أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - القطعة














المزيد.....

القطعة


أحمد هيهات

الحوار المتمدن-العدد: 5040 - 2016 / 1 / 10 - 01:34
المحور: الادب والفن
    


القطعة
غادر الأخوان منزلهما الشاسع المكون من جزئين أولهما - وهو أكبرهما - قديم متهالك قوامه الطين المخلوط بالتبن ، وقد بدأت جدرانه تتباعد صارمة عهد الوصال السعيد الذي كان يجمعها بسبب توالي قطرات المطر التي أصرّت على الحيلولة بينهما وفاء بنذرها القديم ، أما الجزء الثاني فقد أقيم من اللبن المصنوع من الخرسانة والرمل والحصى ، وإن كان جله عاريا من التبليط والتزليج إلا أنه متماسك الجدران .
بعد مغادرتهما البيت توجها رأسا إلى تجمع الدكاكين الصغير الذي يتوسط مثلث القرية وهما يتسابقان ، وكل برهة يطلب أحدهما من الآخر أن يناوله القطعة النقدية حتى يضمها بين يديه ويحس بحرارتها تسري في تلافيف فؤاده ويطمئن عليها ، لأن الأخ الآخر غير كفء للمحافظة عليها وحمايتها من عوادي الكبار أو الأقران الأكثر قوة ، وخصوصا مع طول المسافة التي تفصل بين منزلهما الكبير- الصغير وتجمّع الدكاكين ، هذه المسافة المتطاولة التي تصل إلى حوالي مائتي متر .
كانت تتحكم فيها رغبة جامحة تتأبى عن السيطرة لبدء احتفالهما الذي طال انتظاره حتى كاد أن يصير سرمدا ، فقد خططا لإقامة هذا الاحتفال منذ الوهلة التي أدركا فيها أن تلك القطعة ذات المذاق الساحر لها وجود بالفعل لا بالقوة فقط وان انحصر وجودها على شاشة تلفاز الجيران إلا أن المنطق يقتضي أن توجد في مكان حسي ، منذ ذلك الوقت وهما يخططان لذلك الاحتفال ، وقد كانت الفرصة خلال الأعياد قاب قوسين أو أدنى إلا أن الظروف لم تسعفهما في الحصول على المبلغ الكافي الذي يتجاوز خمسين سنتيما لكل واحد منهما .
زاد شوقهما الحارق لهذه الحفلة الموعودة وكبر الحلم حتى أصبح هدفا يعيش من أجله الصَّبيَّان ،وها هو الحلم الكبيرالآن يكاد يتحقق فالقطعة النقدية التي تأوي مائة سنتيم في اليد بل تكاد تكون في اليدين لكثرة انتقالها بين يدي الصبيين زيادة في الحرص على عدم ضياعها ، والدكاكين على مرمى حجر ، فشرعا يخططان لطريقة تقاسم قطعة الجبن والمكان الأنسب لتذوقها بشغف وأكلها بتلذذ ، وهل يطيقان الانتظار إلى أن يحصلا على قطعة خبز دافئة أو باردة تؤثت فضاء الوليمة .
القطعة
وصل الأخوان إلى الدكان دون أن يتوصلا إلى حسم موقف انتظار كسرة الخبز من عدمه ، فتوجها إلى النافذة الصغيرة التي لم يكن طول الواحد منهما يسعف إلى بلوغها ، فكانا يتناوبان على أداء دور الفارس و ظهر الفرس في المرات المعدودة في السنة التي يتاح لهما فيها التردد على الدكان ، فيحمل أحدهما الآخر حتى يتمكن من رؤية مشهد بانورامي للدكان وقد ازدان -في عيني الناظر منهما- بما لا يعد ولا يحصى من قطع البسكويت والحلوى والعلك التي لم يختبرا من مذاقها إلا النزر اليسير ، فصاح الصبي الفارس بصوت يملؤه الفرح والاستعجال : " سي عبد القادر ناولني قطعة الجبن الهولندي وبسرعة من فضلك " غير أنه سرعان ما أحسّ بالزمن يمضي متثاقلا ، فسي عبد القادر رجل أخذ منه الكبر ما أخذه ، فلم يعد يستطيع أن ينتصب شبه واقف إلا بالتأوه والصراخ والمناداة والاستنجاد بالله والنبي والوالدين والشرفاء والصالحين ،
لم يمسك الصبي القطعة - الحلم حتّى ظن أنه انتظر أمام الدكان قرنا من الزمان ، وفور تسلمها أو قبيل ذلك بقليل انخرط في عدو سريع وأطلق ضحكة وقهقهة كأنه عثر على كنز من والذهب والماس ، وقد تبعه أخوه بسرعة جنونية وهو يتوسل إليه أن يريه قطعة الجبن ، ثم زاد طمعه فطلب أن يناوله إياها ، فلما تسلمها بعد تلكؤ الأول نظر إليها مليا ثم شمها بعمق ثم خبّأها تحت قميصه القصير الذي تظهر منه سرته ، وحدّث أخاه بصوت خافت يسكنه غير قليل من الحذر والحيطة أن هيا بنا إلى خارج القرية قرب مقر تعاونية جمع الحليب التي تشارك أسرتهما في تزويدها بعشرات اللترات من الحليب وذلك من أجل الاختباء والاختلاء بالقطعة ، وحتى لا يقلق راحتهما أحد أو يشاركهما وليمتهما .
انطلق الصَّبيَّان كالسهمين ولم يكثرتَا لنداءات أصدقائهما المتكررة من أجل اللعب ، ولمّا وصلا إلى المكان المقصود وضعا قطعة الجبن على قطعة ورق مقوى بعد أن أزالا ما كان عليها من خبز مبلول وبقايا كسكس وخضر خصص للدجاج أو الكلاب وتحلّقا حولها وقد بدأت دقات قلبيهما الصغيرين تتسارع عندما همّا بفض غشاء القطعة ، وكل منهما ينبه الآخر إلى الحذر من إسقاطها أو تشويه شكلها المثلث ، وبعد فتحها تريثا قليلا قبل أن يتجرآ على لمسها ومحاولة اقتسامها ، وبعد أن استجمعا قوتيهما واستدعيا رباطة جأشهما شطرا القطعة شطرين ودخلا في ملاسنة كادت تنتهي بالقتال لأن كل واحد منهما رآها قسمة ضيزى وأنه قد نال النصيب الأصغر .
وبعد أن تعقّلا شرعا يتذوقانها ففاجأتهما بطعمها المالح اللاذع إلى درجة لا تحتمل ، فتبادلا نظرات العجز عن الاستمرار ، ثم حاولا أن يتابعا تجرعها وبلعها إلا أنهما لم يفلحا رغم محاولاتهما المتكررة ، فنظرا إلى بعضهما من جديد وانطلقا في ضحك هستيري وهما يخربشان بشطري القطعة على مصراعي باب التعاونية الكبيرين .
أحمد هيهات





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,262,779
- الإبداع الفني بين الآلهة والشياطين
- فائدة الإبداع بين أفلاطون وأرسطو
- نظرات في فكر الكواكبي
- عودة المجاهد -الارهابي- محمد بن عبد الكريم الخطابي
- مظاهر الاحتفال بعاشوراء : محاولة في فهم وتفسير أصولها
- النظام العلوي الأسدي من الشروق إلى المغيب
- مأساة الحج بين الموقف الإنساني والتوظيف السياسي
- التعليم المغربي في غرفة العمليات من جديد
- أريد أن أصوت ولكن .. حلفت ألا أبيع الدين بالتين
- الانتخابات المغربية : لا جديد يذكر
- لماذا ضحّى السيسي بالنائب العام ؟
- الحكام العرب وفتنة المال
- هل ينهي الإعدام أسطورة الإخوان المسلمين ؟
- التّسْفيه عنوان جديد للعنف السياسي
- النكتة السياسية :غضب منضبط أم تطبيع مع لاستبداد؟ (22/)
- النكتة السياسية :غضب منضبط أم تطبيع مع لاستبداد؟ (1)
- لماذا ينتخب المغاربة العزوف والمقاطعة ؟
- جائحة إيبولا تجرف -الكان-
- -شارلي-: الإساءة بين الحماقة والإحسان
- عام الحزن 2014


المزيد.....




- مهرجان كان: لغة الجسد تطغى على الكلام في فيلم مثير للجدل للت ...
- انجح ثم انصح! (قصة قصيرة)
- دوري رمضاني يشعل فتيل الحرب بين البام والكتاب بمرتيل
- المغرب يستجيب لدعوة القمة العربية غير العادية في السعودية
- في ضرورة الثورة الفكريـة ( الجزء الثاني ) بقلم: حمه الهمامي ...
- خطأ جسيم يكاد يقتل ضيفة -رامز في الشلال-! (فيديو)
- كيف تعرفت نانسي عجرم على زوجها طبيب الأسنان؟ (صور)
- الصاوي: مبارك يستحق كل وسام حصل عليه!
- عظمة اللغة العربية وخلودها ومكانتها ترجع إلى ارتباطها بالقرآ ...
- مجلس الحكومة يوافق على اتفاق بين المغرب وصربيا


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد هيهات - القطعة