أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - فلاديمير لينين - إلى الفلاحين الفقراء















المزيد.....



إلى الفلاحين الفقراء


فلاديمير لينين
الحوار المتمدن-العدد: 3519 - 2011 / 10 / 17 - 09:40
المحور: الارشيف الماركسي
    


1. نضال عمال المدن

2. ماذا يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون؟

3. الثروة والبؤس، الملاكون والعمال في الأرياف

4. إلى أي جانب ينبغي أن يقف الفلاح المتوسط؟ إلى جانب الملاكين والأغنياء أم إلى جانب العمال وغير المالكين؟

5. أية تحسينات يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون تحقيقها من أجل الشعب كله ومن أجل العمال؟

6. أية تحسينات يجهد الاشتراكيون-الديموقراطيون للحصول عليها من أجل جميع الفلاحين؟

7. النضال الطبقي في الريف


1. نضال عمال المدن

كثيرون هم الفلاحون الذين سمعوا، بلا ريب، بالاضطرابات العمالية في المدن. فإن فريقا من هؤلاء الفلاحين كان في العاصمتين(1) والمصانع، ورأى بنفسه أعمال الشغب، كما يسميها البوليس، وفريق آخر منهم يعرف العمال الذين نفتهم السلطات إلى القرى لاشتراكهم في الاضطرابات، وفريق ثالث أتيحت له الفرصة أن يرى المناشير والكراريس حول نضال العمال، وفريق رابع سمع فقط أخبار الناس المطلعين على ما يحدث في المدن.

فيما مضى، كان الطلاب وحدهم يثورون: أما الآن، فإن الآلاف وعشرات الآلاف من العمال قد ثاروا في جميع المدن الهامة. وهم يناضلون في معظم الأحيان ضد أرباب عملهم، ضد أصحاب المصانع، الرأسماليين. ويلجأ العمال إلى الاضراب، ويتركون جميعهم في آن واحد العمل في المصنع ويطالبون بزيادات في الأجور؛ ويطالبون بعدم تشغيلهم في اليوم إحدى عشرة ساعة أو عشر ساعات، بل بتشغيلهم ثماني ساعات فقط. ويطالبون أيضا بجميع التحسينات الأخرى في حياة العامل. وهم يريدون أن يصار إلى تحسين الأوضاع في مشاغلهم، وأن يصار إلى إحاطة الآلات بأجهزة خاصة للوقاية، وألا تشوه الآلات العمال الذين يشتغلون عليها، وأن يتمكن أولادهم من الذهاب إلى المدرسة، وأن يلقى المرضى العناية اللائقة في المستشفيات، وأن تكون مساكن العمال بيوتا لائقة، لا أكواخا للكلاب.

ويتدخل البوليس في نضال العمال. فيلقي القبض على العمال. ويزج بهم في السجن. ويبعدهم دون محاكمة إلى مسقط رأسهم بل أنه ينفيهم دون محاكمة إلى سيبيريا. وثمة قانون اصدرته الحكومة يمنع الاضرابات والاجتماعات العمالية. ولكن العمال يخوضون النضال ضد البوليس والحكومة، ويقولون: كفانا خنوعا وركوعا، نحن، شعب العمال الذين نعد الملايين من البشر! كفانا شغلا في صالح الاغنياء، بينما نظل نحن في بؤس مدقع! لقد استسلمنا كفاية للنهب والسلب! نريد تأليف اتحادات، نريد حشد جميع العمال في اتحاد عمالي كبير موحد (هو حزب العمال)، نريد النضال معا في سبيل حياة افضل. نريد النضال في سبيل تنظيم جديد، افضل، للمجتمع: وفي هذا المجتمع الجديد الافضل، ينبغي الا يكون ثمة اغنياء وفقراء، انما ينبغي ان يشترك الجميع في العمل. ينبغي ان يتمتع جميع الشغيلة بثمرات العمل المشترك، لا حفنة من الأثرياء فقط. ينبغي أن تسهل الآلات وسائر الاتقانات كدح الجميع، لا أن تغني البعض على حساب الملايين وعشرات الملايين من الناس. هذا المجتمع الجديد، هذا المجتمع الافضل، يسمى المجتمع الاشتراكى. والمذهب الذى ينادي به يسمى الاشتراكية. واتحادات العمال التى تناضل في سبيل هذا التنظيم الافضل للمجتمع تسمى الأحزاب الاشتراكية-الديموقراطية. وهذه الأحزاب موجودة علنا في جميع البلدان تقريبا (عدا روسيا وتركيا)، كما ان عمالنا بالاتفاق مع الاشتراكيين من الناس المتعلمين، قد شكلوا أيضا حزبا كهذا هو حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي الروسي.

اما الحكومة فهي تضطهد هذا الحزب، ولكنه موجود سرا، رغم جميع قرارات المنع، وهو يصدر الصحف والكراريس، ويشكل الاتحادات السرية. ولا يكتفى العمال بالاحتشاد في اجتماعات سرية، بل ينزلون إلى الشارع، جماهير جماهير ويرفعون الرايات المكتوب عليها: "عاش يوم العمل من ثماني ساعات، عاشت الحرية، عاشت الاشتراكية!". ولهذا تلاحق الحكومة العمال بوحشية، بل انها ترسل الجيش ليطلق النار عليهم. لقد قتل الجنود الروس عمالا روسا في ياروسلافل، وبطرسبورغ، وريغا، وروستوف على الدون، وزلاتووست.

ولكن العمال لا يستسلمون بل يواصلون النضال. ويقولون: ليس ثمة اضطهادات ولا سجون، ولا نفي، ولا اعتقال مع الاشغال الشاقة، ولا موت، بوسعها ان ترهبنا. ان قضيتنا عادلة. فنحن نكافح في سبيل حرية وسعادة جميع الذين يكدحون. نحن نكافح في سبيل التخلص من مظاهر العنف والاضطهاد والبؤس، النازلة عشرات ومئات الملايين. والعمال يزدادون وعيا يوما بعد يوم. وعدد الاشتراكيين-الديموقراطيين يتعاظم بسرعة في جميع البلدان. ولسوف ننتصر بالرغم من كل قمع واضطهاد.

ينبغى أن يدرك الفلاحون الفقراء جيد الإدراك من هم هؤلاء الاشتراكيون-الديموقراطيون، وماذا يريدون، وما ينبغى القيام به في القرى من أجل مساعدتهم في الظفر بالسعادة للشعب.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) أي في موسكو وبطرسبورغ.







2. ماذا يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون؟

يناضل الاشتراكيون-الديموقراطيون الروس بادئ بدء في سبيل الحرية السياسية. فهذه الحرية ضرورية لهم لحشد جميع العمال الروس، على نطاق واسع وبصورة علنية، في النضال من أجل تنظيم المجتمع تنظيما جديدا، تنظيما أفضل، تنظيما اشتراكيا.

ما هي الحرية السياسية؟

لكى يدرك الفلاح هذا الأمر، ينبغي له أن يقارن أولا حريته اليوم بنظام القنانة (الاقطاعية). في ذلك العهد، لم يكن يحق للفلاح أن يتزوج دون إذن الملاك العقاري، أما الآن فالفلاح حر بأن يتزوج دون أي إذن. في ذلك العهد، كان الفلاح ملزما بالعمل بصورة مطلقة لحساب سيده في الأيام التي يعينها وكيل السيد. أما الآن، فالفلاح حر بأن يقرر لحساب أي سيد يشتغل وفي أية أيام ولقاء أي أجر. في ذلك العهد، لم يكن يحق للفلاح أن يترك القرية دون إذن السيد. أما الآن، فالفلاح حر بالذهاب حيث يشاء، إذا سمحت له المشاعة بالذهاب، إذا لم يكن يترتب عليه دفع ضرائب متأخرة، إذا أعطى تذكرة هوية، إذا لم يمنعه الحاكم أو مدير البوليس في القضاء(*) من التنقل. ولذا لا يتمتع الفلاح اليوم أيضا بكامل حرية الذهاب حيث يشاء، بكامل حرية التنقل؛ فما يزال الآن نصف قن. وسنقول فيما بعد بالتفصيل لماذا لا يزال الفلاح الروسي نصف قن وكيف يستطيع التخلص من هذا الوضع. في عهد القنانة، لم يكن يحق للفلاح أن يحصل على أية ممتلكات دون إذن السيد ولم يكن يحق له أن يشتري الأرض. أما الآن، فالفلاح حر بالحصول على شتى أنواع الممتلكات (غير أنه ليس حرا اليوم تمام الحرية، بأن يترك المشاعة وبأن يتصرف بأرضه كما يشاء). في عهد القنانة، كان بوسع الملاك العقاري إنزال العقوبات الجسدية بالفلاح. أما الآن، فلم يعد بوسع الملاك العقاري إنزال العقاب الجسدى بالفلاح، رغم أن الفلاح لم يتحرر حتى الآن من العقوبات الجسدية.

هذه الحرية هي التي تسمى الحرية المدنية، الحرية في حقل الشؤون العائلية، في حقل الشؤون الشخصية، في حقل الشؤون المتعلقة بالممتلكات. فالفلاح والعامل حران (صحيح أن حريتهما غير تامة) بأن ينظما حياتهما العائلية وشؤونهما الشخصية، وبأن يتصرفا بعملهما (بأن يختارا سيدا لهما) وبممتلكاتهما.

ولكن، لا العمال الروس ولا الشعب الروسي كله، يتمتعون حتى الآن بحرية التصرف بالشؤون المشتركة التي تخص الشعب بأسره. فالشعب بأسره، بمجمله، لا يزال قنا للموظفين، كما كان الفلاحون أقنانا للملاكين العقاريين. فلا يحق للشعب الروسي أن يختار موظفية، ولا أن ينتخب الناس الذين يثق بهم من أجل تحضير القوانين لعموم الدولة. بل إنه لا يحق للشعب الروسي التجمع لمناقشة الشؤون العامة ، شؤون الدولة. وبدون إذن الموظفين الموضوعين فوقنا دون رضانا – كما كان السيد في الزمن الغابر يعين الوكيل دون موافقة الفلاحين، – لا يحق لنا حتى طبع صحفنا وكتبنا، والتكلم أمام الجميع وللجميع عن الشؤون التي تتعلق بالدولة كلها!

وكما أن الفلاحين كانوا عبيدا للملاكين، كذلك ما يزال الشعب الروسي حتى الآن عبد الموظفين. وكما أن الفلاحين كانوا في عهد القنانة (الاقطاعية) محرومين من الحرية المدنية، كذلك ما يزال الشعب الروسي محروما من الحرية السياسية حتى الآن. إن الحرية السياسية، إنما هي حرية الشعب بتصريف شؤونه المشتركة، الشؤون العامة. إن الحرية السياسية، إنما هي حق الشعب بانتخاب نوابه إلى دوما الدولة (البرلمان). إن دوما الدولة هذه (البرلمان) التي ينتخبها الشعب بنفسه، هي التي ينبغي لها وحدها أن تناقش وتسن جميع القوانين، وأن تقر جميع الضرائب والرسوم. إن الحرية السياسية، إنما هي حق الشعب في أن يختار بنفسه جميع الموظفين، وأن ينظم شتى انواع الاجتماعات لمناقشة جميع الشؤون العامة، وأن يطبع، دون أي إذن، ما يشاءه من الكتب والصحف.

إن جميع الشعوب الأوروبية الأخرى قد ظفرت منذ زمن طويل بالحرية السياسية. في تركيا فقط وفي روسيا، ما يزال الشعب، سياسيا، قنا لحكومة السلطان ولحكومة القيصر الاوتوقراطية. إن الاوتوقراطية القيصرية، إنما هي سلطة القيصر التي لا حد لها. فلا يأخذ الشعب أي قسط في تنظيم الدولة وإدارتها. فالقيصر وحده، بحكم سلطته الشخصية، غير المحدودة، الاوتوقراطية هو الذي يسن جميع القوانين، ويعين جميع الموظفين. ولكنه واضح أن القيصر نفسه لا يمكن له حتى أن يعرف جميع القوانين الروسية وجميع الموظفين الروس. بل إنه لا يستطيع أن يعرف ما يجرى في الدولة؟ إنه يكتفي بالمصادقة على مشيئة عدة عشرات من كبار الموظفين واعلاهم مقاما. إن شخصا واحدا، مهما كانت رغبته شديدة، ليعجز عن حكم دولة شاسعة كروسيا. فليس القيصر هو الذي يحكم روسيا – ومع ذلك لا يسع المرء الا التحدث عن اوتوقرطية رجل واحد! – بل تحكم روسيا حفنة من أكبر الموظفين ثراء وجاها. ولا يعرف القيصر إلا ما تشاء هذه الحفنة من الموظفين أن تبلغه إياه. ولا يستطيع القيصر أبدا معارضة هذه الحفنة من كبار ممثلي النبلاء: فالقيصر نفسه ملاك عقاري ونبيل؛ وهو، منذ طفولته، لم يعش إلا في وسط هؤلاء النبلاء؛ فهم الذين ربوه وعلموه؛ أما الشعب الروسي بأسره، فإن القيصر لا يعرف عنه أكثر مما يعرف هؤلاء النبلاء الكبار، والملاكون الأغنياء، والقلة من التجار الأغنياء الذين يحق لهم دخول القصر.

بوسعكم أن تجدوا في كل دائرة في النواحي، اللوحة التالية: اللوحة تمثل القيصر (والد القيصر الحالي: الكسندر الثالث). القيصر يلقي خطابا أمام رؤساء بلديات النواحي، القادمين لحضور تتويجه. القيصر يأمرهم: "أطيعوا مارشالات النبلاء!"(1) وقد كرر قيصر اليوم نيقولاي الثاني الكلام نفسه، فالقياصرة يعترفون إذن بأنهم لا يستطيعون حكم الدولة إلا بمساعدة النبلاء، بوساطة النبلاء. ينبغي لنا أن نحفظ جيدا كلمات القيصر هذه حول طاعة الفلاحين للنبلاء. ينبغي لنا أن ندرك تمام الإدراك كذب ما يقوله للشعب هؤلاء القوم الذين يسعون جهدهم لتصوير الإدارة القيصرية على أنها خير إدارة. يقول هؤلاء القوم: في البلدان الأخرى، تنتخب الإدارة انتخابا، فيختار لها الأغنياء؛ والحال، أن الأغنياء يديرون دون انصاف. فهم يضطهدون الفقراء. أما في روسيا، فلا يصار إلى انتخاب الادارة؛ فإن القيصر الاوتوقراطي هو الذي يحكم كل شئ. فالقيصر فوق جميع الناس، الفقراء منهم والاغنياء. والقيصر، كما يزعم هلؤلاء القوم، منصف ازاء الجميع، ازاء الفقراء والاغنياء، دون اي تمييز.

ان مثل هذه الاقاويل رياء برياء. فكل روسي يعرف ما هو عليه انصاف الادارة في بلادنا. وكل امرئ يعرف اذا كان العامل البسيط أو الاجير الزراعى في بلادنا يستطيع ان يكون عضوا في مجلس الدولة. بينما رأينا في جميع البلدان الاوروبية الاخرى عددا من عمال المصانع ومن الاجراء الزراعيين اعضاء في دومات الدولة (البرلمانات): كانوا يتكلمون بحرية امام الشعب كله عن بؤس العمال، وكانوا يدعون العمال إلى الاتحاد والنضال من اجل حياة افضل. وما كان احد ليجرؤ على مقاطعة نواب الشعب عند القاء خطاباتهم هذه، وما كان أي فرد من أفراد البوليس ليتجاسر على مسهم باصبعه .

ليس في روسيا ادارة منتخبة، فالذين يديرون ليسوا الاغنياء والنبلاء وحسب بل شرهم، اي امهرهم نما في القصر، وابرع من يحوكون المقالب، ويكذبون ويفترون لدى القيصر، ويتزلفون ويداهنون. انهم يديرون سرا، ولا يعرف الشعب ولا يستطيع ان يعرف اية قوانين يهيئونها له، واية حروب يستعدون لشنها، واية ضرائب جديدة سيقرون، واي موظفين سيكافئون ولماذا، واي موظفين سيقيلون ولماذا. وما من بلد كروسيا يعرف مثل هذا العدد اللجب من الموظفون ينتصبون فوق الشعب الصامت، كغابة قاتمة، - فان العامل البسيط لن يتوصل ابدا إلى شق طريق له في هذه الغابة ولا الحصول على العدالة. وما من شكوى ضد الموظفين المرتشين، والناهبين، والظالمين، ترى النور : فكل شكوى تذهب عبثا، بسبب من المماطلات البيروقراطية (الدواوينية).

وصوت رجل بمفرده لا يبلغ ابدا مسامع الشعب كله، بل يضيع في هذا الدغل الكثيف القاتم، ويختنق في اقبية البوليس. ان جيش الموظفين الذين لم ينتخبهم الشعب والذين ليسوا مسؤولين امامه، قد حاك شبكة كثيفة يتخبط فيها الناس كالذباب .

ان الاوتوقراطية القيصرية، انما هي اوتوقراطية الموظفين، انما هي تبعية الشعب القنية ازاء الموظفين ولا سيما البوليس. ان الاوتوقراطية القيصرية، انما هي اوتوقراطية البوليس .

ولهذا ينزل العمال إلى الشارع ويخطون على راياتهم: "لتسقط الاوتوقراطية!"، "عاشت الحرية السياسية!". ولهذا ينبغى على عشرات الملايين من الفلاحين الفقراء أيضا ان يرددوا هتاف عمال المدن النضالى هذا. وعلى غرار عمال المدن، ينبغى على عمال الارياف والفلاحين الفقراء غير المالكين، دون خشية من اعمال القمع، دون خوف من اعمال التهديد والعنف من جانب العدو، دون الاضطراب لدى اول هزيمة، ينبغى عليهم القيام بنضال حاسم في سبيل حرية الشعب الروسي بأسره؛ المطالبة قبل كل شيء بدعوة ممثلى الشعب إلى الاجتماع. فليختر الشعب بنفسه نوابه في عموم روسيا. ليؤلف هؤلاء النواب جمعية عليا تؤسس ادارة منتخبة في روسيا، وتحرر الشعب من التبعية القنية ازاء الموظفين والبوليس، وتؤمن للشعب حرية الاجتماعات وحرية الكلام والصحافة!

هذه ما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون قبل كل شيء وهذا ما يعنيه مطلبهم الاول: مطلب الحرية السياسية .

اننا نعلم ان الحرية السياسية، حرية الانتخاب لدوما الدولة (البرلمان)، حرية الاجتماعات، حرية الصحافة، لن تنقذ الشعب الشغيل، دفعة واحدة، من البؤس والظلم. وليس ثمة وسيلة بوسعها ان تنقذ، دفعة واحدة، فقراء المدن والارياف من عملهم في صالح الاغنياء. وليس امام الشعب العامل أي امرئ يعلق عليه أمله او يعتمد عليه، الا نفسه بالذات. وما من احد سيحرر العامل من بؤسه، اذ لم يفعل ذلك بنفسه. ولكى يتحرر العمال، عليهم ان ينضموا في اتحاد واحد، في حزب واحد، من طرف البلاد إلى الطرف الآخر، في عموم روسيا. ولكن ملايين العمال لا يستطيعون الاتحاد اذا كانت الحكومة البوليسية الاوتوقراطية تمنع كل الاجتماعات، وجميع صحف العمال، وجميع انتخابات نواب العمال. لكى يتحد الناس، ينبغى لهم حق تنظيم شتى انواع الاتحادات، تنبغى حرية الاتحاد، تنبغى الحرية السياسية .

ان الحرية السياسية لن تنقذ الشعب العامل من البؤس دفعة واحدة، ولكنها ستعطى العمال سلاحا للنضال ضد البؤس. وليس ثمة ولا يمكن ان يكون ثمة وسيلة اخرى للنضال ضد البؤس، غير اتحاد العمال انفسهم. ولن يستطيع الملايين من ابناء الشعب ان يتحدوا اذا لم تتوافر لهم الحرية السياسية .

فى جميع بلدان اوروبا التي ظفر فيها الشعب بالحرية السياسية، اخذ العمال يتحدون منذ زمن طويل. والعمال الذين لا أرض عندهم ولا مشاغل والذين يشتغلون طوال حياتهم أجراء عند الآخرين، - ان هؤلاء العمال يسمونهم في كل اوروبا بروليتاريين. فمنذ اكثر من خمسين سنة، دوى نداء يدعو إلى اتحاد الشعب العامل : " يا عمال العالم، اتحدوا! ". ان هذه الكلمات قد طافت العالم كله خلال الخمسين سنة الاخيرة وهى تعاد في عشرات ومئات الآلاف من اجتماعات العمال؛ وانكم لتقرؤونها في ملايين الكتب والصحف الاشتراكية – الديموقراطية بجميع اللغات. ان حشد ملايين العمال في اتحاد واحد، في حزب واحد، هو، بالطبع، عمل صعب جدا، جدا، ويطلب فترة من الزمن، وقدرا من المثابرة والعناد والشجاعة. واننا لنرى العمال تسحقهم الحرمانات ويحطمهم البؤس، ويغلظ عقولهم العمل الدائب، القاسي كالاشغال الشاقة، في صالح الرأسماليين والملاكين العقاريين، وفى كثير من الاحيان، لا يتوفر لهم الوقت ليتساءلوا لماذا هم ابدا غارقون في لجة البؤس، وكيف الخروج منها. وبجميع الوسائل يمنعون العمال من الاتحاد : اما انهم يمارسون مباشرة اعمالا عنيفة وحشية في بلدان كروسيا حيث الحرية السياسية معدومة واما انهم يرفضون تشغيل العمال الذين يروجون مذهب الاشتراكية، واما انهم يلجؤون اخيرا إلى الكذب والرشوة. ولكن ما من عنف ولا قمع بوسهما ان يحملا العمال البروليتاريين على الكف عن النضال من اجل القضية الكبرى، قضية تحرير الشعب العامل بأسره من البؤس والظلم .

ان عدد العمال الاشتراكيين – الديموقراطيين يتعاظم بلا انقطاع .

ففى الدولة المجاورة، مثلا، في المانيا، توجد ادارة منتخبة. فيما مضى، كانت في المانيا أيضا حكومة ملكية اوتوقراطية مطلقة. ولكن الشعب الالماني هب، منذ زمن بعيد، منذ اكثر من خمسين سنة وحطم الاوتوقراطية وظفر بالحرية السياسية بالقوة. فالقوانين في المانيا لا تسنها حفنة من الموظفين كما في روسيا، بل تسنها جمعية نواب الشعب ، البرلمان، او الريخستاغ، كما يسميها الالمان. وجميع الرجال الراشدين ينتخبون نواب الريخستاغ. ولذا يمكن معرفة عدد الاصوات التي نالها الاشتراكيون-الديموقراطيون. ففى 1887، نالوا عشر الاصوات كلها. وفى 1898 (لدن الانتخابات الاخيرة للريخستاغ)، ازداد عدد اصوات الاشتراكيين-الديموقراطيين ما يقرب من ثلاثة اضعاف. وهكذا، نال الاشتراكيون-الديموقراطيون اكثر من ربع الاصوات كلها. فقد صوت اكثر من مليونى رجل راشد لنوابهم الاشتراكيين-الديموقراطيين في البرلمان. غير ان الاشتراكية ما تزال قليلة الانتشار بين عمال الارياف في المانيا، ولكنها تخطو في الوقت الحاضر خطوات سريعة جدا. وعندما ينضم سواد الأجراء الزراعيين، والمياومين، والفلاحين الفقراء، المعدمين، إلى اخوانهم في المدن، فان العمال الالمان سينتصرون ويقيمون نظاما لا يعرف فيه الشغيلة لا البؤس ولا الظلم .

ولكن كيف يريد العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون انقاذ الشعب من البؤس؟

لكي نعرف ذلك، ينبغى ان ندرك جيد الادراك مصدر بؤس الجماهير الغفيرة في ظل النظام الاجتماعى الحالى. فالمدن الغنية تتكاثر وتتعاظم، ويصار إلى تشييد المخازن والمبانى الفخمة، والى مد الخطوط الحديدية، والى استعمال شتى انواع الآلات والتحسينات في الصناعة كما في الزراعة، بينما لا يزال ملايين الناس يتخبطون في لجة البؤس، ويكدحون طوال حياتهم لمجرد اعالة اسرهم. بل ثمة اكثر من ذلك : فان عدد العاطلين عن العمل يتزايد بلا انقطاع .

وفى الارياف والمدن يزداد على الدوام عدد الذين لا يستطيعون ايجاد اي عمل. ففى الارياف، يتضورون جوعا، وفى المدن، يضخمون فرق الصعاليك وطوابير الحفاة؛ وهم يندسون كالحيوانات في اقبية الضواحى أو في اكواخ وحجيرات زرية كما هي عليه مثلا الاكواخ والحجيرات في حى خيتروف رينوك بموسكو .

كيف يمكن ذلك؟ الثروات ومظاهر البذخ تتكاثر على الدوام، بينما الملايين والملايين من الناس الذين يخلقون كل هذه الثروات بكدحهم، يظلون مع ذلك فقراء وتعساء؟ الفلاحون يحصدهم الجوع والعمال يهيمون بلا عمل، بينما يشحن التجار من روسيا إلى الخارج ملايين البودات (البود يساوى 360، 16 كيلوا غراما. المعرب) من الحبوب، وبينما المصانع والمعامل متوقفة عن العمل لأنه لا يعرف إلى اين ترسل البضائع، بالنظر لانعدام اسواق التصريف؟

سبب ذلك اولا ان قسما كبيرا جدا من الارض، وكذلك المصانع، والمعامل، والمشاغل، والآلات، والابنية، والسفن، هي ملك عدد صغير من الاغنياء. وهذه الاراضي، وهذه المصانع والمشاغل، حيث يشتغل عشرات الملايين من الناس، تخص عدة آلاف او عدة عشرات الآلاف من الاغنياء، من ملاكين عقاريين وتجار وصناعيين. وعند هؤلاء الاغنياء يشتغل الشعب اجيرا، لقاء اجر، لقاء كسرة من الخبز. وكل ما يصنع علاوة على بدل اعالة العمال البائس، انما يذهب لاملاء جيوب الاغنياء؛ ذلك هو ربحهم، تلك هي " ايراداتهم ". وكل الفوائد الناجمة عن الآلات والتحسينات في العمل هي في مصلحة الملاكين العقاريين والرأسماليين : فهم يكدسون ثروات باهظة، بينما الذين يشتغلون لا يتلقون من هذه الثروات سوى فتات بائسة. ان العمال يجتمعون من اجل العمل : فان الاستثمارات الزراعية الكبيرة والمصانع الكبيرة تضم المئات من العمال واحيانا الألوف. وبفضل هذا العمل المشترك، وبفضل استخدام شتى انواع الآلات، تغدوا النتيجة أوفر : فان عاملا واحدا ينتج أكثر بكثير مما كان ينتجه عشرات العمال الذين كانوا يشتغلون فيما مضى بصورة منفردة ودون اية آلة. ولكن هذه النتيجة، ولكن انتاجية العمل هذه، لا تفيد جميع الشغيلة، انما تفيد فقط عددا ضئيلا من كبار ملاكي الاراضي ومن التجار والصناعيين .

غالبا ما نسمع ان الملاكين العقاريين والتجار "يعطون" الشعب "عملا"، "يعطون" الفقراء موردا للرزق. يقال، مثلا، ان فلاحي تلك المحلة "يعتاشون" من المصنع المجاور او من الاستثمارة الزراعية المجاورة. غير ان العمال هم الذين، في الواقع، يعتاشون من عملهم ويعيشون جميع الذين لا يشتغلون. ولكن لقاء الاذن بالعمل في ارض السيد او في المصنع او في السكة الحديدية، يعطى العامل مجانا المالك كل ما يصنع، بينا لا يتلقى هو سوى اجر زهيد. وهكذا نرى في الواقع ان ليس الملاكون العقاريون ولا التجار هم الذين يعطون العمال عملا؛ انما هم العمال الذين يعيلون بعملهم الجميع، مقدمين مجانا قسما كبيرا من كدحهم .

لنتابع. ان بؤس الشعب الناجم، في جميع الدول المعاصرة، عن كون الشغيلة يصنعون جميع انواع السلع من اجل البيع في السوق. فان الصناعي والحرفي، والملاك العقاري والفلاح الميسور، يصنعون هذه السلعة او تلك، ويربون المواشي، ويزرعون الحبوب ويحصدونها من اجل البيع، من اجل كسب المال. وغدا المال الآن في كل مكان القوة الرئيسية، فجميع منتجات الكدح البشرى عرضة للمبادلة لقاء المال. وبالمال، يمكن شراء كل ما يراد، بل يمكن شراء كائن بشرى بالمال، اي الزام رجل فقير على العمل لمن يملك المال. فيما مضى كانت الارض القوة الرئيسية؛ كان ذلك في عهد الاقطاعية؛ كان مالك الارض يملك أيضا القوة والسلطة. اما الآن فان المال، والرأسمال، هو الذي غدا القوة الرئيسية. بالمال يمكن شراء قدر ما يراد من الارض. وبدون مال، لا يمكن للمرء ان يفعل شيئا ما حتى ولو كان يملك ارضا : اذ لن يكون معه ما يشتري به الماشية، وألبسه وغير ذلك من ادوات الزراعة، او ما يشتري به الماشية، وألبسة وغير ذلك من بضائع المدينة، هذا عدا دفع الضرائب. وبسبب المال، اقدم جميع الملاكين العقاريين تقريبا على رهن املاكهم لدى المصارف. ولأجل الحصول على المال، تستقرض الحكومة من الناس الاغنياء ومن اصحاب المصارف في العالم كله، وتدفع من الفوائد سنويا مئات الملايين من الروبلات. وبسبب المال. يشنها الجميع اليوم حربا ضارية بعضهم ضد بعض. كل يريد ان يشتري بأبخس الاسعار وان يبيع بأعلى الاسعار؛ كان يريد التفوق على الآخر، كل يريد ان يبيع أكبر كمية ممكنة من البضائع، ان يخفض الاسعار، ان يخفي عن الآخرين سوقا مفيدة للتصريف أو طلبية رابحة. والناس الصغار، الحرفي الصغير والفلاح الصغير، هم اشد من يعانون من هذا الاندفاع العام إلى المال : فانهم يظلون ابدا وراء التاجر الغنى او الفلاح الكانز. وليس لديهم ابدا أي احتياطى، ويعيشون بالتقتير، كل يوم بيومه، وهم، لدى كل صعوبة، لدى كل مصيبة، يضطرون لرهن اسمالهم الاخيرة او لبيع ماشيتهم باسعار بخسة. واذا ما وقعوا في مخالب الكولاكي(**) أو المرابي، فانهم نادرا ما يتمكنون من خلع سلاسلهم، وهم، في معظم الاحيان، يفقدون كل شئ. ففى كل سنة، يغلق عشرات الالوف ومئات الالوف من صغار الفلاحين والحرفيين بيوتهم، ويسلمون قطع أرضهم(2) للمشاعة مجانا ويغدون عمالا اجراء، واجراء زراعيين، وفعلة، بروليتاريين. بينما يزداد اصحاب الثروة ثروة في هذا الصراع من اجل المال. ان الاغنياء يكدسون المال في المصارف بالملايين ومئات الملايين من الروبلات، ولا يغتنون بمالهم وحسب، بل يغتنون أيضا بالمال الذي يودعه الآخرون في المصارف. ان الناس البسطاء الصغار لا يتقاضون لقاء عشرات او مئات الروبلات التي يودعونها في المصارف أو في صناديق التوفير، سوى فائدة قدرها ثلاثة أو اربعة كوبيكات عن كل روبل، بينما يكدس الاغنياء الملايين بواسطة هذه العشرات او المئات من الروبلات، فيزيدون بها رقم اعمالهم، ويكسبون عشرة كوبيكات او عشرين كوبيكات بكل روبل .

ولهذا يعلن العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون ان الوسيلة الوحيدة لوضع حد لبؤس الشعب، هي أن نغير النظام الحالى برمته في عموم البلاد ونقيم النظام الاشتراكى، اي : ان ننزع من كبار ملاكي الاراضي املاكهم، ومن الصناعيين مصانعهم ومعاملهم، ومن اصحاب المصارف رساميلهم، وان نقضي على ملكيتهم الخاصة ونسلمها إلى الشعب العامل كله في عموم البلاد. حينذاك لن يتصرف بعمل العمال الناس الاغنياء الذين يعيشون من عمل الآخرين، بل العمال انفسهم ونوابهم. حينذاك سيستفيد جميع الشغيلة، جميع العمال، من ثمار العمل المشترك ومن المنافع الناجلة عن كل التحسينات وكل الآلات. حينذاك ستزداد الثروة بمزيد من السرعة، لأن العمال سيشتغلون احسن من ذي قبل اذ انهم سيشتغلون لانفسهم لا للرأسماليين، وسيكون يوم العمل أقصر، وتتحسن معيشة العمال. وتتغير كل حياتهم تغيرا تاما.

غير أنه ليس من السهل تغيير كل النظام في مجمل الدولة. فانه يقتضي لهذا الغرض الكثير من الجهد، والكثير من النضال العنيد الطويل. ان جميع الاغنياء، جميع الملاكين، اي كل البرجوازية(3) سيدافعون عن ثرواتهم بكل قواهم. كما ان الموظفين والجيش سيؤمنون الدفاع عن كل الطبقة الغنية، لأن الحكومة نفسها هي في ايدي هذه الطبقة. فينبغي على العمال ان يرصدوا صفوفهم ويصبحوا كرجل واحد من اجل النضال ضد جميع الذين يعيشون من عمل الآخرين؛ ينبغى عليهم ان يتحدوا وان يوحدوا جميع غير المالكين، لكي يشكلوا طبقة عاملة واحدة، طبقة بروليتارية واحدة. ان النضال لن يكون سهلا على الطبقة العاملة، ولكنه سينتهى حتما بانتصار العمال، لأن البرجوازية، اي الذين يعيشون من عمل الآخرين، لا تشكل سوى قسم ضئيل من الشعب. بينما تشكل الطبقة العاملة اغلبية الشعب الساحقة. العمال ضد الملاكين، انما هم الملايين ضد الآلاف.

ان عمال روسيا اخذوا يتحدون في حزب اشتراكي-ديموقراطي عمالي واحد، بقصد خوض هذا النضال العظيم. ومهما كان الاتحاد صعبا في الظروف السرية، في ظروف التخفي عن البوليس، فان هذا الاتحاد يقوى مع ذلك على الدوام، ويتسع مع ذلك على الدوام. وعندما يظفر الشعب الروسي بالحرية السياسية، فان قضية اتحاد الطبقة العاملة، قضية الاشتراكية، ستتقدم بمزيد من السرعة لا حد له، واسرع بكثير مما تتقدم به عند العمال الالمان.


--------------------------------------------------------------------------------

(1) مارشالات النبلاء: هم من النبلاء الذين كان ينتخبهم اقرانهم في اجتماعات النبلاء في الاقضية والمحافظات في روسيا القيصرية . وكان مارشالات النبلاء يصرفون شؤون النبلاء وشغلوا مكانا هاما في الادارة وكانوا يترأسون اجتماعات الزيمستفوات.


(2) قطع الارض: المقصود بها قطع الارض التي اعطيت للفلاحين قصد التمتع بها ، بعد الغاء القنانة في روسيا عام 1861 . ولم يكن للفلاحين الحق في بيع هذه القطع ؛ وفي قسم كبير من روسيا ، كانت هذه القطع في حوزة المشاعة ، وكانت توزع على الفلاحين للتمتع بها ، بطريقة اعادة تقسيم الاراضي بصورة دورية.


(3) البرجوازي هو المالك. والبرجوازية هي جميع المالكين مجتمعين. والبرجوازي الكبير هو المالك الكبير . والبرجوازي الصغير هو المالك الصغير . والبرجوازية والبروليتاريا انما هم المالكون والعمال ، الاغنياء وغير المالكين ، الذين يعيشون من عمل الآخرين والذين يشتغلون للغير لقاء أجر .


(*) بمعنى التقسيم الاداري. المعرب.


(**) الكولاك: الفلاحون الاغنياء الذين يستثمرون الاجراء والفلاحين الفقراء . – الناشر .







3. الثروة والبؤس، الملاكون والعمال في الارياف

إننا نعرف الان ما يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون. انهم يريدون النضال ضد كل الطبقة الغنية لكي ينتشلوا الشعب من لجة البؤس. والواقع، ان البؤس عندنا في الارياف لا يقل عنه في المدن. بل أنه، بالاحرى، اشد؛ واننا لن نتحدث هنا عن درجة الشدة التي بلغها البؤس في الارياف : فكل عامل اقام مدة في الريف، وكل فلاح يعرفان جيدا جدا ما ينطوي عليه البؤس والمجاعة والبرد والخراب في الريف.

ولكن الفلاح يجهل لماذا يعاني البؤس والجوع والخراب، وكيف العمل للخلاص من هذا الفقر. ولكي نعرف ذلك، ينبغي لنا أولا ان ندرك من اين تتأتى جميع الحرمانات وكل البؤس في المدن والارياف. لقد سبق لنا ان تحدثنا بإيجاز في هذا الموضوع ورأينا أنه يترتب على الفلاحين الفقراء والعمال في الارياف ان يتحالفو مع عمال المدن. ولكن ذلك لا يكفي. ينبغي أيضا معرفة من هم في الريف الذين سيسيرون مع الاغنياء، مع الملاكين، ومن هم الذين سيسيرون مع العمال، مع الاشتراكيين-الديموقراطيين.

ينبغي معرفة ما اذا كانوا كثيرين اولئك الفلاحون الذين يعرفون، لا اقل من الملاكين العقاريين، كيف يكدسون الرساميل ويعيشون من عمل الغير. فاذا لم ندرس هذه القضية درسا معمقا، فعبثا جميع التحليلات والمحاكمات عن البؤس، ولن يفهم فلاحو الريف الفقراء من هم في الريف اولئك الذين ينبغى التحالف فيما بينهم ومع عمال المدن، وما ينبغى عمله لكي يكون هذا التحالف وطيدا، لكي لا ينخدع الفلاح بالملاك، وليس هذا وحسب، بل لكي لا ينخدع أيضا بأحد زملائه، الفلاح الغني .

لكي ندرك هذا الأمر، سنبحث الآن فيما هي عليه قوة الملاكين العقاريين في الارياف وما هي عليه قوة الفلاحين الاغنياء .

لنبدأ بالملاكين العقاريين. يمكننا ان نحكم على قوتهم، اولا، بمقدار الاراضي التي يملكونها ملكا خاصا. ففى روسيا الاوروبية، كانوا يقدرون مجمل الاراضي الفلاحية المشاعية والاراضي ذات التملك الخاص، بحوالي 240 مليون ديسياتين * ( الديسياتين 10925 مترا مربعا. المعرب ). ( هذا عدا اراضي الدولة، التي سنعود الى التحدث عنها فيما بعد ). ومن اصل هذه المساحة، 240 مليون ديسياتين، يملك الفلاح، اي اكثر من عشرة ملايين أسرة، 131 مليون ديسياتين من الاراضي المشاعية؛ بينما يملك الملاكون الخصوصيون، اي اقل من نصف مليون اسرة، 109 ملايين ديسياتين. ولذا، اذا اخذنا متوسط هذه الارقام، نرى انه يعود لكل اسرة فلاحية 13 ديسياتينا، ولكل اسرة ملاك خصوصي 218 ديسياتينا! ولكن عدم المساواة في توزيع الاراضي اشد بروزا، كما سنرى فيما بعد .

فمن اصل 109 ملايين ديسياتين يحوزها الملاكون الخصوصيون، سبعة ملايين تخص الاقطاعات الاميرية اي يملكها اعضاء اسرة القيصر. فالقيصر مع اسرته هو الاول بين اسياد الاراضي في روسيا، هو اكبرهم. ان اسرة واحدة تملك من الاراضي اكثر مما تملك نصف مليون اسرة فلاحية! ثم ان الكنيسة والاديرة تملك ما يقرب من ستة ملايين ديسياتين. ان كهنتنا يعظون الفلاحين بالزهد والتجرد، بينما استأثروا، هم بجميع الوسائل الشرعية وغير الشرعية، بمساحات شاسعة من الاراضي .

ثم ان المدن والضياع تملك حوالي مليوني ديسياتين كما ان شتى الجمعيات والشركات التجارية والصناعية تملك المساحة نفسها. وثمة 92 مليون ديسياتين ( وبالأصح 91605845 ديسياتينا، ولكننا سنورد هنا ارقاما مبسطة، لمزيد من التبسيط ) تخص اقل من نصف مليون ( 358 481 ) اسرة من الملاكين الخصوصيين. ونصف هذا العدد من الاسر ملاكون صغار جدا؛ فكل منهم يملك أقل من عشرة ديسياتين. وجميعهم يملكون أقل من مليون ديسياتين. بينما هناك ستة عشر الف اسرة تملك بالاجمال خمسة وستين مليون ديسياتين، وكل من هذه الاسر تملك اكثر من الف ديسياتين .

اما اية مساحات شاسعة من الاراض متجمعة في ايدي كبار الملاكين العقاريين، فاننا لنرى ذلك في كون أقل من الف اسرة بقليل ( 924 ) تملك كل منها اكثر من عشرة آلاف ديسياتين من الاراضي! وهي تملك بالاجمال سبعة وعشرين مليون ديسياتين! ان الف اسرة تملك قدر ما يملك مليونا اسرة فلاحية .

ومفهوم انه لابد للملايين وعشرات الملايين من الناس ان يكونوا فريسة البؤس والجوع، وان يظلوا دائما فريسة البؤس والجوع طالما ان بضعة آلاف من كبار الاثرياء يملكون مثل هذه المساحات الشاسعة من الاراضي. ومفهوم ان سلطة الدولة بدورها، ان الحكومة نفسها ( وان كانت الحكومة القيصرية ) سترقص على مزمار هؤلاء الملاكين الكبار. ومفهوم ان الفلاحين الفقراء لن يأملوا بان تمتد اليهم يد المساعدة من اي مكان ومن اي احد، طالما لم يجمعوا صفوفهم بانفسهم لكي يؤلفوا طبقة واحدة بغية خوض نضال عنيد ضار ضد طبقة الملاكين العقاريين هذه .

ونلاحظ هنا ان في بلادنا كثيرين ( وحتى كثيرين من الناس المتعلمين ) ممن ينادون بوجهة نظر خاطئة تماما فيما يتعلق بقوة طبقة الملاكين العقاريين اذ يقولون ان " الدولة " تملك من الاراضي اكثر منهم بكثير. ان ناصحي الفلاح الاردياء هؤلاء يزعمون قائلين : " ان قسما كبيرا من مساحة روسيا ( اي، كل اراضيها ) اصبح ملك الدولة ". ( هذه الكلمات وردت في صحيفة " روسيا الثورية "، العدد 8، ص 8 ). اما مصدر ضلال هؤلاء القوم، فهو التالي : لقد سمعوا ان ثمة 150 مليون ديسياتين من الاراضي في روسيا الاوروبية هي ملك الدولة. هذا صحيح، بالفعل. ولكنهم ينسون ان هذه الاملاك، 150 مليون ديسياتين، هي كلها تقريبا اراض رديئة وغابات في اقصى الشمال، في مقاطعات ارخنجلسك، وفولوغدا، وأولونيتز، وفياتكا، وبيرم. فتبقى اذن ضمن املاك الدولة اراض كانت حتى الآن غير صالحة اطلاقا للزراعة. وفيما يتعلق بالاراضي الجيدة، فان الدولة تملك منها أقل من اربعة ملايين ديسياتين. وهذه الاراضي الجيدة من املاك الدولة، ( مثلا، في مقاطعة سامارا حيث هي كثيرة جدا ) يستأجرها الاغنياء ببدل بخس، وحتى دون مقابل تقريبا. وهؤلاء الاغنياء يستأجرون من هذه الاراضي الآلاف وعشرات الآلاف من الديسياتينات لكي يؤجروها بدورهم الى الفلاحين ببدلات تزيد ثلاثة اضعاف .

يقينا انهم ناصحون اردياء هؤلاء الذين ينصحون الفلاح قائلين ان املاك الدولة تشتمل على كثير من الاراضي. ولكن الواقع يبين ان الكثير من الاراضي الجيدة هي في ايدي كبار الملاكين الخصوصيين ( ومنهم القيصر ) وان هؤلاء الملاكين الكبار يضعون ايديهم حتى على املاك الدولة. وطالما ان الفلاحين الفقراء لا يتحدون لكي يصبحوا باتحادهم قوة هائلة، فان " الدولة " ستظل ابدا الخادم الذليل لطبقة الملاكين العقاريين. وينبغي ألا يغيب عن البال الامر التالى : فيما مضى، كان النبلاء وحدهم او تقريبا وحدهم ملاكين عقاريين. وما يزال النبلاء يملكون اليوم مساحة كبيرة من الارض ( كان من المقدر ان 115000 من النبلاء يملكون 73 مليون ديسياتين في 1877 – 1878 ). ولكن المال، الرأسمال، هو الذى غدا اليوم القوة الرئيسية. فان التجار والفلاحين الاغنياء قد اشتروا مساحات هائلة من الاراضي. ومن المقدر ان النبلاء قد خسروا ( اي انهم باعوا أكثر مما اشتروا ) من الاراضي ما تزيد قيمته على 600 مليون روبل، وذلك في مدى ثلاثين سنة ( من 1863 الى 1892 ). وقد حصل التجار والمواطنون الممتازون على مساحة من هذه الاراضي تبلغ قيمتها 250 مليون روبل وحصل الفلاحون، والقوزاق، و " سائر السكان الريفيين " ( هكذا تسمي حكومتنا الناس البسطاء، على خلاف " الجمهور النبيل "، " الجمهور الحقيقي " ) على مساحة من هذه الاراضي تبلغ قيمتها 300 مليون روبل. واننا لنرى بالتالي ان فلاحي عموم روسيا يشترون كل سنة، بصورة وسطية، وكملكية خاصة، ما قيمته 10 ملايين روبل من الاراضي يضمونها الى املاكهم .

وهكذا نرى فلاحين من مختلف الفئات : بعضهم يعانى البؤس والمجاعة، والآخرون يغتنون. ولذا يزداد عدد الفلاحين الاغنياء، وهم يميلون نحو الملاكين العقاريين، وسيقفون الى جانب الاغنياء ضد العمال. اما الفلاحون الفقراء الذين يريدون التحالف مع عمال المدن، فعليهم ان يفكروا بالامر مليا، وان يوضحوا مسألة معرفة ما اذا كان هؤلاء الفلاحون الاغنياء كثيري العدد، وما هي قوتهم، واي اتحاد يقتضى لنا لكي نخوض النضال ضد هذه القوة. لقد تحدثنا آنفا عن ناصحي الفلاح الاردياء. ان هؤلاء الناصحين الاردياء يحبون ان يقولوا : لقد شكل الفلاحون اتحادا. وهذا الاتحاد هو ال " ـمير "، المشاعة. و " المير " قوة هامة. فهي تضم الفلاحين بصورة وثيقة، ان منظمة ( اي تجمع، اتحاد ) فلاحي المشاعات هي منظمة جبارة ( اي هائلة، كبيرة جدا ). هذا خطأ. هذه حكاية خرافية. وانها لحكاية رغم ان اناسا طيبين قد تصوروها. واذا ما اخذنا في الاستماع الى الحكايات، فاننا نسئ الى قضيتنا، اي الى تحالف الفلاحين الفقراء مع عمال المدن. ليتطلع كل ساكن في الارياف الى ما حوله بانتباه : فهل ان " المير "، المشاعة الفلاحية، تشبه اتحاد الفلاحين الفقراء من اجل النضال ضد جميع الاغنياء، ضد جميع الذين يعيشون من عمل الغير؟ كلا، انها لا تشبه ولا يمكن لها ان تشبه. في كل قرية، في كل مشاعة، كثيرون من الاجراء الزراعيين، كثيرون من الفلاحين الذين افتقروا؛ وهناك اغنياء يستخدمون عمالا زراعيين ويشترون الارض " الى الابد ". هؤلاء الاغنياء هم أيضا اعضاء في المشاعة، ويسودون فيها كالاسياد، لانهم يشكلون قوة. فهل هذا الاتحاد الذى يشترك فيه الاغنياء ويسودون فيه كالاسياد هو الاتحاد الذى ينبغي لنا؟ كلا، ابدا. ينبغى لنا اتحاد من اجل النضال ضد الاغنياء. ولذا كان الاتحاد المشاعي لا يصلح لنا اطلاقا .

ينبغي لنا اتحاد قائم على حرية القبول، اتحاد من اناس فهموا انه يترتب عليهم التحالف مع عمال المدن؛ في حين ان المشاعة ليست اتحادا قائما على حرية القبول، انما هي اتحاد اداري. فالمشاعة لا تضم اولئك الذين يشتغلون للاغنياء، والذين يريدون ان يناضلوا معا ضد الاغنياء. انما تضم شتى انواع القوم، لا بملء ارادتهم، بل لأن آباءهم عاشوا في هذه الارض، واشتغلوا لهذا الملاك العقاري، لأن السلطات سجلتهم في هذه المشاعة. فالفلاحون الفقراء لا يستطيعون الخروج من المشاعة بحرية؛ ولا يستطيعون ان يقبلوا فيها غريبا فرض عليه البوليس الاقامة في ناحية اخرى. والحال، ان ما ينبغي لاتحادنا، قد يكون ان يقيم هذا الغريب بيننا. كلا، ينبغي لنا اتحاد آخر، اتحاد قائم على حرية القبول، اتحاد لا يضم غير العمال الزراعيين والفلاحين الفقراء، من اجل النضال ضد جميع الذين يعيشون من عمل الغير .

لقد ولت الازمان التي كانت فيها " المير " ( المشاعة ) قوة. ولن تعود هذه الازمان ابدا. لقد كانت " المير " قوة، عندما لم يكن ثمة تقريبا بين الفلاحين اجراء زراعيون ولا عمال يهيمون عبر روسيا سعيا وراء مورد للعيش؛ عندما لم يكن ثمة تقريبا اثرياء كبار وعندما كان الاقطاعي ينيخ بثقله على الجميع دون اي تمييز. اما اليوم، فان المال هو القوة الرئيسية. فالمال هو الذي يدفع اعضاء مشاعة واحدة الى التصارع كالوحوش الكاسرة. والفلاحون الذين يملكون المال ينيخون بثقلهم على اعضاء مشاعتهم وينهبونهم أشد مما كان ينهبهم الملاك العقاري. فما ينبغي لنا الآن، ليس اتحادا مشاعيا، بل اتحادا ضد جبروت المال، ضد سلطة الرأسمال، اتحاد جميع العمال الزراعيين والفلاحين الفقراء من مختلف المشاعات، اتحاد جميع الفلاحين الفقراء مع عمال المدن، بغية النضال ضد الملاكين العقاريين والفلاحين الاغنياء دون اي تمييز .

لقد رأينا آنفا ما هي قوة الملاكين العقاريين. لنر الآن اذا كان الفلاحون الاغنياء كثيرين وما هي قوتهم .

لقد حكمنا على قوة الملاكين العقاريين وفقا لمقدار الارض التى يحوزون. ان الملاكين العقاريين يتصرفون بارضهم كما يطيب لهم، وهم يشترونها ويبيعونها بحرية. ولذا يمكن الحكم بكل دقة على قوتهم وفقا لمساحة الارض التي يحوزون. اما الفلاحون، فلا يحق عندنا حتى الأن التصرف بارضهم بحرية؛ فما يزالون حتى الآن انصاف اقنان، مرتبطين بمشاعاتهم. ولذا لا يمكن الحكم على قوة الفلاحين الاغنياء وفقا لمساحة الارض المشاعية التى يستغلونها.

ان الفلاحين الاغنياء لا يغتنون من حصتهم المشاعية : انهم يشترون مساحات كبيرة من الارض، يشترون الارض اما " الى الابد " ( اي كملكية خاصة )، واما " لسنوات " ( اي يستأجرون الارض )؛ انهم يشترون الارض من الملاكين العقاريين كما يشترونها من اخوتهم الفلاحين الذين يتركون الارض، او الذين يؤجرون ارضهم بدافع العوز. ولذا كان من الاضمن تحديد الفلاحين الاغنياء والفلاحين المتوسطين والفلاحين الفقراء وفقا لعدد الاحصنة التى يملكون. فالفلاح الذى يملك عدة احصنة هو دائما تقريبا فلاح غني؛ واذا كان لديه كثير من مواشي العمل، فذلك يعني ان لديه كثيرا من الاراضي المزروعة وغيرها من الاراضي علاوة على الحصة المشاعية، وان لديه مالا احتياطيا. ثم اننا نستطيع ان نعرف عدد الفلاحين الذين يملك كل منهم عدة احصنة، في عموم روسيا ( روسيا الاوروبية، عدا سيبيريا والقفقاس ). وينبغي، بالطبع، الا ننسى انه، فيما يتعلق بعموم روسيا، لا يمكن التحدث الا بصورة وسطية، اذ ان هناك فرقا بارزا بين هذه الاقضية والمقاطعات وتلك. فغالبا ما نجد، مثلا حول المدن، فلاحين مزارعين اغنياء لا يملكون الكثير من الاحصنة. فالبعض يقوم بزراعة الخضراوات التى تدر عليه ايرادا حسنا؛ والبعض الآخر يملك القليل من الاحصنة، ولكنه يملك الكثير من البقر ويبيع الحليب. وثمة، في كل مكان من روسيا، فلاحون لا يغتنون من الارض، بل من التجارة؛ فهم يقيمون مصانع الزبدة، وقشارات الحبوب؛ وغير ذلك من المصانع. وجميع الذين يسكنون في الارياف يعرفون جيدا جدا الفلاحين الاغنياء في قريتهم أو في ناحيتهم. غير انه ينبغي لنا ان نعرف عدد هؤلاء الفلاحين الاغنياء في عموم روسيا وما هي قوتهم، لكي لا يسير الفلاح الفقير على غير هدى، مغمض العينين، بل لكي يعرف على وجه الضبط من هم اصدقاؤه ومن هم اعداؤه .

لذا سنرى اذا كانوا كثيرين، الفلاحون الاغنياء والفلاحون الفقراء بالاحصنة. لقد سبق لنا ان قلنا ان روسيا، حسب التقديرات، ما يقرب من عشرة ملايين اسرة فلاحية. ومن المحتمل انهم يملكون جميعا ما يقرب من خمسة عشر مليون حصان ( منذ اربع عشرة سنة تقريبا، كان هناك سبعة عشر مليون حصان، والآن يوجد اقل مما مضى ). اذا تملك كل عشر اسر، بصورة وسطية، خمسة عشر حصانا. غير انه تنبغي الملاحظة ان البعض، وهم قلائل، يملكون الكثير من الاحصنة، بينما الآخرون، وهم كثيرين جدا، يملكون القليل من الاحصنة أو لا يملكون . ان الفلاحين الذين لا احصنة عندهم يبلغ عددهم على الاقل ثلاثة ملايين، وثمة ما يقرب من ثلاثة ملايين ونصف مليون فلاح يملك كل منهم حصانا واحدا فقط .

وهؤلاء الفلاحون هم اما فلاحون اصيبوا بالخراب الشامل، واما فلاحون غير مالكين. ونحن نسميهم فلاحين فقراء ويبلغ عددهم ستة ملايين ونصف مليون من اصل عشرة ملايين فلاح، اي انهم يبلغون ما يقرب من الثلثين! ثم يأتى الفلاحون المتوسطون الذين يملك كل منهم زوجا من ماشية العمل. ويبلغ عدد اسر هؤلاء الفلاحين حوالى المليونين وعندهم نحو اربعة ملايين حصان. ثم يأتي الفلاحون الاغنياء الذين يملك كل منهم اكثر من زوج من ماشية العمل .

ويبلغ عدد اسر هؤلاء الفلاحين الاغنياء مليون ونصف مليون، ولكنهم يملكون سبعة ملايين ونصف مليون من الاحصنة * وهذا يعني ان ما يقرب من سدس الاسر الفلاحية يملك نصف مجمل الاحصنة .

واستنادا الى ما ورد اعلاه، نستطيع ان نحكم بما يكفي من الدقة على قوة الفلاحين الاغنياء. فهم ليسو كثيري العدد : ففي مختلف المشاعات، في مختلف النواحي، سنجد عشر اسر او عشرين اسرة من الفلاحين الاغنياء من اصل كل مئة اسرة فلاحية. ولكن هذه الاسر القليلة العدد هي اغنى الاسر. ولهذا تملك في عموم روسيا من الاحصنة ما يقرب من كل ما يملكه جميع الفلاحين الآخرين معا. ينجم بالتالي انهم يملكون ما يقرب من نصف جميع الاراضي المزروعة الفلاحية. ان هؤلاء الفلاحين يحصدون من الحبوب اكثر بكثير مما ينبغي لاسرهم. ويبيعون الكثير من الحبوب. فهم لا يستخدمون الحبوب للتغذية وحسب، بل للبيع أيضا على الاخص، لكسب المال. هؤلاء الفلاحون يستطيعون ان يكدسوا المال. وهم يودعونه في صناديق التوفير أو في المصارف. وهم يشترون الاراضي ملكا لهم. لقد سبق لنا ان تكلمنا عن الاراضي الكثيرة التى يشتريها الفلاحون كل سنة في عموم روسيا؛ فالفلاحون الاغنياء هؤلاء، القليلو العدد، يستأثرون بجميع هذه الاراضي تقريبا. اما الفلاحون الفقراء، فانهم لا يفكرون ابدا بشراء الاراضي، انما يفكرون بباب للرزق. بل المال ينقصهم في غالب الاحيان لشراء الخبز، فكيف لا ينقصهم لشراء الارض. ولذا فان جميع المصارف بوجه عام والمصرف الفلاحي بوجه خاص لا تساعد جميع الفلاحين في الحصول على الارض ( كما يزعم غالبا اولئك الذين يخدعون الفلاح او كما يردد بعض الناس السذج )، بل تساعد عددا ضئيلا من الفلاحين، الفلاحين الاغنياء فقط. ولذا فان ناصحي الفلاح الاردياء، الذن سبق وتحدثنا عنهم، لا يقولون الحقيقة فيما يتعلق بشراء الفلاحين الارض حين يزعمون ان هذه الارض تنتقل من الرأسمال الى العمل. فلا يمكن للارض ان تنتقل ابدا الى العمل، اي الى العامل غير المالك، لأن للارض ثمنا، لأن الارض تتطلب مال. والحال، ان الفقراء لا يملكون ابدا مالا يفيض عنهم. ان الارض لا تنتقل الا الى الفلاحين الاغنياء الذين يملكون المال، الى الرأسمال، الى الذين ضدهم ينبغي ان يناضل الفلاحون الفقراء، بالتحالف مع عمال المدن .

ان الفلاحين الاغنياء لا يشترون فقط الارض الى الابد؛ بل يعمدون أيضا على الاغلب الى استئجار الاراضي لعدة سنوات. وهم، باستئجارهم مساحات شاسعة من الاراضي، انما يحرمون الفلاحين الفقراء منها. ففي قضاء واحد من اقضية مقاطعة بولتافا، مثلا، ( قضاء كونسطانطينوغراد )، تم تحديد مساحة الاراضي التى استأجرها الفلاحون الاغنياء. وماذا كانت النتيجة؟ لقد تبين ان الذين استأجروا مساحة قدرها 30 ديسياتينا واكثر بالنسبة لكل اسرة كانوا قليلي العدد جدا، كانوا يشكلون اسرتين فقط من اصل 15 اسرة. ولكن هؤلاء الاغنياء استأثرو بنصف مجموع الاراضي المستأجرة، وهكذا حصل كل ثري على 75 ديسياتينا من الاراضي المستأجرة، وهكذا حصل كل ثري على 75 ديسياتين من الاراضي المستأجرة! كذلك تم في مقاطعة توريدا تحديد ما استأثروا به الاغنياء من الارض التي استأجرها الفلاحون من املاك الدولة، لحساب المشاعة. فقد تبين ان الاغنياء الذين يشكلون خمس الاسر فقط، قد استأثروا بثلاثة ارباع مجموع الارض المستأجرة. فان اقتسام الارض يجري في كل مكان على اساس المال؛ والحال، ان عددا قليلا جدا من الاغنياء يملكون المال.

لنتابع. ان الفلاحين انفسهم يؤجرون اليوم الكثير من الاراضي.

وهم يتخلون عن الحصص المشاعية، لأنهم لا يملكون ماشية ولا بذارا، ولا اي شيء آخر لاستثمار حصصهم. وبدون مال، لا فائدة من الارض في الزمن الراهن. ففى قضاء نوفووزنسك، من مقاطعة سامارا، مثلا، نرى ان اسرة او حتى اسرتين من كل ثلاث اسر بين الفلاحين الاغنياء تستأجر الاراضي المشاعية في مشاعتها او في المشاعة المجاورة. والفلاحون الذين لا يملكون احصنة أو الذين يملك كل منهم حصانا واحدا هم الذين يطرحون حصصهم للايجار. ففي مقاطعة توريا، ثلث اسر الفلاحين تؤجر حصصها، اي ما يبلغ ربع جميع حصص الفلاحين، او ربع مليون ديسياتين .

ومن ربع المليون هذا، يستأثر الفلاحون الاغنياء بمئة وخمسين الف ديسياتين ( اي ثلاثة اخماس )! هنا أيضا نستطيع ان نرى اذا كانت " المير "، اذا كانت المشاعة توافق الفلاحين الفقراء. ففي المشاعة الفلاحية، القوي هو من يملك المال. والحال، ان ما ينبغى لنا، انما هو تحالف الفلاحين الفقراء من مختلف المشاعات .

وكما يخدعون الفلاح في مسألة شراء الارض، كذلك يخدعونه عندما يقولون له انه يستطيع ان يشتري باسعار زهيدة المحاريث والحاصدات وشتى انواع الادوات المتقنة الاخرى. ويبنون مخازن الزيمستفو ( 5 ) وينظمون ارتيلات ويقولون : ان الادوات المتقنة ستحسن وضع الفلاح. هذا كذب. فان هذه الادوات المتقنة جميعها لا تعود الا للاغنياء بينما لا يتلقى الفلاحون الفقراء اية ادوات او يتلقون منها القليل القليل. وعندهم ما يشغلهم عن التفكير بالمحاريث والحاصدات، هو ألا يموتوا جوعا! ان كل هذه " المساعدة للفلاحين " ليست سوى مساعدة للاثرياء لا غير. اما جمهور سواد الفقراء الذين لا ارض عندهم ولا ماشية، ولا احتياطي، فلا يمكن مساعدتهم بمجرد تخفيض اسعار خيرة الادوات. ففي احد اقضية مقاطعة سامارا، مثلا، جرى تعداد جميع الادوات المتقنة عند الفلاحين الاغنياء والفلاحين الفقراء. وقد تبين ان خمس الاسر اي اكثر الفلاحين يسرا، يملكون ما يقرب من ثلاثة ارباع جميع الادوات المتقنة، بينما لا يملك الفقراء، اي نصف الاسر، سوى جزء من ثلاثين. ان عشرة آلاف اسرة من اصل ثمانية وعشرين الف اسرة في هذا القضاء هي اسر فلاحين لا تملك كل منها اي حصان أو تملك كل منها حصانا واحدا فقط. وهذه الاسر العشرة الآلاف لا تملك كلها سوى سبع ادوات متقنة من اصل 5724 اداة متقنة تملكها جميع اسر الفلاحين في هذا القضاء. سبع ادوات من اصل 5724 اداة، ذلك هو نصيب الفلاحين الفقراء من جميع هذه الاتقانات، من كل هذه التعميمات للمحاريث والحاصدات التى تساعد، كما يزعمون، " سواد الفلاحين "! وهذا ما ينبغي للفلاحين الفقراء ان ينتظروه من الذين يتحدثون عن " تحسين الاقتصاد الفلاحي "! واخيرا، من ميزات الفلاحين الاغنياء الرئيسية، انهم يستأجرون اجراء زراعيين ومياومين. فالفلاحون الاغنياء، شأنهم شأن الملاكين العقاريين، يعيشون من عمل الغير. وهم يغتنون، شأنهم شأن الملاكين العقاريين، لأن جماهير الفلاحين يفتقرون ويحل بهم الخراب .

وهم، شأنهم شأن الملاكين العقاريين، يجهدون لكي يشغلوا اجراءهم اكثر ما يمكن ولكي يدافعوا لهم اقل ما يمكن من الاجور. ولو لم يكن ملايين الفلاحين مصابين بالخراب التام وملزمين بالعمل عند الغير، وبتأجير اذرعهم وبيع قوة عملهم، لما استطاع الفلاحون الاغنياء ان يعيشوا ويستثمروا حصصهم ولما كان بوسعهم الاستئثار بالحصص " المتروكة "، ولا ايجاد عمال. والحال، ان مليونا ونصف مليون من الفلاحين الاغنياء في عموم روسيا يستأجرون بكل تأكيد مليونا على الاقل من الاجراء الزراعيين والمياومين. ومفهوم ان الفلاحين الاغنياء سيقفون الى جانب الملاكين وضد الطبقة العاملة في غمرة النضال الكبير بين طبقة الملاكين وطبقة غير المالكين، بين ارباب العمل والعمال، بين البرجوازية والبروليتاريا .

اننا نعرف الآن وضع الفلاح الغني وقوته. فلنر الآن كيف يعيش الفلاحون الفقراء .

لقد سبق لنا ان قلنا ان الفلاحين الفقراء يشكلون اغلبية ساحقة، اى ما يقرب من ثلثي جميع الاسر الفلاحية في عموم روسيا .

اولا، تعد الاسر التي لا تملك اي حصان ثلاثة ملايين اسرة على الاقل، وقد تعد اكثر من ذلك، ثلاثة ملايين ونصف مليون اسرة في الوقت الحاضر، وكل سنة ماحلة، كل موسم رديء، يخرب عشرات الآلاف من الاستثمارات. وعدد السكان ينمو باستمرار، فيعيشون في ضيق متزايد الشدة، بينما يستأثر الملاكون العقاريون والفلاحون الاغنياء بكل الاراضي الطيبة. وها ان الخراب يحل كل سنة بعدد متزايد ابدا من الناس، فيمضون يعملون في المدينة، في المصنع، ويشتغلون اجراء زراعيين، وفعلة. ان الفلاح الذى لا حصان عنده هو الفلاح الذى لم يبق يملك شيئا. انه بروليتاري. وهو يعيش ( طالما يعيش، أو يتقلب على جمر الحياة كما يستطيع )، لا من الارض، لا من استثماراته الريفية، بل من العمل المأجور. أنه الاخ التوأم لعامل المدينة. وما عساه ان يفعل بالارض الفلاح الذى لا حصان عنده! ان نصف الاسر التي لا احصنة عندها تعرض حصصها للايجار، بل انها تسلم هذه الحصص احيانا الى المشاعة مجانا ( حتى انها تدفع مبلغا ما للتخلص منها! ) لأنها لا تستطيع زراعة الارض. ان الفلاح الذى لا حصان عنده يكاد لا يبذر مساحة قدرها ديسياتين واحد أو اثنان على الاكثر. وهو مكره ابدا على شراء كمية اضافية من الحبوب ( هذا اذا كان لديه المال ) لأن حبوبه لا تكفيه ابدا. اما الفلاحون الذين يملك كل منهم حصانا واحدا – ويبلغ عدد اسرهم ثلاثة ملايين ونصف مليون اسرة تقريبا في عموم روسيا، - فليسو احسن حالا بكثيرا. لا ريب في ان ثمة استثناءات، وقد سبق ان قلنا ان هناك فلاحين في بعض الاماكن يعيشون عيشة وسطية، بل ثمة فلاحون اغنياء يملك كل منهم حصانا واحدا فقط. ولكننا لا نتحدث عن الاستثناءات، ولا عن هذه المحلة أو تلك، انما نتحدث عن عموم روسيا. فاذا نظرنا الى سواد الفلاحين الذين يملك كل منهم حصانا واحدا فقط، رأينا بلا ريب انه سواد من الفلاحين الفقراء ومن المعوزين. فالفلاح الذى يملك حصانا واحدا يبذر، حتى في المقاطعات الزراعية، ما مساحته ثلاثة ديسياتينات او اربعة، ونادرا خمسة. وحبوبه لا تكفيه أيضا. وحتى لو كانت السنة طيبة، لما أكل احسن من الفلاح الذى لا حصان عنده. ولذا فهو يعاني دائما قلة التغذية، يعاني دائما الجوع. واستثماراته في انحطاط، والماشية هزيلة اذ ينقصها العلف، - وليس به قوة للعناية بارضه كما ينبغي. والفلاح الذى يملك حصانا واحدا يستطيع ان ينفق مبلغا لا يزيد على عشرين روبلا بالسنة – في مقاطعة فورونيج، مثلا – على كل استثماراته ( هذا عدا علف الماشية )! ( اما الفلاح الغني، فانه ينفق مبلغا يزيد عشر مرات ). عشرون روبلا بالسنة – لدفع بدل ايجار الارض، وشراء الماشية، واصلاح المحراث الخشبي وغير ذلك من العتاد، ودفع اجرة الراعي، وكل الباقي! فهل يسمى هذا استثمارا؟ فاية ازعاجات، واية اعمال شاقة، واي عذاب دائم! ولذا كان مفهوما جيدا جدا لماذا يقدم عدد من الفلاحين الذين يملك كل منهم حصانا واحدا فقط، بل عدد كبير جدا منهم، على تأجير حصصهم من الارض. فالمعوز، وان كان يملك ارضا، لا يفيد منها شيئا كثيرا. فاذا لم يكن لديه مال، فان الارض لن تعطيه هذا المال، بل انها لن تعطيه ما يعيش منه. بينما ينبغي ابدا المال : للأكل، للباس، للاستثمارة، لدفع الضرائب. ففي مقاطعة فورونيج، نرى ان مجرد الضرائب التي يسددها على العموم الفلاح الذي يملك حصانا واحدا، يبلغ حوالى ثمانية عشر روبلا بالسنة؛ والحال انه لا يكسب ابدا اكثر من 75 روبلا بالسنة، ويترتب عليه مع ذلك ان يجابه جميع النفقات .
وليس الا من قبيل السخرية اذا امكن التحدث هنا عن شراء الارض، وعن العتاد المتقن، وعن المصارف الريفية : فكل هذه الامور لم تخترع من اجل الفلاح الفقير .

ولكن ،اين يجد الفلاح المال في هذه الحال؟ لا بد له من السعي وراء " مورد للرزق ". ان الفلاح الذي يملك حصانا واحدا، شأنه شأن الفلاح الذي لا حصان عنده، لا يستطيع ايجاد اى مخرج له الا بالسعي وراء " مورد للرزق ". وما يعني " مورد للرزق "؟ انه يعني العمل عند الآخرين، القيام بعمل مأجور. وهو يعني ان الفلاح الذى يملك حصانا واحدا لم يبق مالكا الا بصورة نصفية، فقد غدا اجيرا، بروليتاريا. ولهذا يطلق على هؤلاء الفلاحين اسم انصاف البروليتاريين. وهم أيضا الاخوان التوائم لعمال المدن، لأنهم أيضا منهوبون بشتى الطرق من قبل شتى انواع الاسياد. وهم أيضا لا مخرج لهم، ولا وسيلة للخلاص الا بالتحالف مع الاشتراكيين-الديموقراطيين من اجل النضال ضد جميع الاغنياء، ضد جميع الملاكين. فمن يعمل في بناء الخطوط الحديدية؟ من ينهبه المتعهدون؟ من يشتغل في قطع الخشب أو في تعويمه؟ من يعمل اجيرا زراعيا؟ من يشتغل بالمياومة؟ من يقوم بالاعمال الخشنة في المدن وفي المرافئ؟ انهم الفلاحون الفقراء. انهم الفلاحون الذين لا احصنة عندهم أو يملك كل منهم حصانا واحدا. انهم البروليتاريون وانصاف البروليتاريين من الريف. واي جمهور غفير هؤلاء القوم في الارض الروسية! من المقدر ان السلطات تسلم كل سنة في عموم روسيا ( عدا وسيبيريا ) ثمانية واحيانا تسعة ملايين تذكرة هوية، وهؤلاء الحاصلون على تذاكر الهوية انما هم جميعا عمال يشتغلون خارج قراهم ونواحيهم. وهم ليسوا فلاحين الا بالاسم، أما في الواقع، فهم اجراء، عمال. ولذا ينبغي عليهم جميعا ان يشكلوا اتحادا واحدا مع عمال المدن، وكل شعاع من نور ومعرفة يتسرب الى القرية، سيقوي هذا الاتحاد ويوطده .

كذلك لا ينبغي نسيان الامر التالي بصدد " مورد الرزق ". ان جميع الموظفين والذين يفكرون مثلهم يحبون ان يرددوا ان الفلاح، الموجيك، " يحتاج " الى شيئين : اولا، الارض ( فقط مساحة غير كبيرة، - ولكن، من اين يأخذ الفلاح مساحة كبيرة، ما دام الاغنياء قد استأثروا بالارض! )، وثانيا، " مورد الرزق ". ولذا يزعمون انه، في سبيل مساعدة الشعب، ينبغي تنظيم اكثر ما يمكن من الصناعات في الريف، و" تأمين " " مورد للرزق " أوفر. ان مثل هذه الاقاويل رياء برياء. ان " مورد الرزق " للفلاحين الفقراء، انما هو العمل المأجور. ان " تأمين مورد رزق " للفلاح، انما يعني تحويله الى عامل أجير. فيا لها من مساعدة رائعة، لا عيب فيها! اما الفلاحون الاغنياء، فلهم " مورد رزق " آخر، يتطلب الرأسمال، لبناء طاحونة، مثلا، - أو اية مؤسسة اخرى، لشراء دارسة، للتجارة، الخ .. فالخلط بين موارد الرزق هذه لاناس لديهم المال وبين عمل الفقراء المأجور، انما يعنى خداع الفقراء. ان الاغنياء يفيدون، بالطبع، من هذا الكذب. فمن المفيد لهم عرض الامور بصورة توهم الناس ان جميع الفلاحين يستطيعون الحصول على جميع " موارد الرزق " وان الوسائل متوافرة لهم من اجل هذا الغرض. اما الذين يتمنون حقا الخير للفلاحين الفقراء، فانهم يقولون لهم كل الحقيقة وليس غير الحقيقة .

بقي علينا الآن ان نتحدث عن الفلاحين المتوسطين. لقد رأينا آنفا انه يمكننا ان نعتبر بصورة وسطية ان الفلاح المتوسط هو، في عموم روسيا، الفلاح الذي يملك ماشيتي عمل، وان هناك ما يقرب من مليوني اسرة من الفلاحين المتوسطين من اصل عشرة ملايين اسرة فلاحية. ان الفلاح المتوسط هو في الوسط بين الغني والبروليتاري، - ولهذا يسمونه الفلاح المتوسط. وهو يعيش بصورة وسطية : فعندما تكون السنة طيبة، يحصل من استثمارته على ما يكفي، ولكن العوز يتربص به دائما. اذ انه لا يستطيع ان يضع جانبا اي احتياطي، أو انه يضع – منه قليلا جدا. ولهذا كانت استثمارته غير مستقرة. ومن الصعب ان يجد المال : فان استثماراته لا تؤمن له الا نادرا جدا المبلغ الذى يحتاج اليه، واذا ما امنت له مبلغا ما، فلا يتجاوز هذا المبلغ ابدا المبلغ المطلوب .

واذا شاء السعي وراء مورد للرزق، اضطر لترك استثمارته، مما يسبب له الازعاجات والمضايقات. ولكن كثيرين من الفلاحين المتوسطين لا يستطيعون الاستغناء عن مورد للرزق : ولذا يضطرون للعمل اجراء، للاستذلال امام الملاكين العقاريين. للاستدانة. والحال ان الفلاح المتوسط لا يتوصل ابدا تقريبا الى التخلص من الديون : فليست لديه ايرادات ثابته، كما هي حال الفلاح الغني .

فاذا ما تقيد بدين، كان ذلك بمثابة حبل في عنقه. فهو يظل غارقا في ديونه الى ان يصاب بالخراب الشامل. وفي غالب الاحيان، يستسلم الفلاح المتوسط للملاك العقاري الذي يحتاج، لبعض الاعمال المعينة، الى فلاح لم يصب بالخراب، ويملك حصانين وكل العتاد الضروري. ومن الصعب على الفلاح المتوسط ان يشتغل خارج قريته وناحيته، ولذا يستسلم ويخضع للملاك العقاري لكي يحصل على الخبز ، لكي يدفع بدل المرعى، لكي يستأجر الاراضي المنتزعة من الفلاحين ( 6 )، لكي يسدد دينه المالي الذي عقده في الشتاء .

وعدا الملاك العقاري والكولاكي، نرى الجار الغي ينيخ بكلكله على الفلاح المتوسط : فهو ليس بمالك حسن الادارة. ولا بعامل، ان جميع الفلاحين المتوسطين يرغبون في الارتفاع الى مستوى المستثمرين، انهم يريدون ان يصبحوا ملاكين، ولكن قليلين قليلين منهم يبلغون هذا الهدف. وليسوا بكثيرين اولئك الذين يستأجرون عمالا زراعيين او مياومين ويسعون الى استغلال عمل الآخرين، الى الاثراء على حساب الآخرين. والحال ان اغلبية الفلاحين المتوسطين لا يمكنهم ان يستخدموا عمالا آخرين، انما يضطرون هم انفسهم الى الخدمة عند الغير .

وحيثما يحتدم النضال بين الاغنياء والفقراء، بين الملاكين والعمال ، يقف الفلاح المتوسط في الوسط ولا يعرف الى اي جانب يقف. فالاغنياء يجذبونه الى جانبهم قائلين له : ألست مستثمرا، ألست ملاكا، وليس لك ما تفعله بين العمال المعوزين. اما العمال فانهم يقولون له : ان الاغنياء سيخدعونك ويسلبونك، وليس ثم اي خلاص لك الا بمساعدتنا في النضال ضد جميع الاغنياء. ان هذا النزاع حول الفلاح المتوسط يستمر في كل مكان، في جميع البلدان التي يناضل فيها العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون من اجل تحرير الشعب العامل. غير ان هذا النزاع ما يزال في بدايته في روسيا .

ولذا يتعين علينا ان ندرس هذه المسألة عن كثب وان ندرك جيدا باية اكاذيب يجر الاغنياء الفلاح المتوسط، وما ينبغى القيام به من اجل فضح هذه الاكاذيب، من اجل مساعدة الفلاح المتوسط في ايجاد اصدقائه الحقيقيين. فاذا سار العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون الروس في السبيل القويم منذ الخطوة الاولى، استطعنا، بصورة اسرع مما فعل رفاقنا العمال اللألمان، ان نشكل اتحادا مكينا بين الشعب العامل في الارياف وبين عمال المدن، واستطعنا التوصل بسرعة الى الانتصار على جميع اعداء الشغيلة.





4. إلى أي جانب ينبغي أن يقف الفلاح المتوسط؟
إلى جانب الملاكين والأغنياء أم إلى جانب العمال وغير المالكين؟

إن جميع الملاكين، إن كل البرجوازية، يسعون إلى اجتذاب الفلاح المتوسط إلى جانبهم، فهم يعدونه بشتى أنواع التدابير التي تؤول إلى تحسين استثماراته (محاريث زهيدة الأسعار، مصارف ريفية، اتباع طريقة زراعة الحشائش، بيع المواشي والأسمدة بأسعار مخفضة، الخ.) ويشركونه أيضا بشتى أنواع الاتحادات الزراعية (التعاونيات، كما يسمونها في الكتب) وهي اتحادات بين شتى أصناف الملاكين من أجل تحسين الاستثمار. على هذا النحو، تسعى البرجوازية جهدها إلى أن تصرف الفلاح المتوسط وحتى الفلاح الصغير، وحتى نصف البروليتاري، عن الاتحاد مع العمال؛ بل إنها تسعى جهدها إلى تحريضهم على الوقوف إلى جانب الأغنياء، إلى جانب البرجوازية، في نضالها ضد العمال، ضد البروليتاريا. أما العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون، فإنهم يردون على هذه المساعي كما يلي: إن تحسين الاستثمار أمر حسن. فأي ضرر ينجم عن شراء المحاريث بأسعار زهيدة، فالتاجر الفطن يحاول الآن أن يبيع بأسعار زهيدة لكي يجتذب الزبائن. ولكن، عندما يقولون للفلاح الفقير وللفلاح المتوسط أن تحسين الاستثمار وترخيص أسعار المحاريث سيساعدان جميع الفلاحين الصغار والمتوسطين في التخلص من البؤس وفي النهوض من العثرة، دون أي مساس بالأغنياء، فذلك خداع بخداع. فالأغنياء هم أكثر من يربحون من جميع تخفيضات الأسعار ومن جميع هذه التحسينات والتعاونيات (اتحادات بيع وشراء البضائع). وهم يزدادون قوة على الدوام، وينيخون أكثر فأكثر على الدوام بكلكلهم على الفلاحين المتوسطين لن يتخلصوا أبدا من البؤس، مادام الأغنياء أغنياء وما داموا يحوزون القسم الأكبر من الأرض والماشية والعتاد والمال. قد يتمكن فلاح أو فلاحان متوسطان من التسرب إلى صفوف الأغنياء بفضل هذه التحسينات وهذه التعاونيات، ولكن الشعب بأسره وجميع الفلاحين المتوسطين سيغرقون مع ذلك أعمق فأعمق في لجة البؤس. فلكي يصبح جميع الفلاحين المتوسطين أغنياء، ينبغي القضاء على الأغنياء أنفسهم، ولن يتحقق هذا الغرض إلا باتحاد عمال المدن مع الفلاحين الفقراء.

إن البرجوازية تقول للفلاح المتوسط (بل للفلاح الصغير) سنبيعك الأرض والمحاريث بأسعار زهيدة، غير أنه يترتب عليك أن تبيعنا روحك وتتخلى عن النضال ضد جميع الأغنياء.

أما العامل الاشتراكي-الديموقراطي فإنه يقول: إذا كانوا يبيعون فعلا بأسعار زهيدة، فلماذا لا نشترى طالما معنا مال: فتلك مسألة تجارية. أما فيما يتعلق بالروح، فينبغي ألا نبيعها أبدا.

إن التخلي عن النضال بالتحالف مع عمال المدن ضد كل البرجوازية إنما يعني البقاء أبدا فريسة للبؤس والعوز. فالغني يكسب أكثر من ترخيص أسعار البضائع، ويغتني أكثر. ولكن، من ليس عنده أبدا مال، لن يفيده الرخص أبدا طالما لم ينتزع هذا المال من البرجوازية.

إليكم مثلا. إن أنصار البرجوازية يتباهون بتعاونياتهم (اتحاداتهم للشراء بأسعار زهيدة وللبيع بأسعار طيبة). بل ثمة من يزعمون أنهم "ثوريون-اشتراكيون" ويعلنون، على إثر البرجوازية، أن ما ينبغي بخاصة للفلاحين، إنما هي التعاونيات. في روسيا أيضا، بدأ تنظيم التعاونيات. ولكن عددها ما يزال قليلا جدا في بلادنا وسيبقى قليلا جدا طالما لم نظفر بالحرية السياسية. أما في ألمانيا، مثلا، فهناك عدد طائل جدا من شتى أنواع التعاونيات بين الفلاحين. ولكن انظروا من تفيد هذه التعاونيات أكثر من غيرهم. في عموم ألمانيا، 140000 ملاك ريفي منضمون إلى تعاونيات لبيع الحليب ومنتجات الحليب. وهؤلاء الـ 140000 (ونأخذ مرة أخرى أرقاما مبسطة لتبسيط الأمور) يملكون 1100000 بقرة. وفي عموم ألمانيا أربعة ملايين فلاح فقير، 40000 فقط منهم منضمون إلى تعاونيات: ينجم إذا أن فلاحا واحدا من أصل مئة فلاح فقير يفيد من هذه التعاونيات وهؤلاء الفلاحون الفقراء الـ 40000 لا يملكون جميعا سوى 100000 بقرة. ثم إن عدد الملاكين المتوسطين، أي الفلاحين المتوسطين، يبلغ مليونا واحدا، يشترك 50000 منهم في التعاونيات (أي خمسة اشخاص من كل مئة)؛ وهم يملكون 200000 بقرة؛ واخيرا هناك، ثلث مليون مستثمر غني (أي من ملاكين عقاريين وفلاحين أغنياء معا)، يشترك 50000 منهم في التعاونيات (أي سبعة عشر شخصا من كل مئة)؛ وهم يملكون 800000 بقرة!

إلى هؤلاء الاغنياء، اليهم قبل كل شيء وفوق كل شيء، تمد التعاونيات يد المساعدة. هكذا يخدع الموجيك اولئك الذين يزعقون بانقاذ الفلاح المتوسط بوساطة شتى انواع الاتحادات للشراء برخص وللبيع باسعار طيبة. يقينا ان البرجوازية تريد، بقليل من الكلفة، ان "تشترى" الموجيك وتنتزعه من الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين يدعون الفلاحين الفقراء والفلاحين المتوسطين على السواء إلى الوقوف في جانبهم.

كذلك ينشئون عندنا جمعيات لصنع الجبنة ومراكز لجمع الحليب. وعديدون هم عندنا الذين يعلنون: ارتيلات و"ميرات" وجمعيات، هذا ما يحتاج اليه الموجيك. ولكن انظروا من تفيد هذه الارتيلات وهذه الجمعيات، وهذه التأجيرات المشاعية. فمن كل مئة اسرة عندنا، عشرون اسرة على الاقل لا تملك اية منها بقرة؛ وثلاثون اسرة تملك كل منها بقرة واحدة وهذه الاسر تبيع حليبها بدافع الفقر المدقع ولا يبقى ثمة حليب لاطفالها فيتضورون جوعا ويموتون كالذباب. اما الفلاحون الاغنياء، فان كلا منهم يملك ثلاث بقرات أو اربع، أو اكثر، وهم يملكون جميعا نصف جميع البقرات الموجودة في حوزة الفلاحين. فمن تفيد اذا هذه الجمعيات لصنع الجبنة؟ اولا، بالطبع، الملاكين العقاريين والبرجوازية الفلاحية. وبديهي انهم يفيدون اذا ما تبعهم الفلاحون المتوسطون والفلاحون الفقراء، اذا ما اعتبر هؤلاء ان الوسيلة للخلاص من البؤس ليست في نضال جميع العمال ضد مجمل البرجوازية، بل في ميل الملاكين المنفردين الصغار إلى التخلص من وضعهم والارتقاء إلى مستوى الاغنياء.

وهذا الميل يدعمه ويشجعه بجميع الطرق جميع انصار البرجوازية الذين يزعمون انهم اصدقاء الفلاح الصغير وانصاره. وعديدون هم الناس السذج الذين لا يعرفون الذئب المتستر بثوب الحمل ويكررون الكذب البرجوازي، ظانين انهم يفيدون بذلك الفلاح الصغير والفلاح المتوسط. فهم يسعون، مثلا، إلى البرهان في الكتب والخطابات ان الاستثمارة الصغيرة هى الافيد والأربح، وانها في ازدهار؛ ولهذا، كما يزعمون، يوجد في كل مكان هذا العدد الكبير من الملاكين الصغار شديدي التعلق بالارض (لا لأن أجود الاراضي هي في حوزة البرجوازي ولأن كل المال أيضا في حوزتها، بينما يتكدس الفلاحون الفقراء بعضهم فوق بعض، ويكدحون طوال حياتهم على قطع صغيرة من الارض!). ويقول هؤلاء القوم ذوو الخطابات المعسولة : ليس الفلاح الصغير بحاجة إلى كثير من المال؛ فالفلاح الصغير والفلاح المتوسط هما اكثر توفيرا واشد اجتهادا من الفلاح الكبير؛ وكل منهما يعرف كيف يعيش بمزيد من التواضع : فبدلا من ان يشترى كمية اضافية من العلف للماشية، يدبر الامر ببعض القش؛ وبدلا من ان يشترى آلة غالية الثمن، ينهض باكرا، ويكدح مدة اطول ويشتغل جيدا كالآلة؛ وبدلا من ان يعطي المال للآخرين من اجل الاصلاحات، يأخذ بنفسه الفأس يوم العيد ليقطع الخشب وينجر، - الامر الذي يكلف أقل بكثير مما يكلف الفلاح الكبير، وبدلا من ان ينفق على حصان أو على ثور، يدبر الامر ببقرته لكي يحرث الارض؛ فان جميع الفلاحين الفقراء الألمان يحرثون الارض ببقراتهم؛ ثم ان البؤس بلغ حدا عندنا بدأت معه حراثة الارض لا بالبقرات وحسب بل بالبشر أيضا! وما افيد هذا! وما ارخصه! أليس ذلك عملا محمودا ان يكون الفلاح المتوسط والفلاح الفقير على ما هما عليه من الاجتهاد والاندفاع، وانهما يعيشان حياة بسيطة جدا ولا يتلهيان بالترهات ولا يفكران بالاشتراكية، بل باستثمارتيهما فقط! انهما لا يسيران على مثال العمال الذين يشنون الاضطرابات ضد البرجوازية، بل يسيران على مثال الاغنياء؛ وليس لديهما سوى فكرة واحدة، هي ان يكونا من الناس الطيبين! فاذا كان كل امرئ بمثل الاندفاع وهذا الاجتهاد، واذا عاش حياة بسيطة واذا لم يسكر، واذا وفر مبلغا من المال اكثر قليلا، واذا انفق اقل على شراء شتى القطنيات، واذا انجب عددا اقل من الاولاد، حينذاك يعيش جميع الناس في البحبوحة، ولا يبقى ثمة أي بؤس واي حرمان!

تلك هى الخطب المعسولة التي ترددها البرجوازية على مسامع الفلاح المتوسط. ومع ذلك، ثمة سذج يصدقون هذه الخطب ويرددونها! * غير ان جميع هذه الخطب المعسولة ليست في الواقع، الا خداعا للفلاح، الا ازدراء به. ان هؤلاء القوم الذين يلقون الخطب المعسولة يطلقون اسم الاستثمارة المفيدة الرخيصة التكاليف على البؤس، البؤس المدقع الذى يدفع الفلاح المتوسط والفلاح الصغير إلى الشغل من الصباح حتى الليل، والى التوفير من كل لقمة خبز، إلى جرمان النفس من انفاق أي مبلغ زهيد من المال. وبالفعل، هل ثمة ما هو "أرخص"، و"أفيد" من لبس السروال نفسه ثلاث سنوات، من الحفى ايام الصيف، من شد المحراث الخشبي بحبل هزيل، ومن اطعام البقرة القش العفن، المنزوع عن سقف البيت! فلو اعطينا أي برجوازي أو أي فلاح غني هذه الاستثمارة "الرخيصة" و"المفيدة"، لما طال به الامر حتى ينسى خطبه المعسولة!

إن الذين يطرون الاستثمارة الصغيرة يريدون احيانا تقديم خدمة للفلاحين، ولكنهم لا يحملون له، في الواقع، سوى الاذى. ان خطبهم المعسولة تخدع الموجيك كما يخدع اليانصيب الشعب.

سأقول لكم ما هو اليانصيب. عندي، مثلا، بقرة تساوي خمسين روبلا. واريد ان اطرح هذه البقرة باليانصيب فاعرض على جميع الناس بطاقات ثمن كل منها روبل واحد. يمكن للمرء ان يربح البقرة لقاء روبل واحد! ويقع الناس في شباك الاغراء، وتمطر الروبلات علي مدرارا. وحين اجمع مئة روبل، اسحب اليانصيب : فالرابح صاحب الحظ، يأخذ البقرة لقاء روبل واحد، بينما يمضي الآخرون خاسرين. فهل ان هذه البقرة كلفت الشعب "رخيصا"؟ كلا، انها كلفت غاليا جدا، لأن الناس دفعوا ضعفي ثمنها، لأن شخصين (الذي نظم اليانصيب والذي ربح البقرة) قد اغتنيا دون أي جهد على حساب تسعة وتسعين شخصا فقدوا مالهم. ولذا كان الزعم القائل بان اليانصيب يفيد الشعب، مجرد خداع للشعب. كذلك يخدع الفلاح اولئك الذين يعدونه بمعالجة بؤسه وحرماناته بوساطة شتى انواع التعاونيات (جمعيات للبيع باسعار طيبة وللشراء باسعار رخيصة)، وشتى انواع الاتقانات الزراعية، والمصارف، الخ. وكما هو الحال في اليانصيب حيث الرابح واحد فقط، بينما يخسر الآخرون ما دفعوه، كذلك هي الحال هنا: فان فلاحا متوسطا واحدا يدبر اموره ويصبح غنيا، بينما يكدح رفاقه التسعة والتسعون طوال حياتهم دون ان يتخلصوا من البؤس، بل انهم يزدادون خرابا على خراب. ليدرس كل ساكن من سكان الريف الحالة في قريته وكل ناحيته عن قرب قريب : فهل ثمة كثيرون من الفلاحين المتوسطين يصبحون أغنياء وينسون البؤس؟ وكم هو عدد الفلاحين المتوسطين الذين لا يستطيعون التخلص من البؤس طيلة حياتهم؟ وكم هو عدد الذين يحل بهم الخراب ويهجرون قراهم؟ فليس في عموم روسيا، كما رأينا، اكثر من مليوني استثمارة تخص الفلاحين المتوسطين. لنفترض ان عدد شتى الجمعيات للشراء باسعار رخيصة وللبيع باسعار طيبة قد ازداد عشرة اضعاف بالنسبة لما هو عليه في الوقت الراهن. فالام يؤدى ذلك؟ ان 100000 فلاح متوسط، على اكبر تقدير، سيبلغون مستوى الاغنياء. وماذا يعنى هذا؟ انه يعني ان خمسة من كل مئة فلاح متوسط قد اغتنوا. والخمسة والتسعون الباقون؟ ان حياتهم صعبة كما من قبل، بل ان وطأة الحياة تشتد على الكثيرين منهم! اما الفلاحون الفقراء فيشتد خرابهم! وطبيعى ان البرجوازية لا تطلب اكثر من ان يسعى اكبر عدد من الفلاحين المتوسطين والفلاحين الصغار إلى بلوغ مستوى الاغنياء، ومن ان يؤمنوا بامكانية الخلاص من البؤس دون النضال ضد البرجوازية، ومن ان يعتمدوا على اجتهادهم، وكدهم وتقتيرهم، واثرائهم، لا على التحالف مع عمال الارياف والمدن. كما ان البرجوازية تبذل كل جهودها لتغذية هذا الايمان الكاذب وهذا الامل عند الموجيك؛ وهي تسعى لتخديره بخطب معسولة.

لأجل فضح كذب جميع هؤلاء الناس ذوي الكلام المعسول، يكفي ان نطرح عليهم اسئلة ثلاثة.

السؤال الاول. هل يستطيع الشعب العامل ان يتخلص من الحرمانات والبؤس عندما يكون مئة مليون ديسياتين في روسيا من اصل مئتين واربعين مليون ديسياتين من الاراضي الجيدة، ملكا للملاكين الخصوصيين؟ وعندما يحوز ستة عشر الفا من كبار ملاكي الاراضي خمسة وستين مليون ديسياتين من هذه الاراضي الجيدة؟

السؤال الثاني. هل يستطيع الشعب العامل ان يتخلص من الحرمانات والبؤس عندما تكون مليون ونصف مليون اسرة من الفلاحين الاغنياء (من اصل عشرة ملايين اسرة فلاحية) قد استأثرت بنصف جميع الاراضي الفلاحية المزروعة، ونصف جميع الاحصنة الفلاحية ونصف كل المواشي الفلاحية، وبأكثر بكثير من نصف جميع الاحتياطيات والتوفيرات النقدية لدى الفلاحين؟ عندما تزداد هذ البرجوازية الفلاحية ثراء على الدوام، منيخة بثقل على الفلاحين الفقراء والمتوسطين، جامعة الثروة من كدح الآخرين، من كدح الاجراء الزراعيين والمياومين؟ عندما تكون ستة ملايين ونصف مليون اسرة تتألف من فلاحين فقراء حل بهم الخراب وابدا جائعين، ويحصلون على كسرة بائسة من الخبز بالقيام بشتى الاشغال المأجورة؟

السؤال الثالث. هل يستطيع الشعب العامل ان يتخلص من الحرمانات والبؤس عندما يكون المال القوة الرئيسية وعندما يمكن شراء كل شيء بالمال : المصنع، والارض، بل الكائنات البشرية لتحويلها إلى اعمال اجراء، إلى ارقاء مأجورين؟ عندما لا يستطيع المرء دون المال، لا ان يعيش ولا ان يستثمر حصته من الارض؟ عندما يترتب على الملاك الصغير، الفقير، ان يناضل ضد المالك الكبير لكي يحصل على المال؟ عندما يكون عدة آلاف من الملاكين العقاريين، والتجار، والصناعيين، واصحاب المصارف قد استأثروا بمئات الملايين من الروبلات ويتصرفون، فوق ذلك، جميع المصارف التى تتجمع فيها آلاف الملايين من الروبلات؟

انه ليستحيل على المرء ان يتهرب من الاجابة على هذه الاسئلة بخطب معسولة حول فوائد الاستثمارة الصغيرة أو حول فوائد التعاونيات. فليس لهذه الاسئلة سوى جواب واحد، هو "التعاون" الحقيقي، الذي بوسعه انقاذ الشعب العامل، هو التحالف بين الفلاحين الفقراء والعمال الاشتراكيين-الديموقراطيين في المدن من اجل النضال ضد البرجوازية برمتها. وكلما اتسع هذا التحالف ورسخ، كلما ادرك الفلاح المتوسط بمزيد من السرعة كل كذب الوعود البرجوازية، كلما انضم الفلاح المتوسط إلى جانبنا بمزيد من السرعة أيضا.

والبرجوازية تعرف ذلك، ولهذا فهي تلجأ، علاوة على الخطب المعسولة، إلى نشر الأكاذيب عن الاشتراكيين-الديموقراطيين. فهي تزعم ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يريدون ان ينتزعوا ملكية الفلاح المتوسط والفلاح الصغير. هذا كذب. ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يريون ان ينتزعوا فقط ملكية كبار المستثمرين، فقط ملكية الذين يعيشون من عمل الآخرين. ان الاشتراكيين-الديموقراطيين لن ينتزعوا ابدا ملكية الملاكين الصغار والمتوسطين الذين لا يستخدمون عمالا اجراء. ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يدافعون عن مصالح الشعب العامل بأسره ويحافظون عليها، ولا يقصدون بذلك فقط مصالح عمال المدن الذين هم أكثر وعيا واتحادا من الآخرين. بل أيضا مصالح عمال الارياف، وكذلك مصالح الفلاحين وصغار الحرفيين، اذا كانوا لا يستخدمون عمالا ولا يسعون للارتقاء إلى مستوى الاغنياء، وللوقوف إلى جانب البرجوازية. ان الاشتراكيين-الديموقراطيين انما يخوضون النضال لكي يؤمنوا للعمال والفلاحين جميع التحسينات التي يمكن تحقيقها حالا، ما دمنا لم نحطم بعد سيادة البرجوازية، والتي ستسهل هذا النضال ضد البرجوازية. ولكن الاشتراكيين-الديموقراطيين لا يخدعون الفلاح، بل يقولون له كل الحقيقة، انهم يعلنون سلفا وبكل صراحة ان ليس ثمة اية تحسينات بوسعها انتشال الشعب من لجة العوز والبؤس، مادامت سيادة البرجوازية. ولكي يعرف الشعب بأسره من هم الاشتراكيون-الديموقراطيون وماذا يريدون، وضع الاشتراكيون-الديموقراطيون برنامجهم. ان البرنامج هو عبارة عن بيان موجز وواضح ودقيق عن كل ما يريد الحزب بلوغه وعن كل ما يناضل في سبيله. ان الحزب الاشتراكي-الديموقراطي هو الحزب الوحيد الذي صاغ برنامجا واضحا ودقيقا لكي يعرفه الشعب كله ويراه، لكي لا يضم الحزب سوى اناس يرغبون حقا في خوض النضال من اجل تحرير كل الشعب العامل من نير البرجوازية، اناس يدركون تماما من هم الذين يجب عليهم ان يتحدوا في سبيل خوض هذا النضال، وكيف ينبغي خوض هذا النضال. وفوق ذلك، يرى الاشتراكيون-الديموقراطيون انه ينبغي على الحزب ان يوضح في برنامجه، بصورة جلية، وعلنا، وبدقة، مصدر حرمانات الشعب العامل وبؤسه ولماذا يتسع اتحاد العمال ويزداد شدة وقوة. فلا يكفي ان نعلن ان الحياة صعبة وان ندعو إلى التمرد؛ فان أي ثرثار يعرف كيف يفعل ذلك، ولكن دون فائدة كبيرة. ينبغي ان يدرك الشعب العامل كل الادراك سبب تعاسته ومع من ينبغي عليه ان يتحد للنضال في سبيل الخلاص من البؤس.

لقد قلنا ما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون، ومن اين تتأتى حرمانات الشعب العامل وبؤسه، وضد من ينبغي على الفلاحين الفقراء ان يناضلوا ومع من ينبغي عليهم ان يتحدوا في سبيل القيام بهذا النضال. والآن سنبين اية تحسينات في حياة العمال وفي حياة الفلاحين نستطيع ان نظفر بها الآن، بفضل هذا النضال.





5. أية تحسينات يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون تحقيقها من أجل الشعب كله ومن أجل العمال؟

ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يناضلون في سبيل تحرير الشعب العامل بأسره من كل نهب، وكل ظلم، وكل تعسف. ولكي تتحرر الطبقة العاملة، يتعين عليها قبل كل شي ان تتحد. ولهذا الغرض ينبغي ان تتوافر لها حرية التجمع، وحق التجمع، ينبغي ان تتوافر لها الحرية السياسية. لقد سبق ان قلنا ان الحكم الاوتوقراطى انما هو اذلال الشعب من قبل الموظفين والبوليس. فالحرية السياسية ضرورية اذن لكل الشعب، عدا قبضة من حاشية القصر وكبار اصحاب المرتب وكبار ذوي النفوذ الذين يلجون ابواب القصر. ولكن الحرية السياسية ضرورية بوجه خاص للعمال والفلاحين. فالاغنياء يستطيعون انقاذ انفسهم بالمال من تعسف الموظفين والبوليس وطغيانهم. وبوسعهم ان يرتقوا اعلى الدرجات لرفع شكاواهم. ولذا يسمح رجال البوليس والموظفون لانفسهم بمماحكة الاغنياء اقل بكثير جدا من مماحكة الفقراء. وليس لدى العمال والفلاحين ما يرشون به البوليس والموظفين، وليس لهم من يقدمون له شكاواهم، وليس لديهم اية وسيلة للدفاع عن عن انفسهم امام المحاكم. ولن يستطيعوا ابدا التخلص من طغيان البوليس والموظفين وتعسفعهم ونهبهم وسلبهم طالما لا تقوم في الدولة حكومة منتخبة، وجمعية نواب شعبية. وهذه الجمعية هي وحدها التي تستطيع انقاذ الشعب من استذلال الموظفين له. وعلى كل فلاح مدرك ان يقف الى جانب الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين يطالبون الحكومة القيصرية قبل كل شيئ وفوق كل شيء بعقد جمعية شعبية من النواب.

ينبغي على جميع الناس دون تمييز في الفئة الاجتماعية التي اليها ينتسبون، دون تمييز بين الاغنياء والفقراء ان ينتخبوا النواب. ينبغي ان يكون الانتخاب حرا دون اية عقبة من جانب الموظفين، ينبغي ان يعهد بالسهر على سير الانتخابات الى رجال ثقة، لا الى افراد البوليس في القضاء، ولا الى رؤساء الاقضية(7). وفي هذه الحال، يستطيع نواب الشعب بأسره بحث كل حاجات الشعب واقامة نظام أفضل في روسيا.

ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يطالبون بمنع البوليس من سجن اي كان دون محاكمة. ينبغي معاقبة الموظفين بصرامة اذا ما عمدوا الى الاعتقال الكيفي. ان الموظفين يتصرفون كما يطيب لهم، على هواهم، فلأجل وضع حد لتصرفهم هذا، ينبغي العمل بصورة ينتخبهم معها الشعب بنفسه، بصورة يحق معها لأي كان تقديم الشكوى مباشرة الى المحكمة ضد اي كان من الموظفين. والا، فما الفائدة من تقديم الشكوى ضد احد افراد البوليس الريفي الى رئيس القضاء، او ضد رئيس القضاء الى الحاكم؟ غني عن البيان ان رئيس القضاء لن يلقي المسؤولية على رجل البوليس، وان الحاكم لن يلقي المسؤولية بدوره على رئيس القضاء، بل ان الشاكي هو الذي سيتحمل وزر شكواه. فيزجونه بالسجن أو ينفونه الى سيبيريا. ولن يأخذ الخوف اى مأخذ من الموظفين الا عندما يصبح في روسيا (كما في جميع الدول الاخرى) من حق كل فرد تقديم الشكوى الى الجمعية الشعبية، الى المحكمة المنتخبة، وعرض حاجاته بكل حرية، أو نشرها في الصحف.

ان الشعب الروسي يخضع حتى الآن لتبعية ذليلة ازاء الموظفين.

فبدون اذنهم، لا يحق له تنظيم الاجتماعات ولا نشر الكتب او الصحف! أليس في ذلك تبعية ذليلة؟ فاذا كان ممنوعا تنظيم الاجتماعات العلنية ونشر الكتب العلنية، فكيف العمل لكبح جماح الموظفين والاغنياء؟ وبالطبع، يمنع الموظفون كل كتاب حقيقي صادق، كل كلمة حقيقية صادقة عن بؤس الشعب. وهذا الكتاب بالضبط هو الذي يترتب على الحزب الاشتراكي-الديموقراطي طبعه سرا وتوزيعه ونشره سرا؛ وكل من يجدون عنده هذا الكتاب سيساق امام المحاكم والى السجن. ولكن العمال الاشتراكيين-الديموقراطيين لا يخافون المحاكم ولا السجون، وهم يطبعون أكثر فاكثر على الدوام الكتب الحقيقية الصادقة للشعب، ويوزعونها اكثر فأكثر على الدوام.

وليس ثمة سجن ولا قمع بوسعهما ان يضعا حدا للنضال في سبيل حرية الشعب!

ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يطالبون بالغاء امتيازات الفئات الاجتماعية، بمساواة جميع مواطني الدولة مساواة تامة في الحقوق. ففي بلادنا الآن فئات تتحمل الضرائب وفئات اخرى لا تتحملها، في بلادنا مميزون وغير مميزين، وفي بلادنا نبلاء وعامة؛ بل ما يزال عقاب الجلد معمولا به ويطبق على عامة الشعب. وليس ثمة في اي بلد من البلدان قوانين مختلفة لمختلف الفئات، الا في روسيا. لقد حان للشعب الروسي ان يطالب بان يكون للموجيك جميع حقوق النبيل نفسها. أليس من العار ان يظل معمولا بعقاب الجلد بعد مضي اربعين سنة ونيف على الغاء القنانة وان يكون هناك فئة خاصة تخضع وحدها للضريبة؟

ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يطالبون بمنح الشعب الحرية التامة في التنقل وفي اختيار المهن والصنع. وماذا تعنى حرية التنقل؟

انها تعنى ان يكون الفلاح حرا في الذهاب الى حيث يشاء، والاقامة حيث يطيب له، واختيار اية قرية من القرى أو اية مدينة من المدن، دون ان يطلب الاذن من اي كان. انها تعني إلغاء جوازات السفر في روسيا أيضا (فقد الغيت منذ زمن بعيد في البلدان الاخرى)؛ ينبغي الا يكون لأي فرد من افراد البوليس الريفي او لأي رئيس من رؤساء الاقضية الحق بمنع اي فلاح كان من السكن والشغل حيث يطيب له.

ان الموجيك الروسي ما يزال خاضعا للموظفين الى حد انه لا يستطيع المضي الى المدينة والاقامة فيها ولا الانتقال الى ارض اخرى والاقامة فيها بحرية. والوزير يأمر حكام المقاطعات بمنع الهجرات غير المسموح بها! فالحاكم يعرف احسن من الموجيك الى اين ينبغي ان يمضي الموجيك! فليس الموجيك سوى طفل صغير، ممنوع عليه ان يخطو اية خطوة دون موافقة ولاة الشأن! أليس هذا تبعية ذليلة؟ ألا يعني هذا الهزء من الشعب، عندما يكون لأي نبيل صغير مفلس حق التأمر بالمزارعين الراشدين؟

هناك كتاب اسمه "الموسم الرديء والكارثة الشعبية" (المجاعة)، كتبه "وزير الزراعة" الحالي، السيد ييرمولوف. وقد جاء فيه بوضوح ما يلي: ينبغي الا ينتقل الموجيك من مكانه الى مكان آخر حين يكون السادة الملاكون العقاريون بحاجة الى الايدي العاملة. ان الوزير يتكلم بصراحة، وعلنا، ودون حياء، وهو يظن ان الموجيك لن يسمع اقواله هذه، وانه لن يفهمها. لماذا نسمح للجميع بالنزوح عن قراهم حين يكون السادة الملاكون بحاجة الى الايدي العاملة الرخيصة؟ وكلما اشتد ضيق الشعب، كان ذلك في مصلحة الملاكين العقاريين، وكلما تفاقم البؤس، اضطر الفلاحون الى العمل باجور ارخص وتحملوا شتى ألوان الظلم بمزيد من الخضوع. فيما مضى كان الوكلاء هم الذين يسهرون على مصلحة السيد؛ اما الآن ، فهم رؤساء الاقضية والحكام. فيما مضى، كان الوكلاء هم الذين يقررون تطبيق الجلد بالسوط في الاسطبل، اما الآن فهم رؤساء الاقضية الذين يأمرون بالجلد بالسوط في مكتب الناحية.

ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يطالبون بالغاء الجيش الدائم، والاستعاضة عنه بنظام الميليشيا الشعبية، لكي يكون الشعب كله مسلحا.

ان الجيش الدائم انما هو جيش منفصل عن الشعب، يعدونه لاطلاق النار على الشعب. فاذا كانوا لا يحشرون الجندي سنوات في الثكنة واذا كانوا لا يدربونه بصورة غير انسانية، فهل كان بوسع الجندي ان يطلق الرصاص على اخوانه، على العمال والفلاحين؟ وهل كان بوسع الجندي ان يمشي ضد الفلاحين الجياع؟ لأجل الدفاع عن الدولة ضد هجمات العدو، ليس هناك ابدا حاجة لجيش دائم؛ فالميليشيا الشعبية وحدها تكفي. فاذا كان كل مواطن من مواطني الدولة مسلحا، فليس لروسيا ان تخشى اي عدو من الاعداء، كذلك يتخلص الشعب من نير العسكرية : فالدولة تنفق على الجيش مئات الملايين من الروبلات كل سنة، وهذا المال انما تقتطعه من الشعب، ولذا بلغت الضرائب هذا الحد من الفداحة، وتفاقمت مصاعب الحياة يوما بعد يوم. ان العسكرية تقوي أيضا من سلطة الموظفين والبوليس على الشعب وهي وسيلة لنهب الشعوب الاخرى، هي وسيلة، مثلا، لانتزاع الارض من الصينيين. وحياة الشعب لا تصبح أسهل مما هي عليه بسبب العسكرية، بل تزداد صعوبة من جراء الضرائب الجديدة التي تتطلبها العسكرية. ان استبدال تسليح الشعب كله بالجيش الدائم من شأنه ان يسهل حياة جميع العمال وجميع الفلاحين الى حد كبير جدا.

كذلك من شأن الغاء الضرائب غير المباشر الذى يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون تحقيقه، ان يسهل حياة العمال والفلاحين الى حد كبير جدا. ان الضرائب غير المباشرة هي الضرائب التي لا تستوفى مباشرة على الارض أو على الاستثمارة الريفية؛ انما يؤديها الشعب بصورة غير مباشرة عن طريق رفع اسعار البضائع. فان الدولة تفرض الضرائب على السكر، والفودكا، والكاز، والكبريت، وجميع سلع الاستهلاك الاخرى، وهذه الضرائب يدفعها التاجر أو الصناعي للدولة، لا من ماله الشخصي، طبعا، بل من المال الذي يدفعه له الشارون. ولذا يزداد سعر الفودكا، والسكر، والكاز، والكبريت، وكل من يشتري زجاجة فودكا أو رطلا من السكر لا يدفع فقط ثمن البضاعة، بل يدفع أيضا الضرائب المترتبة عليها. مثلا، اذا دفعت، لنقل، اربعة عشر كوبيكا ثمنا لرطل من السكر، فان اربعة كوبيكات منها (تقريبا) تذهب الى الخزينة ضريبة؛ لقد سبق لصاحب مصنع السكر ان دفع هذه الضريبة الى الخزين وها هو الآن يقتطع من كل شار هذا المبلغ الذى دفعه. وهكذا فان الضرائب غير المباشرة هي الضرائب التي تستوفى من ثمن حاجيات الاستهلاك والتي يدفعها الشاري عن طريق زيادة سعر البضاعة. يقال احيانا ان الضرائب غير المباشرة هي أعدل الضرائب. فالشاري يدفع حسب الكمية التي يشتريها. ولكن ذلك كذب. فالضرائب غير المباشرة هي اقل الضرائب عدلا، لأن الفقراء يتضايقون اكثر من الاغنياء عند دفعه. فان دخل الغني هو ارفع من دخل الفلاح او العامل بعشرة اضعاف، هذا اذا لم يكن ارفع منه بمئة ضعف. ولكن هل ان الغني يستهلك من السكر مئة ضعف ما يستهلكه العامل والفلاح؟ ومن الفودكا أو الكبريت، عشرة اضعاف؟ او من الكاز؟ كلا، طبعا. ان اسرة غنية تشتري من الكاز والفودكا والسكر ضعفي ما تشتريه اسرة فقيرة، او ثلاثة اضعاف على الاكثر. وهذا يعني ان الغني يدفع من دخله ضريبة للدولة نصيبا أقل من النصيب الذي يدفعه الفقير من دخله ضريبة للدولة. ولنفترض ان دخل الفلاح الفقير مائتي روبل بالسنة؛ ولنفترض انه يشتري بستين روبلا كمية من البضائع التي تخضع للضريبة والتي يزداد سعرها من جراء ذلك (فالسكر والكبريت والكاز تخضع لضريبة تسمى رسم الانتاج اي ان المنتج يدفع الضريبة قبل بيع البضاعة في السوق؛ اما الفودكا التي تنتجها ادارة حصر المشروبات، فان الدولة نفسها ترفع اسعارها، وفيما يتعلق بالقطنيات والحديد وسائر البضائع ، فان اسعارها تزداد، لأن البضائع الرخيصة المستوردة من الخارج لا تستطيع الدخول الى روسيا دون دفع رسوم عالية). فمن اصل هذه الروبلات الستين، عشرون روبلا تشكل الضريبة ولذا يدفع الفقير عشرة كوبيكات من كل روبل من دخله بشكل ضرائب غير مباشرة؛ (هذا عدا الضرائب المباشرة، وتعويضات شراء الارض، والاتاوات النقدية، والضرائب الزراعية للزيمستفو، والناحية والمشاعية). اما الفلاح الغني، فان دخله يبلغ الف روبل، وهو يشتري بمئة وخمسين روبلا كمية من البضائع التي تخضع للضريبة. فيدفع خمسين روبلا كضريبة (من اصل هذه الروبلات المائة والخمسين). ولذا لا يدفع الغني ضريبة غير مباشرة من كل روبل من دخله سوى خمسة كوبيكات. وكلما ازداد غناه، قل ما يدفعه من دخله ضريبة غير مباشرة. ولذا كانت الضرائب غير المباشرة اقل الضرائب عدلا. فان الضرائب غير المباشرة هي الضرائب التي تصيب الفقراء. والفلاحون والعمال يشكلون معا تسعة اعشار مجموع السكان، وهم يدفعون تسعة اعشار أو ثمانية اعشار الضرائب غير المباشرة كلها. بينما لا يحصل الفلاحون والعمال، بلا ريب، على اكثر من اربعة اعشار مجمل الدخل في البلاد! ولهذا يطالب الاشتراكيون-الديموقراطيون بالغاء الضرائب غير المباشرة وبفرض ضريبة تصاعدية على الدخل والارث. وهذا يعني انه ينبغي ان تزداد الضريبة بقدر ما يزداد الدخل. فمن بلغ دخله الف روبل، ترتب عليه ان يدفع كوبيكا واحدا عن كل روبل؛ ومن بلغ دخله الفي روبل ترتب عليه ان يدفع كوبيكين، الخ. أما الايرادات الصغيرة (التي لا تتجاوز، مثلا، مبلغ اربعمائة روبل)، فلا ينبغي ان تدفع اية ضريبة. واما كبار الاغنياء فيترتب عليهم ان يدفعوا ضرائب باهظة. ان هذه الضريبة المسماة ضريبة الدخل أو بالاصح، الضريبة التصاعدية على الدخل، هي اعدل بكثير من الضرائب غير المباشرة. ولهذا يسعى الاشتراكيون-الديموقراطيون الى الغاء الضرائب غير المباشرة والى فرض ضريبة تصاعدية على الدخل. بيد انه غني عن البيان ان جميع الملاكين، كل البرجوازية، لا يريدون ذلك ويعارضونه. ان التحالف الوطيد بين الفلاحين الفقراء وعمال المدن هو وحده الذي يستطيع ان ينتزع هذا التحسين من البرجوازية.

واخيرا، ثمة تحسين على درجة بالغة من الاهمية بالنسبة لمجمل الشعب، ولا سيما بالنسبة لفقراء الريف، هو التعليم المجاني للاطفال، وهو ما يطالب به الاشتراكيون-الديموقراطيون. ففي الوقت الحاضر، يوجد في الريف عدد من المدارس اقل بكثير من عددها في المدن، هذا مع العلم ان الطبقات الغنية، ان البرجوازية وحدها، هي التي تتوافر لها في كل مكان امكانية تأمين تعليم جيد لابنائها. فقط التعليم المجاني الالزامي لجميع الاطفال سيحرر الشعب وان جزئيا من الجهل الحالي.

والحال، ان الفلاحين الفقراء يعانون بخاصة وطأة هذا الجهل، وهم بحاجة ماسة الى التعليم. بيد انه يقتضي لنا، بالطبع، تعليم حقيقي حر، لا التعليم الذى يريده الموظفون والكهنة.

ثم ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يطلبون لكل انسان الحق المطلق بان يعتنق بكل حرية الدين الذي يريده. فقط روسيا وتركيا، بين الدول الاوروبية، احتفظتا بالقوانين المخزية ضد الذين هم من دين آخر، غير الارثوذكسى، ضد المنشقين، واصحاب الملل الخاصة، واليهود. فان هذه القوانين تمنع صراحة هذا الدين أو ذاك، أو تمنع نشره، أو انها تحرم من بعض الحقوق الناس الذين ينتسبون الى هذا الدين او ذاك. ان جميع هذه القوانين هي اشد القوانين ظلما وتعنتا وخزيا. ينبغي ان يكون لكل امرىء الحرية التامة باعتناق الدين الذى يريد، كما ينبغي ان يكون له أيضا الحرية التامة بنشره أو باعتناق دين آخر. وما من موظف ينبغي ان يكون له الحق سؤال اي كان من الناس عن الدين الذي يعتنق. فتلك مسألة ضمير لا يحق لأي احد ان يتدخل فيها. ينبغي الا يكون هناك اي دين "سائد" او اية كنيسة "سائدة". بل ينبغي ان تكون جميع الاديان وجميع الكنائس متساوية امام القانون. وينبغي ألا يعيش رجال الدين من جميع الطوائف إلا على حساب الذين ينتمون الى طوائفهم، ولا ينبغي للدولة ان تمول، بالاموال العامة، اي دين أو اي رجل دين، سواء أكان ارثوذكسيا، أم منشقا، أم من ملة خاصة، أم غير ذلك. وفي سبيل هذا يناضل الاشتراكيون-الديموقراطيون، وطالما لا يصار الى تطبيق هذه التدابير دون اي تحفظ ودون اي تهرب، فان الشعب لن يكون في مأمن من الاضطهادات البوليسية المخزية بسبب الدين، ولا من الحسنات والتبرعات البوليسية، المخزية أيضا، لأهل هذا الدين او ذاك.

* * *

لقد بحثنا في التحسينات التى يسعى الاشتراكيون-الديموقراطيون الى تحقيقها لما فيه خير الشعب كله، ولا سيما الفلاحون الفقراء.

لنر الآن اية تحسينات يجهدون لتحقيقها من اجل العمال، لا عمال المصانع والمدن وحسب، بل عمال الارياف أيضا. ان عمال المصانع والمعامل يعيشون في ضيق أشد، مكدسين بعضهم فوق بعض بصورة أشد، وهم يشتغلون في مشاغل كبيرة؛ ولذا كان من الأسهل عليهم الافادة من العون الذي يسديه اليهم الاشتراكيون-الديموقراطيون المثقفون. لجميع هذه الاسباب، بدأ عمال المدن، قبل غيرهم بكثير، النضال ضد ارباب العمل، وحصلوا على تحسينات اهم بكثير. بل حصلوا على سن قوانين عمالية. ولكن الاشتراكيين-الديموقراطيين يناضلون في سبيل تحقيق التحسينات نفسها لجميع العمال: الحرفيين الصغار الذين يشتغلون في بيوتهم لحساب ارباب العمل، في المدن كما في القرى، والعمال الاجراء الذين يشتغلون عند صغار الحرفيين والصناع، وعمال البناء (النجارين، والبنائين، الخ.)، وعمال الغابات والفعلة، والعمال الزراعيين على حد سواء. ان جميع هؤلاء العمال بدأوا يتحدون منذ الآن في عموم روسيا، على اثر عمال المصنع وبمساعدتهم، وهم يتحدون للنضال من اجل شروط حياة افضل، من اجل يوم عمل اقصر، من اجل اجر ارفع. ان الحزب الاشتراكي-الديموقراطي يأخذ على نفسه مهمة مساندة جميع العمال في نضالهم من اجل حياة افضل، ومساعدتهم في تنظيم (حشد) اشد العمال ثقة وحزما في اتحادات قوية، واعانتهم عن طريق توزيع الكتب والمناشير بينهم وارسال العمال المجربين الى العمال غير المجربين، ومساعدتهم، بوجه عام، بجميع الوسائل الممكنة، وعندما نظفر بالحرية السياسية، سيكون لنا أيضا في جمعية النواب الشعبية، رجال لنا، سيكون لنا نواب عمال، اشتراكيون-ديموقراطيون يعمدون، مثل رفاقهم في البلدان الاخرى، الى المطالبة بسن قوانين في صالح العمال.

لن نعدد هنا جميع التحسينات التي يريد الحزب الاشتراكي-الديموقراطي تحقيقها في صالح العمال: فهذه التحسينات معروضة في البرنامج، ومشروحه بصورة مفصلة جدا في كراس "قضية العمال في روسيا". نكتفي الآن بذكر التحسينات الرئيسية. ينبغي ألا يتجاوز يوم العمل ثماني ساعات في اليوم. ينبغي دائما تكريس يوم واحد في الاسبوع للراحة. ينبغي منع ساعات العمل الاضافي منعا تاما، وكذلك العمل الليلي. ينبغي ان يكون تعليم الاولاد مجانيا حتى السادسة عشرة من العمر. ولذا ينبغي عدم تشغيل الذين لم يبلغوا هذه السن كعمال اجراء. ينبغي عدم تشغيل النساء في الاشغال التي تضر بصحتهن. ينبغي على رب العمل ان يدفع تعويضا للعمال الذين يصابون بطوارئ العمل اثناء العمل، مثلا، الطوارئ التي تحدث للذين يشتغلون على الدراسات، على المذاري الخ. ينبغي دفع الاجور لجميع العمال الاجراء ودفعها دائما مرة في الاسبوع، لا مرة واحدة كل شهرين أو ثلاثة اشهر، كما يحدث غالبا للذين يقومون باشغال الحقول. فالعمال يهمهم كثيرا ان يقبضوا اجرتهم بانتظام، مرة في الاسبوع، ونقدا فقط، لا بضاعة. فارباب العمل يحبون كثيرا ان يفرضوا على العمال، على حساب اجورهم، شتى انواع السلع الرديئة التي تزيد اسعارها ثلاثة اضعاف، فلأجل وضع حد لهذه الفضيحة، ينبغي اطلاقا ان يمنع القانون دفع اجور العمال عينا. ثم انه ينبغى ان يتقاضى العمال المسنون راتبا تقاعديا من الدولة. فان العمال يعيلون بعملهم كل الطبقات الغنية والدولة برمتها : ولذا كان حقهم في الراتب التقاعدي لا يقل عن حق الموظفين الذين يفيدون من هذا الراتب. ولكي لا يعمد ارباب العمل الى استغلال وضعهم وبمخالفة الانظمة المقررة لصالح العمال، ينبغي تعيين مفتشين، لا للاشراف على المصانع وحسب، بل للاشراف أيضا على الاستثمارات العقارية الكبيرة، وللاشراف بوجه عام على جميع المشروعات التي تستخدم عمال اجراء. غير انه ينبغي ألا يكون هؤلاء المفتشون موظفين، يعينهم الوزراء او الحكام والا يكونوا في خدمة البوليس. انما ينبغي ان يكون المفتشون عمالا منتخبين، وينبغي على الدولة ان تدفع اجرا للذين يثق بهم العمال ويختارونهم بكل حرية. وينبغي على هؤلاء النواب العمال ان يحرصوا أيضا على ان تكون مساكن العمال حسنة الترتيب، وعلى ألا يعمد ارباب العمل الى اسكان العمال في اكواخ تشبه زرائب الكلاب أو في اكواخ ترابية (كما يحدث غالبا في اثناء اشغال الحقول)، وعلى ان يصار الى التقيد بنظام راحة العمل، الخ .. ولكنه ينبغي عدم النسيان انه لن تكون ثمة اية جدوى من النواب الذين ينتخبهم العمال ما دامت الحرية السياسية غير متوافرة وما دام البوليس كلي الجبروت وغير مسؤول امام الشعب. ان جميع الناس يعرفون ان البوليس يعتقل الآن النواب العمال دون اية محاكمة، بل يعتقل أيضا كل عامل يجرؤ على التحدث باسم الجميع، وعلى فضح انتهاك القانون، وعلى دعوة العمال الى الاتحاد. ولكن النواب العمال سيؤدون خدمة جلى عندما تتوافر لنا الحرية السياسية.

ينبغي منع جميع اصحاب العمل (من صناعيين، وملاكين عقاريين، ومتعهدي اشغال، وفلاحين اغنياء) منعا مطلقا عن اجراء اية حسومات على هواهم من اجور العمال، كاجراء حسومات لسبب سوء الصنعة وحسومات بشكل غرامات، الخ. فعندما يعمد ارباب العمل، على هواهم، الى اجراء حسومات من اجور العمال، فانهم يخالفون القانون، ويرتكبون عملا تعسفيا. ينبغي عدم السماح لرب العمل بتخفيض اجور العمال، باية حجة كانت، ولا باي حسم كان. ينبغي ألا يكون رب العمل قاضيا أيضا. ويا له من قاض ممتاز هذا الذي يضع في جيبه الحسومات من اجرة العامل!)، انما ينبغي الرجوع الى محكمة حقيقية، وهذه المحكمة ينبغي اختيار اعضائها من بين العمال وارباب العمل على قدم المساواة. فقط مثل هذه المحاكم تستطيع ان تحكم، بانصاف، بجميع دواعي استياء ارباب العمل من العمال وبجميع دواعي استياء العمال من ارباب العمل.

تلك هي التحسينات التي يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون ان يصار الى تحقيقها في صالح الطبقة العاملة بأسرها. ففي كل استثمارة عقارية، في استثمارة كبيرة، وعند كل متعهد، ينبغي على العمال ان يدرسوا معا، ومع اهل الثقة، اية تحسينات ينبغي النضال من اجلها، واية مطالب ينبغي تقديمها (ان مطالب العمال لن تكون، بالطبع، متماثلة في مختلف المصانع وفي مختلف الاستثمارات العقارية الكبيرة، وعند مختلف المتعهدين).

ان اللجان الاشتراكية-الديموقراطية تساعد عمال روسيا كلها على صياغة مطالبهم بصورة واضحة دقيقة، على اصدار المناشير المطبوعة التي تعرض هذه المطالب، لكي يطلع عليها جميع العمال، وارباب العمل، وولاة الشأن. وعندما يكافح العمال معا، كرجل واحد، في سبيل مطالبهم، فان ارباب العمل يضطرون للتراجع وللقبول بمطالب العمال، بهذه الوسيلة حصل عمال المدن على العديد من التحسينات. وها ان الحرفيين الصغار، وشتى اصحاب المهن اليدوية، والعمال الزراعيين، اخذوا يتحدون الآن (ينتظمون) ويناضلون في سبيل مطالبهم. وما دمنا لا نتمتع بالحرية السياسية، فاننا نناضل في السر، متسترين عن البوليس الذي يمنع المناشير والجمعيات العمالية، على انواعها. ولكن، عندما نظفر بالحرية السياسية، فاننا سنواصل هذا النضال على نطاق أوسع وعلنا، امام رؤوس الاشهاد، لكي يتحد الشعب العامل كله في عموم روسيا ويدافع عن نفسه بمزيد من التضامن ضد الظلم. وكلما ازداد عدد العمال في صفوف حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي، تعاظمت قوتهم وتوصلوا بمزيد من السرعة الى تحرير الطبقة العاملة تحريرا تاما من كل ظلم، من كل عمل مأجور، من كل عمل في صالح البرجوازية.

* * *

لقد قلنا ان حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي يعمل في سبيل تحقيق تحسينات، لا للعمال وحسب، بل لجميع الفلاحين أيضا. لنر الآن ما هي التحسينات التى يجهد للحصول عليها من اجل جميع الفلاحين.




6. أية تحسينات يجهد الاشتراكيون-الديموقراطيون للحصول عليها من أجل جميع الفلاحين؟

من أجل تحرير جميع الشغيلة تحريرا تاما، ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يعمدوا، بالتحالف مع عمال المدن، إلى خوض النضال ضد البرجوازية برمتها، بمن فيها الفلاحون الأغنياء. إن الفلاحين الأغنياء يرغبون في أن يدفعوا لأجرائهم أقل ويجبروهم على العمل مدة أطول وبصورة أشق. بينما يجهد عمال المدن والأرياف لكي يحصل الأجراء الذين يشتغلون عند الفلاحين الأغنياء على أجرة أحسن ولكي يكون عملهم أقل ضنى، ولكي يحصلوا على الراحة. ولذا ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يؤلفوا جمعيات خاصة بهم، لا يشترك فيها الفلاحون الأغنياء، – وقد سبق أن تحدثنا بهذا الصدد. ولن نكف عن ترديد أقوالنا.

ولكن الفلاحين، جميع الفلاحين، الأغنياء منهم والفقراء، ما يزالون في روسيا أقنانا من نواح عديدة كما في الماضي: فهم يشكلون الفئة الدنيا، السوداء، الفئة التي تحمل الضرائب. إنهم كلهم خاضعون لموظفي البوليس ولرؤساء الأقضية الريفية، وكلهم يشتغلون في معظم الأحيان، كما في الماضي، لحساب السيد الملاك العقاري لقاء حق استثمار الأراضي، لحساب السيد الملاك العقاري لقاء حق استثمار الأراضي المنتزعة سابقا من الفلاحين، لقاء مسقى الماشية، لقاء مرعى الماشية، لقاء المرج، تماما كما كانوا يشتغلون للسيد الاقطاعي في عهد القنانة. إن جميع الفلاحين يريدون التحرر من هذا الاستعباد الجديد، جميعهم يريدون التمتع بجميع الحقوق، جميعهم يكرهون الملاكين العقاريين الذين يجبرونهم حتى الآن على القيام بأعمال السخرة، على العمل في صالح السادة النبلاء لقاء الأرض، ومرعى الماشية، ومسقى الماشية، والمرج، لقاء "الأضرار" التى تسببها الماشية، والذين يجبرونهم حتى الآن على إرسال نسائهم يحصدون "بدون أي أجر". إن الفلاحين الفقراء يعانون من واجبات العمل هذه أكثر مما يعني الفلاحون الأغنياء. فإن الفلاحين الأغنياء يدفعون الأموال أحيانا لإنقاذ أنفسهم من هذا العمل المترتب للأسياد الملاكين العقاريين، ولكن الملاكين العقاريين يضطهدون الفلاحين الأغنياء أيضا في معظم الاحيان اضطهادا شديدا. ولذا ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يناضلوا، بالتحالف مع الفلاحين الأغنياء، ضد استعباد الملاكين العقاريين، ضد جميع أعمال السخرة، ضد جميع واجبات العمل. إننا لن نتحرر من كل العبودية، من كل البؤس، إلا حين نتغلب على كل البرجوازية (بمن فيها الفلاحون الأغنياء). ولكن ثمة عبودية سنتخلص منها قبل غيرها، لأن الفلاح الغني لا يغتبط بها أيضا. ما يزال في روسيا حتى اليوم كثير من الأماكن والنواحي ما يزال فيها جميع الفلاحين في الغالب كالأقنان تماما. ولذا ينبغي على جميع العمال الروس وعلى جميع الفلاحين الفقراء خوض النضال من جهتين: من جهة، ضد جميع البرجوازيين بالتحالف مع جميع العمال؛ ومن جهة أخرى، ضد الموظفين في الأرياف، ضد الملاكين الاقطاعين، بالتحالف مع جميع الفلاحين. وإذا لم يشكل الفلاحون الفقراء إتحادا خاصا لا يشترك فيه الفلاحون الأغنياء، فإن الفلاحين الأغنياء سيخدعون الفلاحين الفقراء، ويواربون، ويتحولون إلى ملاكين عقاريين، ولن يكتفوا بإبقاء الفلاحين الفقراء معدمين تماما وحسب، بل سيرفضون أيضا منحهم حرية الاتحاد. وإذا لم يعمد الفلاحون الفقراء إلى النضال بالتحالف مع الفلاحين الأغنياء ضد العبودية الاقطاعية، فإنهم سيظلون مكتوفي الأيدي مربوطين بمكان واحد، ولن يحصلوا أيضا على الحرية التامة بالاتحاد مع عمال المدن.

ينبغي على الفلاحين الفقراء أن يسددوا الضربة أولا إلى الملاكين العقاريين، وأن يخلعوا على الأقل العبودية التي هي أقسى العبوديات وأشدها ضررا، والتي فرضها الأسياد الملاكون العقاريون. وفي هذا المجال، سيقف أنصار البرجوازية والكثيرون من الفلاحين الأغنياء إلى جانب الفلاحين الفقراء، لأنه لم يبق في وسعهم احتمال ازدراء الأسياد وتعاليهم. ولكن ما إن نحطم قليلا من سلطة الملاكين العقاريين، حتى يبرز الفلاح الغني، ويمد مخالبه الكلابية إلى كل شي، وهذه المخالب جشعة، وقد نهبت حتى الآن الكثير من الأشياء. ولذا تنبغي اليقظة وإقامة تحالف وطيد، راسخ لا يتزعزع، مع عمال المدن. فإن عمال المدن سيساعدون في حمل الملاك على التخلي عن عاداته القديمة الاقطاعية، وفي تهدئة الفلاح الغني أيضا (كما فعلوا إلى حد ما مع أرباب العمل). فبدون التحالف مع عمال المدن، لن يتحرر الفلاحون الفقراء أبدا من كل العبوديات وكل الحرمانات وكل البؤس؛ وليس ثمة أي آخر سيساعدهم في هذا المجال، ولا ينبغي لهم الاعتماد إلا على أنفسهم. ولكن ثمة تحسينات سنحققها قبل غيرها، بل نستطيع تحقيقها فورا، في بداية هذا النضال الكبير. ففي روسيا أمثلة كثيرة عن الاستعباد زالت منذ زمن بعيد في البلدان الأخرى؛ فمن هذا الاستعباد للموظف، من هذا الاستعباد للسيد، للاقطاعي، يستطيع كل الفلاحين الروس أن يتخلصوا حالا.

والآن، سندرس التحسينات التي يريد حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي تحقيقها أولا، وبالدرجة الأولى، من أجل تحرير كل الفلاحين الروس من أقسى عبودية اقطاعية على الأقل، ومن أجل فك القيد عن يدي الفلاح الفقير في النضال ضد كل البرجوازية الروسية.

إن المطلب الاول لحزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي هو التالي: العمل فورا على إلغاء جميع التعويضات عن الأراضي، وعلى إلغاء جميع الاتاوات وجميع الالتزامات التي تثقل كواهل الفلاحين "الذين يتحملون الضرائب". فعندما كانت لجان النبلاء وحكومة نبلاء القيصر الروسي "تعتق" الفلاحين من القنانة، كانت تلزم الفلاحين بشراء أراضيهم نفسها من جديد، بشراء الأراضي التي كان الفلاحون يزرعونها منذ أجيال وأجيال! كان ذلك ضربا من النهب.

كانت لجان النبلاء تنهب الفلاحين بكل بساطة بمساعدة الحكومة القيصرية التي كانت ترسل الجيش إلى العديد من الأماكن بقصد تطبيق الشرعات التنظيمية(8) بالقوة وبقصد إنزال العقوبات العسكرية بالفلاحين الذين كانوا لا يقبلون بالأراضي المقتطعة "البائسة". ولولا مساعدة الجيش، لولا التعذيبات والإعدامات رميا بالرصاص، لما استطاعت لجان النبلاء أبدا أن تنهب الفلاحين بمثل الوقاحة التي نهبتهم بها في أثناء تحرير الفلاحين من القنانة. بنبغي أن يتذكر الفلاحون على الدوام كيف خدعتهم لجان الملاكين العقاريين، لجان النبلاء، وكيف نهبتهم، لأن الحكومة القيصرية ما تزال تعين اليوم لجان نبلاء أو لجان موظفين عندما يتعلق الأمر بإصدار قوانين خاصة بالفلاحين. فمنذ بعض الحين، أصدر القيصر بيانا (بتاريخ 26 فبراير/شباط 1903) وعد فيه بإعادة النظر في القوانين الخاصة بالفلاحين وتحسينها. ولكن من ذا الذي سيعيد النظر؟ من ذا الذي سيحسن؟ النبلاء أيضا، والموظفون أيضا! وسيظل الفلاحون مخدوعين طالما لم يتوصلوا إلى تأليف لجان فلاحية مهمتها تحسين حياة الفلاحين.

كفى ما حكم وما أمر وما نهى الملاكون العقاريون ورؤساء الأقضية وشتى أصناف الموظفين! كفى استعبادا للبوليس الريفي، ولجميع أبناء النبلاء السكارى المدمنين الذين يعينونهم رؤساء الأقضية، أو رؤساء البوليس في الأقضية، أو حكاما! ينبغي على الفلاحين أن يطالبوا بحرية تصريف شؤونهم بأنفسهم، بحرية التفكير بأنفسهم في القوانين الجديدة، بحرية تعيينها وسنها بأنفسهم. ينبغي عليهم أن يطالبوا بلجان فلاحية حرة ومنتخبة. وطالما لم يحصلوا على هذا، فسيظل النبلاء والموظفون يخدعونهم وينهبونهم. وما من أحد سينقذ الفلاحين من براثن الموظفين مصاصي الدماء، إذا لم يحرر الفلاحون أنفسهم بأنفسهم، إذا لم يتحدوا لأخذ مصيرهم بأيديهم ذاتها.

إن الاشتراكيين-الديموقراطيين لا يطالبون فقط إلغاء تعويضات الأراضي والاتاوات وجميع الالتزامات الأخرى إلغاء تاما وفوريا، بل يطلبون أيضا أن تعاد إلى الشعب هذه التعويضات المقتطعة منه. ففي عموم روسيا، دفع الفلاحون مئات الملايين من الروبلات منذ أن حررتهم لجان النبلاء من القنانة. وهذه المبالغ إنما ينبغي أن يستعيدها الفلاحون. فلتفرض الحكومة ضريبة خاصة على كبار ملاكي الأراضي النبلاء، لتؤخذ اراضي الاديرة والاقطاعات (أي أراضي أسر القيصر)، لتنفق جمعية النواب الشعبية هذا المال في صالح الفلاحين. فليس في العالم مكان بلغ فيه اذلال الفلاح وافقاره وهلاك الملايين من الفلاحين جوعا، حدا مرعبا كما في روسيا. لقد اكره الفلاح في روسيا على الموت جوعا لأنه سبق للجان النبلاء أن نهبته، لأنه ينهب كل سنة منذ ذلك الحين، باجباره على دفع جزيته القديمة للاقطاعيين القدماء المتبقين، باجباره على دفع تعويضات الارض وعلى تسديد الاتاوات. فليتحمل الذين ينهبونه وزر ما يفعلون. لتؤخذ من كبار الملاكين النبلاء، المبالغ الضرورية لاسداء معونة فعالة للجياع. فالفلاح الجائع ليس بحاجة إلى الاحسان ولا إلى الصدقات البائسة. ليطالبن باعادة المبالغ التي دفعها طوال سنوات وسنوات للملاكين العقاريين والدولة. اذ ذاك تستطيع جمعية النواب الشعبية واللجان الفلاحية تقديم مساعدة حقيقية وجدية للجياع.

لنتابع. إن حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي يطالب بأن يصار فورا إلى إلغاء التكافل(9) إلغاء تاما، وكذلك جميع القوانين التى تحد من حرية تصرف الفلاح بأرضه. إن بيان القيصر، الصادر بتاريخ 26 فبراير/شباط 1903، يعد بالغاء التكافل والتضامن. وقد صدر مؤخرا قانون ينص على الغائهما. ولكن ذلك لا يكفي. ينبغي فوق ذلك أن يصار فورا إلى إلغاء جميع القوانين التي تحد من حرية تصرف الفلاح بارضه. وبدون ذلك، لن يكون الفلاح حرا تماما، حتى إذا الغي التكافل بحرية التصرف بأرضه حرية تامة: ينبغي أن يكون له حق التنازل عنها وبيعها لمن يشاء دون أن يطلب الاذن من أي كان. وهذا ما لا يسمح به مرسوم القيصر: فإن جميع النبلاء والتجار والبرجوازيين الصغار يستطيعون التصرف باراضيهم بكل حرية، باستثناء الفلاح. فالموجيك ليس سوى طفل صغير. ينبغي فرض اشراف رئيس القضاء عليه، كما تشرف المربية على الطفل. ينبغي منع الموجيك من بيع ارضه، لأنه قادر على تبديد ماله! هكذا يفكر الاقطاعيون، وثمة سذج بلهاء يصدقونهم ويتمنون الخير للموجيك قائلين أنه ينبغي منعه من بيع ارضه. بل إن الشعبيين (الذين سبق أن تحدثنا عنهم آنفا) والذين يسمون أنفسهم "اشتراكيين-ثوريين" يوافقون على رأي الاقطاعيين أيضا؛ وهم يرون أنه من الأفضل منع الموجيك من بيع أرضه ولو بقي قنا إلى حد ما.

أما الاشتراكيون-الديموقراطيون، فإنهم يقولون: هذا رياء برياء، هذا يعني التظاهر بمظاهر الاسياد، وهذه كلمات معسولة فقط! فحين نحقق الاشتراكية وتتغلب الطبقة العاملة على البرجوازية، تصبح كل الارض للجميع ولن يبقى لأي احد حق بيعها. ولكن من الآن حتى ذلك الحين؟ النبيل والتاجر يستطيعان بيع الارض ولكن الفلاح لا يستطيع بيعها؟! النبيل والتاجر حران، بينما يظل الفلاح في حالة نصف قن، أليس كذلك؟! وسيظل الفلاح يستعطي الاذن من ولاة الشأن، أليس كذلك؟!

ليس ذلك سوى كذب، وإن كان مقنعا بكلمات معسولة، ولكنه يبقى مع ذلك كذبا.

وطالما يسمحون للنبيل وللتاجر ببيع الارض، فينبغي أيضا أن يكون للفلاح الحق التام ببيع ارضه والتصرف بها بحرية تامة، شأنه شأن النبيل والتاجر.

وعندما تتغلب الطبقة العاملة على البرجوازية بأسرها، فإنها ستنتزع أرض كبار الملاكين وتنظم استثمارات تعاونية في الاملاك الكبيرة، لكي يزرع العمال الارض بصورة مشتركة، بالاتفاق فيما بينهم، ويعينوا بحرية المسؤولين الاداريين من بين الذين يثقون بهم، ويستخدموا شتى أنواع الآلات بغية تسهيل العمل، ولا يشتغل كل منهم بدوره أكثر من ثماني ساعات (بل ربما يشتغل ست ساعات) في اليوم. اما الفلاح الصغير الذي يريد الاستمرار على استغلال ارضه حسب الطريقة القديمة بصورة منفردة، فإنه، هو أيضا، سيكف عن استثمار أرضه من أجل السوق ومن اجل بيع منتجاته لاول قادم، وسيعمل من اجل جمعيات العمال؛ فإن الفلاح الصغير سيقدم لجمعيلات العمال الخبز واللحم والخضار، وسيعطيه العمال دون مال الآلات والمواشي والاسمدة والألبسة، وكل ما يحتاج اليه. حينذاك سيزول النضال بسبب المال بين المالك الكبير والمالك الصغير. وسيزول العمل المأجور، لحساب الآخرين، وسيعمل جميع الشغيلة لأنفسهم، وستفيد الآلات وجميع التحسينات العمال أنفسهم، وتسهل عملهم وتحسن حياتهم.

ولكن كل امرئ سليم التفكير يدرك أن من المستحيل تحقيق الاشتراكية دفعة واحدة: فلهذا الغرض ينبغي خوض نضال عنيد ضد البرجوازية كلها، ضد الحكومات من أي طراز ونوع كانت؛ لهذا الغرض ينبغي حشد جميع عمال المدن في عموم روسيا، والفلاحين الفقراء معهم، في اتحاد متين لا يتزعزع. وتلك مهمة كبيرة، وجديرة بان يكرس لها المرء كل حياته. ولكن، طالما لم نحقق الاشتراكية، فان المالك الكبير سيناضل ابدا ضد المالك الصغير، بسبب المال: فهل يكون المالك الكبير حرا حقا ببيع الارض، بينما الفلاح الصغير ليس بحر؟ إننا نكرر أن الفلاحين ليسوا أطفالا صغار، ولن يسمحوا لأحد أن يتأمر عليهم؛ فينبغي أن ينال الفلاحون جميع الحقوق، جميع الحقوق دون أي قيد، جميع الحقوق التي يتمتع بها النبلاء والتجار.

ويقولون أيضا: إن الفلاح لا يملك ارضه لنفسه، انما ارضه تخص المشاعة. ولا يمكن السماح لأحد ببيع الارض التي تخص المشاعة. وهذا قول كذب أيضا. فهل أن النبلاء والتجار ليس لهم مثل هذه الجمعيات؟ الا يشكلون شركات، ألا يشترون معا الأراضي والمصانع وكل ما تريدون؟ لماذا لا يلفقون أي قيد لجمعيات النبلاء بينما تتدخل الحثالة البوليسية بشؤون الموجيك وتتخيل شتى القيود والموانع؟ إن الفلاحين لم يروا قط أي موقف طيب من جانب الموظفين، ولم يعرفوا منهم سوى الضرب والنهب والسلب والاهانة، ولن يرى الفلاحون خيرا طالما لم يأخذوا شؤونهم بأيديهم، طالما لم يظفروا بالمساواة التامة في الحقوق وبالحرية التامة. فاذا شاء الفلاحون أن تكون الارض للمشاعة، فلا يفكرن احد بمنعهم عن ذلك، فانهم سيؤلفون بالتفاهم فيما بينهم، جمعية مع من يشاؤون وكما يشاؤون ويصوغون عقدا لجمعيتهم كما يطيب لهم، وبكل حرية. فلا يحاولن الموظف حشر انفه في شؤون جمعية الفلاحين. ولا يفكرن احد بمخاتلة الفلاحين ولا بتلفيق القيود والموانع لهم.

* * *

واخيرا، يريد الاشتراكيون-الديموقراطيون الحصول على تحسين هام آخر للفلاحين: انهم يريدون الحد فورا، حالا، من حالة الاستعباد للسيد، من عبودية الموجيك الاقطاعية. لا ريب في اننا لن نتوصل إلى التخلص تماما من العبودية، طالما البؤس يعم العالم، ولا إلى التخلص من البؤس طالما الارض والمصانع في ايدي البرجوازية، طالما المال هو القوة الرئيسية في العالم، طالما لم يبن المجتمع الاشتراكي. بيد انه ما تزال في القرى الروسية عبودية قاسية جدا، غير معروفة في البلدان الاخرى، رغم أن الاشتراكية لم تبن فيها بعد.

فالعبودية الاقطاعية ما تزال عظيمة الشأن في روسيا. وهي تفيد جميع الملاكين العقاريين، وتنيخ بكلكلها على جميع الفلاحين، بيد انه يمكن ويجب الغاؤها فورا، حالا، وبالدرجة الاولى.

لنوضح ما سميناه العبودية الاقطاعية.

ان كل من يسكن الريف يعرف من هذه الحالات. فارض السيد تقع إلى جانب ارض الفلاح. وعند تحرير الفلاحين، انتزعوا منهم الأراضي التي يحتاجون اليها، والمراعي، والغابات، والمساقي.

ولا يعرف الفلاحون اين يمضون وما يفعلون دون هذه الأراضي التي انتزعوها منهم، دون المراعي، دون المساقي. ولذا يضطرون لأن يطلبوا من الملاك أن يسمح لهم بمرور الماشية إلى المسقى، أن يعطيهم مرعى للماشية، الخ .. والحال أن الملاك لا يستثمر املاكه، وقد لا يكون لديه أي مال، وهو لا يعيش الا من استعباد الفلاحين. وهؤلاء يشتغلون مجانا في املاكه لقاء الأراضي التي انتزعوها منهم فيما مضى، ويحرثون ارضه باحصنتهم، ويحصدون حبوبه، ويحصدون هشيم مروجه، ويدرسون حبوبه، وفي بعض الاماكن يحملون سمادهم إلى ارض السيد، ويقدمون له الاقمشة والبيض والدجاج.

كما في عهد القنانة! في عهد القنانة، كان الفلاحون يشتغلون مجانا لمالك الاقطاع حيث يعيشون، وهم الآن يشتغلون أيضا، في معظم الاحيان، مجانا، للسيد، لقاء الارض نفسها التي انتزعتها لجان النبلاء من الفلاحين لدن تحريرهم. وما تزال اعمال السخرة ذاتها. هكذا يسمي فلاحو بعض المقاطعات هذا العمل الذي يقومون به في صالح السيد. وهذا ما نسميه العبودية الاقطاعية. فعند تحرير الفلاحين، دبرت لجان الاسياد الاقطاعيين أو لجان النبلاء الامور بصورة يستطيعون معها استعباد الفلاحين كما في الماضي، فاقتطعوا قصدا من اراضي الفلاحين، وشقوا اراضي الفلاحين باراضي الاسياد كالاسفين لكي لا يكون للفلاح مكان يضع فيه دجاجة، ونقلوا الفلاحين إلى اراض قاحلة، وقطعوا بارض الاسياد الطريق إلى مسقى الماشية: أي، انهم دبروا الامور بصورة يقع فيها الفلاحون في الفخ، واسرى، دون اية صعوبة. وكم من القرى – وعددها لا حد له – ما يزال فيها الفلاحون اسرى الملاكين المجاورين، اسرى كما كانوا في عهد القنانة. في هذه القرى، نرى الفلاح الغني والفلاح الفقير مكبلي الايدي والاقدام، وتحت رحمة الملاك العقاري. وحياة الفلاح الفقير اصعب بكثير من حياة الفلاح الغني. فالفلاح الغني يملك احيانا ارضه الخاصه فيرسل العامل المأجور يقوم عنه بأعمال السخرة. اما الفلاح الفقير، فليس له أي مخرج، فيفعل الملاك العقاري به ما يريد. والفلاح الفقير، الذى يعانى هذا الاستعباد، لا يجد غالبا الوقت الكافي للاستراحة، والجهد الذي يبذله في صالح سيده يمنعه من العمل خارج قريته وناحيته، ومن التفكير بالانضمام بحرية إلى اتحاد واحد، إلى حزب واحد، مع جميع الفلاحين الفقراء وعمال المدن.

ولكن، أليس ثمة لالغاء هذه العبودية فورا، ودفعه واحدة؟ إن حزب العمال الاشتراكي-الديموقراطي يقدم للفلاحين وسيلتين من اجل بلوغ هذا الهدف. غير اننا نقول مرة اخرى أن الاشتراكية وحدها هي التي ستحرر الفلاحين الفقراء من جميع العبوديات، لأن الأغنياء سيضطهدون الفلاحين الفقراء بطريقة أو باخرى طالما هم اقوياء. ومن المستحيل إلغاء هذه العبودية تماما، ودفعة واحدة، غير انه يمكن الحد كثيرا من هذه العبودية الاقطاعية، التي هي اقسى واشنع عبودية، والتي تنيخ بكلكلها على الفلاحين الفقراء والفلاحين المتوسطين سواء بسواء حتى على الفلاحين الأغنياء أيضا، يمكن التوصل فورا إلى التخفيف من وطأة هذه العبودية على الفلاحين.

ولهذا الغرض، توجد وسيلتان.

الوسيلة الاولى، انما هي المحاكم التي يختار اجراء الارياف والفلاحون الفقراء وكذلك الفلاحون الأغنياء والملاكون العقاريون، اعضاءها بحرية من بين يثقون بهم.

الوسيلة الثانية، انما هي اللجان الفلاحية المختارة بحرية، ينبغي أن تتمتع هذه اللجان بحق بحث واقرار جميع التدابير التى تؤول إلى إلغاء السخرة، والى محو بقايا القنانة، كما ينبغي أن تتمتع أيضا بحق انتزاع الأراضي المقتطعة سابقا واعادتها إلى الفلاحين.

لندرس هاتين الوسيلتين بمزيد من التفاصيل. إن المحاكم المختارة اعضاؤها بحرية من بين اهل الثقة، ستبحث في جميع شكاوى الفلاحين ضد العبودية. وسيكون من حق هذه المحاكم تخفيض بدلات ايجار الاراضي، إذا استغل الملاكو العقاريون بؤس الفلاحين وحددوا بدلا باهظا. وسيكون من حق هذه المحاكم تحرير الفلاحين من المدفوعات الجائرة. مثلا، إذا استأجر الملاك الفلاح في فصل الشتاء لكي يقوم له باشغاله في فصل الصيف بنصف الاجر العادي، فان المحكمة تبحث القضية وتحدد اجرا عادلا. وينبغي أن تتألف هذه المحكمة، بالطبع، لا من الموظفين، بل من اهل الثقة المختارين بحرية، وينبغي اطلاقا أن يكون للأجراء الريفيين والفلاحين الفقراء عدد من الممثلين لا يقل عن عدد ممثلي الفلاحين الأغنياء والملاكين العقاريين. وستبحث هذه المحاكم أيضا جميع النزاعات بين العمال وارباب العمل. وهكذا ستخف المصاعب امام العمال والفلاحين الفقراء لعرض حقوقهم والدفاع عنها امام هذه المحاكم، وستخف المصاعب امامهم للاتحاد فيما بينهم ولمعرفة من هم الذين يدافعون عن الفلاحين الفقراء وعن العمال بامانة واخلاص، لمعرفتهم بدقة. واليكم أيضا وسيلة اخرى، اهم، هي اللجان الفلاحية المختارة بحرية من بين اهل الثقة الذين يمثلون الاجراء الزراعيين والفلاحين الفقراء والمتوسطين والأغنياء في كل قضاء من الاقضية (او عدة لجان في كل قضاء، إذا ارتأى الفلاحون ذلك ضروريا، بل قد يشكلون لجانا فلاحية في كل ناحية وكل قرية كبيرة). وما من احد يعرف خيرا من الفلاحين أي عبودية تنيخ بثقلها على كواهلهم.

وما من احد سيعرف خيرا من الفلاحين كيف يفضح الملاكين العقاريين الذين يعيشون حتى الآن من العبودية الاقطاعية. إن اللجان الفلاحية ستقرر اية هي الأراضي أو المروج أو المراعى، الخ. التي انتزعت جورا وظلما من الفلاحين، وستقرر إذا كان ينبغي انتزاع هذه الأراضي مجانا أو دفع تعويض للذين اشتروها، وذلك على حساب كبار الملاكين العقاريين النبلاء. وستحرر هذه اللجان الفلاحين على الأقل من الاشراك التى اوقعهم فيها الكثير من لجان الاسياد، من لجان النبلاء. وستحرر الفلاحين من تدخل الموظفين؛ وستبين أن الفلاحين يريدون ويستطيعون تصريف شؤونهم بانفسهم. وستساعد الفلاحين في التفاهم حول حاجاتهم وفي حسن معرفة الناس القادرين على الصمود إلى جانب الفلاحين الفقراء والى جانب تحالفهم مع عمال المدن. إن اللجان الفلاحية تشكل خطوة اولى إلى الامام لكي يهب الفلاحون وقوف حتى في انأى القرى ويأخذوا مصيرهم بأيديهم.

ولهذا يحذر العمال الاشتراكيون-الديموقراطيون الفلاحين قائلين لهم:

لا تثقوا باية لجنة من لجان النبلاء ولا باية لجنة من لجان الموظفين.
طالبوا بجمعية نواب شعبية.
طالبوا بانشاء اللجان الفلاحية.
طالبوا بالحرية التامة لطبع جميع انواع الكتب والصحف.

وعندما يصبح من حق الجميع، ومن حق كل فرد من الافراد، حرية التعبير عن الآراء والرغبات في جمعية النواب الشعبية، وفي اللجان الفلاحية، وفي الصحف، دون خشية من احد، عند ذاك سيعرف في وقت قصير جدا من ذا الذي يقف إلى جانب الطبقة العاملة ومن ذا الذي يقف إلى جانب البرجوازية. اما الآن فان الاغلبية الساحقة لا تفكر ابدا في هذا الامر. وهناك من يخفون رأيهم الحقيقي؛ وهناك من لا يعرفون انفسهم حتى الآن؛ وهناك من يخدعون قصدا وعمدا. ولكن الجميع سيفكرون حينذاك في هذا الامر، ولن تبقى ثمة حاجة إلى التخفي، فكل شيئ سيتضح حالا. لقد سبق أن قلنا أن البرجوازية ستجتذب الفلاحين الأغنياء إلى جانبها. وكلما تحقق إلغاء العبودية الاقطاعية بمزيد من السرعة والاكتمال، وكلما تعاظمت الحرية الفعلية التي يظفر بها الفلاحون، اتحد الفلاحون الفقراء فيما بينهم بمزيد من السرعة، واسرع الفلاحون الأغنياء بالاتحاد مع البرجوازية كلها. لندعهم اذن يتحدون: فاننا لا نخاف هذا الاتحاد، مع اننا نعلم تمام العلم أن هذا الاتحاد سيزيد من قوة الفلاحين الأغنياء. لاننا سنتحد بدورنا وسيكون تحالفنا – تحالف الفلاحين الفقراء مع عمال المدن – اكثر عددا بما لا حد له، انه سيضم عشرات الملايين ضد تحالف مئات الآلاف.

ونحن نعلم أيضا أن البرجوازية ستسعى جهدها (وهي تسعى جهدها منذ الآن!) لكي تجتذب الفلاحين المتوسطين إلى جانبها بل الفلاحين الصغار أيضا؛ انها ستحاول أن تخدعهم، وتغرهم، وتفرق شملهم، وتعد كلا منهم بترقيتة إلى الأغنياء. لقد رأينا آنفا إلى اية وسائل واية اكاذيب تلجأ البرجوازية لاجتذاب الفلاح المتوسط. فينبغي لنا اذن أن نفتح عيون الفلاحين الفقراء سلفا وان نوطد سلفا تحالفهم الخاص مع عمال المدن ضد البرجوازية برمتها.

ليتطلع كل ساكن من سكان الارياف فيما حوله بانتباه. فما اكثر ما يرفع الفلاحون الأغنياء الصوت ضد الاسياد، ضد الملاكين العقاريين! ولكم يتذمرون من الظلم النازل بالشعب ومن بقاء اراضي الاسياد بورا بلا جدوى! ولكم يحبون الوشوشة (فردا لفرد) بانه ينبغي نقل هذه الأراضي إلى حوزة الموجيك!

ولكن هل يمكننا تصديق ما يقوله الأغنياء؟ كلا. فهم لا يريدون الحصول على الارض من اجل الشعب، بل من اجل انفسهم.

فهم منذ الآن قد اشتروا واستأجروا مساحات كبيرة من الارض، ولكن ذلك لا يكفيهم. ولذا لن يسير الفلاحون الفقراء طويلا مع الفلاحين الأغنياء ضد الملاكين العقاريين. ولا يسعنا أن نخطو معهم سوى خطوة اولى ومن ثم لابد لنا أن يسير كل منا على حدة.

ولهذا ينبغي أن نفصل بوضوح هذه الخطوة الاولى عن الخطوات الاخرى وعن خطوتنا الاخيرة الرئيسية. إن الخطوة الاولى الواجب القيام بها في الارياف، هي تحرير الفلاح تماما، ومنحه الحقوق الكاملة، وانشاء لجان فلاحية من اجل استعادة الأراضي المقتطعة. اما خطوتنا الاخيرة، في المدينة كما في الريف، فهي التالية: سننتزع جميع الأراضي وجميع المصانع من الملاكين العقاريين والبرجوازية وسنبني المجتمع الاشتراكي. وبين الخطوة الاولى والخطوة الاخيرة، سيترتب علينا أن نناضل طويلا، فمن يخلط بين الخطوة الاولى والخطوة الاخيرة، فانه يسيء إلى هذا النضال؛ وكأنه عن غير قصد، يذر الرماد في عيون الفلاحين الفقراء.

اما الخطوة الاولى، فان الفلاحين الفقراء سيقومون بها بالاتفاق مع جميع الفلاحين، ولكن مع العلم أن بعض الكولاك لن يقدموا عليها، أو أن فلاحا من اصل مئة لن يتذمر من اية عبودية. ولكن كل الجمهور سيناضل أيضا في هذا الميدان من اجل شيء واحد: لأن الحقوق المتساوية ضرورية لجميع الفلاحين. فان استعباد السيد يكبل ايدي الجميع واقدامهم. اما الخطوة الاخيرة، فان جميع الفلاحين لن يقوموا بها ابدا معا: بل إن جميع الفلاحين الأغنياء سيهبون ضد الاجراء الزراعيين. حينذاك ينبغي لنا تحالف متين بين الفلاحين الفقراء والعمال الاشتراكيين – الديموقراطيين في المدن. فان من يقول للفلاحين انهم يستطيعون القيام دفعة واحدة بالخطوة الاولى والخطوة الاخيرة فها يعني انه يخدعهم وهذا يعني انه ينسى النضال الكبير القائم بين الفلاحين انفسهم، النضال الكبير القائم بين الفلاحين الفقراء والفلاحين الأغنياء.

لهذا لا يعد الاشتراكيون-الديموقراطيون الفلاح من الدفعة الاولى بالمن والسلوى وبأنهر من العسل واللبن. لهذا يطلبون قبل كل شيء الحرية التامة للطبقة العاملة برمتها في نضالها، في نضالها الكبير، الواسع، الشامل، ضد البرجوازية برمتها. لهذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون إلى الخطوة الاولى الواجب خطوها، وهي خطوة صغيرة ولكنها خطوة اكيدة.

يعتقد البعض أن مطلبنا بانشاء لجان فلاحية بغية الحد من العبودية واستعادة الأراضي المقتطعة فيما مضى انما هو ضرب من سياج، نوع من سد. فكأننا نقول: قفوا، لا تمضوا أبعد من ذلك. إن هؤلاء القوم قد اساؤوا التفكير فيما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون.

ان مطلب انشاء لجان فلاحية بغية الحد من العبودية واستعادة الأراضي المقتطعة فيما مضى، ليس سدا. انه باب. وينبغي الخروج من هذا الباب اولا من اجل المضي إلى أبعد، من اجل اتباع الطريق الرحبة المفتوحة إلى النهاية، إلى أن يتحرر كل الشعب العامل الشغيل في روسيا تحررا تاما. وطالما لا يخرج الفلاحون من هذا الباب. فانهم سيبقون غارقين في لجة الجهل، خاضعين للعبودية، محرومين من كامل الحقوق، من الحرية التامة الحقيقية، بل انهم سيظلون عاجزين عن التمييز بين اصدقاء العامل واعدائه. ولذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون إلى هذا الباب ويقولون انه ينبغي اولا دفع هذا الباب معا، بجهد مشترك، بجهد الشعب كله، وتحطيمه تحطيما تاما. اذ ثمة اناس يقولون عن انفسهم انهم شعبيون واشتراكيون – ثوريون، ويريدون، هم أيضا، الخير للموجيك؛ انهم يصرخون، ويضجون، ويلوحون بالايدي، ويريدون اسداء المساعدة، ولكنهم لا يرون هذا الباب! وهؤلاء القوم عميان إلى حد انهم يقولون بانه لا ينبغي ابدا منح الموجيك حق التصرف بارضه بحرية! انهم يريدون الخير للموجيك، ولكنهم يفكرون احيانا مثل الاقطاعيين تماما! إن مساعدة مثل هؤلاء الاصدقاء لن تكون كبيرة الفائدة. فماذا يجدي نفعا أن تريد الخير للموجيك، إذا كنت لا ترى بوضوح هذا الباب الاول الذي ينبغي تحطيمه؟ وماذا يجدي نفعا أن تطمح انت أيضا إلى الاشتراكية، إذا كنت لا ترى الوسيلة للخروج إلى طريق النضال الشعبي الحر من اجل الاشتراكية، لا في المدينة وحسب، بل في الريف أيضا، لا ضد الملاكين العقاريين وحسب، بل ضد الاثرياء في قلب المشاعة، في قلب "المير"؟

لهذا يشير الاشتراكيون-الديموقراطيون بمثل هذا العناد البالغ، إلى هذا الباب الاول والقريب جدا. فليس من الصعب اليوم الاكثار من التمنيات الطيبة، بل الصعب هو أن نبين بوضوح الطريق الواجب اتباعها، أن ندرك بوضوح ما ينبغي القيام به لتحقيق هذه الخطوة الاولى.

أن يكون الموجيك الروسي مرهقا باثقال العبودية، أن يكون قد ظل نصف قن، فذلك ما يتحدث عنه جميع اصدقائه ويكتبون عنه منذ اربعين سنة. أن يكون الملاكون العقاريون ينهبون الموجيك ويستعبدونه بصورة فاضحة بوساطة شتى انواع الأراضي المقتطعة فيما مضى، فذلك ما كتب عنه جميع اصدقاء الموجيك العديد من الكتب قبل ظهور الاشتراكيين-الديموقراطيين في روسيا بزمن طويل. أن يكون من المترتب مساعدة الموجيك حالا، دون تأخير، وتحريره إلى حد ما من العبودية، فذلك ما يراه الآن جميع الناس الشرفاء، وما اخذ يتحدث عنه الآن حتى موظفو حكومتنا البوليسية. فالمسألة كلها تنحصر في معرفة كيف نشرع بالامر، كيف نخطو الخطوة الاولى، أي باب نقتحمه في بادئ الامر.

على هذا السؤال، يعطي مختلف الناس (ممن يريدن الخير للموجيك) جوابين مختلفين. وينبغي على كل بروليتاري من بروليتاريي الارياف أن يسعى جهده لفهم هذين الجوابين فهما جيدا وان يكون رأيا واضحا ودقيقا. إن جواب الشعبيين والاشتراكيين-الثوريين هو التالى. انهم يقولون: ينبغي اولا تطوير شتى انواع الجمعيات (التعاونيات) في صفوف الفلاحين. ينبغي توطيد "المير". ينبغي عدم منح كل فلاح حق التصرف بارضه بحرية. لتتمتع المشاعة بمزيد من الحقوق ولتصبح كل الارض في روسيا مشاعية شيئا فشيئا.

ينبغي منح الفلاحين شتى انواع التسهيلات فيما يتعلق بشراء الارض لكي تنتقل الارض من الرأسمال إلى العمل، بمزيد من السهولة.

اما الاشتراكيون-الديموقراطيون، فانهم يعطون جوابا آخر.

ينبغي اولا أن يحصل الفلاح لنفسه على جميع الحقوق التي يتمتع بها النبلاء والتجار، دون استثناء أي حق. ينبغي أن يتمتع الفلاح بكامل حق التصرف بارضه بحرية. ومن اجل القضاء على اشد العبوديات بشاعة، ينبغي انشاء لجان فلاحية بغية استعاة الأراضي المنتزعة من الفلاحين لدن إلغاء القنانة. إن ما ينبغي لنا، ليس تحالفا مشاعيا، بل تحالف الفلاحين الفقراء من مختلف المشاعات المشاعية في عموم روسيا، وتحالف بروليتاريي الارياف مع بروليتاريي المدن. إن جميع انواع الجمعيات (التعاونيات) وعمليات شراء الارض بصورة مشاعية ستبقى ابدا ذا منفعة اكبر للفلاحين الأغنياء وستخدع الفلاح المتوسط.

ان الحكومة الروسية تدرك انه ينبغي منح الفلاحين التسهيلات، ولكنها تريد التنصل من ذلك بتوفير القشر دون اللباب. انها تريد أن تفعل كل شيء باللجوء إلى الموظفين. فينبغي على الفلاحين أن يتسلحوا باليقظة، لأن لجان الموظفين ستخدعهم كما خدعتهم لجان النبلاء.

ينبغي على الفلاحين أن يطالبوا بانتخاب لجان فلاحية حرة. فليس المقصود توقع تخفيفات من جانب الموظفين، انما ينبغي على الفلاحين أن يأخذوا مصيرهم بأيديهم. لنخط اولا خطوة واحدة، لنحرر انفسنا اولا من اسوأ العبوديات، شرط أن يدرك الفلاحون قوتهم، شرط أن يتفاهموا ويتحدوا بحرية. وما من احد، إذا كان ذا وجدان، يستطيع أن ينكر أن الأراضي المنتزعة فيما مضى تستغل غالبا لتحقيق اسوأ عبودية اقطاعية فاضحة. وما من احد، إذا كان ذا وجدان، يستطيع أن ينكر أن مطلبنا هو المطلب الاول واعدل المطالب: أن يختار الفلاحون بحرية لجانهم، دون مظفين، بغية إلغاء كل عبودية اقطاعية.

وفي اللجان الفلاحية الحرة (وكذلك في جمعية نواب روسيا الحرة)، سيباشر الاشتراكيون-الديموقرطيون فورا وبكل قواهم إلى توطيد تحالف خاص بين بروليتاريي الارياف وبروليتاريي المدن. وسيلح الاشتراكيون-الديموقراطيون على جميع التدابير الواجب اتخاذها في صالح بروليتاريي الارياف وسيساعدونهم، فورا بعد تحقيق الخطوة الاولى، في تحقيق الخطوة الثانية، بأسرع وقت وبمزيد من التكاتف، ثم في تحقيق الخطوة الثالثة وهكذا دواليك حتى النهاية، حتى انتصار البروليتاريا التام. ولكن هل من الممكن أن نقول منذ الآن، منذ الدفعة الاولى، أي مطلب سيوضع على بساط البحث غدا، من اجل تحقيق الخطوة الثانية؟ كلا، لا يمكننا أن نقول ذلك، لأننا لا نعرف أي سلوك سيسلكه غدا الفلاحون الأغنياء وكثير من الناس المثقفين الذين يهتمون بشتى انواع التعاونيات وبقضية نقل الارض من الرأسمال إلى العمل.

قد لا ينجحون غدا في التفاهم مع الملاكين العقاريين فيريدون تسديد الضربة القاضية إلى حكمهم. هذا حسن جدا. فالاشتراكيون-الديموقراطيون لا يطلبون خيرا من ذلك، وسيوصون بروليتاريي الارياف والمدن بان يطالبوا بانتزاع كل اراضي الملاكين العقاريين وبتسليمها إلى دولة شعبية حرة. وسيحرص الاشتراكيون-الديموقراطيون كل الحرص على أن لا يستسلم بروليتاريو الارياف للخداع، على أن يرسخوا اكثر من ذي قبل في النضال النهائي من اجل تحرير البروليتاريا تحريرا تاما.

ولكن، قد تجري الامور على غير هذا النحو. بل من المحتمل اكثر أن تجري على غير هذا النحو. فقد يتحد غدا الفلاحون الأغنياء وكثيرون من الناس المثقفين مع الملاكين العقاريين، ما إن يصار إلى الحد من اسوأ العبوديات؛ حينذاك ستهب كل برجوازية الارياف ضد مجمل البروليتاريا الريفية . حينذاك سيكون من السخف النضال ضد الملاكين العقاريين وحدهم. حينذاك سيكون من السخف النضال ضد الملاكين العقاريين وحدهم. حينذاك سيترتب علينا أن نناضل ضد كل البرجوازية وان نطالب قبل كل شيء، ومن اجل هذا النضال باكبر قسط ممكن من الحرية والمدى، وشروط حياة افضل للعامل بغية تسهيل نضاله.

إن مهمتنا الاولى، مهمتنا الرئيسية المحتومة، هي، في مطلق الحالات، سواء أجرت الامور على هذا النحو أو ذاك، توطيد التحالف بين بروليتاريي وانصاف بروليتاريي الارياف وبين بروليتاريي المدن. ولهذا التحالف ينبغي لنا حالا، وفورا، الحرية السياسية التامة للشعب، والمساواة الحقوقية التامة للفلاح، والغاء العبودية الاقطاعية. وبعد تحقيق هذا التحالف وتوطيده، لن يكون من الصعب علينا فضح جميع الاكاذيب التى تلجأ اليها البرجوازية لاجتذاب الفلاح المتوسط إلى جانبها، وبسرعة وسهولة، سنحقق الخطوة الثانية والثالثة والاخيرة ضد البرجوازية بكليتها، ضد كل قوى الحكومة، وحينذاك سنسير نحو النصر دون أي انحراف، وسنتوصل بسرعة إلى تحرير الشعب العامل بأسره تحريرا تاما.




7. النضال الطبقي في الريف

ما هو النضال الطبقي؟ إنه نضال قسم من الشعب ضد قسم آخر، نضال جماهير المحرومين من الحقوق والمظلومين والشغيلة ضد أصحاب الإمتيازات والظالمين والطفيليين، نضال العمال الأجراء أو البروليتاريين ضد المالكين أو البرجوازية. إن هذا النضال الكبير كان موجودا دائما وهو ما يزال قائما الآن أيضا في الأرياف الروسية، رغم أن ليس الجميع يستشفونه، ويدركون مغزاه. في عهد القنانة، كان سواد الفلاحين يناضلون ضد ظالميهم، ضد طبقة الملاكين العقاريين، الذين كانت تحميهم حكومة القيصر وتدافع عنهم وتدعمهم. ولم يكن بوسع الفلاحين أن يتحدوا في ذلك العهد لأنهم كانوا غارقين في لجة الجهل إلى ما فوق رؤوسهم ولم يكن أنصار ولا إخوان بين العمال المدن، ولكنهم كانوا مع ذلك يناضلون، كما يعرفون وكما كان بوسعهم. وما كانوا ليخشون قط الاضطهادات الوحشية من جانب الحكومة، وما كان الذعر يدب في نفوسهم من جراء العقوبات وإطلاق الرصاص؛ وكانوا لا يصدقون الكهنة الذين يبذلون قصارى جهدهم لتبيان أن الكتاب المقدس يؤيد القنانة وأن الله جعل منها أمرا مشروعا (هكذا على وجه الضبط كان يتكلم المطران فيلاريت في ذلك العهد!)؛ كان الفلاحون ينتفضون هنا وهناك، فاضطرت الحكومة إلى التراجع في آخر الأمر، خوفا من انتفاضة عامة يقوم بها الفلاحون جميعهم.

وألغيت القنانة، ولكنها لم تلغ تماما. فظل الفلاحون محرومين من الحقوق وفئة دنيا، تسحقها الضرائب، فئة سوداء تتخبط بين براثن العبودية الاقطاعية. ولذا لا يزال الفلاحون في هيجان، يتحركون ساعين وراء حرية كاملة، حقيقية. ولكن، بعد إلغاء القنانة، ظهر نضال طبقي جديد، هو نضال البروليتاريا ضد البرجوازية فقد تكاثرت الثروات، وبنيت العديد من الخطوط الحديدية والمصانع الضخمة، وغدت المدن أكثر ازدحاما بالسكان وأكثر رفاهية وثراء، غير أن عددا ضئيلا جدا من الناس كان يستأثر بهذه الثروات بينما الشعب يزداد فقرا وخرابا ويعاني المجاعة، ويمضي يشتغل عند آخرين بالأجرة. فشن عمال المدن نضالا جديدا، كبيرا، هو نضال جميع الفقراء ضد جميع الأغنياء. وهم، وقد احتشدوا في قلب الحزب الاشتراكي-الديموقراطي، يناضلون بعناد وثبات وبصفوف مرصوصة، متقدمين خطوة فخطوة، مستعدين للنضال النهائي الكبير، مطالبين بالحرية السياسية للشعب بأسره.

وأخيرا، فرغ صبر الفلاحين بدورهم. ففي ربيع السنة الماضية (1902)، انتفض الفلاحون في مقاطعتي بولتافا وخاركوف وغيرهم من المقاطعات. وهاجموا الملاكين العقاريين، واقتحموا مستودعتهم واقتسموا ممتلكاتهم، ووزعوا على الجياع الحبوب التي بذرها وحصدها الموجيك والتي استأثر بها الملاك العقاري، وطالبوا باقتسام الأرض من جديد. ولم يبق بوسع الفلاحين تحمل الاضطهاد النازل بهم والذي لا مثيل له، فأخذوا يسعون وراء مصير افضل. فقرروا – وهم على صواب في قرارهم – أن من الافضل لهم ان يموتوا في غمرة النضال ضد الطغاة من أن يهلكوا من جراء الجوع، دون نضال. ولكن أحوال الفلاحين ----------- وحصدوها! ). وقد أرسلت الحكومة القيصرية الجيش ضدهم وكانت تعتبرهم أعداء، وانهزم الفلاحون. وأطلقت قوات الجيش النار على الفلاحين، وقتلت الكثيرين منهم، وجلدت الكثيرين بالسوط حتى الموت. وعذبت الفلاحين كما لا يعذب الأتراك أبدا أعدائهم، المسيحيين. وكان رسل القيصر، الحكام، أشد الجميع وحشية، كأنهم جلادون حقيقيون. كان الجنود يغتصبون نساء الفلاحين وبناتهم. وبعد ذلك، أحيل الفلاحون أمام محكمة من الموظفين؛ فحكمت عليهم بأن يدفعوا ثمانيمائة ألف روبل للملاكين العقاريين. وفي هذه المحكمة، هذه المحكمة المخزية السرية، في محكمة التعذيب هذه، بلغ الأمر بالمشرفين عليها حد منع المحامين من التحدث عما فعله رسل القيصر، الحاكم اوبوانسكي وغيره من خدم القيصر، كيف جلدوا الفلاحين وعذبوهم.

كانت القضية التي ناضل الفلاحون في سبيلها قضية عادلة.

وستكرم الطبقة العاملة الروسية إلى الأبد ذكرى الشهداء الذين أعدمهم خدم القيصر رميا بالرصاص وجلدوهم حتى الموت. كان هؤلاء الشهداء يكافحون في سبيل حرية الشعب العامل وسعادته. لقد انهزم الفلاحون، ولكنهم سينتفضون أيضا وأيضا، ولن يدعوا الهزيمة الأولى تثبط من عزائمهم. ولذا فإن العمال الواعين سيبذلون كل جهودهم لكي يعرف أكبر عدد من عمال المدن والأرياف ما هو نضال الفلاحين ولكي يستعدوا في سبيل نضال جديد، أوفر حظا بالتوفيق. كذلك فإن العمال الواعين سيسعون بجميع قواهم إلى مساعدة الفلاحين على أن يدركوا جيدا لماذا سحقت انتفاضة الفلاحين الأولى (1902) وما ينبغي القيام به لكي ينتصر الفلاحون والعمال لا خدم القيصر.

لقد سحقت انتفاضة الفلاحين لأنها كانت انتفاضة قامت بها جماهير جاهلة غير واعية، لأنها كانت انتفاضة لا مطالب سياسية لها، واضحة ودقيقة، اي دون مطلب تغيير النظام السياسي. لقد سحقت انتفاضة الفلاحين، لأنها لم تهيأ. لقد سحقت، لأن التحالف بين بروليتاريي الارياف وبروليتاريي المدن لم يكن موجودا حينذاك. تلك هي الاسباب الثلاثة لهزيمة الفلاحين الاولى. فلكي تنجح الانتفاضة، ينبغي لها ان تقوم عن وعي وبعد تحضير؛ وينبغي ان تمتد وتشمل عموم روسيا بالتحالف مع عمال المدن. ان كل خطوة يخطوها نضال العمال في المدن، وكل كتاب اشتراكي-ديموقراطي أو صحيفة اشتراكية-ديموقراطية وكل خطاب يلقيه عامل مدرك امام بروليتاريي الارياف، كل ذلك يقربنا من ساعة تجدد الانتفاضة وانتصارها.

لقد هب الفلاحون بصورة عفوية، لأنه لم يبق في وسعهم الاحتمال اكثر مما احتملوا، لأنهم ارادوا ألا يموتوا دون ان ينسبوا ببنت شفة ودون يبدوا اية مقاومة. لقد عانى الفلاحون من النهب والظلم والعذاب ما حملهم على الايمان لحظة واحدة بما يشاع بصورة غامضة عن رحمة القيصر، وما حملهم على الايمان بان كل انسان سليم التفكير يقر بان من العدل توزيع الحبوب على الجياع، على الذين اشتغلوا طوال حياتهم من اجل الآخرين، على الذين بذروا الحبوب وحصدوها والذين يموتون الآن جوعا امام مستودعات حبوب "الأسياد". كان يبدوا ان الفلاحين قد نسوا ان خيرة الاراضي وان جميع المصانع وجميع المعامل هي في حوزة الاغنياء، في حوزة الملاكين العقاريين والبرجوازية، وذلك بالضبط لكي يشتغل الناس الجياع من اجلهم. لقد نسوا ان الكهنة يعظون دفاعا عن طبقة الاغنياء، وان الكهنة لا يقومون وحدهم بهذه المهمة بل ان حكومة القيصر تهب أيضا بكل ما لديها من قطعان الموظفين والجنود دفاعا عن طبقة الاغنياء.

وهذا ما شاءت حكومة القيصر ان تذكر به الفلاحين. فقد بينت لهم باشد القساوة والوحشية ما هي سلطة الدولة ومن تخدم وعمن تدافع.

وينبغي لنا ان نذكر الفلاحين بهذا الدرس مرارا عديدة فيدركون حينذاك دون عناء ضرورة تغيير النظام السياسي، وضرورة الحرية السياسية. وحين يزداد على الدوام عدد الذين يدركون هذا الامر، وحين يتوصل كل فلاح يعرف القراءة والكتابة والتفكير إلى معرفة المطالب الرئيسية الثلاثة التي ينبغي الكفاح من اجلها قبل كل شيء، حينذاك لن تظل انتفاضات الفلاحين غير واعية. اما هذه المطالب فهي التالية. المطلب الاول: عقد جمعية شعبية للنواب بغية تشكيل حكومة شعبية منتخبة غير اوتوقراطية في روسيا. المطلب الثاني: الحرية للجميع ولكل فرد بطبع شتى انواع الكتب والصحف. المطلب الثالث: اعتراف القانون بالمساواة التامة في الحقوق بين الفلاحين وسائر الفئات الاجتماعية وانشاء اللجان الفلاحية المنتخبة بغية الغاء كل عبودية اقطاعية بالدرجة الاولى. تلك هي مطالب الاشتراكيين-الديموقراطيين الجذرية الاساسية، ولن يصعب على الفلاحين ان يفهموها الآن، ان يفهموا من اين ينبغي بدء النضال في سبيل حرية الشعب. وحين يفهم الفلاحون هذه المطالب، سيفهمون أيضا انه ينبغي الاستعداد لنضال، سلفا، وطويلا، وبعناد وثبات وحزم، وانه لا ينبغي الاستعداد بصورة منفردة بل مع عمال المدن الاشتراكيين-الديموقراطيين.

فليحشد كل عامل واع وكل فلاح مدرك حوله اكثر الرفاق تفهما وثقة وجرأة. وليبذل كل جهده ليوضح لهم ما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون، لكي يدرك الجميع اي نضال ينبغي القيام به وما ينبغي المطالبة به. ليبدأ الاشتراكيون-الديموقراطيون الواعون، شيئا فشيئا، وباحتراس، ولكن بعناد، ليبدأوا باطلاع الفلاحين على مذهبهم، بتوزيع الكتب الاشتراكية-الديموقراطية عليهم، بالتعليق عليها في اجتماعات صغيرة تضم أهل ثقة.

غير أنه ينبغي عدم الاكتفاء بالكتب من أجل توضيح المذهب الاشتراكي-الديموقراطي؛ إنما ينبغي أيضا الافادة من جميع الامثلة، من جميع حالات الاضطهاد والظلم التي نراها تقع حولنا. المذهب الاشتراكي-الديموقراطي هو مذهب النضال ضد كل اضطهاد، ضد كل نهب، ضد كل جور. والاشتراكي-الديموقراطي الحقيقي هو من يعرف أسباب الاضطهاد ويناضل يوميا طوال حياته ضد كل حالة من حالات الاضطهاد. ولكن كيف العمل؟ ينبغي على الاشتراكيين-الديموقراطيين الواعين أن يجتمعوا في مدنهم وقراهم وقرروا بأنفسهم ما ينبغي القيام به من أجل اسداء أكثر ما يكون من الفائدة إلى مجمل الطبقة العاملة.

وعلى سبيل المثال، أورد حالة أو حالتين. لنفترض أن أحد العمال الاشتراكيين-الديموقراطيين عاد من المدينة إلى قريته ليقضي فيها اجازته، أو أن أحد العمال الاشتراكيين-الديموقراطيين جاء إلى قرية غير قريته. إن القرية، كذبابة في شباك العنكبوت، أسيرة برمتها بين براثن الملاك المجاور لا تخرج من العبودية طوال حياتها ولا سبيل لها للتخلص منها. فينبغي حالا اختيار أكثر الفلاحين جدا، وثقة وتفهما، ممن يسعون وراء العدالة ولا يتراجعون أمام أول كلب بوليسي. ينبغي أن نوضح لهؤلاء الفلاحين منشأ هذه العبودية السوداء، وكيف خدع الملاكون العقاريون في لجان النبلاء الفلاحين ونهبوهم، ينبغي أن نحدثهم عن قوة الأغنياء وعن المساندة التي تسديها إليهم حكومة القيصر؛ ينبغي أن نطلعهم على مطالب العمال الاشتراكيين-الديموقراطيين. وحين يدرك الفلاحون كل هذه الآلية البسيطة، ينبغي التفكير معا لمعرفة ما إذا كان ثمة وسيلة للرد معا على هذا الملاك، ما إذا كان ثمة وسيلة للفلاحين بأن يصوغوا مطالبهم الأولى الرئيسية (على غرار عمال المدن الذين يقدمون مطالبهم لأصحاب المصانع). وإذا كانت قرية كبيرة أو عدة قرى خاضعة لهذا الملاك العقاري، فالأفضل الحصول على منشور من لجنة اشتراكية-ديموقراطية قريبة بواسطة جماعة من أهل الثقة. وينبغي على اللجنة الاشتراكية-الديموقراطية أن تقول في هذا المنشور، بوضوح، ومنذ البداية، أية عبودية يعانيها الفلاحون وما يطلبون بالدرجة الأولى (تخفيض بدل ايجار الارض، تحديد أجرة العمل بصورة عادية، لا بنصفها، في أثناء استئجار الشتاء(10)، تخفيف الملاحقات والمضايقات من جراء الاضرار التي تسببها الماشية، وغير ذلك من المطالب). وعن طريق هذا المنشور، يدرك جميع الفلاحين الذين يعرفون القراءة خفايا الامور؛ ويوضحونها بدورهم للذين لا يعرفون القراءة. حينذاك يدرك الفلاحون جيد الادراك ان الاشتراكيين-الديموقراطيين يقفون إلى جانبهم، وانهم يشجبون كل اشكال النهب.

وحينذاك يدرك الفلاحون اية تخفيفات، مهما كانت طفيفة، – ولكنها تخفيفات على كل حال – يمكن الحصول عليها فورا، من الدفعة الاولى، اذا ما ناضلوا بصفوف متراصة. واية تحسينات كبيرة ينبغي الحصول عليها في مجمل الدولة اذا خاضوا نضالا كبيرا بالتحالف مع عمال المدن من الاشتراكيين-الديموقراطيين. حينذاك يستعد الفلاحون اكثر فأكثر في سبيل هذا النضال الكبير ويتعلمون الوسيلة لايجاد أناس أهل للثقة، ويتعلمون كيف ينبغي لهم ان يدافعوا معا عن مطالبهم.

قد ينجحون من وقت إلى آخر في تنظيم اضراب، كما يفعل عمال المدن. ولا ريب في ان ذلك أصعب في الريف. ولكنه ممكن احيانا، وقد رأينا في بلدان اخرى اضرابات مظفرة، مثلا، في زحمة الموسم، عندما يكون الملاكون العقاريون والمزارعون الاغنياء بحاجة ماسة إلى الايدي العاملة. واذا كان الفلاحون الفقراء مهيئين للاضراب، اذا كان الجميع موافقين منذ زمن بعيد على المطالب العامة، واذا تم أيضاح هذه المطالب في المناشير أو اذا تم التعليق عليها بصورة جيدة في الاجتماعات، فان الجميع سيصمدون بصفوف متراصة، ويضطر الملاك للتراجع أو على الاقل للحد قليلا من نهبه وسرقته. واذا وقع الاضراب في زحمة الموسم واشترك فيه الجميع بصورة منظمة، فان الملاك العقاري وحتى ولاة الشأن وجيشهم لن يجدوا بسهولة وسيلة لمعالجة الاضراب: فالوقت يمضي، ومع الوقت يحل الخراب بالملاك، فيخفف من تصلبه وتشدده. يقينا ان اضراب الفلاحين امر جديد.

والأمر الجديد قد لا ينجح في البدء. في البدء، كان عمال المدن، هم أيضا، لا يعرفون كيف يناضلون معا بصورة منظمة، ولا أية مطالب يصوغونها معا. كانوا يحطمون الآلات وينهبون المصنع. أما الآن، فإن العمال يعرفون كيف يناضلون معا بصورة منظمة. في البدء ينبغي علينا أن نتعلم كيف نقوم بالأمر الجديد. إن العمال يدركون اليوم أنهم لا يستطيعون الحصول، من الدفعة الأولى، إلا على التخفيفات، إذا ما هبوا معا بصورة منظمة. وخلال هذه الفترة، يعتاد الشعب على الرد بصورة مشتركة، ويستعد أكثر فأكثر للمعركة الكبيرة، الحاسمة.

كذلك سيتعلم الفلاحون كيف ينبغي الرد على أشد النهابين وحشية، وكيف تنبغي المطالبة بالتخفيفات معا وبصورة منظمة، وكيف ينبغي الاستعداد شيئا فشيئا، وبحزم وثبات، وفي كل مكان، للمعركة الكبيرة في سبيل الحرية. إن عدد العمال والفلاحين والواعين سيزداد بلا انقطاع، واتحادات الاشتراكيين-الديموقراطيين الريفيين ستزداد قوة يوما بعد يوم، وكل مثال على العبودية الاقطاعية، على أعمال النهب والسلب التي يرتكبها الكهنة، على أعمال الوحشية البوليسية والاضطهاد التي يقترفها ولاة الشأن، سيفتح عيون الشعب أكثر فأكثر، ويعوده على الصمود الدائب وكذلك على التفكير بضرورة فرض تغيير النظام السياسي بالقوة.

لقد سبق لنا أن قلنا منذ مطلع هذا الكراس أن الشعب العامل في المدينة ينزل الآن إلى الشوارع وإلى الساحات لكي يطالب بالحرية علنا، على رؤوس الاشهاد، وقد سجل على راياته وأعلن: "فلتسقط الاوتوقراطية!". وليس ببعيد ذلك اليوم الذي سيهب فيه الشعب العامل في المدينة، لا ليتظاهر في الشوارع هاتفا وحسب، بل ليخوض المعركة الكبيرة، الحاسمة، وليس ببعيد ذلك اليوم الذي سيهتف فيه العمال كرجل واحد: "إما أن نموت في غمرة النضال وإما ان نظفر بالحرية!"؛ وليس بعيد ذلك اليوم الذي سيهب فيه الألوف من المكافحين الجدد، وهم أشد حزما وعزما، مكان المئات الذين استشهدوا في غمرة النضال. وحينذاك سيهب الفلاحون بدورهم في عموم روسيا إلى مساعدة عمال المدن، إلى الكفاح حتى النهاية في سبيل حرية الفلاحين والعمال.

ولن تكون هناك قطعان قيصرية تستطيع الصمود حينذاك. وسينتصر الشعب العامل، وتسير الطبقة العاملة في طريق واسعة رحبة نحو تحرير جميع الشغيلة من كل اضطهاد؛ وستفيد الطبقة العاملة من الحرية لكي تخوض النضال من أجل الاشتراكية!


كتب: في مارس 1903
نشر لأول مرة: في شكل منشور في ماي 1903 في جونيف بواسطة رابطة الاشتراكيين-الديمقراطيين في المهجر (League of Russian Social-Democracy Abroad) نشرت حسب نص المنشور
تقديم "دار التقدم": تمت ترجمة مؤلف لينين "إلى الفلاحين الفقراء" نقلا عن نص المجلد السابع من مجموعة مؤلفات لينين (الطبعة الروسية الخامسة) التى أعدها معهد الماركسية-اللينينية لدى اللجنة المركزية للحزب الشيوعى فى الاتحاد السوفييتي.
نسخ الكتروني: تامر المصري (أكتوبر 2005)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,104,388,203
- كارل ماركس سيرة مختصرة وعرض للماركسية
- موضوعات نيسان - رسائل حول التكتيك
- الليبرالية والديمقراطية
- مرض -اليسارية- الطفولي في الشيوعية
- الماركسية و الانتفاضة
- الدولة والثورة - تعاليم الماركسية حول الدولة، ومهمات البرولي ...
- مصائر مذهب كارل ماركس التاريخية
- في الحب الحر
- لمناسبة الذكرى الرابعة لثورة أكتوبر
- الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية
- بم نبدأ ؟
- الماركسية والاصلاحية
- الدولة
- برنامجنا
- ما العمل؟ المسائل الملحة لحركتنا
- -الماركسية والاصلاحية
- ضد المقاطعة (حسب ملاحظات كاتب اشتراكي-ديمقراطي)
- حول الإخلال بالوحدة، المتستر بالصراخ عن الوحدة - مقتطف
- رسائل من بعيد - الرسالة الخامسة - مهام التنظيم البروليتاري ا ...
- مشروع قرار حول الموقف من الشبيبة الطلابية


المزيد.....




- أنقرة تأمل بتحييد حزب العمال الكردستاني في الأيام المقبلة
- -الأحمر الشيوعي- في شوارع بيروت ضد سياسات الدولة الاقتصادية ...
- السلطات البلجيكية تعتقل متظاهرين بعد أعمال شغب احتجاجا على م ...
- البصريون يمضون في تظاهراتهم ومسيراتهم الاحتجاجية
- -عصابات- تزعم انتماءها الى -مؤسسات خيرية- تغري الخريجين بالو ...
- خلوصي: سنقضى على حزب العمال خلال أيام
- اعتقال متظاهرين أمام مقر الاستخبارات الروسية  
- نداء تونس: النهضة تسعى لتعويض قواعدها.. والصندوق حق أريد به ...
- لبنان.. -الشيوعي- يحمل مطالبه إلى الشارع
- اشتباكات في بروكسل بين متظاهرين وقوات الأمن احتجاجا على ميثا ...


المزيد.....

- ما الذي لا ينبغي تمثله من الحركة العمالية الألمانية - فلاديم ... / سامي حسن موسى
- منتخبات من مكتبة الشيوعيين العرب محفوظة في ارشيف الإنترنت / الصوت الشيوعي
- اتمام اعادة بناء مكتبة الشيوعيين العرب على الخوادم الجديدة م ... / الصوت الشيوعي
- المرأة العاملة - ناديجدا كروبسكايا - (الفصل الأول) / عالية الروسان
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | مؤلفات مدرسية لتعلم ... / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | في النضال المسلح / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | مدارس الماركسية / الصوت الشيوعي
- مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي | الموقف من الدين / الصوت الشيوعي
- مؤلفات تروتسكي | مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي / الصوت الشيوعي
- مؤلفات غيفارا | مكتبة الشيوعيين العرب | الموقع الرئيسي / الصوت الشيوعي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الارشيف الماركسي - فلاديمير لينين - إلى الفلاحين الفقراء