أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)















المزيد.....



الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5035 - 2016 / 1 / 5 - 15:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن الوطنية هي السلاح الأمضى في مواجهة حروب التدخل وإفرازاتها اللاحقة، تلك الحروب التي شُنت أو خُلقت أو تشكلت بقصدية متعمدة، وتُمثل الوطنية حلقة عليا في تطور الشعوب والأوطان، وتترفع الشعوب المتحضرة عن العودة الى مراحل التنظيم الإجتماعي ما قبل قيام الدولة الوطنية، لأنها ترى في الوطنية مصلحة لكل الشعب والجماعات، وكذلك في صالح إحترام خصوصيات الجماعات والفئات الإجتماعية بكل تنوعاتها القومية والدينية والمذهبية والسياسية، وينسحب هذا الموقف على الأفراد أيضاً من خلال الميزات الكبيرة للدولة القائمة على أساس المواطنة المتكافئة والمتكافلة، ومن خلال إنسيابية البناء والإنتاج والأمن الجماعي والشخصي، وإن الدولة المستقرة في بنائها السياسي والإجتماعي تضمن كل خيارات تكويناتها المختلفة، وهي عامل إستقرار على الصعيد الإقليمي والدولي أيضاً.

وفي حالة إستقرار الدولة يُمكن تسوية الأزمات الداخلية بسهولة أكبر، خاصة إذا كانت عناصر الأزمة تتفاعل تحت مظلة الوطنية الواعية والمدرك لخطورة التدخل الخارج، الذي يحرمها من حق تقرير المصير، وتحديد الخيارات وتحقيق المساومات المقبولة بين كل الأطراف الوطنية أو الجزء الأعظم منها على الأقل.

ومن مواصفات القوى الوطنية الحقة طبعاً أن تكون مستقلة الإرادة والضمير وقراراتها نابعة من حسها الوطني المستقل. صحيح أن تاريخ الدول تاريخ صراع لفرض نوع من التوازن الإجتماعي الذي تحدده طبيعة الإنتاج ومواقف القوى المنتجة وميزان القوى الإجتماعية، ومثل ذلك الصراع يعتبر عملية تطويرية طبيعية، وكل طرف ينظر إليه من زاويته الخاصة، ولكن مسيرتها التطورية يُمكن أن تقطع عبر حروب التدخل المباشر وأحياناً عبر الإنقلابات العسكرية وغيرها.

إرتبطت حروب التدخل ضد الشعوب المضطهدة، خاصة في أسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية في التاريخ الحديث بالدول الأمبريالية الغربية بالدرجة الأولى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وحمل ذلك التاريخ المتواصل آثاماً وآلاماً وإعتداءات لا تمحى من أية ذاكرة، تريد أن تبقى حية ونزيهة، ودون أن تصاب باللوثات الإجتماعية المتفشية حالياً لدى قطاعات واسعة، وقد عمقت الدول الإمبريالية تلك اللوثات من خلال تدخلاتها في مصائر الشعوب والأمم، خاصة بعد تعاضدها مع قوى محلية لسلب حقوق معظم المواطنين، بما فيها حق العيش الكريم الآمن والمستقر والتعليم والخدمات العامة الأخرى الصحية والعلاجية والثقافية وغيرها من الحقوق الأساسية، وبديهي أن الفساد يصطاد في دربه بعض المثقفين المعزولين عن الهموم الواقعية لشعوبهم لتمرير المشاريع العدوانية.

لم يترك إرث حروب التدخل عذراً يبرر أيَّ تدخل راهن أو لاحق، أو الجهل به، أو بما يسفر عنه من مخاطر، بغض النظر عن صورة ذلك الطرف المتدخل، سواء كان قديماً أم جديداً، أو من أطراف الجوار الإقليمي. ومن المؤسف أن يُظهر البعض تجاهلاً أو تغاضياً أو إعجاباً بهذا المتدخل أو ذاك، أو يُظهر هامشاً للتشفي بهذا المتدخل أو ذاك، أو أن ينفي صفة المتدخل عن هذا ويلحقها بذاك، وهما أو هم سيان في أهدافهما أو أهدافهم تجاه شعوب منطقتنا وشعوب العالم بأسره. ومن المؤسف أن نرى أحزاباً قد فقدت الرؤية والموقف من مختلف أنواع التدخلات الخارجية ذات الطابع العدواني المكشوف، والتي لا تمت بصلة لمصالح الشعوب من قريب أو بعيد، بل هي على حسابها وعلى المكشوف.

إن كل طرف دولي يريد أن يجعل من بلادنا ساحة لتصفية حساباته مع القوى الكبيرة الأخرى، أو للهيمنة المباشرة علينا، أو لكسب ميزات إستراتيجية في إحتكاكاته مع نظرائه الإمبرياليين فهو عدو بغض النظر عن الجهات الأربعة التي يُمكن أن يأتي منها. إنه لأمر محزن أن لا يتم التمييز بين تناول موضوعات التدخل على مستويات مختلفة: الموقف المبدئي من التدخل، ووصف التدخل ووقائع أعماله، وحدود المقدرة على التعامل النظري والمادي معه. وإن الفوارق النسبية بين قوى التدخل الخارجي ينبغي أن تُعرَّف ولا بأس في ذلك، ولكن في إطار النضال ضدها، وليس لتحويل بعض الموصفات التي يتفوق فيها هذا الطرف على ذاك لتبرير عدوانه.

ولدوافع ليست مجهولة يتغاضى البعض عن حروب التدخل في سورية والعراق واليمن وغيرها، في وقت ينبغي فيه إدانة تلك التدخلات والعمل ضدها، سواءً كان دولية أو إقليمية، وينبغي أن نعرف بإن التدخلات الإقليمية في شؤون الدول العربية، سواء كانت تركية أم إيرانية أو حتى من دول عربية لا يمكن أن تتم إلا بإجازة من أو بالتواطؤ مع طرف دولي مقرر.

ولا غرابة في أن يُرَحِبَ بالتدخلات الحالية في بلادنا نفس الذين رحبوا بالإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، وهم يرحبون اليوم بالتدخل الروسي في سورية، وهم يتجاهلون أن روسيا اليوم ليست روسيا السوفيتية، وإنما روسيا التي تحث الخطى للعودة الى المرحلة القيصرية في طبيعة تعاملها مع الشعوب الأخرى، أي العودة الى دور الشريك الثالث لمعاهدة سايكس ـ بيكو، التي فضحتها ثورة البلاشفة عام 1917. وكالعادة فإن بعض الموهومين أو الذين أوهموا أنفسهم بالدور الروسي سوف يتراجعون عن موقفهم، ولكن ربما بعد أعوام، وبعد فوات الأوان، هذا إذا كانت دوافعهم لهذا الموقف تقوم على قصر النظر فقط.

لاشك في وجود فارق كبير بين التناول الإخباري للتدخلات الإمبريالية في الدول العربية وبين التحليل المتأني والبالغ الشعور في المسؤولية إتجاه المصالح الوطنية وفي الوقت نفسه إتجاه تلك التدخلات. وعلى الرغم من أن الصناعة الخبرية تُعبر عادة عن مصالح ضيقة إلا أنها قد تكون لحدود معينة محتملة، وهي في كل الأحوال ليست بريئة تماماً. إن مسؤوليات التحليل أكبر في كل الأحوال من ذكر الأخبار العابرة أو السريعة. لاحظت أن بعض الصحفيين العرب المقيمين في موسكو يكتبون بكثافة مثيرة للإنتباه عن ميزات التدخل الروسي في سورية، ووصلت في بعض الحالات الى درجة باتت فيها أكثر حماسة للموقف الروسي من مراكز الإعلام الحكومي الروسي نفسه. ويبدو أن مثل ذلك الموقف أكثر إنتشار بين بعض القوى والأفراد الذين قد يحسبون على اليسار العربي بصفة عامة، ولهذا سوف أتناول الموقف الروسي بسعة وفي العديد من جوانبه فيما يلي من فقرات.

لا إستبعد أن محاباة الموقف الروسي قد جاء بسبب ما يُعرف عادة بقوة العادة، أو بسبب الكراهية المديدة والمشروعة للمواقف الغربية، القديمة منها والراهنة، أو نتيجة لبعض المخاوف من إتساع نطاق نشاط القوى المتوحشة، أو تحت تأثيرات المبدأ سيء الصيت: عدو عدوي صديقي، وفي كل ذلك بعض العذر للذين لم يحيطوا بالموقف الروسي على حقيقته.

في البدء لابد من الإقرار من حيث المبدأ الإفتراضي، أنه لا يُمكن لأي عسكري من دولة كبيرة أن يكون أقرب للسوري من سوري آخر، أو للعراقي من عراقي آخر، بغض النظر عن الإنتسابات الأخرى لكل منهما، والتي تقل عن روح المسؤولية الوطنية المشتركة، هذا مع الإعتراف الكامل بكل الإنتهاكات التي وقعت على أرض الواقع بكل أسف، وتلك الإنتهاكات المرة وقعت وتقع وعادت وتعود في جزء كبير منها الى الضعف الذي ضرب الحركة الوطنية وبرامجها السياسية والتعبوية.

إن الشعب السوري كان مدرسة للتسامح وللأخوة، وهذا البلد العظيم والجميل كما شقيقه العراقي يُحرقا ليس لمصالح القوى الدولية الكبرى المباشرة فقط، بل لمصالح الأوساط المالية والصناعية الدولية المتحكمة في الكثير من جوانب الحياة والحالة الدولية، والتي قد تُحَرِّك الدولَ الكبرى في حالات كثيرة، وحتى ضد مصالحها أحياناً. وهذه النقطة هي أس المصاعب والمحن التي تتعرض إليها الشعوب العربية بصورة مكثفة ودائمة دون غيرها، وذلك من أجل أن تكون تل أبيب أقوى كل تلك الكيانات، التي يسعى الكثيرون الى تصنيعها، وهم يتجاهلون حقيقة أن إرادة الشعوب قد تُغيب لبعض الوقت ولكنها لن تُغيب الى الأبد.

إن "داعش" قد سامّت منطقتنا العربية بشكل خاص عذاباً لا نظير له، وكذلك المليشيات الطائفية الأخرى، التي إستباحة كرامة العراق والعراقيين وسورية والسوريين والدائرة تتسع لضم دول عربية أخرى، ولكن ليس من الصائب أن يُوقف النضالُ ضد "داعش" النضالَ ضد حروب التدخل والعمل على إستكمال السيادة الوطنية وإعادة البناء وتخليص البلاد من حالة الفشل والفساد والقمع والتمييز.

إن التدخل القائم حالياً يشتعل على أساس إعادة إقتسام دول المنطقة من جديد، وإن تلك المحاولات لإعادة الإقتسام هي التي تدعم بسلوكها فورة "داعش" المفاجئة، كما هناك مصلحة لبعض الدول الكبرى والإقليمية أيضاً في بقاء "داعش" أطول فترة على أمل أن يحقق كل طرف أهدافه كاملة من خلال إلهاء وتخويف شعوب المنطقة منها، ومن خلال إقتتال الأخوة بينهم، وإن من مصلحة جميع تلك الأطراف أن يستمر إستنزاف طاقات شعوب المنطقة دون رادع من ضمير أو وازع من أخلاق.

لا يخدم الناس بشيء الترحيب بحروب التدخل العدوانية كان مَنْ يكون مصدرها، ولا السكوت عمن سلموا داعش 40% من مساحة الأراضي العراقية وثلث مساحة سورية دون حسيب أو رقيب، ولا أولئك الذين نهبوا وينهبون المال العام، وأوصلوا البلاد الى الفشل التام، ووضعوها موضع التندر بين الشعوب الأخرى، هؤلاء هم أسلحة "داعش" الأكثر فتكاً. هل يقبل عاقل على وجه الأرض أن القوات الجوية للعالم بأسره، وخلال أكثر من عام عجزت حتى عن تحجم المجموعات المتعصبة؟ وماذا عن روسيا التي حددت جدولاً زمنياً للقضاء على داعش خلال ثلاثة أسابيع؟ اليوم وبعد أشهر من القصف الروسي الذي قالوا عنه أنه دقيق كما كان القصف الأمريكي لأراضينا من قبله، وقد تبين أن القصفين ليسا دقيقين، وحالياً توقف الكلام الروسي عن الجداول الزمنية.

ومَنْ يظن أن الدول الكبرى لا تعرف حدود مصالحها التي تحددها القوة الإقتصادية الى جانب مصادر القوة أخرى ومنها العسكرية فهو واهم. مَنْ يظن أنها لا تغامر بحدود معينة قد تصل أحياناً الى حافة الخطر المحسوب بعناية فهو واهم. ومَنْ يتصور عدم وجود تنسيق ميداني بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا وروسيا وإسرائيل وغيرها من الأطراف المعنية في سماء سورية فهو واهم أيضاً. ومن يتخيل أن القوى الكبرى لا تمارس الضغوط على بعضها البعض من أجل رسم حدود المصالح، فهو واهم. ومن يتخيل أننا سنجد هامشاً لمصالحنا بين الثيران المندفعة نحو حدود المصالح التي ترسمها فهو واهم. يوجد حالياً صراع على حدود المصالح، وليس على طبيعة السياسة الدولية كما الحال في مرحلة القطبية الثنائية. وفي كل الأحول إن لم ندافع عن إستكمال إستقلالنا سنكون تبعاً لهذا الطرف أو ذاك.

إن التدخل الروسي في سورية عملياً قد سحب القرارات الرئيسية من بشار الأسد وحلفائه، ونقل النزاع من طبيعته المحلية الى الإقليمية ثم الى الدولية، وهذه مرحلة قد تحمل الكثير من المخاطر، والثمن الذي سوف يُدفع من جانب السكان سيكون باهضاً بكل المعايير.

ينبغي في البدء التأكيد الحاسم بصدد التدخل الروسي في سورية على أن حروب التدخل في القرن العشرين كانت غربية بإمتياز، وإن أي تساهل في الحكم على ذلك النوع من الحروب موقف يستحق الإدانة، وإن مسؤوليات الغرب على هذا الصعيد هي الأكبر، وكما يقول المثل الفلاحي العراقي في الحراثة: إن الخط الأعوج دائماً من الثور الكبير.

وفي ظل العالم ثنائي القطبية قبل إنهيار جدار برلين، وقعت بعض الأحداث من الجانب السوفيتي، إندرجت من وجهة نظر الأحزاب الشيوعية المعترف بها من قبل قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي، إندرجت في إطار الدعم والتضامن الأمميين، وحتى ضمن هذا الإطار الأممي، كان الأمر يستحق وقفات جدية للتوصل الى خلاصات تاريخية أولية على الأقل.

يُمكن القول بصفة أولية بصدد التدخلات الأممية السابقة، أنه على الرغم من روابط العقائدية، التي كانت تحكم العلاقات بين الإتحاد السوفيتي السابق ودول شرق أوروبا، والتي تمت تحت لوائها تلك المساعدات والتدخلات الأممية، والتي جرت ضمن المنظومة الإشتراكية الدولية السابقة، المتحالفة عسكرياً من خلال حلف وارشو السابق، والمتعاونة إقتصادياً من خلال مجلس التعاضد الإقتصادي، إلا أن بعض الأحزاب الشيوعية وبعض الشيوعيين الأفراد شعرت وشعروا حيذاك بشيء من الحرج المكتوم حيناً والمعلن في حالات أخرى. ولم يقلل من حالة عدم الإرتياح من تلك التدخلات أنها إندرجت تحت لافتات عريضة منها: حماية المنظومة الإشتراكية الدولية؛ وقف التمدد الإمبريالي ودحر مخططاته؛ مساندة شرعية الأشقاء وبطلب من الحكومات الشرعية والأحزاب الحاكمة؛ حماية مكاسب الطبقة العاملة ... الخ. ولكن حتى في تلك الحالة لاحت أسئلة عريضة حول مشروعية التدخل، وعصفت بالحالة محاججات وإنقسامات تدور حول مصلحة الإشتراكية ونضال الشعوب في التدخل العسكري. وهل يُمكن السماح بإقتطاع أجزاء مما كان يعرف بالمنظومة الإشتراكية الدولية أم لا؟ وهل التدخل مشروع أم لا إذا كان على الضد من رغبة أوساط واسعة من المجتمع أو البلد المعني؟ طبعاً هنا أتحدت داخل الجبهة أو الكتلة الواحدة.

وظلت ترددات تلك الأحداث مثار جدل بين الأحزاب الشيوعية خاصة في غرب أوروبا بحكم كون تلك الأحزاب تضم عدداً واسعاً من المفكرين، وهي ليست بعيدة عن تأثيرات الرأي العام، هذا فضلاً عن رصيدها الواسع في الكفاح ضد الفاشية والنازية، ودورها الفعال في تحقيق الكثير من المكاسب الحقيقية للطبقة العاملة في بلدانها عبر نضالها المباشر أو من خلال دورها المرموق في الحركات النقابية والعمالية الواسعة النفوذ.

ربما كان من أبرز تلك الأحداث على صعيد التضامن الأممي ما عُرف بإنتفاضة المجر عام 1956، وربيع براغ عام 1968، حيث إستطاع الجيش السوفيتي وبمشاركة رمزية من جيوش دول حلف وارشو إجهاض التحركين الواسعين في البلدين الإشتراكيين السابقين: المجر وتشيكوسلوفاكيا بقوة التدخل العسكري المباشر.

ولاشك في أن أحداثاً كبيرة من ذلك النوع تختلف بصددهما وجهات النظر بين الأطراف المعنية مباشرة وغيرها، وكذلك بين عامة الناس حسب المعطيات المتوفرة لهم. ولكن في كل الأحوال لا ينبغي إغفال رأي الشعبين المعنيين مباشرة عند الحكم أو النظر في وقائع الحدثين في كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا، وهما صاحبا القول الفصل، وإذا إستكثر أحد على شعبي البلدين الحكم في قضاياهم المصرية، فإن مبدأ حق تقرير المصير للشعوب والأمم صغيرها وكبرها يُصبح مجرد لغو فارغ من أي مضمون. وعلى الرغم من أن تلك الأحداث وغيرهما قد مضت عقود عليها، شهد العالم خلالها تحولات هائلة، إلا أن التدخلين في بودابست وبراغ مازال حيين في ضمير وحياة المجريين والتشيك والسلوفاك.

وبالنسبة للمجريين كان الثمن باهضاً، ولذلك هم الى يومنا هذا لا يلوم الإتحاد السوفيتي فقط، بل يلومون الغرب أيضاً ويتهمونه بالخيانة والتخلي عنهم في مواجهة تطورات الموقف عام 1956، ويقولون إن الغرب إكتفى بإغراق المجريين بكلمات الدعم الفارغة من أي محتوى، وحسب مصالحه فقط في معركة التنافس مع موسكو.

يدعي معظم مؤرخي دول شرق أوروبا الذين لا يكنون إرتياحاً لروسيا، أن أكثر من ألف عام في التاريخ المكتوب لذلك البلد لم يعرف فيه حدوداً مستقرة وواضحة، تمتد الرقعة الروسية وتتقلص حسب ميزان القوى بينها وبين جيرانها، وربما هذا حال كل الإمبراطوريات، ولكن هذه المسألة تمثل نقطة هامة غير معلنة على نطاق واسعة، ولكنها حاضرة في تفكير كل الأطراف المعنية، خاصة دول الجوار الروسي.

تلك التدخلات المشار إليها جرت قبل عقود طويلة، وفي ظل نظام القطبية الثنائية والتأليب المتبادل، وفي وسط مجموعة دولية واحدة، وضد أطراف ومع أطراف أخرى، ولكن لم يخوض أي منها عميقاً في دماء كل منها. فماذا يقال وسيقال عن تدخلات القوى الكبرى في بلادنا اليوم، التي تجري في ظل أنظمة دموية أوغلت في دماء الناس وفي أجواء طائفية مقيتة.

إن من يطرح سؤالاً حول: من هو البديل للأسد في الوقت الراهن؟ ويرد هو نفسه بسؤال آخر: أليس الدواعش؟ نقول له لا ليس الدواعش لأن نهاية أي حكومة طائفية هي ضمناً نهاية لعدوها من المنظمات الطائفية من الطرف الآخر. ولا ينبغي الإستخفاف بإرادة وعقول الناس، ومن العبث ممارسة هذا النوع من الدفاع الفاقع عن الإستبداد والدموية. ولكن في المقابل فإن أية تحولات لا تجري بإرادة أبناء البلد المعني أنفسهم لن تؤدي إلا الى المزيد من الإحتراب، خاصة وإن بعض مشاريع الدول الكبرى تسعى الى إقامة دول طوائف في كل المنطقة، وذلك لتسهيل هيمنتهم.

وإن من يدعي مخلصاً أن الإصلاحات ومحاربة الفساد والمليشيات والطغيان يعني سيطرة الدواعش على مقدرات الأمور، يقع في وهم كبير، فالحياة لن تتوقف حتى في حالة رحيل أعظم قادة التاريخ وإنهيار أكبر القوى السياسية حتى تلك القوى التي تملك منهجاً للعمل ومنظومة فكرية، فكيف الحال في منظمة سامت سكان المناطق التي تسيطر عليها أبشع أنواع القتل والعذاب أو حكومات أجادت اللصوصية والإستخفاف بحياة وأمن المواطن الأعزل.

كما إن الإدعاء بأن روسيا سوف تجتث السرطان الداعشي، إنما هي مراوغة رعناء ضد الإصلاح لأن الإصلاح ركيزة كبرى في محاربة الوحشية أي كان مصدرها. وإن التدخلات الخارجية بكل الأحوال تمثل شريان حياة للإرهاب والوحشية المنفلتة. ها هي روسيا التي بدأت تدخلها العسكري الواسع والمكثف من 30 أيلول/ سبتمبر 2015، وهي تنهي شهرها الثالث الذي شهد أشد حملات القصف في التاريخ الحديث، وماذا كانت النتيجة؟ إن روسيا تشن حربها ضد الشعب السوري وليس ضد الإرهاب، وتعتمد سياسة الأرض المحروقة من أجل الحصول على مساومات مقبولة مع الغرب، وهذا هو حال كل الأطراف المتصارعة في منطقتنا ليس ضمن حساباتها مصالح السوريين أو العراقيين أو المذاهب الإسلامية أو تقدم ورفاهية مجتمعاتنا أو حتى مصير الطغم القيادية الغبية فيها، إنها تحمي تلك الطغم الى وقت إستنفاذها، ومن أجل أن تنفذ تلك الطغم غرضاً واحداً وحيداً هو خدمة إرادة المعتدي ضد مصالح الشعب لكي يضمن مصالحه بأبخس الأثمان عليه وأقسى المعاناة على الناس الأبرياء من أهل البلد.

إن هذا السؤال اللعين ما البديل؟. من المفترض أنه لا يحتاج الى الكثير من الجدل للقول إنه ذروة الإنتهازية السياسية إذ يطرح دائماً بهدف الترويح لتبرير إنتهازية القول: من الإستحالة تحقيق التغيير، وفي نظرة سريعة الى تاريخنا الحديث، نرى كم من مرات طُرح ذلك السؤال لتبرير العجز أو الرغبة ببقاء الحاكم المعني فرداً كان أو طغمة على سدة السلطة.

إن وصف طبيعة النزاع الحالي في سورية وحتى التوقعات بصدده لا ينبغي أن تسمح لأي طرف محب أو كاره للشعب السوري أن يثلم أو يتدخل في شؤون وقرارات الحركة الوطنية السورية، أو الإساءة الى مواقف الأطراف الوطنية حتى لو بدت للبعض أنها تقوم على طبيعة تساومية أو إتهامها بأنها لا تميل للحلول السلمية، فأطرف النضال الوطني السوري من حقها أن تتفاوض مع جميع الأطراف الدولية ومن حقها الكامل اللجوء الى أية وسيلة كفاح أو كل الوسائل المشروعة وطنياً وإنسانياً، وإن للشعب السوري تاريخ عظيم، وليس من السهل أن يفقد بوصلة الوطنية.

إن أعظم خدمة قدمت للوحشية الحالية في بلادنا، تمثلت بالإساءة الى المواقف الوطنية المناهضة لحروب التدخل، وإتهام مواطني مناطق عزيزة من أرض الوطن بأنها حاضنة للإرهاب، فأي إرهاب يتجاوز هذا الإرهاب، بل إن إتهام الآخرين بالإرهاب هو أعلى ما تتمناه القوى المنفصلة عن الحياة والواقع والخصائص الإنسانية، وهو أعظم هدية تقدم إليهم مجاناً، وهذه الإساءات المتنقلة تتحرك حسب الطلب، ولا تترك جزءاً من البلاد التي تمر بظروف ملتهبة شمالاً وجنوب وشرق وغرباً إلا ولاحته الشتائم غير المسؤولة.

أعتقد أنه لدليل قاطع على مناهضة الإرهاب في المناطق التي تسيطر عليها "داعش"، أن الملايين من أبناء تلك المناطق لجؤوا الى المناطق المستقرة نسبياً من البلاد أو الى تركيا ومن ثم التوجه الى أوروبا، وفي هذا الموقف قدموا أعظم إستفتاء وطني عام على وقوفهم ضد الإرهاب، وهو إستفتاء ينطوي على تضحيات جسام، وليس على طريق رمي ورقة في صندق. فليس من السهل أن يركب المواطن المجهول مضحياً بإستقراره ومستقبل عائلته ومصادر رزقه.

ومن خلال إستلهام التجارب الوطنية السابقة أقول إن دحر الإرهاب لا يتم عن طريق تجنيد جحوش جدد بعد فشل تلك التجربة المقيتة السابقة ضد الشعب الكردي في العراق، بل إن هذا السلوك يعمق الإحساس عند المواطن العادي بالتمييز ووجود مخططات أبعد. وإنها لحالة بطولية بكل المعايير أن يبقى الإنسان وطنياً ويتمسك بأرضه ولا يفقد إنتماءه في وقت يقع بين نارين نار داعش اللاهبة وقصف الطائرات المجهولة لحكومة فاشلة.

إن الغزو والإحتلال هو الذي جلب الشرور الجديدة علينا كشعب ووطن، وإن بشاعة ووحشية الأسد هي التي خلقت "داعش"، كما حال عملية غزو العراق عام 2003 وما رافقها من ظلم وفساد لا حدود له، وسوف تستمر تلك الحالة المنفلتة في تغذيتها للوحشية وإقتتال أبناء الوطن الواحد من خلال قهر وظلم الشعب السوري أو العراقي أو غيرهما.

ونقول للذين يردحون اليوم في حفلات القتل بسورية: إن من مدح وذم فقد كذب مرتين، ألم يكن بشار هو الذي يرسل المفخخات لقتل العراقيين، حسب إعلامكم يا خدم الإحتلال الأمريكي، وماذا حصل لكي يُبرأ بشار من الإرهاب؟. وبالمقابل فإن من أكبر الجرائم بحق الشعب السوري أن يُنسب الى الطائفة العلوية في سورية جرائم النظام حتى في ظل محاولة النظام إختطافها، فهذا الجزء من الشعب السوري قدم للبلاد ما قدمته الأجزاء الأخرى، وإن الأنظمة الإستبدادية في كل مكان وزمان حين تفقد الثقة بإنها تستطيع إستغفال الشعب تسعى لكسب جزء منه على أساس ديني أو طائفي أو مناطقي لكي تستند عليه، وفي كثير من الأحيان تُسهل الدعاية الوطنية غير الواعية في تمرير مثل تلك الأوهام.

إن إتهام طوائف بعينها وبأكملها سواء جاء ذلك الإتهام من حكومات أو من قبل خصومها أو من جانب قوى خارجية فإنه يصب الوقود في نيران الإنتقامات الطائفية المجرمة، التي لا تخدم وطناً ولا حتى طائفة، بل تخدم أعداء كل الطوائف بمعنى أعداء كل الشعب، وإن إتهام أي طائفة من الشعب بأكملها بوصف معين أو حالة ما سلبية كانت أم إيجابية يمثل إنتهاكاً لطبيعة الأشياء ومنطق الحياة نفسها، ولا يُمكن إلا أن تدخل مثل تلك الإتهامات عبر التاريخ المكتوب للبشر إلا في خانة الدعاية السوداء. أن الأعداء الخارجيين يشعلون الخوف في القلوب الى درجة تشل العقول والقلوب.

إن الروح الوطنية العراقية وكذا السورية التي تحاربها "داعش" بضراوة، ويحاربها المتعصبون الآخرون هي القوة الجبارة فكراً وواقعاً في محاربة "داعش" وكل أشكال القمع والتطرف الديني والمذهبي، وكل أشكال التطرف الأخرى التي تقع دون مرتبة الوطنية العراقية أو السورية أو في أي بلد آخر مهدد بحالة مماثلة. إن الوطنية درع الحماية الفردية والعامة من الإنزلاق في متاهة الترحيب بالتدخل الخارجي العدواني الذي يستخدم في كل الأحوال والإحتمالات ما يقع من الضحايا من أبناء الطوائف المتحاربة والمتناحرة لخدمة أغراضة التي لا تمت بصلة للمصالح العليا للشعب المعني من قريب أو بعيد، وإن الضحايا من هنا وهناك هم وقود آلته العدوانية.

علينا جميعاً أن نعرف أين نحن الآن؟ وعلينا أولاً أن ندرك العوامل الرئيسية لتخلفنا السياسي والإجتماعي والتعبوي الذي يطبع الحياة في البلاد العربية، والوهن والعزلة التي حوّلت قوى وطنية كبيرة سابقة الى أرقام هامشية، وقد يكون من مصادر ذلك الوهن والعجز والإنحسار: ضعف الحركة الوطنية العامة؛ التمزق الداخلي؛ هزال البرامج السياسية؛ عدم تبادل الأفكار؛ شيخوخة القيادات وتشابك مصالح بعضهم مع الفئات الطفيلية المهيمنة على المسرح السياسي والإقتصادي؛ عدم التصالح مع التاريخ أو العيش فيه فقط؛ هيمنة الدين السياسي ومنافقته من بعض الأوساط؛ الخيبة السياسية شبه الشاملة؛ وعدم تجديد أو تحديث برامج التعاون السياسي بين الأطراف الوطنية.

إن الحروب بالوكالة بدأت تزدهر، وليس لشعوبنا أية مصلحة قريبة أو بعيدة في أن تكون ساحة لهياج حلف شمال الأطلسي "الناتو" المتعثر أو لتفاخر روسيا بأن غواصة القرش لوحدها تستطيع أن تمحو أوروبا بأكملها أو نصف الولايات المتحدة الأمريكية. إن الواقع يقول: لا هذا يمحو ذاك، لا ذاك يريد محو هذا، إنها حروب المصالح التي لا مصلحة وطنية لنا فيها.

لن يكتب النصر في أية حرب لأية دولة يتصرف جيشها أو المليشيات المساندة له، وكأنها جيوش إحتلال أجنبي. كما إن تحرير المدن المحتلة من قوات أجنبية أو قوة محلية متوحشة لن يتم من خلال إستدعاء أساليب الحروب المعروفة بالأرض المحروقة.

إن العمل لتحقيق النصر في مثل تلك الحالات يتطلب موقفاً سياسياً واضحاً ومقنعاً لسكان المدن والمناطق المعنية الواقعة تحت مظلة ظلم مزدوج، كما إن التكتيكات السياسية والعسكرية للتحقيق الحل السليم في مثل تلك الحالات ليست مجهولة. وينبغي الإبتعاد والتخلي عن قناعة تامة بأن الناس لا يميزون بين الغت والسمين، بين الجدية والكذب، بين الإخلاص لهم وبين محاولات إذلالهم المقنعة، يجب الثقة بالضمير العام بعد تخليصة من كل أدوات عرقلته وحرفة عن جادة الصواب. إن المبالغة في الأوهام تُعد حماقة سياسية وعسكرية وجريمة من المنظور الوطني والإنساني، ينبغي أن يعلم الجميع أن الإنسان الذي يعيش تحت وطأة مأزق أو خطر ما يكون في أعلى درجات اليقظة والحساسية، وإن حوادث صغيرة قد تحرق الأخضر واليابس، وكما يُقال: إن عود ثقاب قد يحرق الغابة كلها.

يتبع ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً
- ملاحظات موجزة حول كتاب آرا خاجادور
- بوتين و نيمتسوف
- أعداد النازحين واللاجئين أكبر مما نتوقع
- عراقيو بوهيميا يتضامنون مع شعبهم
- الإقامة بين العنوان والمتن
- آرا خاجادور ونبض سنينّه
- من الكوفة الى الأنبار
- شكري بلعيد يُقدم الدليل
- الإحساس بالإضطهاد الطائفي
- موسوعة الوراقة والورّاقين
- وداعاً أبا عواطف


المزيد.....




- إنهاء أزمة الرهائن بمجمع ترفيهي وسط بريطانيا
- ليبيا.. سكان مدينة غاب يطالبون الجزائر بفتح الحدود مع بلدهم ...
- تيلرسون: نريد الحفاظ على علاقات وثيقة بجميع دول أزمة قطر
- وزير الداخلية العراقي يحذر -المتربصين- ويؤكد: بنادق الجيش وا ...
- السعودية.. مقتل مسؤول على يد أحد موظفيه وانتحار القاتل
- الدفاع الجزائرية: رئيس أركان الجيش يزور الجنوب في ظل أخطار م ...
- الجزائر تبحث عن حلول بديلة لإغلاق حدودها مع المغرب
- بعد مقتل المدونة غاليزا .. المالطيون يطالبون بالعدالة
- العبادي يصل إلى الأردن ثالث محطة في جولته الإقليمية
- حركة -التغيير- الكردية تطالب باستقالة بارزاني


المزيد.....

- حوار مع أستاذى المؤمن / محمد شاور
- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - الوطنية الحقة وحروب التدخل (3)