديه دورا هاما في تشكيل الجماعات الصوفيه فى مجتمع بغداد, وبطريقه مشابهه لنظام التدرج الذى كانت تتبعه الإسماعيليه النزاريه (الحشاشين), ومازال يتبعه البناءون الأحرار (الماسون) حتى الآن.
وثيقه محفوظه فى متحف الفنون بجامعة برينستون
وثيقه نادره محفوظه فى متحف جامعة برنستون , منسوبه للعلامه الحنبلى " يوسف بن عبد الهادى" (1503م - 909 هجريه) يذكر فيها قائمه بأسماء عدد من المنتمين للطرق الصوفيه , كل الأسماء كانت لأعلام وشيوخ من الحنابله, ومنهم إبن تيميه وتلميذه إبن القيم, عدا إسم الشيخ "عبد القادر الجيلانى" الذى لم يكن من الحنابله.
عبد القادر الجيلاني (1077-1166) كان مؤسس الطريقه القادرية الصوفية التى لها مكانه خاصه وتبجيل فى أوساط الجماعات السريه الباطنيه فى الغرب, حيث يرى فيها البعض أنها أصل جماعة الصليب الوردى (The Rosicrucian Order).
وكان الجيلاني تلميذاَ لإبن عقيل (1119 م)، الذي كان مطالباَ من حنابلة آخرين للرجوع عن هرطقاته, وعن كتاباته التى كان يمجد فيها " الحلاج " الذى أعدم في 922 م لإدعائه الألوهيه .
ولكن العلامه الحنبلى "إبن قدامه العدوى القرشى"(1223 م) يشك في صدق تراجعه, ويشير إلى أن إبن عقيل قد مارس "التقية". والجيلاني نفسه، وفقا لابن رجب، كان يلام لإحتفاظه بكتابات هرطقيه فى حلقته, وخاصة كتابات إخوان الصفا. سيرة حياة الجيلانى أصبحت أسطوره يرددها مريديه وخلفاؤه من بعده, كإدعاء نسبه إلى الرسول, وإدعاء قيامه بمعجزات منذ طفولته, حيث كان يمتنع عن ثدى أمه صياماَ, وقدرته على عقاب معارضيه على بعدهم, يساعد المظلومين بطرق إعجازيه, ويمشى على الماء ويطير فى الهواء. وقيل أن الملائكة والجن، "شعوب العالم الخفي" والنبي محمد نفسه يحضرون حلقاته ويعبرون عن تقديرهم وإستحسانهم لخطابه وإدعائاته. ، شهرة الجيلاني من بين أتباعه كانت تفوق مكانة النبي محمد، إذ نصبوه سلطاناَ للقديسين, وذاع سيطه وإنتشرت أقواله وأباعه ومريديه فى كل العالم الإسلامى وقتها ويقولون أن أقواله وكتاباته كانت سبباَ لتحول الكثير من اليهود والمسيحيين إلى الإسلام.
لم يسمى إبن تيميه أحد فى كتاباته بلقب "شيخنا" عدا الجيلانى, وإعترف فى كتابه "المسأله التبريزيه" أنه إرتدى خرقه (عباءه) الصوفيه القادريه الجيلانيه, والتى تعنى إجازته كمرشد للدعوه للطريقه.
فى كتابه "اطفاء حرقة الحوبة بالباس خرقة التوبة" نقل ابن ناصر الدين محمد بن ابى بكر القيسي الدمشقي الحنبلى (777- 842 هجرى) مؤكدا أنه كان ينتمي إلى أكثر من طريقه صوفية ومشيداَ بالجيلانيه كأعظمها.
" أبو الفرج عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد القرشي التيمي البكري ". الفقيه الحنبلي المشهور بإسم " إبن الجوزى ", فى كتابيه (صِفة الصفوه) و (منهاج القاصدين ومفيد الصادقين), يسلط الضؤ على فضائل ومناقب عدد من أقطاب الصوفيه, إلى جانب مقالاته : "فضائل حسن البصرى" و "مناقب إبراهيم إبن آدم" و "مناقب بشر الحافى" و "مناقب معروف الكارخى" و "مناقب رابعه العدويه", وأيضا فى كتابه "المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم" الكثير من إشارات التعظيم والتبجيل لعديد من أقطاب الصوفه.
كتاب بهجة الأسرار ومعدن الأنوار في مناقب الشيخ عبد القادر الجيلاني، من تأليف الشيخ علي بن يوسف بن حريز بن معضاد اللخمي، أبو الحسن، الشطنوفي, شيخ الديار المصرية (المتوفي سنة 713 هـ), يسرد العديد من المعجزات التي قام بها الجيلاني مؤكده بسلاسل من الشهود، وأعلن ابن تيمية مصداقيتها، على الرغم من أن آخرين كما الإمام الذهبي، قد أدانوا الكتاب لما يحتويه من حكايات تافهة. عن توبة إبن تيميه عن عقيدة التجسيم (التجسد) فقد وصلتنا العديد من الوثائق التى يدعى كاتبيها بحضورهم إعلانها, فقد جاء فى كتاب "نجم المهتدي ورجم المعتدي" لإبن المعلم القرشى, النص الذى خطه ابن تيمية:
"الحمد لله الذي أعتقده في القرآن معنى قائم بذات الله و هو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية و هو غير مخلوق؛ و ليس بحرف ولا صوت و ليس حالا في مخلوق أصلا ولا ورق و لا حبر و لا غير ذلك، والذي أعتقده في قوله تعالى:*الرحمن على العرش استوى,أنه على ما قال الجماعة و الحاضرون و ليس على حقيقته و ظاهره،ولا أعلم كنه بالمراد به.بل لا يعلم ذلك الا الله.والقول في النزول كالقول في الاستواء أقول فيه ما أقول لا أعرف كنه المراد به بل لا يعلم ذلك الا الله.وليس على حقيقته و ظاهره كما قال الجماعة الحاضرون, وكل ما يخالف ذلك فهو باطل, وكل ما في خطي أو لفظي مما يخالف ذلك فهو باطل,وكل ما في ذلك مما فيه ضلال الخلق أو نسبة ما لا يليق بالله فأنا برئ منه فقد تبرأت منه و تائب الى الله من كل ما يخالفه" كتبه أحمد ابن تيمية و ذلك يوم الخميس سادس شهر ربيع الأول سنة سبع ووسبعمائه من الهجره, وكل ما كتبته وقلته في هذه الورقة فأنا مختار في ذلك غير مكره.كتبه أحمد بن تيمية حسبنا الله و نعم الوكيل".
بأعلى ذلك بخط قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة أبو عبد الله الكناني (639 – 733 هجريه) ما صورته: اعترف عندي بكل ما كتبه خطه في التاريخ المذكور.كتبه محمد بن ابراهيم الشافعي, وبحاشية الخط: اعترف بكل ما كتب بخطه.كتبه عبد الغني بن محمد الحنبلي.و بآخر خط ابن تيمية رسوم شهادات هذه نصوصها:
كتب المذكور بخطه أعلاه بحضوري و اعترف بمضمونه.كتبه أحمد بن الرفعة.
صورة خط آخر: أقر بذلك.كتبه عبد العزيز النمراوي..
صورة خط آخر:أقر بذلك كله بتاريخه.علي بن محمد بن خطاب الباجي الشافعي.
صورة أخط آخر : جرى ذلك بحضوري في تاريخه.كتبه الحسن بن أحمد بن محمد الحسيني.
كتب المذكور أعلاه بخطه و اعترف به.كتبه بحضوري محمد بن عثمان البوريجي.
ونقرأ أيضاّ عن تاريخ آخر ونص آخر لتوبة إبن تيميه من "كتاب الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" من تصنيف الإمام الحافظ أبي الفضل ابن حجر العسقلاني,وكتاب "نهاية الأرب في فنون الأدب للإمام القاضي شهاب الدين النويري المعاين للحادثة والمتوفى سنة 733هـ :
" وأما تقي الدين إبن تيميه, فإنه استمر في الجب بقلعة الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى الأبواب السلطانية في شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة ، فسأل السلطان في أمره وشفع فيه، فأمر بإخراجه، فأخرج في يوم الجمعة الثالث والعشرين من الشهر وأحضر إلى دار النيابة بقلعة الجبل، وحصل بحث مع الفقهاء، ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة، وذلك لمرض قاضي القضاة زين الدين المالكي ، ولم يحضر غيره من القضاة ، وحصل البحث ، وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب, مضمونه :
"بسم الله الرحمن الرحيم
شهد من يضع خطه آخره أنه لما عقد مجلس لتقي الدين أحمد بن تيمية الحراني الحنبلي بحضرة المقر الأشرف العالي المولوي الأميري الكبيري العالمي العادلي السيفي ملك الأمراء سلار الملكي الناصري نائب السلطنة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نقل عنه ووجد بخطه الذي عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت، وأن الاستواء على حقيقته، وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده في ذلك ، إلى أن قال بحضرة شهود : ( أنا أشعري ) ورفع كتاب الأشعرية على رأسه ، وأشهد عليه بما كتب خطا وصورته, الحمد لله ، الذي أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله ، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية ، وهو غير مخلوق ، وليس بحرف ولا صوت, والذي أعتقده من قوله ( الرحمن على العرش استوى ) أنه على ما قاله الجماعة ، أنه ليس على حقيقته وظاهره ، ولا أعلم كنه المراد منه ، بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى, والقول في النزول كالقول في الاستواء ، أقول فيه ما أقول فيه ، ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، وليس على حقيقته وظاهره، كتبه أحمد بن تيمية ، وذلك في يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة".
هذا صورة ما كتبه بخطه ، وأشهد عليه أيضا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافي هذا الاعتقاد في المسائل الأربع المذكورة بخطه ، وتلفظ بالشهادتين المعظمتين ، وأشهد عليه بالطواعية والاختيار في ذلك كله بقلعة الجبل المحروسة من الديار المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة ، وشهد عليه في هذا المحضر جماعة من الأعيان المقنتين والعدول ، وأفرج عنه واستقر بالقاهرة.
هذاكلام الإمام النويري ، ونحوه كلام الحافظ ابن حجر ، ونقل هذه التوبة غيرهما أيضا، وواضح إختلافات النص وتاريخ الواقعه وتعدد نسخها وإختلاف إسم القاضى الشاهد على الواقعه, وذلك إلى جانب أننا لم نقرأ فى كتاباته وحتى موته فى عام 728 هجريه, مايشير إلى رفع كتاب الأشعريه على رأسه كما يقولون.
2 - الطريقه القادريه وجماعة الصليب الوردى:
إعتبرت الطريقه القادرية الجيلانيه مصدراَ لتعاليم جماعه سريه نشأت فى القرن السادس عشر، معروفة باسم " روزى كروشيان" وتعنى الصليب الوردى.
يذكر مؤرخي الجماعات السريه أن هذه الجماعه قد إتخذت من الورده الصوفيه رمزاَ لها، ويضيفون أن كلمة "سبيل الورد" (بكسر الواو) والتى تعنى حلقات الذكر, قد تحولت إلى إسم "صليب الورد" (بفتح الواو), وأصبحت إسم علم للجماعه, وأن تعاليمها مستمده من الطريقه القادريه الجيلانيه التى ينتمى إليها إبن تيميه.
مؤسس الجماعه "كريستيان روزنكروس" تواصل خلال رحلاته في الشرق الأوسط مع أقطاب الطريقه الجيلانيه، ويذكر أن عبد القادر الجيلانى, مؤسس الطريقه كان يعرف باسم "وردة بغداد" وأصبحت الوردة رمزاَ للطريقه , كانت وردة من القماش الأخضر والأبيض مع نجمة سداسية في المنتصف تعلق على غطاء رأس دراويش الطريقه القادرية.
الجهل بهذه الخلفيه هو المسؤول عن تكهنات لا طائل منها عن الكثير من الكيانات الشبيهه بجماعة الصليب الوردى والتى تدعى ملكية معرفه خفيه قديمه بعلوم ماوراء الطبيعه كالخيميا والتنجيم والسحر, والتى أعلن عنها وعن إنتماءه لها الفيلسوف البريطانى "فرانسيس بيكون" وأيضاّ إنتماءه لجماعة المتنورين "إلوميناتى" وأيضا توماس إديسون وإسحق نيوتن.
إجابة التساؤل عن أصل هذه الجماعات هى "الصوفيه والإسماعيليه النذاريه", كما يقر أقطاب هذه الجماعات فى إعتقادهم وفى نظام تدرج محافلهم وإشاراتهم ورمزياتهم.
الأصل الإسلامى لمفاهيم "الكابالا" فى تعاليم جماعة الصليب الوردى يعرف بإسم " فاما فراتيرنيتاتيس" (وتعنى إعلان أو إقرار الأخوه) والتى تعتبر كدستور وشريعة الجماعه.
يقال أن مؤسس الجماعه "كريستيان روزنكروس" قد سافر إلى القاهره (فى القرن الثالث عشر الميلادى) وتتلمذ على أيدى حكماءها, وبعد عودته إلى أوروبا أنشأ جماعه سريه تحت إسم "بيت الروح القدس" على غرار "بيت الحكمه" الفاطمى, وبعد مائه وعشرين عاماَ من موته, إكتشف أتباعه وثيقه إقرار الأخوه, وكانت هذه هى بداية تعميم دعوه المثقفين فى أوروبا للإلتحاق بالجماعه.
هذه الوثيقه التى تعرف أيضاَ بإسم "بيكاتريكس", هى صوره طبق الأصل لوثيقه عربيه تحت إسم "غاية الحكيم" كانت متداوله بين أعضاء جماعة "إخوان الصفا وخلان الوفا" الصوفيه والتى كانت نشطه فى ربوع العالم الإسلامى فى وقت وجود روزنكروس بالقاهره.
الإسم الأصلى للوثيقه هو "غايه الحكيم وأحق النتيجتين بالتقديم", وكتبها "أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي" (338 هـ - عام 398 هـ) عالم الرياضيات والفلك والتنجيم والكيميائي فى الأندلس فى القرن التاسع الميلادى, كما شارك في ترجمة كتاب بطليموس في الفلك، وحسّن ترجمة المجسطي، وطوّر جداول الخوارزمي الفلكية، وقدّم تقنيات في علم المساحة, وكتب كتابًا عن فرض الضرائب والاقتصاد بالأندلس، وكما كان المنجم الخاص بالحاجب المنصور وهو الذي تنبأ له بنهاية دولة الأمويين ووقت هذه النهايه, وذهب بعض المؤرخين إلى أنه هومؤلف رسائل إخوان الصفا.
ويذكر المؤرخ جورج سارتون إلى أن كتابي المجريطى "غاية الحكيم" و"رتبة الحكيم" قد ترجما إلى اللاتينية عام 1252م بأمر من الملك "ألفونسو العاشر", ويضم كتاب "رتبة الحكيم" وصفات كيميائية لتنقية بعض المعادن، وفيه أول إشارة إلى قانون بقاء المادة، أما "غاية الحكيم" فهو عن علوم التنجيم والسحر والخيمياء وأيضاَ عن هرمس الهرامسه والصابئه والإسماعيليه .
فى القرن السادس عشر الميلادى, إلتحمت الماسونيه القديمه المتوارثه عن المصريين عبر فلاسفة اليونان, والتى كانت تتخذ شكل نقابات وإتحادات البنائين فى أوروبا ستاراَ لها, إلتحمت مع فرسان الصليب الوردى و"فرسان المعبد" الذين أخذوا أيضاَ تعاليمهم من تراث الغنوصيه اليهوديه والمسيحيه والأفلاطونيه الجديده والزرادشتيه والمانويه, أثناء تواجدهم فى فلسطين والشام خلال الحملات الصليبيه, وأيضاَ من الطرق الصوفيه الإسلاميه وفرقة الإسماعيليه (الحشاشين) المعاصره لهم.
المقاله القادمه من سلسله الجماعات السريه ستكون عن فرقة الحشاشين.
Mounirsalem1@yahoo.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,569,847,477
- بن سلمان والطريق إلى طهران
- أحداث عام 2016 والصدام المحتوم
- الجذور الحقيقيه للحضاره الفرعونيه
- راعيةالإرهاب
- حصار روسيا والصين
- روسيا وحروب الإمبرياليه
- بوتن يقود محور المقاومه
- نبؤات الكتاب المقدس
- سفر دانيال وآخر الزمان
- الأشكناز هم جوج وماجوج
- أكذوبة المحرقه
- الأقمار الداميه والنبؤات التلموديه لمستقبل إسرائيل
- هل تبدأ الحرب العالميه فى اليمن؟
- العلاقات السعوديه - الماسونيه
- الإرهاب المقدس
- المملكه السعوديه تحت الحصار
- الخطة الصهيونية للشرق الأوسط
- طبول الحرب
- حرب أكتوبر إعادة كتابة التاريخ
- إعلان إستقلال مصر الإقتصادى


المزيد.....




- أول تصريح لوزير الخارجية السعودي الجديد بعد تعيينه
- مسؤول أمريكي: الولايات المتحدة تدعم حق الشعب اللبناني في الت ...
- محامو غصن يطالبون القضاء الياباني بإلغاء محاكمته
- مسؤول أمريكي: الولايات المتحدة تدعم حق الشعب اللبناني في الت ...
- محامو غصن يطالبون القضاء الياباني بإلغاء محاكمته
- -تولى إدارة البحر والجو-... من هو وزير النقل السعودي الجديد؟ ...
- رد روسي على بروفة هجوم أمريكي
- السودان... النائب العام يبحث تسليم البشير للجنائية الدولية
- الشرطة العسكرية الروسية تسير دوريات في عين العرب على الحدود ...
- العثور على مركب قديم في قعر نهر الفولغا


المزيد.....

- نقد الاقتصاد السياسي، الطبعة السادسة / محمد عادل زكى
- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - منير جمال الدين سالم - سبيل الوِرد وصليب الوَرد