أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -32-















المزيد.....


حدث في قطار آخن -32-


علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 5047 - 2016 / 1 / 17 - 18:42
المحور: الادب والفن
    


مشى أحمد باحثاً عن حقيبة سفره، وجدها في المدخل، على الأرض، تحت علّاقة الملابس، فتحها وكرجل آلي مُبَرْمَج دَقَّقَ في محتوياتها، كانت ساعته اليدوية الرخيصة التي إشتراها من محلات تشيبو أول ما خطر على ذهنه، وجدها في الجيب الداخلي لحقيبته، فرح في داخله أنها لم تُمس، بحث عن محفظة نقوده، فرح إِذْ وجدها، فتحها، عدّ نقوده، تأكد من جواز سفره، سحب من الحقيبة سروالاً داخلياً، خلع سرواله الكوكاييني العسكري، خلع الجوارب الصوفية العسكرية، ارتدى سرواله الشرقي، جواربه، بنطلونه، حذائه، قميصه الداخلي الشرقي، كنزة الصوف وجاكيته، لم يتبقَ إلا نظارته الطبية، لم يتطلب البحث عنها طويلاً، وجدها بدون خدوش، فرح لرؤيتها، لمس جيب جاكيته الداخلي، اِطمئن عندما شعر بوجود علبة سجائره المالبورو الخفيف في الجيب، رفع حقيبته الرخيصة علّقها في كتفه، خطى عدّة خطوات حتى باب الشقة، الباب مقفل!

ضغط بيده على مسكة الباب بخشونةٍ وعصبية واضحتين، اِلتفت خلفه، وجدهما تنظران إليه بشفقة، كانت الشرطية عارية إلا من قميص ليلٍ أسود رقيق والممرضة بدورها عارية إلا من قميص ليلٍ أبيض.

- ابقَ هنا يا أحمد، عليك أن ترتاح قبل أن تغادر! قالت سابينه.
- لن تجد الطريق إلى محطة القطار، الوقت مبكر، الباص لم يبدأ رحلاته بعد باتجاه المحطة، ابقَ هنا يا أحمد. قالت هينلوري.
- إني خائف، يجب أن أترك هذا المكان المشبوه. قال أحمد.
- انتظرنا قليلاً إِذنْ، سنرتدي ملابسنا لننزل معك، سنوصلك إلى محطة القطار. قالت سابينه.

لم يطلْ انتظاره طويلاً حتى عادت المرأتان بحلةٍ جديدة... الجلد الأسود يكسوهما من أسفل القدمين حتى الرأس وبيد كل منهما قضيب أسود يشبه مظلّة شتاءٍ مطرية، لعلّه سلاح متطور! لعلّه مظلّة مطر على هيئة عصا كهربائية!
أحسّت المرأتان بعيونه القلقة، لمح مفتاحاً على رفٍ صغيرٍ قرب الباب، انشغلت المرأتان عنه قليلاً، دخلت سابينه إلى المطبخ وعادت تحمل شيئاً بين يديها، اقتربت أكثر، ميّز أنها خمس علب سجائر بولمول، بدأت سابينه تحشر العلب في جيب جاكيته وهو يضحك! وضعت علبتين في حقيبته اليدوية وهو يضحك بحيرةٍ من سلوكها!

- شكراً، شكراً لك، لكن لدّي سجائري، لن أحتاج سجائرك الكوكايينية بعد اليوم. همس لها.
- بلى ستحتاجها! قالت بانفعالٍ.

لم يعترض على اغتصابه بالسجائر، مدّ يده إلى المفتاح، سحبه بسرعة، جرّبه بقفل الباب، البابُ مفتوح! ودّعهما بنظرةٍ خائفة، قال: أرجوكما أتركاني وشأني، وركض مندفعاً إلى خارج الشقة. سمع خلفه صوتاً: لا تغامر بنفسك يا أحمد!


ركض يقفز الدرج الموصل إلى الطابق الأرضي كنصف سكران، وصل إلى باب البناية الرئيسي، توسَّل إلى الله في سرّه ألا يكون مقفلاً، البابُ مفتوح!

بدأ الظلامُ بالانقشاع عن الصبح، لكن المطر غزير والريح باردة. وقف لبرهة ينظر إلى اتجاهٍ ما للهروب، حسم أمره سيهرب في هذا الاتجاه، يساراً حيث مشارف الغابات، زالت عن نفسه غيُوم الاضطِراب لبرهة، حلم بالضوء الساطع في نهاية الغابة والحياة الروتينية، فما بعد الضِّيق إلاّ الفرج، ثم ما لبث أنْ اِغْتَمَّ فجأة لذكرى الضوء الساطع في نهاية النفق!


"أمضى صديقه الهارب من الخدمة القسرية عدة شهورٍ من الألم والإنهاك في طريقه إلى مكانٍ آمنٍ يلجأ إليه، قال له المُهرِّب قبل ليلةٍ على وصوله: حين تصل إلى مدخل النفق، حين تعبره إلى الطرف الآخر، ستصبح مواطناً له من الحقوق ما لم تحلم به في حياتك السابقة!
كلمات من هرَّبَه أَطربَتْ مَسامِعه بلحنٍ رائعٍ، زرعها حلقاً في أذنيه، نسيَ في لحظةِ فرحه آلاف الدولارات التي استدان القسم الأكبر منها ليدفعها ثمناً لبلوغ الذُّرْوَة...
هبط المساء حنوناً، اقترب الباحث عن المأْوَى من مدخل النفق الموعود، ثَمّة بَصيص أَمَل، ضوء جميل في نهاية النفق... لعله البريق القادم من ساحة المدينة! اِغتَبَطَ، دخل في النفق أخيراً.
لم يكن الضوء الساطع في نهاية النفق إلا أحد القطارات السريعة القادمة من الاتجاه المعاكس..."


خاطب نفسه: ما الذي ينتظرني على الضفة الأخرى من الغابة؟ واندفع راكضاً إلى الشجر الأقرب، جاءه صوت مُحَرِّكِ سَّيَّارَة، نظر خلفه، رأى قرب مدخل البناية سيارة بيضاء، رأى اِمرأتين بلباسٍ أسود ورجال ثلاث في وقفة تشاور! وصلته أصوات تطلب منه التوقف، لم يَأبه بها واندفع يدخل الغابة، غطست قدمه في الوحل، أرْعبه أَزِيز طلقات رصاص مرت جوار فخذه! السَّيَّارَة تتقدم باتجاهه كوحش أسطوري، غيّر طريقه في الغابة وتابع ركضه، تلاشى ضوء السَّيَّارَة، تمهّل قليلاً ومشى حامداً الله في سرّه لأنهم تركوه أخيراً وشأنه.

إن جسمي واهنٌ ومتعب، أريد الهروب ولا أستطيع، أريد البقاء ولا أتجرّأ!
ما الذي أتى بي إلى بلاد الغرب المجنون؟ ما الذي يعجبني هنا؟
أليس الطريق إلى غرفتي في الشرق أكثر بساطة ودفء من هذا الضياع في الغابة؟

أعرف فقط في هذه اللحظة أنّها أسئلة فلسفية، لن أستطيع الإجابة عليها إلا على فراش الموت، هنا في الغرب، بعد أن أكون قد عشتُ طويلاً وجمعتُ خبرة عشرات السنين من الحياة والتجربة في هذا البلد الأمين حقاً!

من سيهتم لأمري حين أموت هنا أو هناك؟
على ماذا سأندم عند دُنُوّ الموت مني؟
هل سأندم لأنني أرفض المؤسسة الزوجية بشكلها الشرقي؟
هل سأندم لأنني لم أرغب بتربية الأطفال؟
هل سأندم لأنني عشت حياتي كما اشتهيت وبشجاعة دون أن أتمسك بالعادات البالية والأنماط الاجتماعية القديمة؟
هل سأندم لأنني أحببتُ عملي فتزوجته؟
هل سأندم لأنني عملت طويلاً وبمتعة؟
هل سأندم لأن أصدقائي يُعدّون على أصابع اليد الواحدة؟
هل سأندم لأنني عبّرتُ دائماً عن رغباتي ومشاعري بوضوح؟
هل سأندم لأنني ساعدت الكثيرين دون مقابل؟
هل سأندم لأنني غادرت كهف الوفاء للكوكايين؟
هل سأندم على مِشْوَار هروبي هذا أم على المِشْوَار هناك؟


"أَما زالَ المِشْوَارُ هناك في نَهَار مُشْمِسٍ تحت أظْلال أَشْجَار الحَور البَاسِقات المُزَيَّنات لذاك الرَصيف المُمتدّ من نادي الريجي وحتى السكن الجامعي، مروراً بمقهى ميس الريم البسيط، دافئاً وجميلاً؟
أَما زالَ المِشْوَارُ هناك والمطر قد اِشْتَدَّ انْصِبَابُه، وأنت تحاولُ مُخَاصَرَة صَبِيَّتكَ القادمة من مدينةٍ بعيدة، تحاولُ أنْ تحتويها، أن تبتلعها، أن تستدفئ بعطرها، وأنتما في طريقكما إلى المدينة الجامعية أو حارة مجاورة حيث تسكن أنت، قلوبكما تنبضان حباً للآخر، قلقاً من القادم الأخطر، وخوفاً من عيون رجال الأمن والشبيحة الوقحين الملطخين بالقهر/العهر/الدم، وهي تترصد خطوات الحب في المدينة، أما زالَ المِشْوَارُ هناك عذباً مجنوناً رغم عيون الإجرام، كما كان قبل سنين؟"



ما الذي أتى بي إلى بلاد الغرب هذه؟
لماذا قررتُ منذ اليوم الأول لوصولي البقاء في هذا البلد؟
بل لماذا اتخذت قرار البقاء هذا قبل وصولي إليه بسنوات؟
هل كان تهديد أبو زاهي لي هو السبب في هذه الرغبة الحمقاء؟
هل كان السبب الفعلي يكمن في الفوضى التي عشتها؟ فالفوضى عدوة الإبداع!
هل يكمن السبب في خوفي من عواقب نداءات القطط الليلية ومحاصرة أبو شاهر وتهديداته لي بإبلاغ أولاد السلطان عن أفعالي؟
هل يكمن السبب في صفعات ابن السلطان التي غيّبت عني ضوء الشمس؟



"بينما كان السلطان أكثر نضجاً إذْ قرر استضافة ألعاب البحر المتوسط في بلدٍ يعيش الفقر، كان هو مايزال بعد في طور المراهقة بشقيها العشقي والسياسي! وكما السلطان كان هو يرى في الرياضة حياة!
فيما كان السلطان غاضباً من شعبه وكارهاً لهم، كان هو غاضباً من تلك الكتل البيتونية وكارهاً حذراً للسرقات التي تمت باسم الرياضة ومدينتها، ساخراً ممن حصلوا على امتيازات تؤهلهم للدراسة الجامعية بعد مشاركتهم في اللوحات الاستعراضية الغنائية والفلكلورية وفي الرقصات الشعبية خلال الإفتتاح!
ألقى السلطان خطاب الإفتتاح الترحيبي وألقى الرياضي الأول كلمة النوارس، أما هو فقد ابتسم للأمن والسلام!
حالما انتهت الألعاب المتوسطية، بدأت موجات الاعتقالات السياسية الهمجية، التي طالت الآلاف من بيوت الفقراء المحترمين المحرومين! أحدثت السلوكيات المخابراتية صدمة وجدانية وفكرية عاتية في أعماق آلاف الشباب والشابات، خيّم الحزن والأسى في الصدور، اِنكسرت الأحلام واجتاحت موجات من الصمت واليأس والخوف شوارع المدن والريف، وضعوا من اعتُقل مصيدة لمن لم يُعتقل بعد! صادروا كل ما تبقى من الأمل والفرح في بيوت الفقراء...
حالما انتهت الألعاب المتوسطية، بدأت آلات الطباعة والتصوير والنسخ في العام ذاته تزحف ببطءٍ إلى سوق المدن، غالية الثمن، قُيل آنذاك أن شرائها يتم بموافقات أمنية وضمانات تعهدٍ من قبل الشاري بالتعاون الأمني...
في شارع هنانو تقع سينما اللاذقية وعلى الرصيف المقابل فلافل الفلسطيني ومكتبة عريف التي اتسعت رغم ضيقها لماكينة الطباعة وتصوير المستندات، في بداية تقاطع شارع هنانو مع شارع السينمات كما يُطلق عليه تطل واجهة سينما الدنيا، يغازلها من الرصيف الآخر مقهى الموعد، على امتداد شارع السينمات المؤدي إلى المنشية تقبع على الرصيف الأيمن سينما الكندي للمراهقين الملتزمين وقبالتها سينما الأهرام للمراهقين العاديين، بعد خطوات منهما يتقاطع الشارع مع الشارع المُسمى الثامن من آذار، على ضفتي التقاطع يستريح مقهى السويس ومقهى البستاني، يُغريك شارع السينمات من جديد لتتابع السير منحدراً حيث تقع سينما دمشق، تلاصقها من جهة اليسار مكتبة احتوت أيضاً على ماكينة طباعة وتصوير مستندات! بعد عدة خطوات تنتظرك سينما الزهراء، تتابع السير فترى على يسارك متحف اللاذقية...
متاحف الشرق شاحبة، غامضة وغريبة! كأنّها بوابات لفروع تحقيق وتحقير وتهشيم... لا تتجاسر على مجرد التفكير في زيارتها!
تتجاوز ذاك الحزين الغامض لتصل مدخل حديقة المنشية، هناك تلتقي وجوهاً يمتطيها الخوف ووجوهاً ذكورية لئيمةً تنشر الخوف ووجوهاً تهدّدك، ووجوهاً تجبرك على الرحيل، ثم تنتهي الحديقة في البحر وتنتهي أنت في الغرب...

في الصيف يبحث المراهق عن عمل، الفقر والضجر لا يُحتملان، يسألُ أحمد صديقه ذا الخبرة عن فرصٍ للتشغيل، ينصحه بالتقدم إلى بلدية المدينة حيث يعمل، شوارع المدينة تحتاج من ينظفها ليلاً...
وما أن اِستَوثَقَ من العرض المقدم حتى مشى إلى صديقه زين الذي يبحث عن عمل، جلسا سويةً يتسامران حول العمل وأبريق شاي يرافق حماسهما، ساعات وينتميان إلى ما يسمونه شريحة حثالة البروليتاريات، أعجبتهما الفكرة ومغامرة تكنيس الشوارع ليلاً...
قبل مغيب الشمس بقليل وصلا إلى مكتب النظافة في البلدية، قاما بتعبئة استمارة التشغيل واستلام المكانس وعربة يدوية لجمع القمامة، يبدأ الشغل في العاشرة ليلاً وينتهي قبل شروق الشمس، يحدد رئيس عمال التنظيف لهما الحارة والشوارع الواجب كنسها وجمع قمامتها، كانت إحدى الحارات من منطقة الصليبة في مدينة اللاذقية...

بدأا عملهما ذاك المساء بافتنان، يكنسان أرصفة الشارع ويجمعان بقايا النهار، صار الشارع الأول نظيفاً، الساعة تقترب من منتصف الليل، كان العمل مضنياً وبضعة شوارع أخرى مازالت تنتظرهما، ما أن همّا بالتوجه نحو الشارع الموازي حتى ترامت إلى مسمعيهما أصوات تحطيم وتكسير وارتطام تعلو وتنخفض ووقع أقدام جارية، نظرا خلفهما، تَجَهّم وجهيهما، تَسَلَّلَ الفرح هارباً من عيونِهما لمّا أَبْصَرَا أكياساً سوداءً هابطات بسرعات عاليات من الأبنية العليا، ترتطم الأكياس بإسفلت الشارع المُنظَّف للتَّوّ، تَتَمَزَّق وتَتَطَايَر أحشائها متناثرة في المكان، يَتَلَطَّخ الشارع بألوانٍ مختلفة، قشور الصبّار والبطيخ الأحمر والأصفر وبقايا أطعمة أخرى، يبدأا عملهما من جديد...
انتهى يوم العمل الأول، كانا متعبين مُثقّلين بالحيرة، يَعْتَريهِما شوق لطعام الفطور والرغبة بالنوم، يعودان إلى مكتب البلدية مشياً على الأقدام لتسليم عدة التنظيف، ثم يتابعان طريقهما إلى البيت ليصلانه في أقل من ستين دقيقة...
في اليوم الرابع أصابهما الإرهاق والتمرد، جلسا في جانب الطريق والأفكار المضطربة تمرح في مخيلتهما المجهدة، توقفا عن العمل بعد أن اتفقا على سؤال المّارة في الشارع، فيما إذا طبيعة عملها تتناسب وحالتهما العمرية والتعليمية؟ وعليه سيتخذان موقفاً واضحاً بالاستمرار أو التوقف مباشرةً، استوقفا خلال أقل من ساعة من الزمن أكثر من سبعة رجال بأعمار مختلفة، كان جواب المارة واضحاً ومختصراً: هذا ليس عملكما... في تلك الساعة توقفا عن لملمة بقايا النهارات في المدينة الغافية في عرين السلطان...


في المساءات اللاحقات راحت مشاعر الغضب، الضجر، التعب، الحزن، الضيق، الرفض ومعها مشاعر الشوق للوجوه التي اختفت تَتَخَمَّر، كلاهما أراد التعبير عن تمرده الدائم بصورٍ متباينة، طالما ناقشاها حتى الصباحات، كان زين الذي يكبر أحمد بسنواتٍ بثلاث يبدع بالإسهاب وإطالة الحديث والغوص في التفاصيل، يشرب الخمر، يدخن بأناقة، يعزف على العود ويغني،يعرف جيداً كيف يُضفي جواً من المرح إلى ضباب النقاشات العتية...
في إحدى الليالي الجميلات اِلتقى ثلاثة شباب يافعين في غرفة، أحمد وزين ومحسن، جمعوا ما لديهم من ليرات، ذهب محسن إلى دكان أبو زاهي االمجاور واشترى زجاجة من العرق البلدي المعبّأ الرخيص، بضع بيضات، علبة مرتديلا وثلاثة علب دخان الشرق، كانا في ذاك المساء متفقين ضمناً على ترجمة تمردهما، بعد تحضير طعام العشاء وصحون المازوات، بعد قرع الكؤوس وخلال المخمخة بسيكارة الشرق، شربوا نخب الإطاحة بالسلطان، ابتسم أحمد، الرسالة وصلت، سأل زين بجديةٍ لا شك فيها: أين المنشور؟ أرني ما كتبت؟ وأردف لقد قررت أن أساعدك فيما تنويه! اعترض محسن بأنه لا يفهم ما يقصدان، تكلما معه عمّا يخططان لفعله، وبدون طول نقاش أعلن استعداده لمشاركتهما...
نهض أحمد ورفع طرف فرشة النوم وسحب من تحتها أوراقاً، بدأ قراءة ما صاغه في الأيام الأخيرة من عبارات ذات مدلولٍ تحريضي، تمت الصياغة من جديد، تبرع محسن بكتابة المنشور بخط يده، متذرعاً بأن شخصه وبالتالي خطه ليسا بموضع للشك من قبل أولاد السلطان، تم الاتفاق على عنونة مشروع المنشور ليصبح: نداء الشباب الديمقراطي...
يبدأ بجملة من تَمَنْطَّق تَزَنْدَّقَ ومن خالف أوامر السلطان حلّت عليه اللعنة وينتهي بالدعوة إلى إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح معتقلي الرأي والتحريض على إسقاط عرش السلطان...
اقتربت السهرة من نهايتها، الشمس ستشرق بعد قليل، الأصدقاء الثلاثة لم يتخذوا قرارهم بعد فيما يتعلق بألة النسخ وعدد النسخات وتكلفتها، مرة ثانية تبرز رجولة محسن، يُعلن عن اِستعداده على اختيار المكتبة المناسبة للتصوير، هو طالب جامعي قد نجح إلى السنة الثانية ولديه خبرة في تصوير المحاضرات، تم الاتفاق على تلك المكتبة الملاصقة لسينما دمشق على الرغم ما قِيل عن صاحبها بأنه من الآفات البليدات، تفرقوا يملؤهم التحدي...
في اليوم التالي حضرت الليرات اللازمة لنسخ المنشور ونسخ أوراقٍ لا قيمة لها للتغطية، وكذلك حضرت الليرات اللازمة للهروب بتاكسي أجرة في حالة افتضاح الأمر، في اليوم الثالث كانت نسخاً كثيرة من النداء في حوزتهم، وزعوها بعد منتصف الليل على البيوت المجاورة، يعتمرهم الغضب والفرح، عادوا للنوم بانتظار مفاجآت يحملها حفل الإفتتاح الرياضي إليهم، غفوا وهم يحلمون بأكياس بيضاء هابطات حاملات للبشائر...

نهض أحمد من نومه العميق على خبطات مربكات مصدرها باب الدار، نظر من باب غرفته، وجد رجلاً بعيونٍ زرقاء غاضبة وجسد أتعبته الدهون المتراكمة، إنّه هو، لقد عرفه، إنّه الجار الغامض أبو شاهر، دخل من دون استئذان، طلب كأساً من الشاي دون عزيمة، جلس على الصوفا القديمة، جلس أحمد على كرسي قبالته، تذكر أحمد كيف وضع له ليلة البارحة منشور النداء على حافة نافذته في الوقت الذي افترش أبو شاهر مع زوجته سطح بيته الصغير، يراقب تغيرات الليل ويسترق السمع إلى أصوات العباد...
نظر أبو شاهر إلى وجه أحمد نظرة العارف لأسرار الكون، خيّم الخوف والحذر، صرخ أبو شاهر: لا يعجبني نشاط القطط الليلية!
أجاب أحمد: ماذا تقصد؟
أعاد الكَرَّة: لا يعجبني نشاط القطط الليلية! نشاط القطط الليلية لا يعجبني!
تمتم أحمد: لم أفهم!
تقيّأ ذاته من جديد: لا القطط تُعجبني ولا نشاطها الليلي!
هز أحمد رأسه ساخراً إِذْ أحسّ بأن أبو شاهر لم يراه حقاً، وإنما خيّل له أنه قد رأه...
نهض أبو شاهر وهو يردد: نشاط القطط الليلية لا يعجبني! سأخبر أولاد السلطان!"


ساعات وتصلك سيارة أولاد السلطان! ترافقهم صامتاً مقهوراً...


"هو أحمق، قصير القامة، أحدب البطن، له فخذي فيل وذراعي غوريلا، أداة سلطة في العقد الخامس من العمر، يرتدي قميصاً طحيني اللون وبنطالاً قماشياً يتسع لخصيتيه الصغيرتين مع عناقيد الدوالي من حولهما كخصيتي قط مريض...
يداه سوداوان صغيرتان مكورتان بأصابع قصيرة وسمينة مثل كلب أجرب... كائن أصفر يتبرز من فمه، يتبول من أنفه، يأكل حتى من فتحة شرجه ويضاجع ذاته في مكتبه، لن أقول لكم أن رائحة فمه وجسده قميئة! ولن أقول لكم من هو؟
وأنت شاب يافع، طويل القامة بجسدك الرياضي ودون نظارتك الطبية، تقف أمامه حافي القدمين، قوياً، شامخاً وساخراً، ترتدي قميصاً سماوياً وبنطال جينز كحلي دون حزام، دون نقود ودون هوية، يداك القويتان مربوطتان خلف ظهرك، يحرسانهما كلبان مسعوران متأهبان للانقضاض في كل لحظة...
فمك ينزف حباً ودماً، عيناك مغلقتان بطماشات سوداء تحجب عنك العتمة ووجهه القبيح، لحسن الحظ أنك ترى من يقف أسفل قدميك وتشكر في سرك تلك الفتحة-الثغرة بين وجنتيك والطماشات!
وأنت ترى بطنه الكبير يهتز تضحك فتضحك يده المشوهة، كلما صفعك بكف يده اليمنى يصفع وجهك الأيسر، يميل وجهك إلى اليمين فيعيده لك بصفعة من ظهر يده اليمنى، لعله يراك تبتسم من جديد، يحنق أكثر، يصرخ بوجهك: أتراني، أما زلت ترى بطني يا ابن الثورة؟ سأعلمك كيف وماذا ترى؟
يصفعك و يصفعك أكثر بكفه المفتوح المقعر وبظهر كفه المحدب، وأنت تضحك وتضحك... تنتفخ وجنتاك أكثر فأكثر، يغيب عن عينيك الضوء الفتحة، تحزن، تختفي ابتسامتك مع اختفاء كرشه المهتز، تحلق في دوامات اللاوعي وما تزال واقفاً، يقهقه الجلاد: ألم أقل لك سأخفي عنك حتى ضوء الشمس؟ ألم نقل لكم أنّ نشاط القطط الليلية لا يعجبنا!"





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,399,360
- حدث في قطار آخن -31-
- حدث في قطار آخن -30-
- حدث في قطار آخن -29-
- حدث في قطار آخن -28-
- حدث في قطار آخن -27-
- حدث في قطار آخن -26-
- حدث في قطار آخن -25-
- حدث في قطار آخن -24-
- حدث في قطار آخن -23-
- حدث في قطار آخن -22-
- حدث في قطار آخن -21-
- حدث في قطار آخن -20-
- حدث في قطار آخن -19-
- حدث في قطار آخن -18-
- حدث في قطار آخن -17-
- حدث في قطار آخن -16-
- حدث في قطار آخن -15-
- حدث في قطار آخن -14-
- حدث في قطار آخن -13-
- حدث في قطار آخن -12-


المزيد.....




- أمريكا تطلق قناة تلفزيونية تبث باللغة الفارسية لمخاطبة -شعب ...
- صدر حديثا كتاب -العنصرية كما اشرحها لأبنتى- للروائى المغربى ...
- مهرجان بعلبك يكرم أم كلثوم في افتتاح موسمه الجديد
- مهرجان بعلبك يكرم أم كلثوم في افتتاح موسمه الجديد
- مسلسل تلفزيوني يقدم بطلة خارقة متحولة جنسيا
- الفلكلور الشركسي.. تراث تتناقله الأجيال
- برلماني -بامي- يهدد بالاستقالة بسبب معاشات البرلمانيين
- شرطيون مغاربة في باريس للتعرف على هويات قاصرين
- منشد الفاتحة المصري على ألحان الموسيقى يرد على منتقديه
- الشعر في الاحتجاجات العراقية يسجّل وقائع الفقر والعنف


المزيد.....

- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- هل مات بريخت ؟ / مروة التجاني
- دراسات يسيرة في رحاب السيرة / دكتور السيد إبراهيم أحمد
- رواية بهار / عامر حميو
- رواية رمال حارة جدا / عامر حميو
- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -32-