أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زياد المي - المقاومة المؤيدة ... نحو بناء كيان أنطولوجي جديد للمقاوم















المزيد.....


المقاومة المؤيدة ... نحو بناء كيان أنطولوجي جديد للمقاوم


زياد المي
الحوار المتمدن-العدد: 5043 - 2016 / 1 / 13 - 21:25
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


1. النظام لا يعادي بل ينهي إمكان وجود الأعداء
النظام الآن انتهى من ملاحقة أعدائه بأسمائهم و عناوينهم إلى ملاحقة أنماطهم و إمكان وجودهم باستقلال عنه، أي أعلن أن لا وجود بحق أي باستقلال إلا النظام، هو في مرحلة يتحول فيها النظام إلى لحظة من الاستعلاء الذي بدونه يصير أي مخالف "عدم".
إعدام النظام لأعدائه عن طريق نزع أي إمكان لوجودهم، بمعنى وجودهم باستقلال عن النظام فأي نقطة في الكرة الأرضية مملوكة بالكامل للنظام و أذرعه، أي نقطة و لو كانت مترا في صحراء الكرة الأرضية "الشاسعة قديما"، فلا يمكن أن تكون موجودة إلا بنمط النظام أو معدة لأن تكون في المستقبل تحت حكمه ، إذن لا يمكن الحديث عن أعداء للنظام من خارجه أي خارج مجالات نفوذه ، ففي كل مرة تتسع المستحيلات والممنوعات التي يفرضها النظام و البدائل التي يطرحها حتى يصير هو إلها مخفي.
هذا الوعي يمتد لكل شبر داخل مجالات النظام أي حيزه المكاني و الزمني فيتجلى في تجل إلهي، مستغلا كل أشكال السحر من محاكاة و صورة و من رموز، يتكثف وينتشر في تفريعاته المتشعبة، يفرض على المنضوين تحته أوامر دائمة، تُنسى مع الزمن أنها أوامر آلية إخضاعية فتصير قوانينا ثم شريعتنا ثم أخلاقنا، يصير عدم الاعتراف بها أو فهمها أو مخالفتها هو مخالفة لسنة من سنن "الله البديل "،و عقاب "الله الجديد" هو "الآن و هنا" لا تسويف فيه و لا أمل بل الآنية و السرعة هي سمته الأولى و كل لحظة لا يعاقب فيها النظام الخارجين عن سنته هي لحظة خسارة ووقت لا تمارس فيه السلطة ، فالزمن مملوك بالكامل لفعل النظام .
2- النظام المحيط بأطرافه أو النظام بما هو نهاية كل حكم
العلاقة مع النظام و أطرافه التي يتحكم بها تتعالى على السلطة المباشرة الميكانيكية، تصير سلطة جديدة قائمة على "الاستقلال الإجرائي" ، فيحاول النظام تفويض الكثير من المساحات للأطراف لتتولى الأطراف الإبداع الخاص بها وفق الأوامر التي يفرضها النظام أي السنة الجارية في الكون، فالنظام لا يسلّم التفويض إلا إذا أدرك أنه محيط بإبداع تلك الأطراف، أي أنه يحدد أفقا متعالية أشبه بالقيم الميتافيزيقية الجديدة مع ترك حيز من الحرية للأطراف قد تصل لدرجة التناقض الظاهر و المعاداة الصريحة، ومن هنا يمكننا أن نقيس مدى راديكالية هذه الأنظمة الطرفية في مقابل النظام الذي سيتعالى في لحظة ما على أن يكون بلدا (أمريكا) أو جهة (الغرب) أو حتى نظام آلي معلوم التصور و الإحاطة ، هنا نتحدث عن مسار و سنة مقابلة للإله في التصور الإنساني القديم ، سيحاول النظام بتعاليه هذا أن يوفر نوعا من الأمان والسعادة و الخوف التي تقترن به دائما يكون النظام هنا بمثابة المجازي و المعاقب دون الحاجة لسلطة مادية مباشرة فيكفي أن يحوّل أوامره لسنن كونية حتى تختصر جهده في الإخضاع المستمر للإنسان و الأشياء.

3. النظام المماهي بين الغاية و الوسيلة
بعد أن امتلك النظام الكثير من الوسائل و ربط الغاية بوسائله التي صارت هي الطريق الوحيد لتحقيق أي غاية، صار حتى القاصدين لتحقيق "غاية جديدة" تخالف غايات النظام، أو القائمين على مبادئ قد تخالف مبادئ النظام مضطرين لتبني وسائل النظام و الأرضية التي يقف عليها هو نفسه، و بذلك يقعون في الفخ الذي نصبه لهم النظام، أي فخ اعتبار الوسيلة لا مقصد لها ولا غاية لها، هم يقعون فيما وقع فيه النظام نفسه أي الوقوع في اعتبار التقنية و الوسيلة مجرد أداة أو حتى أداة تعادي النظام ، فالنظام العالمي في بدايات الحداثة استغل وسائل النظام القديم (انظر دور الكنيسة و الإصلاح الديني في بناء الحداثة) و قدر على إخراج نظام جديد أكثر جشعا وانغلاقا من النظام القديم الذي تم تحويله لمسار من مسارات سيطرة النظام الجديد.
اكتسب "النظام الوسائلي" القدرة على جعل أي "مشروع ما" يقف بالضرورة على وسائله هو و أنساقه، كأنه حوّل العالم بأكمله في ظرف وجيز (ثلاثة قرون) لمجموعة من الغايات المفترضة و الوسائل التي صنعها بدقة و جعلها حاكمة بالنجاح و الفشل على كل مشروع مهما كانت غايته أو موقعه أو حتى هويته.

1.3 المخارج الوسائلية هي المحدد الأقصى للتنوع و التشعب
و نتيجة لما سبق صار النظام لا يخاف من التنوع diversité الذي صار تجليا أصليا له ، التنوع يُصَيّره تجددا ممكنا بل أنساقا جديدة له قد تكون خلاصه و مخرجا لمآزقه ، و تبدو مقولة "الفكر التعقيدي/المركب" (لإدغار مورن) أملا و أفقا للنظام الذي لا يعبّر عن فكر بقدر ما يعبر عن سيطرة على الفكر، قد تكون "حيلة التشعب" للخروج من واحدية النظام مفيدة للنظام نفسه، فهي تسلخه عن مواطنه الأصلية التي ظهر و ترعرع فيها (النظام بما هو غربي) ، لكن لا تتجاوزه على اعتبار أن للفكر المتشعب بالضرورة مخارج توافقيّة يفرضها النظام (بماهو محافظ على الوحدة) ومخارج وسائلية (بماهو المنتج التقني الأول لها و المحدد الأول لتعريفاتها الأولية) و تعطيه القدرة على أن ينسي أن لهذا النظام حيزا مكانيا و زمانيا محدودا وليس حتمية تاريخية عالمية أو سنة كونية كما يريد أن يظهر نفسه.

4. مسلمات النظام
لم نعرج على ماهية النظام و لكن فضّلنا أن نحد ماهيته من خلال مسلمات إجرائية يفرضها النظام و بذلك يكون أي نظام تبنى هذه المسلمات في أقصاها هو نظام يجب أن يقاوم بقوة وبسرعة و حكمة و إلا سنشارف على النهاية التي لن تطال حضارة ما فقط كما حال الحضارات و الإمبراطوريات القديمة التي لها عمر و فضاء حيوي معلوم في زمان و مكان محدد، بل نهاية جامعة لكل البشرية المندمجة بعد فعل العولمة الذي شمل كل الحضارات، على اعتبار أن النظام العالمي الجديد بغض النظر عن ماهيته يحاول أن يكون حضارة كل الحضارات و نهاية كل أنساق الإبداع الحضاري وهو ما يهددنا كبشر أجمعين و ليس كحضارة مخصوصة (غربية) (لوغوسية) ...
نستنتج من عرضنا هذا أن النظام يقوم على حتميات ثلاثة فرضها على نفسه هي:
- مسلمة لا موجود بحق إلا النظام بإعدام أي إمكان وجود مستقل خارجه
- مسلمة أن النظام حاكم الحاكمين
- مسلمة القهر بالوسيلة فوق حكم الحاكمين
4.2 شرط الخروج من مأزق التسليم للنظام
المشترك بين المسلمات أنها تفترض في كل مرة "السيطرة" و "الوسيلة" و "الإحاطة" وللخروج من هذه الحتميات التي صارت مسلمات يجب علينا البحث عن "مقاوم" ممكن أن يستغني عن الوسيلة بأن يكسب قيمته في ذاته و أن يكون هذا المقاوم يشتغل في حيز يتجاوز الزمكان أي في بعد من أبعاد الإنسان الكثيرة على اعتبار أن الإنسان هو المعني بسقوط النظام و إقامته وهو الذي صاغه و هو الذي له القدرة على كبح جماحه، أما الشرط الثاني أن يكون للمقاوم مناطق متحررة أصالة من سيطرة النظام أي أنها مستقلة بطبيعتها و لا يستطيع النظام مهما علا سلطانه على الزمكان أن يخترقها و إن حاول إختراقها سترجمه و ربما ستفنيه، و رأينا أن "المقدس الغيبي" ممكن أن يكون متجاوزا ممكنا و صلبا يضاهي في كليته النظام و وسائلة التي صارت مع حضور المقدس الغيبي غير ناجعة ، و قبل كل ذلك علينا التعريج على أهم عائق وهو "الإنسان الحديث" الذي سمح بتغول النظام و سمح لنفسه بأن ينهي علاقته المتصلة "بالمقدس الغيبي".

5. ممكنات تجاوز النظام العالمي الجديد و عوائقه
ما ننشده من عالم متكامل فيه للقداسة مكان و مكانة، هو بالفعل موجود و لكن محجوب بحُجُب النظام المتسلط فالنظام مهما علا و استعلى لا يمكنه أن يغير "عوالم" الإنسان و "معالم الإنسانية" التي صارت مغتربة .
الإنسان رغم "واحديّة النظام" يتعدد وجوده في العالم، فذاته منقسمة في موجودات أو لنقل عوالم مختلفة، فلا وجود لزمان ومكان واحد فالروح متسامية عليهما ، و من لم يؤمن بهذا الوعي العميق يبقى في السطح لا محالة بل معرضا لسيطرة النظام بسهولة، فهو يسيطر بأدواته على ممكنات الزمكان، فأي مجال غيره هو مناطق محرمة على "النظام المتدهرن"، وهذه المناطق هي الكهف الأخير للمقاومين، لكن حتى العلم الذي كان منطقة محرمة لسلطة النظام صار إما فاقدا لشرعية قول الحقيقة و حتى بعض النظريات التي يبنيها يحاول أن يعزلها على مجالات كالفلسفة و العلوم الإنسانية كي لا يفقد السلطة التي أسسها على نظريات علمية كلاسيكية تخدم أغراضه الوضعية في السيطرة على الطبيعة و إخضاعها وتثبيت العلاقة الميكانيكية بينه و بين العالم و الإنسان و الأشياء.
نذكر مثلا "نظرية الكوانتم" التي خرجت من معامل النظام العلمية أسقطت كل ما بناه النظام من تصورات عن المادة و عن الذرة و عن الوجود و عن الإنسان، مع نظرية الكوانتم صار التواجد في مكانين في زمان واحد ممكن و صارت الكرامات مستوى من مستويات الوعي، و صار العالم في تصورنا إليه أقرب للروحانية منه للمادية بل المادية صارت قوة "كامنة" لا قيام لها بذاتها بل هل يوجد وجود قائم دون وعينا به ؟
تاريخيا وردت شذرات من هذه النظرية العلمية حتى في الكتابات القديمة عند المتصوفة والحكماء الذي لم يصلوا إلى ذلك بمخابر و لا معادلات رياضية و لكن وصلوا لذلك بتسليمهم بأن الحقيقة أصلية ثابتة لا تزيد و لا تنقص و لا تتحول.

5.1 تهاوي التصورات الكلاسيكية التي بنى بها النظام قصصه الكبرى
تهاوت التصورات التي أراد النظام تحديدها عن العالم، لكن هل وجدت مناطق و أنساق جديدة محرمة على النظام ؟ هل هناك بوادر انتصار على النظام من خلال سقوط قصصه القمعية الكبرى ؟ بهذه اللحظة العلمية (نظرية الكوانتم) و التي تلتها العديد من اللحظات العلمية التي تضادت مع النظام ؟ و هل هذه الطعنات التي تسدد فلسفيا و علميا للنظام في تصور العالم قدرت على إخراج الإنسان من الثنائية القديمة الوثنية ( المادة و الروح ) و إخراجنا من الحلولية المادية الحالية اللامتجاوزة ؟ التي ترى في العالم حجرا ماديا متكلسا.
نرى أن تحقق كل هذا منوط بالإنسان نفسه الذي ما عاد قادرا على تكوين رؤية جديدة للعالم في إطار النظام الحالي، فإن ظهرت له الحقيقة مترعة متحررا من حجب النظام، أو وجد سبيلا لمقاومة النظام، لن يسير في ذلك الاتجاه و انتقاله للفعل غير مضمون، لكن سيسير عكس سبيل المقاومة بل ربما يهرول لمجانبته، لأن مقاومة النظام حتى بالاستقلال عنه أشبه بالعدم ، فالإنسان صار جبانا خائفا بخوف أصلي فرضه النظام لا بسلطة إجرائية ميكانيكية فقط و لكن
بأمر صار "سنة كونية".

5.2 الإنسان الحالي و مقاومة النظام
سؤالنا إذن في علاقة الإنسان بالمقاومة والنظام هو هل يستطيع الإنسان الحالي رغم الإمكانات التي قد تفل النظام و تظهر محدوديته أن يكون مقاوما رادا لصولة النظام العالمي الجديد الذي ابتدأ منذ أن قرر الإنسان أن يُطَلق علاقته بالله و يُخضع الطبيعة و يَخضع للكم .

الإنسان صار لا يسأل أسئلة كهذه ذات التردد و الضغط العالي الذي لا يقدر على تبنيها و لا التفكير و لا التحفز لها، فهو محاط بكل هذه المجالات التي تنمطه و تشيئه و تفقده "حيرة السؤال" عن الأعلى من أفقه المحدد سلفا بتحديدات النظام، فاغتراب الإنسان الأنطولوجي هو المانع لمقاومة النظام.

الإنسان الحديث محاط باليومي و الحادث و الأرضي و الأفقي، فما عادت معارك الجبابرة تخاض في السماء بين آلهة الحب و آلهة الحرب، صارت معارك مهيبة تدار هنا في الأرض صرنا في مجاز "الزمبي" zombie نجري و نمشي دون عقول في اتجاهات في الغالب تحددها شهوتنا التي كوَنها ذوق السوق الذي صار يصنع أيضا الضرورة والحاجة، الذات الإنسانية المترددة والخائفة من زوال نعمة النظام أو نقمته، الذوبان و الاغتراب هو ما يمنح النظام تصلبه.

ماذا يعني "للمستمتعين الجدد بحكم النظام الجديد " أن يعرفوا تعدد الأكوان و تصورات الوجود فهم صنعوا أخلاقهم الخاصة، التي صاغها النظام و صنعوا ضمائرهم التي لا تتألم و لا تتحسر
فهي مطمئنة، راضية بالنظام ،يمكن للإنسان الحديث أن يعيش دون القصص الكبرى، دون أب يسمى "آدم" ،جميعا لا يشعرون باليتم بل يمكن أن يعيشوا حتى دون تصور للأب البيولوجي ، النظام عوّض البطريكية و صار أبا للجميع فأشكال العائلة التقليدية تفكك لصالح شكل جديد من العلاقات العائلية تحددها أنماط جديدة من التنظم الاجتماعي.

5.4 عائق العدمية و راهنية المقاومة المخلّصة
كل فعل قولي أو حركي قد يستشف منه "عمق ما" أصبح ينغص مسار العالم الحديث القائم على الحركة الظاهرة فقط والوظيفة الظاهرة، هذا الانحدار المستمر المحاط بقدرة الإنسان على المقاومة، ساهم فيه الجميع، بل بات الجميع ينخرطون فيه لا أحد في أمان من هذا (التجمد)، فهو ليس فكرة لتدحض و ليس فعلا ليقاوم فقط، و ليست حالة لتزول، و ليس تاريخا ليكتب و ينسى، هو شيء بدأ بسيطا و أحاديا فتكثّر و تطور و تبنى التطور المستمر ليصير ضربا من ضروب الميتافيزيقا و الأسطورة التي طالما استنكرها و تنكر لها.

و بذلك يكون سؤالنا الذي يقارب العدمية هل مازلنا نعوّل على هذا الإنسان هل مازلت لنا ثقة في أنفسنا بعد السجون التي فرضت على أرواحنا و أجسادنا؟، هل نحتاج لتنوير جديد يقطع مع الكذب الذي استمر ثلاثة قرون منذ اندلاع التنوير القديم الذي راهن على إخراجنا من "سجون" كانت حدودها السماوات العلا إلى سجون أضيق، حدودها مجالك و أرضك و خصوصيتك الملكية بل مجالها محدد بالمليمتر في إطار عقلنة المجال و عقلنة الفعل البشري، والذي تحول مأسسة لمؤسسة طغت على البشر نفسه NOM هي غول استُخلق ليرعب نفسه، صنع الأمن ليحميه فصار يراقبه، صنع الجامعة لتنشر العلم فصارت تقولبه و تنمذجه فيما يصلح السوق والمؤسسات الأخرى و فيما يسمونه "تكامل المؤسسات" الذي صار تكاملا للسلطات على إخضاع الإنسان وإفقاده ملكات مقاومة النظام، و لا أظن أن الملَكيات الهرمية القديمة و الإمبراطوريات قدرت في يوم ما على بناء جبروت يصل لهذا الحد، يمكن أن يكون وحشيا مع الدول الكليانيّة و يمكن أن يكون ناعما و لكن مسموم مع ديمقراطية العصور الجديدة، كل هذه العوامل يمكن أن تفقدنا الثقة في ذلك الإنسان شيئا فشيء الذي ما عاد ذا أصل مقدس و لا مركزا للكون و لا حتى عقله هو محركه بل مجرد شيء من أشياء القابلة للتحويل و الاستعمال.

6- النظام يقيم البديل عن المقدس
نلاحظ أنه رغم اغتراب الإنسان إلا أن ظاهرة من الظواهر التي اتصلت به أعيد استحضارها وهي "المقدس/الغيبي" ففي العقود الأخيرة اقتحم مجالات كثيرة كالفن و السياسة و لم يكتف بالدين، فما عاد مقصيّا فهو بقي متجليا و إن لم يفصح على وجهه الحقيقي، و إن أردنا أن نجعل من "المقدس/الغيبي" مقاومة أصلية للنظام الحالي يجب أن نعتبر اعتبارات أهمها الفروق بين المقدس الغيبي و الدنياني من ناحية و دوره المقاوم من ناحية ثانية أي صموده أمام التحول والتشيؤ أو "التحوسل" بعبارة المسيري

1.6 مفارقة "المقدس/ الغيبي" للمقدس المتدهرن و النظام

افتراضنا لمفارقة " المقدس/الغيبي" للنظام تقوم على مسلمات هي:

-أن "المقدس/الغيبي" المقاوم الوحيد للنظام على اعتبار أن "المقدس/الغيبي" لا يفرق و لا يفصل بين الغاية و الوسيلة من ناحية، و لا يفرض سيطرة وسائلية و لكن يأخذ سيادته من ذاته و من ذوات المؤمنين به.
- أن الفرق بين "المقدس المتدهرن" و "المقدس/الغيبي" أن الأول لا يفترض وجود "إيمان ما" ولكن يفترض وجود "نجاعة ما"، فلا يقبل بالمقدس إلا محولا لوسيلة في يد النظام.
-أن حضور "المقدس /الغيبي" دون حاجة للنظام هو تحدي في حد ذاته.

إذن يكون حضور "المقدس/الغيبي" في جزء صغير من النظام حضورا "غير وسائلي" و"غير متدهرن" هو و تهديد لنظام يقوم على "الواحدية الكلية" التي تغيّر حتى الميتافيزيقا، و لذلك سؤالنا المركزي هو أين يمكن استحضار المقدس الذي سيعمل كمفعول مانع لانسجام و واحدية النظام و كمبين لحدود النظام؟ بالإضافة إلى أن المقدس الغيبي سيكون عبارة عن كليّة جديد/أصيلة مقابلة للنظام الذي حطم و احتكر أي إمكانية لبناء جديد أو أصيل يتمتع بالكلية .


2.6 مقاومة المقدس/الغيبي للنظام من طبيعته
طبيعة المقدس/الغيبي أن مركز مقاومته يكمن في عدم مجاراته للنظام في وسائله، أي لا طمع له في النظام هو زاهد في ما يعطيه وما يمنعه، وفي نفس الوقت يحتفظ "المقدس /الغيبي" بالقدرة على الإنوجاد المستقل دون الحاجة للنظام، الذي هو بدوره لا يمكنه أن يعطي أي إضافة "للمقدس/الغيبي" الذي يكتسب الحق و الحقيقة من خارج النظام و من الإنسان المؤمنه العامل في دائرته ، فالإيمان لا نجاعة ترجى منه و لا وسيلة ظاهرة تقويه و تمنحه قيمته، إذن قيمة "المقدس/الغيبي" المقاومة تكون بالأساس هي استحضاره الإيمان "بالغيب"، الذي هو المجال الذي تقف فيه حدود النظام و لا تتعداه و لا تخترقه و حتى وسائله تبدو عاجزة عنه و ما غرضها منه إلا محاكاته بصيغة متدهرنة أو إقامة بديل متخيل عنه .

3.6 النظام في مناطق المقدس الغيبي و مراوغاته
النظام يقيم البديل عن المقدس و ذلك بأن يحاول الولوج لمناطق "المقدس/الغيبي" و تصدير نفسه كمقدس جديد وبديل، لكن هذا هو "فخ المقدس" و ذلك من خلال جر النظام لمجال برزخي يتجاوز إمكاناته وآفاقه فالنظام يحاول أن يخترق المقدس بدل إقامة البديل فطبيعته المهيمنة لا تتصور إمكان جديد غير السيطرة على الطبيعة من ناحية و على ما فوقها الذي احتقرته و نفته وهو حقيقة الفخ القاتل للنظام .
النظام بعد إطاحته بكل وسائل الممانعة البشرية و حتى العقل عن طريق تعريفه السلطوي له و تحديده لأعيان اشتغاله المحدود فقد حوّله لعقل آداتي ، فتح النظام المجال على مصرعيه "لمساحات برزخية لينة" أي حالة اللاوعي و تعينها المادي في (الصورة) و النفسي في (الخيال) قام النظام ببناء جديد كثّف فيه " الكم " صار الكم أصعب من أن يعقله الإنسان أو يفهمه (لامعقول /فاعل) فصار "غيبا كموميا"
فمثلا في المجال البصري للإنسان، فتقنيا الصورة أصبحت سريعة التدفق و المعلومة متغيرة ومكثفة، هذا سيفتح الباب أمام حالة عودة الدهشة و السحر، أما في المجال العلمي أصبحت العلوم منفصلة وغير قادرة على بناء رؤية كونية شاملة تعوض الفراغ التي كانت تسده في قرون الحديثة ماضية، لتفتح باب التسامح مع "المقدس/الغيبي" الذي حاربته طيلة ثلاثة قرون دون هوادة، أما نفسيا فالنزعة الفردانية التي صنعت الإنسان الحديث يجب أن ترتد للجماعة التي سيلعب دين دورا تجميعيا بالإضافة إلى عامل نفسي كان يعد من الماضي وهو "الخوف "من العولمة التي يجب أن تواجَه بهوية صلبة لن تكون إلا متعالية عن التاريخ تصل جماعة بأصل مقدس و غالباً ما تكون قصصه في الأديان و التقاليد، و ليس حيلة التنوع و التشعب الذي يفرضها النظام و التي أثبت قصورها نظريا و وواقعيا.
أما الخوف من التماهي مع الآلة، سيفرض تمايزا إنسانيا لا يكون ماديا بالطبع ولكن بعودة أنطوولوجية جديدة، تدعمها حتى النظريات الفيزيائية الجديدة مثلا الكوانتم في نظرتها للإنسان والمادة .

4.6 حتمية سقوط خطة الإلهاء و التعويض
أما نسق الحياة السريعة سيدفعنا للبحث عن الطمأنينة أنطولوجية و التي لن تكون من جنس الملذات والبدائل الإلهائية التخديرية التي يفترضها النظام و تقتات بها أذرعه الاقتصادية التي لن تقدر على مواصلة فعلها إن تحول الإلهاء و التخدير عاملا من عوامل إسقاط هيبة النظام وإفقاده حتى القدرة على أن يمرر ميكانيزماته فسيطرته على التعليم الذي هو أحد أذرع النظام القوية يسقط مع التخدير و الإلهاء و حتى مخابره التي يباهي بها ستتحول لدكاكين في يد صاحب السوق واللاهين و مخدرين و بذلك يكون العلم و التعليم قد انحطا نتيجة هذه السياسة فبيداغوجيا يصير التعليم غير تثقيفي والتقني فقط (سوقي) بذلك لا يسمح للنظام بأن يتحكم أو يبني الدواخل الوجودية للإنسان فيكون تعليم روسو التنويري و جول فيري الجمهوري من المهمات المستحيلة وهذا سيفتح الباب للتعليم التقليدي و العائلي و غيره و قد يبني رؤية جديدة على اعتبار أن التعليم هو عنصر مهم في تكوين الإنسان .

لكن هذا لا يدعونا لأن نتعجّل و نقول أن الحداثة التنويرية القاهرة ممكن أن نعلن وفاتها أو نعلن نهايتها و موتها كما قيلت قديما للإله أنه قد مات و انتهى ولذلك لا نتعجل لأن الأوراق لم تلعب بأكملها، فبحسب هابرماس هي مشروع لم يكتمل و بحسب لوك فيري فالحداثة ستصنع دينها الذي يتمم إنجازاتها و لا حاجة لنا لما قبل النظام ، يرتكز النظام في مراوغاته على متعاليات مضللة موهمة لكن المقدس الغيبي سيحدها في كل مرة فكل تعال دون رخصة من المقدس/الغيبي و دون المرور عليه، سيصير بمثابة كذبة في كل مرة ، يصنع النظام في كل مرة وعودا غيبية لا تكتمل و يقوم المقدس / الغيبي في كل مرة بصنع نقائص دائمة و أصلية للنظام و هذه الجدلية الوحيدة للتقويم.

7. فعل المقاومة المؤيد المعتمد على بالغيب
عموما المقاومة المثبطة للنظام لا تعتمد على وسائله و لكن تعيد العناصر التي عزلها النظام وقضى عليها من ناحية و تبيين عجز النظام على رفع تحدياته، التي قد تقف عاجزة أمام أبسط الأسئلة البديهية و الأنطولوجية، التي عوضها بمزيد من احتلال للعقول و تحويل للأحياز .
سيحاول النظام في كل مرة أن يزيح الإنسان المقاوم له عن طريق تيأيسه من أفق آخر بجعل المقدس الغيبي مرادفا للفلات و الصحراء أي مرادفا للاموجود أو الغير ممكن إستحضاره إما بجعله جزءا من الذاكرة بحصره في لحظة ما أو بيان محدوديته بنماذج هو صنعها، و لكن هذا يبقى في باب خطط النظام و ميكانيزماته تحويلية _وضعية و المتحفيّة.

لكن المقاوم عن طريق "المقدس" سيقوم بعملية "إعادة الربط " ليس على نمط و اعتبارات النظام، هو ربط ألصق بالذات الإنسانية "فالإيمان بالمقدس " هو خاصية مقاوم النظام لا يستطيع تفسيرها ولا إيجاد مبررات وضعية لها ، إذن إيمان المقاوم بالمقدس ليس مجرد تعالي مضنون فيه "لآخر المؤمنين" ، بل هو باب و عهد جديد يربطه بالغيب/ كل الغيب الذي هو مساحة للإنسان تتجدد فيها ذاته ويظهر امتدادها خارج الأحياز التي يشتغل فيها النظام "الإيمان بالمقدس /الغيبي " هو بالضرورة حرية و "غيرية أصلية" تحمل في داخلها الإيمان بقدرة الإنسان على الولوج و الانتماء لا تعالي أو الخروج فقط الذي حاول كل ناقدي النظام أن يجعلوه حلا في المقاومة .
فالمقاومة بالأساس هي بيان عجز النظام من ناحية و بيان قدرة الإنسان المتصل بالغيب والمتحرر من سلطة الوسيلة على أن يحقق بديلا أصيلا، و إن لم ينجح آنيا أو يظهر فوق هذه الحجب و المتاريس و المتاهات التي أعدها النظام، تكون المعركة النهائية هي الإنسان الرباني المستحضر للغيب المترفع عن الوسيلة غير المستعجل لتمام الغاية، مقابل النظام الوسائلي الناجع بغائية السيطرة و الاستعجال و التي تكسب قوتها من الإنسان المنفصل المغترب ، فالنظام كالطلسم و التعويذة التي لا يعمل إلا إذا كان له علاقة بك فأنت جزء من النظام و لذلك فالمعركة هي معركة الإنسان هو، قبل أن تكون بينه و بين الوسائل الفانية و الذوات الحائزة عليها و الجائرة و المستجارة بها و الحائرة أمامها .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,925,129,136





- شاهد: فيضانات جارفة في منطقة نابل التونسية
- الأوبزرفر: غزة تُدور حطام المنازل لتجاوز الحصار
- شاهد: فيضانات جارفة في منطقة نابل التونسية
- شاهد... ماذا فعل مواطن قطري بمناسبة اليوم الوطني للسعودية
- بعد هجوم العرض العسكري... إيران تستدعي سفراء 3 دول
- إيران تستدعي سفراء هولندا والدنمارك وبريطانيا على خلفية هجوم ...
- ليبيا... عودة الاشتباكات بالأسلحة الثقيلة في محيط خزانات الن ...
- الجيش الليبي يعلن عن مقتل أحد قادة الجماعات الإرهابية في مدي ...
- محمد بن سلمان يوجه رسالة بمناسبة اليوم الوطني للسعودية
- قطر تنفي شائعات رسالة مزعومة لمكتب نتنياهو


المزيد.....

- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع
- فكر اليسار و عولمة راس المال / دكتور شريف حتاتة
- ما هي العولمة؟ / ميك بروكس


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - زياد المي - المقاومة المؤيدة ... نحو بناء كيان أنطولوجي جديد للمقاوم