أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأحمد - ما رواه ميثم - ليلة صيربيا















المزيد.....


ما رواه ميثم - ليلة صيربيا


محمد الأحمد

الحوار المتمدن-العدد: 5045 - 2016 / 1 / 15 - 19:15
المحور: الادب والفن
    


ليلة صيربية
محمد الأحمد
"اولُ الابداع عدم القناعة بما تكتب، وما تبتكر".
عندما رست بنا عرباتُ قهر الهجرة الى اعتاب جمهورية "صيريبا"؛ ظننا قد شطبنا على اغلب المراحل الصعبة، وبقيت امامنا المراحل قبل الاخيرة، من باقة العذاب الاقليمي، ولم يكن ذلك الا هاجسا بقينا نتمناه في كل مرحلة ندخلها، من بعد ان سبقتنا الجموع الغفيرة، متدفقة من اجل حياة جديدة، زاحفة بتهافت مريب. حيث تواصلت ببعضها كأنها سرباً عظيماً من طيور مهاجرة. حلقات شباب مع اطفال ونساء ورجال وشيوخ.. دفعت بهم قوارب النجاة من الموت المؤكد الى هذه البقعة، لتواجه حياتها الجديدة بأقل ما يمكن ان يواجهه الموت بديلاً عن آمالهم الخبيئة. عوائل من جنسيات مختلفة، سوريون وعراقيون تركوا الموت العاصف يأخذ منهم اغلب ما بقي فيهم من انسانية.. "انسانيتهم التي زلزلت من تحتها الارض، وامطرت السماء عليهم براميلاً متفجرة"، تركوا امكنتهم ليتواصوا بصبر نزيز، وامل مقيم.. خسروا كل ما لديهم من آمال ليتلحفوا ببضعة سنتمترات من حقائب صغيرة "عاضت" عن تلك البيوت التي هزم منها الامان، "فرق موت ماحقة قطعت وصال كل الطرق الآمنة"..
تلك المساحة من الخيمة السفرية او من حقيبة النوم، جعلتهم يتمسكوا بها كآخر ما تبقى لهم من ثبات.. راح الاغلب يفترش بلاط الشارع ومتجاورا جنب بعضه بعضاً، بانتظار دور اعطاء المعلومات الكافية عن انفسهم.. كانت الطوابير متماهية مع العمل الذي جاريا بلا توقف. اذ تراكمت حول محيط المخفر "الصربي"، وتحت وصاية منظمة الصليب الاحمر الدولية، ويدرجه - داخلاً للبلاد- "دون شرعية"، وينتظر منها ورقة "الطرد الشرعية"، ليتسنى المغادرة الشرعية الى الخطوة التي بعدها. اغلبنا يعرف جيدا؛ "الجمع الغفير عبءٌ كبيرٌ عليهم" على بلاد مازالت تئن من بقايا عدم استقرارها الذي تدرجه نشرات الاعلام بين الحين والآخر.
لم يبق مكانا في الساحة العامة المجاورة او الشوارع القريبة، والحدائق الا وكان يغصّ بالمهاجرين.. بحثنا عن مكان مناسب.. عسانا ان نجد صديقينا اللذان تفاوتا عنا في زحمة التفاوتات.
بحثنا – ثلاثتنا- عنهما، ولم نجد لهما اثر.. لابد انهما استقرا مع تلك الفتاتين اللتان قابلناهما في باخرة "النسمة الحائرة" التي اقلتنا من "كوس" الى "اثينا"..
كان المهاجرون متواصلي الامتداد، ويعصب المشي بينهم.. احلام، واوهام مجتمعة في الاجساد المتجاورة.. لغة عربية تطغي على تلك التقاطعات.. لغة واحدة، ولكننا حقيقة "امم صغيرة في امة".. كما يحلو للاسم ان يتقسم بينا.. قال ابو ساره "لنغني اغنية زياد رحباني.. يا زمان الطائفية .. طقّة فيك وطقّة فيّ".. نضحك..
- "الا ان الحال بات كحال الايام الحادية والعشرين المتواصلة بالرحيل، حيث كانت الاغلب من ايامها النوم في العراء وملامسة الارض الصلبة وبين طيات حقائب النوم السفرية".
كلما نظرنا لبعض؛ ضحكنا، لأننا نحاول التغلب على مجاهيل مستمرة، ومازالت تقلقنا، نضحك استعدادا لمواجهة مصير مجهول.. لعلنا نحاول بالضحك والابتسامات العريضة ان نسند بعضنا بعضا، من اجل تحمل ما يلمّ بنا من خوف.. لمَ لا نضحك فالأقدار كلها تسخر منا، ودون رحمة..
لفتنا مرور شاب من بيننا، لفت انتباهنا بطريقته الشرهة في الاكل.. ولكنه ذكرنا بجوعنا وبخواء احشائنا، و"بلحم الخنزير" الذي التهمناه في اليونان.
لمعت بيننا فكرة ان نشتري وجبة تساعدنا على احتمال موسيقى انغام فراغها، التي بقيت خاوية لم يدخلها الا الماء مذ اكثر من ثلاثة عشرة ساعة في مسيرة "باص" تهادى بنا على طريق بدأناه ليلا، وانتهى بنا الى هذا المكان ليلاً.. سهول لم نكن نراها الا في خلفيات صور "وندوز مايكروسوف"، خطرت من امامنا كأنها فيلم يعرض على زجاج "الباص" الذي انطلق بنا الى "صيريبا".
شاهدنا على جانبي الطريق في وضح النهار امواجا من الوان الطبيعة الساحرة، تلك الصور المنعشة تجعل المرء منا يتذكر ان يعبأ نفسا عميقا في صدره، كي يختزن بذاكرته من هذه الصور لحلم مؤجل. كانت هناك وديان متواصلة الخضرة، تشرف عليها مدناً متواصلة العمارة، وتحيط بها جبالا مزخرفة بالتماثيل شهدت عصورا من الحضارات بعد نكسات لا حد لها.. بقينا نلتقط لها الصور عبر زجاج نافذة الباص الذي كان يمضي بنا مواصلا الطرق الخارجية، صورا، واغلبنا لم يشاهد مثلها من قبل.. عاودنا النظر لبعضنا وضحكنا وكان قرارا لتبديد الجوع، نظر الي "احمد"، بعد ان وجدته ينتظر من ابو "ساره".. ان يكمل قوله بفصحى مرتبكة:
- "فطحل اللغة الانكليزية.. اما من مكان تذهبنا اليه ناكل مما سيهبنا الله"..
تواصلت ضحكاتنا، وكأنها طير ضال قد حلق فوق الغيوم. بعض الوجوه، تجهمت مستهجنة، وبعضها الاخر تركنا نلهو في عبثنا الضاحك..
قال "ابو ساره"، مواصلا السخرية، ولكن بصوت منخفض:
- اقتراحك فيه اكثر من وجهة نظر..
كأنما قد تحقق بيننا الاتفاق على ان نبحث عن شقة نؤجرها ليوم واحد، يوم يخلصنا من الهمز "اللامز"، ومزيج الروائح الغريبة التي باتت تفوح من زحام الناس التي لم تغتسل مذ انطلقت معنا من مدينة "بوردم" التركية. ثم تسلطت علينا الفكرة لأجل ان "نغتسل ونرتاح في مكان دافئ بدلا من النوم على بلاط الشارع البارد" في انتظار دورنا في تسليم معلوماتنا والحصول على ورقة الطرد ومغادرة البلاد التي وطأنا ارضها.
تجولنا في الامكنة القريبة، كأن الاجواء كلها هنا مرتابة منا، نظرات متوترة بالخوف منا.. لذلك لم نحصل على جواب، وكأن الناس ترفض ان تؤوي الغرباء حتى ولو بنقودها.. على الرغم من التحذيرات التي وصلت الى مسامعنا ان معظم اهل هذه البلاد الفقيرة، يعيشون تحت مستوى من الفقر جعل الجريمة متفشية بينهم.. سمعنا عن عصابات منظمة، وعن فقر مريب يسكن في ارجاء روسيا البيضاء. لم يكن الخوف قد تمكن منا الا في قرارة انفسنا نحن الثلاثة، ولكننا بقينا، نصرُّ على التحدي، ومهما يكن. نريد مكاناً نقضي فيه ليلتنا هذه مهما كلف الامر، نغتسل بماء دافئ وننام بضعة ساعات حتى يحط الصباح علينا، وننعم بورقة طرد اخرى تمكننا من الخروج الرسمي الى خارج الحدود لما بعد "صربيا"..
كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حسب توقيتهم، ومع ذلك رحنا نسال اصحاب سيارات الأجرة، ولم نجد لطلبنا جواباً، الا رجل واحد لم تكن سيارته تحمل علامة "التاكسي"، تقدم الينا موافقا على اخذنا الى مكان مقابل ان نضاعف له الاجرة.. (تفاوض معه "ابو ساره" بإنكليزية متعرجة).. ولم نختلف مع الرجل بعد ان طلب (مبلغا 60 يورو تقسم على ثلاثة كل منا 20 يورو) مقابل مبيتنا لليلة واحدة. وافقنا بلا تردد بعد ان اشترطنا عليه ان يرينا المكان اولا..
حملنا حقائبنا الصغيرة شبه الفارغة إلا ما تيسر لنا من حمل خفيف يحوي الملابس الداخلية وبعض الألبسة الخفيفة، ولم نفكر باننا عُزل فكل دولة ندخلها كانوا يفتشوننا فيها الى درجة العريّ، وجميع حقائبنا كانت تمرر عبر مرقاب خاص..
انطلق بنا محاذيا للشارع العام ثم بقي ينعطف في شوارع فرعية، كادت ان تخلو من حركة.. لم نكن نتوقع انه سوف يأخذنا الى مكان لم يوجد فيه إلا صمت القبور، ولم نكن نعرف بانها من سمات مدنهم التي لم نفهما بسهولة.. حيث أثار المكان فينا ريبة ما، نظرنا الى بعض، ولكننا اعتبرناها ازمة ايضا ولابد ان نتجاوزها بالضحك، ولكنه ضحكا خرج بصعوبة وكانه لم يكن عفويا..
بدت لنا البناية التي توقف عندها تبدو شبه مهجورة، بابها الرئيس من حديد صرّ بخفوت.. عندما دفعه ليدخلنا.. بقيت اعيننا تتفرس تفاصيل المكان. بعدها انزلنا الحقائب، ورحنا نتبعه بريبة.. بينما بقيت اعيننا تستطلع المكان.. المكان قديم ولكنه منظم تحيط به شوارع فرعية.. كان يدقق في ووجوهنا كانه يريد ان يحفظها، واحس بارتيابنا وقال لنا من اجل طمأنتنا "لم نبعد سوى نبعد حوالي 4 كم".. وكان يشير باتجاه المكان الذي تركنا فيه جماعتنا تفترش ارضه..
كنا نراقب بحذر، ونوارى خوفنا بالضحك المتواصل. قال لنا مشيرا عليها بإيماءة:
- "تلك البناية التي امامكم هي مقر السفارة البريطانية، ورجانا ان نلزم بعض الهدوء، حتى ندخل المكان".
ومع ذلك لم نهمل النظر الى محدد الملاحة في الموبايل. حددنا المكان على الخريطة: - "خير دليل في عالم ازدحمت علينا خرائطه"..
لم تكن البناية عالية كبقية البنايات التي جاورتها.. كأنما غير مأهولة، فاراد ان يبدد الارتياب:
- "المكان مناسب ورخيص الثمن"..
نزلنا بضع درجات، ثم واجهنا ممر شبه مظلما ترواح طوله 6م، برغم كفاح مصباح وحيد استقر فوق باب الشقة. لم يكن في الممر اي شباك عدى تلك الباب التي فتحها دون أي مفتاح.. ترددنا في الدخول، لكنه مدّ اصابعه الى رز الاضاءة، وانتشر الضوء، فلقينا انفسنا قد دخلنا الى مكان كبير وفاره من الداخل.
واجهتنا صالة الشقة وعلى اطرافها ابواب منها لغرفتيّ نوم، واخرى لحمام فيه كل اللواحق الصحية، اما المطبخ فلم يكن له سوى اطار خشبي يشرف مباشرة الى تلفزيون كبير كان مثبتا على الجدار، تحته جميع لواحقه الصوتية. وتوزعت على الجدران صورا عديدة نظيفة البراويز.. شبابيك كبيرة تصل الى الارض وكلها تطل بباب الى الحديقة. كان الظلام في الخارج يخيم على المكان برغم التيار الكهربائي الذي كان ينير العتمة.
جلسنا اولا في الصالة الواسعة، ورحنا نركن اغراضنا.. كأنما اتفقنا ان لا ينام احد منا في غرفة نوم الزوجية، لأنها لم تحتو على تلفاز. كنا نتابع تفاصيل الموجودات بدقة، من يريد ان يعرف اين يضع قدمه.. تفاصيل حضارية لبيت متحضر.. لم يخطر ببالنا ان المكان فرغ لأجلنا مقابل ذلك المبلغ الزهيد.. بقينا نتابع فضاء المكان.. مجموعة كبيرة من الاحذية الرجالية والنسائية رصفت بعناية داخل جزامة استقرت قرب الباب.. تفاصيل كثيرة دلت على ان الشقة، مأهولة من قبل زوجين وليس لهما اولاد.. بدت مؤثثة بكل شيء، نظافة المكان يدل على انه مأهول وهو مفرغ لنا لتلك الليلة. من اجل ان نستريح فيها مثلما قال لنا قبل سائق التاكسي قبل ان يغادرنا "انها مفرغة لنا للأيام التي ندفع له اجرتها، ومتفق مع اصحابها بهذا السعر عن كل ليلة.. اذا رغبتم البقاء الى يوم ثاني فانه سوف يعود غدا لاستلام اجرته"..
باشرنا بعد خروجه في التدقيق في غلق الابواب، من اجل الامان.. لكن يبدو انه نسي ان يسلمنا مفتاح الباب الخارجي. ومع ذلك توزعنا ندقق في غلق النوافذ، متجولين في المكان.. لم نكن في ساعة استقرار، بالرغم من انه لا يوجد منافذ لكاميرات مراقبة..
قلت لهما: "انا لم ارتح لهذا السكون؟"، واضفت: "تخيلوا اننا في عمق نومتنا يدخل علينا من يخدرنا، ثم يسلبون منا اعضائنا".. "حتماً سنتحول الى ادوات احتياطية.. صالحة للاستخدام البشري بعد ان كنا غير ذلك!".. ثم قال "ابو ساره" بعد ان اوقف ضحكته المجلجلة، ومغيرا الموضوع:
-"سوف اغتسل"..
بقينا نتأمل في صور الحائط.. "صاحب الشقة مع زوجته في زورق، صاحبة الشقة في صورة اخرى مع تلاميذ في صف دراسي، المرأة شابة في الثلاثينيات.. تقف مع رجل كهل ويظهر من الخلف شمعدان فيه سبعة محامل شموع.. الرجل يقف الى جانب زوجته وهي منتفخة البطن، وترك يده اليمنى على بطنها"..
لم يتأخر "ابو ساره" في الحمام، خرج مغطيا وسطه بمنشفته، وهو يقول: "لم احتج حتى ل"شامبو" يا فطحل الانكليزي"، ثم سبقني "احمد" في الدخول الى الحمام.. اضطررت بينما ينتهي من الاغتسال؛ ان ادقق في كيفية عمل تلك الاقفال التي كانت تعمل بشكل لم نألفه من قبل في بيوتنا.. عاود الضحك ابو ساره قائلا: "شتان بين البيت والزريبة".. صاح "احمد" من الحمام يطلب مني ان اناوله شامبو الغسيل من حقيبته"، اكد "ابو ساره" بان الشامبو موجود.. الا ان احمد اكد "الشامبو خاص بغسيل وبر الكلاب".. كتمت ضحكة، ورحت امسح على راس "ابو ساره"، وانا اقول ما شاء الله بدى مفعوله عليك سريعا.. فاكمل ضاحكاً:
- "وبعد قليل تتوقع مني العواء"
ثم جاء دوري بعده للاغتسال. ورحت معهم اتناغم مع الضحكة التي تندلع صافية، وعَفيَّة.. لتلامس الجدران، رجوناها ان تكون اكثر رفقنا بنا فيرجع لنا صداها، يطماننا ان تتسع المساحة لآمال كبيرة علّها تتراشق كرقصات ناعمة، وتجعلنا نطوف في مكان آمن..
ما ان انتهيت من الحمام حتى عدت حيث بدأت محاولاً التأكد من اقفال شبابيك الغرفتين، وانا افكر في كيفية صياغة مزحة جديدة تتعلق بال"الشعر الغجري المجنون"، والكلب.. اوقفت اغنية "عبد الحليم حافظ" التي تركتها تتهادى من محمول "ابو ساره"، وحاولت الاصغاء الى صوت كان لضيفة دخلت علينا.. جاءت الينا من الباب تحية "صوت انثوي".. اسمعه يستأذننا بالدخول "هلوو.. هلو".
كانت أمراءه طويلة تشكل في شعرها وردة، برفقة كلب ضخم اسود الشعر وقد اقعى امامها مطيعاً، بينما وجدت رفيقي معها يستمعان الى ما تقول دون ان يباليا بالخوف من الكلب.. بينما هي تبدي لهما عن اسفها بلغة إنكليزية واضحة عن سبب تواجدها المفاجئ، وكأنها متظاهرة بعدم معرفتها بان زوجها قد اجر شقتها، ولم تبد تذمراً، بل كانت مستسلمة للامر، وكانه يتكرر دائماً.. كان شعرها الاسود الجميل يتدلى على كتفيها، ترتدي بلوزة بيضاء بأكمام طويلة غطت معصميها، وبان طلاء اظافرها بلون ابيض اضفى جمالا اضافيا اليها.. اما بنطالها فقد كان فيه فتحتين واحدة على الركبة والاخرى على الفخد الايمن، وكانت تحمل بيدها سترة رمادية بلون البنطال.. بدت كملاك تهادى بأجنحته من خيال على صوت موسيقى.
ما ان التفت حتى شعرت كم كان جمالها لافتاً.. الى درجة اربكنا ثلاثتنا، وجعلنا كالمسحورين، نتابع نعومة اجبرتنا على الاصغاء اليها بكل جوارحنا، وكأننا لا نريد ان يفلت منه حرفا واحدا. التفت الي، وتأكدت بانها ذاتها السيدة التي رأيناها في الصور المعلقة على الحائط. فاجأتني "ان كانت هناك مشاكل في ابواب غرف النوم".. فهمت ان كلامها كان موجها لي، لأنه قد لمست الابواب ذاتها قبل اربع دقائق.. جعلتني اشك انها جاءت الينا بعد ان اعتمدت على كاميرا مراقبة.. سألتنا ان كنا نحتاج الى شيء، فاعرب "احمد" عن رغبته ان كان هناك اتصال انترنيت، فرحبت بطلبه، واخرجت من حقيبتها نقالها، وفتحت منه لنا "الانترنيت".. بقينا صاغرين، وقالت منسحبة، بانها ستنام في شقة مجاورة، وسوف تترك هاتفها وسوف تعود لأخذ جهازها المحمول عندما تغادر الى وظيفتها في الصباح..
قبل ان تخرج كنا سويا في حالة ارتياح لهذا الكائن البديع الذي حل في قرارة انفسنا، نتأمل تناسق الوان ما تلبسه مع توقد عينيها التي انسرحت ترتع بين رمشين طولين لم يكنا مستعارين، وقوسي حاجبين خطا بعناية الّاهية كأنما قد ابدعها الخالق ليرينا اي جمال قد ترسمت به، واعتنى بها لتكون صاحبة الوجه الذي يحمل كل ذلك الجمال الآسر..
تركتنا لنقول لبعض: (هل كنا نحلم؟).. لكن ثمة لمعة اكتشاف متوقدة، كانت خبيئة في عينيها، وليتنا نعرف جيداً -اللغة، لنحلل كلماتها، ولكنها بدت اثناء كلامها بانها تتعمد ان تعكس صدقاً.. ليتنا نعرف ما الذي اتى بها الينا لتحل بين ثلاثة رجال دون ان تخاف منهم، هل تعتمد على الكلب فجعل منها تنطق مخارج كلماتها بطريقة واثقة.. "ام هي من ضمن فريق عمل.. تمركز خلفه سنداً لها يتابعها عبر الكاميرة مما جعلها متأكدة باني احاول تامين النوافذ".. تبادنا تلك المخاوف، ولكننا غير متأكدين من اي شيء، حتى فاضت علينا المخاوف وجعلت منا نعاود التحديق في الحيطان ، والنوافذ، وكل شيء بحثا عن تلك اللعنة التي اسمها "كاميره"، واين مكانها، وكيف خبأت. "ان كانت هناك واحدة حدسنا وجودها امام النافذة في تلك الغرفة، ولابد ان تكون عدة كاميرات موزعة لتراقب كل المكان.. تسلط علينا هاجس المراقبة "قال احمد يكفي عليكما ناكر ونكير اللذان نحملهما بين تلافيفنا.. دعونا ننام"..
لم يمض على ذلك سوى عشرة دقائق، حتى عادت من جديد تعيد السؤال علينا "ان كنتم في حاجة الى شيء"، او "انها عادت لأجل ان تتكلم مع زوجها"، واقتصر ذلك على دقيقة، وهمت مغادرة..
- قال ابو سارة ارحب بالموت على يد هكذا امرأة.. هل رأيتما اصابع قدميها..
- "كانت حافية القدمين كما يقول "قباني"..
ولأجل نطمئن انفسنا، اكثر فكرنا "لو اتى كل واحد منا بسكين من المطبخ"، فكرنا بانها حالة بائسة ان نخاف من امرأة. او الخوف من الفريق الذي يعمل وراء الكاميرة. غلبنا الخوف واضاع منا رغبة النوم، ارسل كل منا ما في جعته من الصور الى اهله.. "ابو ساره تحدث مع ابنتيه وامهما".. اما "احمد" كلم زوجته وامه عبر الماسينجر".. سألاني ان كنت اواصل الكتابة عن خيبتنا المتلاحقة".. ثم عاودنا اضحك من الافكار والاحتمالات.. ففي كل لحظة ينتصب امامنا شبحها طويلا بظله الطويل يمنع عنا اية اغفاءة، ومهما حاولنا..
- قلت ليتنا لم نات الى هذا المكان؟ كيف سنخرج"؟
- "ابدا لا شيء سوى انها تخاف من ان نسرق اغراضها"..
- "ربما سوء ظننا جعلنا نغفل عدم حصولها على مكان تنام فيه"..
- "مؤكد انها تبحث صحبة"
- "لا تسقط طريقة تفكير بيئتنا على طريقة تفكير بيئتهم"؟..
اتقفنا لو عادت تسألنا من جديد ستكون تلك المرة الاخيرة، لأنها كررت اسباب عودتها الينا، فكلما غابت، نجدها بعد لحظات قد حضرت مع كلبها لتكرر رسم بسمتها على وجهها الساحر.
لما عادت كنا قد عزمنا ان نترك المكان، ونعود الى مستوطنة الانتظار.. كانت الساعة قد قاربت الخامسة صباحا، لممنا اغراضنا وتركنا رغبة النوم. رفيقة الرعب، وأن نعود الى ذلك "الهرج" بدلا من ليلة خوف متواصل كاد يوقف قلوبنا.. كنت اول الواصلين الى خارج الشقة و"قطعت الممر المظلم بشق الانفس، جعله الخوف اطول ممر في العالم".. وقد تأخرا رفيقي في الداخل لانهما بقيا يواصلان الحديث معها.. اسمها "جين" متزوجة منذ تسعة اعوام.. واهلها من منطقة "كرينا" المشهورة بكروم العنب وتفتخر بجودة صناعة النبيذ الاسود الذي يرغبون به السياح الفرنسين، وايضا قد عرفا منها بانها "خسرت طفلها، ولم يكن بوسعها ان تحمل من جديد".. واضافا: "تركناها تمسح دموعها".
بقيتْ خطواتنا ترتجل الافرع الجانبية، باتجاه ما يعلمنا به "غووغل المحمول".. دلنا على طريق مختصر من شارع الى شارع، استرشدنا به طريقنا حتى وصلنا المكان، وهناك افترشنا الارض..
كنا نقول لبعضنا ونحن نحاول التغلب على وقت الانتظار: "لو لم نكن قد حضرنا عصر المحمول لكنا قد استرشدنا طريق العودة".. "نسترشد بواسطة رائحة جماعتنا.. علامة فارقة ".. واضفت: "وبعد الشامبو الخاص بالكلاب تحفزت لدينا غريزة الشمّ عن بعد".. بقينا نواصل ضحكنا حتى غفونا..
***** ***** *****
بعد نوم متواصل على ارض صلبة.. استيقظنا منه على صوت فريق من المتبرعين الصربيين كان يوزع لكل فرد من المهاجرين وجبة طعام مغلفة في علبة مع علبة عصير "عنب"..
قال احمد: "كم ظلمت جين الجميلة.. يا ميثم"..
اجبت بلا تردد: "لست نادماً على عدم خسارة اي عضو من جسدي"..
قاطعه "ابو ساره":- "علمتُ من موظفة الصليب الأحمر ان طريق اوكرانيا بات مفتوحاً الآن.. وبه نكون مستغنين عن المرور ب"هنغاريا" التي سارعت بغلق حدودها خوفا من زحفنا".. اذ قررنا ان نتخذها محطتنا القادمة بدلاً من احتمالات الوقوع تحت طائلة القانون الهنغاري المتشدد..
- "اوكرانيا لا تنتظر منا ورقة "طرد"..
ثم لملمنا ضحكاتنا على عجالة.. "المرحلة التالية".. دفعنا (60 يورو) واستلمنا بطاقات الحجز لتنطلق بنا باصات حديثة جداً، وحسب موعدها تمام الساعة الثالثة بعد الظهر..
‏12‏ كانون الأول‏، 2015




لمعرفة اخر تطورات فيروس كرونا في بلدك وفي العالم كله انقر على هذا الرابط
http://ahewar.org/Corona.asp





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,821,350,686
- لا جديد في غياب الأوكسجين
- فيروز
- يقول الخبر
- ادوار الخراط .. الروائي الذي لن يتمكنه الموت
- اوراق عن نصر حامد ابو زيد
- فيما بعد الكتابة
- المشهد الشعري البعقوبي
- كازانتزاكيس انشودة نهر عظيم
- المعرفة غاية النص
- تحية الى بوكر الرواية العربية للعام 2014م
- الحسناءُ في البلاد القصية
- الأشوقَ مني اليك قلبي
- كابوس ليلة في بغداد
- أصابع من السر المثير
- كتاب الحندل وابوابه
- غايات اخرى لوردة المحب
- ما قاله الغاوي للرواي
- حكاية النظرية اليعفورية في الاستبدال
- براءة
- مهرجان الجثث المعلقة


المزيد.....




- القرصنة الإلكترونية: -قراصنة حرقوا يدي بفيروس حاسوبي-
- كاريكاتير القدس- الأحد
- سينما -نهاية العالم- وسط صحراء سيناء مصر.. ما سرها؟
- العثماني يدعو المركزيات النقابية للإسهام في تقديم مقترحاتها ...
- وزارة الصحة تنفي اقتناء اختبارات الكشف ب400مليون درهم
- البام يطالب بالكشف عن كل كلفة مواجهة كورونا
- موسيقى الاحد: چـارداش
- كاريكاتير العدد 4684
- الفنانة ماجدة منير في حوار لـ”الأهالي”: صفحتي على «فيسبوك» س ...
- أبو سيف: نسعى لتجميع الأعمال الفنية والأدبية الفلسطينية في ق ...


المزيد.....

- لغز إنجيل برنابا / محمد السالك ولد إبراهيم
- رواية ( الولي الطالح بوتشمعيث) / الحسان عشاق
- سارين - محمد إقبال بلّو / محمد إقبال بلّو
- رواية إحداثيات خطوط الكف / عادل صوما
- لوليتا وليليت/ث... وغوص في بحر الأدب والميثولوجيا / سمير خطيب
- الضوء والإنارة واللون في السينما / جواد بشارة
- أنين الكمنجات / محمد عسران
- الزوبعة / علا شيب الدين
- ديوان غزّال النأي / السعيد عبدالغني
- ديوان / السعيد عبدالغني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد الأحمد - ما رواه ميثم - ليلة صيربيا