أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - الحرب العالمية الاسلاموية الأميركية ضد روسيا ...ستنقلب على اصحابها!















المزيد.....



الحرب العالمية الاسلاموية الأميركية ضد روسيا ...ستنقلب على اصحابها!


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 5033 - 2016 / 1 / 3 - 23:38
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


اذا استثنينا الابواق الإعلامية المأجورة، التي تعمل بموجب ما تؤمر به، فللاسف ان هناك الكثير من المحللين والإعلاميين الموضوعيين والمحايدين يساهمون، وإن عن غير قصد، في تضليل الرأي العام الوطني والدولي بسبب الجهل وتناول الاحداث والوقائع كما تقدمها لهم آلة البروباغندا الغربية ولواحقها.
احتلال قبرص في 1974 مرتبط باكتشاف الغاز في شرقي المتوسط
من ذلك ـ مثلا:
ـ1ـ احداث قبرص في 1974 واحتلال الجيش التركي لشمال قبرص وقتل وتشريد عشرات الاف القبارصة اليونانيين وتقسيم العاصمة نيقوسيا. فهذه الاحداث تقدم فقط في اطار النزاع القبرصي ـ القبرصي والنزاع التركي ـ اليوناني.
احراق وتخريب لبنان منذ 1975
ـ2ـ اشعال وتسعير الحرب اللبنانية في 1975؛ فهي تقدم في اطار النزاعات الطائفية اللبنانية والنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي والنزاعات العربية.
ولكن الان يتأكد ان تفجير الازمة القبرصية والحرب اللبنانية له علاقة باكتشاف مكامن النفط والغاز في شرق المتوسط وهو الاكتشاف الذي تم قبل تلك الفترة بعقود ولم يعلن عنه الا في السنوات الماضية. والى الان لا نجد محللين موضوعيين يتناولون أزمات المنطقة من زاوية اكتشاف النفط والغاز في شرق المتوسط مما سيغير الوضع الجيوستراتيجي للمنطقة بأسرها ويقلبه رأسا على عقب.
الكتلة المالية اليهودية ـ البروتستانتية الأميركية اغتالت رفيق الحريري
ـ3ـ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق المرحوم الشيخ رفيق الحريري: لا تزال كل التحليلات لعملية الاغتيال تدور في اطار الصراعات المحلية والإقليمية اللبنانية ـ اللبنانية واللبنانية ـ السورية والصراعات العربية. وهي لا تتناول الصراع بين الكتل المالية ـ النفطية العالمية: اليهودية ـ البروتستانتية (الانجلو ساكسونية)، والكاثوليكية، والعربية ـ الإسلامية. وبالرغم مما يسمى "ثورة الأرز" والانقسام السياسي في لبنان الى 8 و 14 اذار، وتشكيل المحكمة الدولية الكراكوزية التي يدفع الشعب اللبناني تكاليفها بعشرات ملايين الدولارات، فإن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، اللتين تراقبان الأجواء اللبنانية 24-24 ساعة واللتين تسجلان رقم وخط سير كل سيارة تمر في شوارع بيروت ومحيطها، ترفضان حتى الان تقديم معلوماتهما الخاصة وتسجيلاتهما الخاصة حول اغتيال المرحوم رفيق الحريري لا للأجهزة القضائية اللبنانية ولا للمحكمة الدولية.
هذا وحده يكفي للتأكيد ان عملية اغتيال المرحوم رفيق الحريري تخرج عن نطاق الصراعات المحلية والإقليمية، لتدخل في نطاق الصراعات الجيوستراتيجية العالمية.
XXX
الصراع الجيوستراتيجي العالمي
على ضوء هذه الرؤية ينبغي النظر الى التدخل العسكري الروسي في سوريا، والحرب السورية بمجملها، بوصفها جزءا من الصراع الجيوستراتيجي العالمي بين الكتلة الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، من جهة، وبين الفيديرالية الروسية بزعامة فلاديمير بوتين وحلفائها الدوليين وعلى رأسهم الصين وايران، من جهة أخرى. وهنا نتوقف عند النقاط التالية:
بوتين أعاد توجيه الأسلحة نحو الغرب دفاعا عن روسيا
ـ1ـ بعد استلام فلاديمير بوتين منصب رئيس الوزراء في اب 1999 ثم اقتلاع بوريس يلتسين من السلطة في نهاية يوم 31 كانون الأول 1999 واستلام بوتين لمهام الرئاسة، كان اول ما فعله بوتين هو: نفض الغبار عن جميع الأسلحة الستراتيجية ("السوفياتية" السابقة) وإعادة توجيهها نحو الكتلة الغربية وحلفائها... فأدركت قيادات اميركا ودول الناتو والاتحاد الأوروبي واصدقائهم ان حلمهم باستعمار روسيا لم يكن سوى "حلم يقظة"، وان "وقت اللعب" في "الوقت الضائع" قد انتهى الى الابد، وان العالم مع بوتين و"البوتينية" سيكون غيره تماما بعدهما. وان الذي سيقرر مصير العالم بعد اليوم ليس عصابات لصوص البورصات اليهود واصحابهم في نيويورك ولندن وبرلين وباريس، بل ذلك "الشعب الهمجي!" القديم (الذي اتخذ فيما بعد اسم "الشعب الروسي") الذي أوقف عند حدود "أوكرانيا" (أي باللغة السلافية القديمة: "حافة" ما صار يسمى لاحقا "روسيا") زحف الإمبراطورية الرومانية العظمى التي كانت تتقدم لاحتلال العالم القديم كله وفرض النظام العبودي الروماني عليه، وهو نفسه شعب "الروس العظام" (وهو بالضبط ما يسمي به الروس أنفسهم: فيليكوروس в-;-е-;-л-;-и-;-к-;-о-;-р-;-о-;-с-;-с-;-ы-;-) الذي سحق وحطم جميع الغزاة في التاريخ، والذي تبنى المسيحية الشرقية "الاورثوذوكسية" (لاسباب تاريخية قومية واجتماعية، وليس لاسباب ثيوقراطية كما يعتقد المحللون السطحيون)، والذي قام بالثورة الاشتراكية العظمى في 1917 مغيّرا بها وجهة سير التاريخ العالمي، والذي أخيرا لا آخرا قدم 26 مليون شهيد لتحرير البشرية من خطر العبودية للطغمة الاحتكارية الرأسمالية العليا لـ"الدولة العالمية" الهتلرية المتجلببة بالنازية والآرية الجرمانية (وهي الفكرة التي اخذها هتلر من التوراة اليهودية، أي فكرة "شعب الله المختار"، ولكنه استبدل العبرانيين بالجرمان).
نظرية "ملء الفراغ" لدوايت ايزنهاور
ـ2ـ في اعقاب العدوان الثلاثي (او "حرب السويس") على مصر في أواخر 1956، اعلن الرئيس الأميركي حينذاك الجنرال دوايت ايزنهاور ما سمي "نظرية ملء الفراغ" شرقي قناة السويس. وبالفعل فإن "شرقي قناة السويس" ـ أي شرقي المتوسط ـ اصبح مقرا بحريا دائما للاسطول السادس الأميركي الذي اخذ يتنزه باستمرار بين حيفا وقبرص وبيروت واليونان. ولكثرة تردد الاسطول السادس على بيروت، نشأت صداقات دائمة بين بائسات "السوق العمومي" القديم في بيروت وبين بحارة ذلك الاسطول، الذين رفعوا تسعيرة "الخدمات" في "السوق".
والحجة الظاهرية التي طرحت حينذاك لتبرير "نظرية ايزنهاور" هي إحلال النفوذ الأميركي محل النفوذ البريطاني والفرنسي المتهاوي، ومنع تمدد "النفوذ الشيوعي".
هيكل: "انتهت المعركة مع الاستعمار، وبدأت المعركة مع الشيوعية!"
وفيما بعد، ومع اعلان الوحدة المصرية ـ السورية، وتطبيقا لنظرية ايزنهاور تجاوز الماسوني محمد حسنين هيكل غفلة ابن الفلاح المصري الطيب جمال عبدالناصر ورفع شعار "انتهت المعركة مع الاستعمار، وبدأت المعركة مع الشيوعية!". وتحت هذا الشعار تم اعتقال عشرات الاف الشيوعيين في سوريا وتعريضهم للتعذيب الوحشي، ومنهم القائد الشيوعي التاريخي فرج الله الحلو، الذي قتل تحت التعذيب ثم قطعت جثته بالمنشار وتم تذويبها بالاسيد لتصريفها في مجاري الصرف الصحي في دمشق. واذا كان جمال عبدالناصر ومحمد حسنين هيكل وعبدالحميد السراج يتحملون المسؤولية السياسية والأخلاقية عن التعذيب حتى الموت لمناضل متفان وطهري الى درجة القداسة كفرج الله الحلو، فإن "الوحوش البشرية"، الضباط المنفذين الصغار للجريمة، كانوا بعثيين، والذين سلموا فرج الحلو للوقوع والموت في قبضة المخابرات كانوا بعض قادة الحزب الشيوعي الانتهازيين بالذات.
ايزنهاور يركز على شرقي قناة السويس
والجدير بالملاحظة ان النفوذ الاستعماري القديم لبريطانيا وفرنسا كان قد سقط بعد حرب السويس في كل منطقة الشرق الأوسط وشمالي افريقيا وما بعدهما... فلماذا ركز ايزنهاور على منطقة شرقي قناة السويس؟
ان هذا يشير طبعا الى الاهتمام الخاص لاميركا بأمن إسرائيل. ولكن اميركا كانت تلتزم بـ"البيان الثلاثي" (الأميركي ـ البريطاني ـ الفرنسي ـ 1949) الذي تضمن به الدول الثلاث معا امن إسرائيل.
وهذا يعني انه كان يوجد سبب آخر، بالإضافة لامن إسرائيل، لكي تولي اميركا هذا الاهتمام الخاص لشرقي قناة السويس.
كونسورسيوم النفط العالمي يدير السياسة الاميركية
وعلينا ان نؤكد الان ان كونسورسيوم النفط العالمي الذي تسيطر عليه اميركا هو الذي كان يقف خلف نظرية ايزنهاور حول "ملء الفراغ" في "شرقي قناة السويس". فهذا الكونسورسيوم كان قد اكتشف منذ ذلك الحين او قبله وجود النفط والغاز في شرقي البحر الأبيض المتوسط. ولكن هذا الاكتشاف أبقي طي الكتمان. الا ان السياسة الأميركية في المنطقة اخذت تتمحور حول هذا الاكتشاف الاستثنائي الذي من شأنه قلب السوق العالمي للطاقة، ومن ثم قلب السياسة العالمية برمتها، رأسا على عقب.
دول "سايكس ـ بيكو" تآكلت من الداخل
ـ3ـ لقد قامت "اتفاقية سايكس ـ بيكو"، وفسيفساء الدول الكراكوزية التي نشأت عنها، على قاعدة اكتشاف النفط في العراق وايران والخليج منذ مطلع القرن العشرين. وكانت ـ ولا زالت ـ مهمة فسيفساء دول سايكس بيكو ان تقوم، مباشرة وغير مباشرة، بحماية استخراج وتدفق النفط بأرخص الأسعار نحو الغرب.
ومع اكتشاف النفط والغاز في شرقي المتوسط، الذي هو على تماس مباشر مع فلسطين التاريخية وإسرائيل ولبنان وسوريا وقبرص واليونان وتركيا، ومع الوجود الروسي في المنطقة، فقدت فسيفساء سايكس ـ بيكو أهميتها السابقة، ونشأ خطر زج استخراج النفط والغاز من شرقي المتوسط في الصراع العربي ــ الإسرائيلي، ومن ثم خطر تكاتف بعض دول سايكس ـ بيكو العربية فيما بينها وخلق جبهة موحدة "عربية ـ قبرصية ـ يونانية" تدعمها روسيا، ضد إسرائيل وتركيا.
اميركا اتجهت نحو تغيير خريطة المنطقة
وهذا ما دفع الولايات المتحدة الأميركية منذ نهاية حرب السويس للالقاء بكل وزنها لاجل تحقيق هدفين:
أ ـ الشروع في العمل على تغيير الخريطة السايكس ـ بيكوية للمنطقة عن طريق إقامة الاحلاف الكبرى: حلف المعاهدة المركزية، الحلف التركي ـ الباكستاني، الحلف الإسلامي، وأخيرا "حلف بغداد" (وحينما سقط حلف بغداد بقيام الثورة العراقية في 14 تموز 1958، نزل الاسطول السادس الأميركي فورا في لبنان).
ب ـ إبعاد روسيا عن المنطقة. وقد نجحت السياسة الأميركية فعلا في ابعاد روسيا عن مصر واليمن الجنوبية والصومال وليبيا وأخيرا العراق. ولكن روسيا بقيت في سوريا، الامر الذي شكل عقبة كبرى امام الشروع في استخراج اميركا وحلفائها للنفط والغاز في شرقي المتوسط.
فشل اميركا في تحقيق حل إسرائيلي ـ فلسطيني
ـ4ـ بعد استفرادها التام بدور "الراعي الأوحد" للمفاوضات الإسرائيلية ـ الفلسطينية، فشلت اميركا في إيجاد "حل سلمي" للنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، لسبب بسيط جدا يعرفه حتى فتيان وفتيات فلسطين الذين يخرجون الان الى الشوارع حاملين السكاكين، وهو ان إسرائيل تريد حلا واحدا، نهائيا، للقضية الفلسطينية، وهو: طرد او إبادة جميع الفلسطينيين، وإعلان قيام "الدولة اليهودية" الخالصة، تنفيذا لمشيئة الثلاثي المقدس: "الله" التوراتي، وملوك بورصة نيويورك اليهود الانذال، وكونسورسيوم النفط العالمي.
رسوخ التحالف الروسي ـ السوري
ـ5ـ بعد خروج مصر من معادلة الحرب مع إسرائيل، اصبح النظام السوري اكثر تمسكا بالوجود الروسي في سوريا لمنع سقوطها الكلي في قبضة إسرائيل.
انطلاق مشروع "الفوضى البناءة" الاميركي
امام هذه الاعجازيات طرحت الإدارة الأميركية منذ مطلع القرن فكرة "انشاء الشرق الأوسط الكبير" و"الفوضى البناءة". ثم اطلقت موجة ما سمي "الربيع العربي" المزعوم. وتزامن ذلك مع تحريك الازمات المفتعلة والصدامات المسلحة في بعض الدول المحيطة بروسيا (جورجيا، أوكرانيا، صربيا، مقدونيا)، لاجل التهويل على روسيا واضعاف اهتمامها بمنطقة الشرق الأوسط.
نشوء جبهة المقاومة الدولية للمشروع الاميركي
ولكن النتائج جاءت عكسية تماما. اذ ان روسيا زادت استنفارها النووي ـ الصاروخي ضد الكتلة الغربية، وتمسكت اكثر بوجودها في سوريا، وتعاونها العميق مع ايران، ودعمها غير المحدود للمقاومة الوطنية الإسلامية التي يقودها حزب الله في لبنان. وشيئا فشيئا بدأت موجة "الربيع العربي" المزعوم تنحسر وترتد على أصحابها.
الغرب يخشى الحرب النووية مع روسيا
ـ6ـ ان قيادات اميركا وجميع الدول حليفتها في الناتو وغيره تدرك تماما، بناء لمعلوماتها الخاصة، ان أي مواجهة شاملة بينها وبين روسيا ستكون حتما مواجهة نووية، وان روسيا مصممة وتمتلك القدرة التكنولوجية على ان تكون الضربة الأولى لها، أي لروسيا، وهي ستكون ضربة قاضية على اميركا المحاصرة بالغواصات النووية حاملة الصواريخ الباليستية والمجنحة النووية، من المحيطات الثلاثة لتي تحيط باميركا، ناهيك عن الطيران النووي الستراتيجي، وانه في حال انطلاق أي صاروخ نووي من أي دولة أوروبية نحو الأراضي الروسية الشاسعة، فإنه سيقصف قبل ان يصل الى هدفه وفي الوقت ذاته فإن السماء ستمطر بالصواريخ النووية فوق جميع القواعد والمدن المعادية الأوروبية، وانه في حال حركت اليابان او تايوان او كوريا الجنوبية او إسرائيل ساكنا، فإنها ستختفي من الوجود فورا.
العسكريتاريا الغربية تنتقل نحو الستراتيجية الدفاعية
على هذا الصعيد الجيوستراتيجي الأساسي (أي المواجهة النووية الشاملة، ولن نسميها حربا، لانه لن تكون هناك حرب، أي ضربات متبادلة، بل ستكون هناك ضربة روسية واحدة ساحقة ماحقة، أولى واخيرة) فإن القيادات العسكرية الغربية، المدركة للوقائع الاساسية والحاسمة، انتقلت من تطبيق خط الستراتيجية الهجومية ضد روسيا، الى تطبيق خط الستراتيجية الدفاعية، وهو ما يعبر عنه تماما مشروع "الدرع الصاروخية" الأميركية، الذي تنفق عليه مئات مليارات الدولارات، والذي تسعى اميركا لنشره في كافة انحاء العالم بحجة سخيفة لا يصدقها حتى الأطفال، وهي حجة مواجهة الصواريخ الإيرانية والكورية الشمالية المحتمل توجيهها ضد أوروبا او اميركا.
التحضير لحرب عالمية اسلاموية ضد روسيا
ـ7ـ وهذا لا يعني ان القيادة الأميركية (خصوصا) قد تخلت نهائيا عن الستراتيجية الهجومية ضد روسيا. ولكنها تخلت (او صرفت النظر مرحليا) عن فكرة الستراتيجية الهجومية النووية تحديدا، لانها ادركت انها ـ في المعطيات الراهنة ـ ستكون خاسرة فيها لا محالة. ولكن القيادة الأميركية استبدلت فكرة الستراتيجية الهجومية النووية ضد روسيا بفكرة التحضير لحرب عالمية اسلاموية واسعة النطاق ضد روسيا، يتم خوضها بالأسلحة الكلاسيكية او ما دون النووية، ويمكن من خلالها اما تحقيق نصر اسلاموي على روسيا، بالأسلحة الكلاسيكية غير النووية، او على الأقل اضعاف روسيا الى الحد الأقصى، ومن ثم شن حرب غربية شاملة عليها، بالتنسيق مع الطابور الخامس "الدمقراطي" الروسي الموالي للغرب، والانتصار عليها بالأسلحة الكلاسيكية وبالاساليب والالاعيب و"الثورات" الداخلية الملونة "الدمقراطية" و"الحقوق ـ إنسانية" و"الحقوق ـ حيوانية" و"الحقوق ـ اباحية" و"الحقوق ـ مثلوية" و"الحقوق ـ مخدراتية" وما الى ذلك من اضاليل المخابرات وخزعبلات الخبراء البسيكولوجيين الغربيين في "غسل الادمغة الاجتماعية" والعودة بالإنسان الى مرتبة السعدان خصوصا والحيوان عموما.
مشروع سلطنة عثمانية جديدة
وتقضي هذه الخطة اول ما تقضي بزعزعة فسيفساء الدول السايكس ـ بيكوية، وان تظهر على انقاضها دولة اسلاموية موحدة كبرى، تقودها تركيا، على غرار ما كانته الإمبراطورية العثمانية التي سبق ان اوجدها اليهود بالتعاون مع الفاتيكان والدول المسيحية الغربية في حينه.
وتتولى المخابرات الأميركية والإسرائيلية والتركية وبعض الدول "العربية" والاسلاموية "الصديقة" اخراج هذه الدولة الاسلاموية الكبرى الموحدة الى الوجود بسيناريو يبدو معه انها ظهرت ليس فقط بقرار وإرادة وتمويل وتعبئة وتدريب وتسليح أميركا وإسرائيل والدول الغربية، بل "ضد ارادتها!"، وانها دولة "مستقلة" بكل معنى الكلمة، وينبغي في نهاية المطاف الاعتراف بها بوصفها تمثل شعبها (او شعوبها) على قاعدة: حق الشعوب والأمم في تقرير مصيرها وبناء دولها وكياناتها الوطنية المستقلة. وسيتوجب إيجاد السبل المناسبة، الدبلوماسية والعقائدية والبراغماتية او بالسيارات المفخخة والعمليات الانتحارية والاحزمة الناسفة، لـ"إقناع" القيادات المصرية والسعودية والقطرية وغيرها، بضرورة الاعتراف بالقيادة التركية لهذه الدولة.
مشروع "كردستان الكبرى"
ونظرا لوجود تيار شعبي كردي واسع النطاق في تركيا يعارض البقاء في الاطار التركي ويطالب بتشكيل دولة كردية مستقلة، فيمكن العمل على الفصل التام لإقليم كردستان العراق عن الدولة العراقية، وضم المنطقة الكردية السورية الى هذا الإقليم، والعمل لاجل فصل المنطقة الكردية الإيرانية عن ايران وضمها الى الإقليم أيضا، واخيرا يمكن اجراء بعض التعديل على الحدود الجنوبية الشرقية لتركيا وضم بعض المناطق منها الى الإقليم الكردي أيضا، كي يبلغ عدد السكان اكثر من 14 ـ 15 مليون نسمة، ويتم اعلان هذا الإقليم بوصفه "الدولة الكردية الكبرى" على ان تنضوي هذه الدولة تحت قيادة "الدولة الإسلاموية الكبرى" بزعامة تركيا.
ومشروع "البانيا الكبرى"
ـ8ـ ونظرا للأهمية الستراتيجية الكبرى لشبه جزيرة البلقان، باعتبارها معبرا بريا رئيسيا لاوروبا، من جهة، ولروسيا، من جهة أخرى، نحو الشرق الأوسط، يجري العمل من جديد لاثارة القلاقل والمذابح الدينية والاتنية في البلقان، بهدف رئيسي هو ضرب واضعاف وإخضاع وتفرقة السلافيين والاورثوذوكس، وخلق "البانيا الكبرى" التي تضم البانيا الحالية وكوسوفو والبان مقدونيا، والتي يضم اليها أيضا البشناق والغجر وجميع المسلمين الاخرين في البلقان، وتنضوي "البانيا الكبرى" أيضا تحت قيادة "الدولة الإسلاموية الكبرى" بزعامة تركيا.
سلام القبور لجميع المختلفين
ـ9ـ سيقع على عاتق هذه الدولة الإسلاموية الكبرى، المتحالفة مع "كردستان الكبرى" و"البانيا الكبرى"، ان تخنق وتدجن جميع المعارضات السياسية والدينية، خصوصا القومية العربية والمسيحية والإسلامية غير السنية، في العراق واليمن وسوريا ولبنان ومصر والسودان. كما يتوجب عليها سحق حالة المقاومة في فلسطين ولبنان، وسحق الحالة الثورية الإيرانية.
الحلف الاسلاموي ـ الإسرائيلي المنشود
ـ10ـ وبعد تدجين وسحق المعارضات الداخلية بدون رحمة، ينبغي على الدولة الإسلاموية العظمى التوصل الى صيغة "صلح دائم" او "صلح الأقوياء" مع إسرائيل وتخضير صحراء النقب لاستجلاب 5 ـ 10 ملايين يهودي اخرين، والاتفاق مع إسرائيل ان تكون أسلحتها النووية احتياطيا استراتيجيا للدولة الإسلاموية العظمى.
المثلث العالمي الداعشي ـ اليهودي ـ الماسوني
ـ11ـ تمتلك هذه الدولة الجديدة العظمى موارد مالية هائلة، بواقع تملكها لمكامن واستخراج وتكرير وتصدير النفط والغاز من "ولايات" الخليج وشبه الجزيرة العربية والعراق وشرقي المتوسط (الذي سيبدأ استخراجه على نطاق مكثف بالتعاون مع إسرائيل) وليبيا ومصر والسودان. وبذلك تمتلك "الدولة" مداخيل مالية خيالية، وتكون قادرة على شراء ما تشاء من الأسلحة الغربية المتطورة، وعلى تحريك كل المجموعات الإرهابية الاسلاموية داخل روسيا، وفي جمهوريات اسيا الوسطى، وفي باكستان، وفي الصين، واندونيسيا، والفيليبين، وكل انحاء العالم. وهي تحظى طبعا ببركة الحاخامية اليهودية العليا في نيويورك، وبركة بابا روما قاتلة المسيح، من ضمن لزوميات "التآخي" بين الأديان التوحيدية الابراهيمية الثلاثة، كما يفهمها الدواعش واليهود والصليبيون ـ الماسونيون.
الحرب السورية مقدمة للحرب الاسلاموية العالمية
ـ13ـ بناء على هذه المعطيات بدأت الحرب العالمية الداعشية ضد روسيا. والمهمة المباشرة الأولى: طرد روسيا من سوريا، واسقاط النظام السوري الحالي. والمهمة الأخيرة: تدمير الدولة الروسية من الداخل، وفرض الشروط الثلاثة عليها: الإسلام (الداعشي)، او الجزية (حتى اخر حبة حنطة، واذا لم يعد لدى الروسي ما يدفعه كجزية تؤخذ امه او زوجته او اخته او بنته للمتعة ثم لبيعها أمة، كما كان يجري في عهد الاجتياح المغولي التتاري لروسيا في العصور الوسطى)، او: قطع الرؤوس.
الاختلاف النوعي بين حرب أفغانستان والحرب في سوريا
ـ14ـ وقد اتخذت القيادات الغربية واليهودية العالمية والاسلاموية قرار شن الحرب العالمية الاسلاموية على روسيا، استنادا الى "التجربة الناجحة" للحرب الاسلاموية على الجيش السوفياتي في أفغانستان، إذ استطاع بضع عشرات الاف من "المجاهدين!" اجبار الجيش السوفياتي (الروسي) على الانسحاب من أفغانستان، وهو الجيش الذي لم تكن مرت بضعة عقود على سحقه للجيش الهتلري وجيش الهيروهيتو، والذي كانت ـ ولا تزال ـ ترتعد امامه فرائص مارشالات وجنرالات جميع جيوش العالم قاطبة.
ولكن الخبراء الروس يقولون ان الجيش السوفياتي قد فشل في أفغانستان ليس بسبب تفوق "المجاهدين!" بل لسببين رئيسيين لا يمكن ان يتكررا بعد الان لا في سوريا ولا في غيرها. فأولا كان الجيش السوفياتي ينفذ أوامر قياداته العليا بالتنسيق الكامل مع الجيش الافغاني الدمقراطي حينذاك. وغالبية العسكريين الأفغان كانوا يتقيدون بشدة بالتقاليد والأعراف العائلية والعشائرية، ولذلك كانوا فعليا (بصرف النظر عن نواياهم) جواسيس على الجيش السوفياتي، يبلغون عائلاتهم وعشائرهم بكل خطوة سوفياتية. ومن هؤلاء كانت تصل المعلومات الى "المجاهدين!" فكانت كل طلعة طيران او حركة تنقل روسية تقع في الكمائن. حتى قوافل الإغاثة، التي تنقل المواد الغذائية والحاجيات الحياتية والأدوية والمستشفيات المتنقلة، والتي كان ينقلها مدنيون سوفيات لمساعدة المدنيين الافغانيين، كانت تتعرض للكمائن والسلب، وكان هؤلاء الرجال الشجعان والنبلاء، عمال الإغاثة والمسعفون والأطباء السوفيات، يتعرضون للاهانة والتعذيب والاصابات والخطف والقتل، لانهم يقومون بمساعدة الشعب الافغاني. وطبعا كانت التهمة ضدهم جاهزة: انهم كفار وشيوعيون!
الان ـ وبناء على هذه التجربة ذاتها ـ الوضع يختلف تماما: فالقيادة الروسية المعنية تنسق معلوماتها الميدانية مع معلومات الجيش السوري. وتضع خطة العملية التي ستكلف بها كل طائرة ومتى وأين وكيف، ويقوم الطيار بمهمته بدون ان يعرف بها غير القيادة المسؤولة عنه مباشرة. واذا كان الطيار مكلف بأن يقصف مجموعة صهاريج تسرق النفط من سوريا، وكانت الصهاريج مجمعة في احدى الساحات وفي الوقت نفسه كانت تعقد حلقة دبكة وزفة عرس في تلك الساحة، فإن الساحة ستقصف بمن وما فيها، وتتحول دبكة العرس الى دبكة روسية!
ان البيئة الحاضنة للارهاب، حتى عن جهل وغباء، بما فيها اليسارية، ينبغي ان تدفع الثمن كعامل مساعد للمنظمات الإرهابية. وحتى في النصوص القانونية حول الارتكابات العادية يقال: ان القانون لا يحمي الغبي!
أحط معارضة في العالم
وهذه نقطة بحث نجيرها للمعارضة السورية، ولا سيما ما يسمى المعارضة المعتدلة والدمقراطية، التي هي كلها معارضة عملاء وخونة ومجرمين، اضطلع كل منهم بدوره في التغطية على الغزوة الداعشية لسوريا، وقبض الثمن! ولا يختلف بعضهم عن البعض الا في نوع وسعر العملات والمبالغ التي كانوا يقبضونها!
ان المعارضة السورية تصف النظام السوري بكل الاوصاف "الحسنى". وبدون الحاجة الى الدخول في أي نقاش حول طبيعة النظام السوري، فما هي هذه المعارضة السورية التي تلحس اقفية حكام تركيا وإسرائيل والسعودية وقطر والاتحاد الأوروبي وأميركا وتقوم بخدمة داعش في قطع الرؤوس وحتى في "جهاد النكاح"؟ انها احط معارضة لا في تاريخ شعوب المنطقة، بل في تاريخ شعوب العالم قاطبة! وكي يمكن التفكير في اصلاح او تغيير النظام السوري، ينبغي أولا محو داعش والمعارضة السورية من الوجود لا بالبراميل المتفجرة، بل بالصواريخ الباليستية وقنابل العشرة اطنان.
"التحالف الدولي" الأميركي... كاموفلاج
ـ15ـ أنشأت اميركا "التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب" كستار لاجل تسليح داعش واعطائها الوقت الكافي للتوسع والتحضير مع الدول الداعمة لها لشن الحرب العالمية الاسلاموية ضد روسيا بالأسلحة الكلاسيكية والعمليات الارهابية.
النموذج الصادق للتحالف الروسي ـ الاسلامي
ـ16ـ نجحت روسيا في تحقيق اختراق تاريخي في العلاقات مع العالم الإسلامي، وذلك بإقامة علاقات التعاون الستراتيجي العضوي العميق مع ايران وحزب الله، على قاعدة الصراع ضد الامبريالية الغربية واليهودية العالمية عدوتي جميع شعوب العالم. وقد صمدت هذه التجربة بوجه كل الضغوطات المعاكسة التي تعرضت لها الى الان. وطبعا ان روسيا لا تنطلق من حوافز طائفية إسلامية (شيعية ـ سنية) في هذا التعاون. بل ان هذه التجربة تشجع القيادة الروسية على الوثوق بأنه يمكن التعاون مع مجموعات ونظم ودول إسلامية أخرى أيضا، أيا كان مذهبها، على قاعدة المحافظة على المصالح الوطنية الحقيقية ومواجهة الامبريالية واليهودية العالمية.
السعودية تحاول ان تستقل عن اميركا
ـ17ـ شكلت السعودية التحالف العربي ـ الخليجي لضرب التيار الشعبي الواسع المعادي لها في اليمن، والذي يضم انصار ايران وانصار مصر "المكتومين". ولكن السعودية تقاتل في اليمن بهدف التوصل الى "تسوية مشرفة" مع ايران حول النفوذ في الخليج وباب المندب، وليس من اجل التوصل الى نصر تعرف مسبقا انه مستحيل.
ـ18ـ كما شكلت السعودية "الحلف العربي ـ الإسلامي لمكافحة الإرهاب في سوريا" من اجل تطمين داعش الى مستقبلها، والحد من الهجمات الروسية، ومن اجل مسابقة مصر وتركيا (وقطر) على زعامة العالم العربي ـ الإسلامي. وباسم الحلف المعادي لليمن، والحلف المعادي للارهاب في سوريا، تريد السعودية ان تؤكد "استقلاليتها!" عن اميركا، وتطمح لان ترفع اسهمها لدى روسيا، وان تضطلع بدور مركز قوة إقليمي مواز او موازن لمركز القوة الإقليمي الإيراني، وان تتعامل مع روسيا على هذا الأساس.
روسيا تريد تقوية مصر
ـ19ـ تعمل روسيا على دعم قوة مصر العسكرية والاقتصادية والسياسية، وكذلك السعودية واي دولة عربية وإسلامية أخرى تميل الى محاربة الإرهاب والصداقة مع روسيا، ولكنها ستظل تعطي الأولوية في علاقاتها المميزة لايران وحزب الله وانصارهما في المنطقة، بسبب الخط الثابت والانخراط الفعلي لهذا المعسكر في مواجهة الامبريالية الأميركية واليهودية العالمية والمجموعات الإرهابية لداعش واخواتها.
روسيا تريد تقوية المركز الروحي للسعودية وايران
ـ20ـ تميل روسيا الى تعزيز المركز القيادي الروحي لإيران في العالم الإسلامي ـ خصوصا الشيعي، والمركز القيادي الروحي للسعودية في العالم الإسلامي ـ السني، والعمل للتقريب بين هذين المركزين الروحيين الكبيرين، على قاعدة محاربة الإرهاب والتكفير والاضطهاد الديني، والوقوف بوجه الامبريالية واليهودية العالمية، ومعارضة مشروع الحرب الاسلاموية ضد روسيا، والاعتراف بروسيا كدولة نموذجية للاخاء والتعاون الديني والاتني بقيادة الكنيسة الاورثوذوكسية الحرة، المنفتحة والمتسامحة.
مصر ينبغي ان تعود للاضطلاع بدورها التحريري
ـ21ـ حينما تم تفجير الطائرة المدنية الروسية وقتل ركابها فوق سيناء كان عدد السياح الروس في مصر قد بلغ اكثر من ثلاثة ملايين سائح سنة 2015. وقد امرت القيادة الروسية على الفور بإقامة جسر جوي لاستعادة السياح الروس الذين كانو لا يزالون في مصر، وبمنع مكاتب السياحة من ارسال سياح جدد الى مصر. وهذا لم يكن يعني ان روسيا اتخذت موقفا سلبيا ضد مصر. بل بالعكس. فأولا كان يجب احتواء الغضب الشديد المكتوم للمجتمع المدني الروسي، الذي أصيب بصدمة كبيرة بسبب سياسة الانفتاح الصادق عل العالم العربي والإسلامي. وثانيا كان لا بد من تحذير مصر بأنه لا يجوز ان تكون علاقاتها الخارجية الإيجابية مع اصدقائها الحقيقيين كروسيا، وكذلك امنها الداخلي ووحدتها الوطنية ووحدة وسلامة أراضيها، تحت رحمة نشاطات مخابرات الدول المعادية كاسرائيل وتركيا وقطر وغيرها، ومرتزقة العصابات الإرهابية الاجرامية التي "تقبض وتقتل". وفي الوقت ذاته قدمت روسيا لمصر منظومة الصواريخ الدفاعية S-300 لتعزيز امنها القومي، وابدت استعدادها لمساعدة مصر سياسيا واقتصاديا وامنيا وعسكريا، لتعزيز دورها المحوري في العالم العربي والإسلامي.
غصن الزيتون او السيف مع تركيا
ـ22ـ وفي 23 أيلول الماضي كان رجب طيب اردوغان احد ابرز المدعوين العرب والمسلمين في افتتاح المسجد الكبير الموسع في موسكو الذي يعلو عشرة طوابق ويتسع لعشرة الاف مصل داخل حرم الجامع. وقد اتفق الرئيسان بوتين واردوغان على رفع معدل التجارة المتبادلة بين البلدين الى 100 مليار دولار. كما كان تم الاتفاق على مد خط أنبوب الغاز القاري المسمى "السيل التركي"، الذي بموجبه ستصبح تركيا ممر ترانزيت رئيسيا للغاز الروسي الى أوروبا الجنوبية والشرقية. وفي سنة 2014 بلغ عدد السياح الروس في تركيا 7 ملايين سائح، وكان يتوقع ان يبلغ العدد اكثر من ذلك سنة 2015. هذا غيض من فيض من البراهين على رغبة روسيا في إقامة علاقات بناءة ومثمرة مع تركيا ومع العالم العربي والإسلامي عامة.
الطبع العثماني يغلب على القيادة التركية
ولكن يبدو ان الطبع العثماني لا يزال يغلب على تركيا، وهي مستعجلة جدا على شن الحرب العالمية الاسلاموية ضد روسيا. ولتؤكد زعامتها على العالم العربي ـ الإسلامي سارعت (بالتعاون مع الأموال القطرية على الأرجح، و"اليد العاملة" الداعشية) على تسريب متفجرة الى احدى الطائرات المدنية الروسية التي انفجرت فوق صحراء سيناء بركابها المدنيين. وقبل ان تجف دماء هؤلاء الأبرياء، وكبادرة تشجيع لداعش واخواتها، قام الطيران الحربي التركي بنصب كمين جوي مدروس لاحدى الطائرات الحربية الروسية التي كانت تقوم بواجبها في محاربة الإرهاب، الذي تدعي تركيا أيضا انها تحاربه، ولدى هبوط احد الطياريْن في منطقة سورية تسيطر عليها مجموعة إرهابية تركمانية مرتبطة برجب طيب اردوغان شخصيا، قامت تلك المجموعة باطلاق الرصاص بكل نذالة على ذلك الجندي الروسي الشجاع وقتله.
وبطبيعة الحال ان روسيا، التي تطوق الديناصور الأميركي بالصواريخ النووية برا وجوا وبحرا من ثلاث محيطات، ويمكن ان تقضي عليه منذ الضربة الأولى في الحرب العالمية النووية اذا نشبت لا سمح الله، يمكنها ان تسحق العقرب التركي بفركة كعب.
3 دول وجودها عار على الانسانية
والواقع انه توجد ثلاث دول في العالم هي اميركا وتركيا وإسرائيل، تقوم على اغتصاب أراضي الغير وابادة وتشريد السكان الأصليين، ويعتبر وجودها لطخة عار في جبين الإنسانية. ولكن روسيا، ذات الثقافة المسيحية الشرقية العريقة، تفضل إيجاد "حل انساني" لا حل "نووي" لمشكلة هذه الدول، حل يقوم على تفكيكها والغائها كدول، وليس على إبادة شعوبها، التي ليس من الصحيح المطابقة بينها وبين الطبقات الحاكمة فيها.
غالبية الاتراك ليسوا عثمانيي الاصل
واذا اخذنا تركيا بالتحديد فإنه يوجد فيها اكثر من 15 مليونا من الشيعة القزلباش والعلويين، واكثر من 15 مليون كردي علوي وسني، وربما عدة ملايين من بقايا الأرمن واليونانيين والسريان والاشوريين والعرب المسلمين والمسيحيين. واكثر من ذلك: بعد ان وقعت قيادة الإسلام في ايدي المغول والتتار والعثمانيين، فإن هؤلاء ـ مثل الدواعش اليوم ـ أعطوا أسوأ صورة عن الإسلام. فعدا الابادات والمجازر، فإن الكثير، مئات الالاف وربما الملايين من الرجال العزل الأرمن والاشوريين والسريان واليونانيين والعرب والبلغاريين، المسيحيين الشرقيين، وامام التهديد باغتصاب بناتهم واخواتهم وامهاتهم وزوجاتهم، قبل قتلهم هم انفسهم، ثم بيعهن إماء للنخاسين اليهود الخزر، ـ أولئك الرجال كانوا يفضلون الرضوخ للأسلمة والتتريك على هذا المصير. واذا نظرنا الى غالبية الاتراك نجد انهم لا يشبهون الجنس المغولي ـ شبه الصيني الذي يتحدر منه العثمانيون الاصليون الذين أتوا من سفوج جبال ألطاي على حدود الصين. بل هم اشبه بالاشوريين والسريان والارمن واليونانيين والعرب، أي بالجنسين الاري والسامي. وهذا ينطبق على رجب طيب اردوغان نفسه الذي يشهر سيف العثمنة والدعوشة، والأرجح انه هو بالذات ليس اصله عثمانيا (بالمعنى العنصري) وبالتالي ليس اسلامه صحيحا، لان احد اجداده أسلم بالقوة لإنقاذ عرضه، والإسلام الصحيح يقول: "لا اكراه في الدين".
امام هذه الوقائع والمعطيات التاريخية والراهنة، أبدت القيادة الروسية مستوى رفيعا من ضبط النفس، وعدم الانجرار الى اتخاذ مواقف انفعالية كما يريد العدو، او الأعداء.
تركيا محكوم عليها بالزوال كأوكرانيا
ـ23ـ ولكن ضبط النفس من قبل روسيا لا يعني ابدا انها خافت من اردوغان. بل العكس تماما. وفي هذا الصدد نذكر انه في تسعينات القرن الماضي، حينما بدأت خطة تدمير يوغوسلافيا، رفع بعض احفاد الباشبوزوكات البشناق شعار "نريد محمد الفاتح على حصان ابيض"، فرفع بعض الوطنيين الصربيين المظلومين شعار "500 سنة تكفي"، (أي 500 سنة عبودية تركية تكفي).
15 سنة تكفي
الان، انا بشخصي المتواضع، أقول للزعيم الالمعي رجب طيب اردوغان "15 سنة تكفي". 15 سنة وتركيتك تستفز روسيا، تستورد "المجاهدين!" (الأفغان العرب وغيرهم) وتدربهم وتسلحهم وترسلهم الى روسيا بمختلف الطرق، وتنظم العمليات الإرهابية في شوارع موسكو ومطاراتها ومترو الانفاق والمستشفيات والمجمعات السكنية والمسارح وحتى مدارس الأطفال دون العشر سنوات، وتنظمون قطع الرؤوس امام الكاميرا لبعض الشبان الروس الذين يقهون في الاسر والذين ينفذون خدمتهم العسكرية ككل شباب العالم. كل هذا وروسيا تتحمل. وتتلقى الصفعة على الخد الأيمن فتدير لكم الخد الايسر. "طيب، وبعدين؟". ان السيد المسيح نفسه صرخ على الصليب وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة "إيلي.. إيلي.. لمَ شبقتني؟" (باللغة الارامية التي كان يتكلمها السيد المسيح: إلهي.. إلهي.. لماذا تركتني؟"). فاذا كان السيد المسيح ذاته عيل أخيرا صبره واراد الانتقام، فإن بوتين وروسيا لن يحيدا من طريقك يا سيد اردوغان.
15 سنة هي عمر كامل، وكانت كافية للتفكير والاختيار بين اليد التي تحمل لك ولتركيا الخير، وبين اليد التي تحمل لكم السيف.
انت اخترت الحرب. وستكون لك الحرب.
وللذكرى والعبرة فقط: انظر وراءك ماذا جرى لاوكرانيا. انها تموت كدولة بدون ان تمد لها روسيا يدها بضربة كف واحدة. بمجرد ان ادارت روسيا ظهرها لاوكرانيا اخذت طريقها الى الموت التدريجي كدولة. ومصير تركيا سيكون أسوأ بكثير.
إسطنبول ستختنق
ـ24ـ ان المتتبع للاحداث في العلاقات الروسية ـ التركية يمكن ان يستنتج بسهولة ان الحكم الروسي بالموت التدريجي على تركيا وأخيرا تفكيكها التام كدولة، ـ هذا الحكم قد صدر، ونحن الان في مرحلة التنفيذ:
أ ـ بدأت عملية خنق إسطنبول كمركز تجاري عالمي كبير. وخنق إسطنبول سيعني خنق الإنتاج والاقتصاد التركي برمته. وسيعني حرمان تركيا من تمويل جيشها الضخم. وأميركا والدول الغربية لن تستطيع شيئا سوى رمي بعض الفتات لتركيا مما سيزيد الشرخ بين تركيا والغرب وازدياد ارتفاع الاصوات الغربية ضد تركيا واتهامها بدعم الإرهاب واتخاذ التدابير ضدها على هذا الصعيد.
البحر الأسود... بحر روسي مغلق
ب ـ ان ممرات مضائق الدردنيل والبوسفور والقرن الذهبي ومرافئها وشواطئها ومرافئها التجارية وشواطئ إسطنبول ستسير كلها نحو الإفلاس التام، لان الغواصات والسفن والزوارق الحربية، وكذلك الطائرات والهليكوبترات الحربية، الروسية، ستحول بحر ايجه الى "ملعب" دائم لها، وستسد كل منافذ مضائق الدردنيل والبوسفور، التي ستغلق من الجانبين: من جانب بحر ايجيه، ومن جانب البحر الأسود الذي يسير نحو التحول الى بحيرة روسية 100%. وكل سفينة حربية او تجارية ستعبر بعد الان مضائق الدردنيل نحو إسطنبول او البحر الأسود على قبطانها ان يذهب أولا الى مكتب مختص في احد اقبية الكرملين لتقديم كشوفات كاملة بأسماء ومحتويات تلك السفينة واخذ الاذن بذلك، وذلك حفاظا على الامن القومي الروسي والامن الدولي من شر الدواعش.
قبرص للقبارصة اليونانيين
ج ـ ان الحركة العسكرية واللوجستية والتجارية والسكانية العادية بين تركيا وشمال قبرص لن تعود حرة، لان الغواصات والسفن الحربية الروسية ستتواجد باستمرار من الان فصاعدا في هذا القطاع وهي لا تكن مشاعر محايدة حيال الاتراك. ولذلك فإن النتيجة ستكون ان القوات المسلحة التركية في شمالي قبرص ستصبح رهينة في قبضة الوطنيين القبارصة اليونانيين الذين لا زالوا منذ 1974 يبحثون عن جثث اقربائهم الذين قتلهم وقطع رؤوسهم الاتراك ولا يعرف احد اين جرى طمرهم حتى يعاد دفنهم حسب الطقوس الدينية المرعية.
القسطنطينية ستعود لاهلها
د ـ ان الكنيسة الاورثوذكسية لا تزال تحتفظ بالمفاتيح الاصلية لكنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية (إسطنبول حاليا) وبدأت الأصوات ترتفع في أروقة الدوما (البرلمان) الروسية حول ضرورة إعادة آيا صوفيا الى الكنيسة الاورثوذكسية. ولكن بدلا عن ذلك، وعلى مرأى ومسمع من العالم المتحضر كله، يدور في تركيا نقاش علني حول ايهما افضل: ان تبقى كنيسة آيا صوفيا متحفا كما أراد اتاتورك، ام ان يعاد تحويلها الى جامع كما فعل محمد الفاتح وكما يريد اردوغان؟
الأرمن سيعودون الى أراضيهم التاريخية
هـ ـ لقد ابادت تركيا العثمانية حوالى مليون ونصف مليون ارمني واستولت على أراضيهم التاريخية وشردت ملايين أخرى في كافة ارجاء الأرض، بتهمة انهم مسيحيون وكانوا يتعاطفون مع روسيا المسيحية خلال الحرب العالمية الاولى. أي ان الأرمن دفعوا منذ زمن طويل "ضريبة الدم" و"ضريبة الأرض" عن مسيحيتهم الشرقية. فما هو المانع الحقوقي والأخلاقي والديني والسياسي والاقتصادي والعسكري، الذي يمنع روسيا اليوم من ان تمد الجمهورية الأرمنية الصغيرة الحالية ("السوفياتية" السابقة) بصفقة أسلحة ضخمة، تشمل آلاف الطائرات الحربية والدبابات وناقلات الجند ومدافع الميدان ومنظومات الصواريخ الدفاعية والهجومية، المجنحة والتقليدية، وان تدعو جمهورية أرمينيا ملايين الشبان الأرمن من كافة ارجاء العالم للتدرب وحمل السلاح باشراف المدربين والمستشارين الروس، ومطالبة تركيا بإعادة الأراضي الأرمنية التاريخية، على الأقل للبحث عن القبور الجماعية المجهولة للضحايا الارمن، وإقامة القداديس عن ارواحهم حسب الأصول المرعية.
اليونان الاورثوذوكسية قلب وعقل الحضارة الاوروبية
و ـ بفضل هيمنة اليمين الخياني الموالي للغرب على اليونان، بعد القضاء على الثورة الدمقراطية الشعبية بمعاونة الخائن ستالين في 1946 ـ 1949، انتهج الاتحاد الأوروبي والناتو وأميركا خصوصا، وبمباركة الفاتيكان طبعا، سياسة عزل واضعاف وافقار واذلال اليونان، مقابل سياسة تقوية تركيا في كل المجالات بالرغم من عدم قبولها في عضوية الاتحاد الأوروبي لعدم انكشاف اللعبة تماما. وكان الهدف من ذلك تحضير المسرح كي تقوم تركيا بابتلاع اليونان في الوقت المناسب، بعد وضع السيناريو المناسب، للتخلص نهائيا من "عقدة الشعب الاورثوذوكسي اليوناني" التي هي عقدة العقد فيما يسمى "الحضارة الأوروبية" و"الحضارة الغربية" و"الحضارة المسيحية".
الان، وبعد مجيء اليسار الراديكالي، المدعوم من قبل القوميين الاورثوذوكسيين، الى السلطة في اليونان، انعكست الآية، وصارت اليونان قنبلة غضب تاريخي مكبوتة وموقوتة، فتيلها في موسكو، ولا يعلم الا الله متى وكيف ستنفجر.
وفي هذا الصدد نذكر ان الاف العائلات اليونانية، وكالفلسطينيين تماما، لا تزال تحتفظ بمفاتيح بيوتها القديمة في إسطنبول (القسطنطينية) وازمير (سميرنه). ويحدث كثيرا ان يذهب شيخ يوناني برفقة حفيده طالب الجامعة الشاب لتعريف الحفيد بمسقط رأس اجداده. وفي مكان ما على رقعة الجغرافيا التركية يقول الجد للحفيد: "هنا جرى تجميع مئات القاصرات والصبايا اليونانيات وتكوكب حولهن جنود السلطان وهم يهللون ويكبرون كأنما فتحت امامهم أبواب الجنة، وتناوبوا على اغتصابهن أياما بلياليها، وصراخ العذارى الشاكي لرب السموات يعلو على فحيح الافاعي، ثم اخذهن العثمانيون واختفين الى الابد". وفي مكان آخر يقول له: "هنا كانت توجد كنيسة القديس ديميتريوس، حيث احتشد الناس للصلاة من اجل السلام والخلاص، فأتى العثمانيون وسلبوا كل ما يمكن سلبه من الكنيسة والحضور، ثم اغلقوا الأبواب واحرقوا الكنيسة بما ومن فيها من الناس احياء. خذ قبضة من تراب هذه الأرض، فربما يكون منصهرا فيها عبق الصلاة مع قبس ذؤابة شمعة منطفئة مع ذرات من رماد رفات جدي وجدك!".
فيا سيد رجب طيب اردوغان! الأرجح انك انت بشخصك لست عثماني العنصر، وربما تكون حفيد رجل اشوري او ارمني او يوناني أو أي مسيحي شرقي آخر فضل الأسلمة والأتركة على ان يرى عرضه يغتصب امام ناظريه. ولكن من اجل السلطنة واوهام السلطنة، انت ـ بمحض ارادتك ـ تختار العثمنة. في هذه الحالة، هناك ديْن ثقيل في رقبتك، كمشروع سلطان عثماني جديد، عليك ان تدفعه لليونانيين، الذين يتربصون بك منذ مئات السنين، وسيبقون متربصين ما دامت الأرض تدور. والان دار الدولاب واقترب وقت الحساب.
فماذا لو قدمت روسيا الى اليونان (بصفة قرض بفائدة رمزية يبدأ تسديده في بداية القرن 22 حتى منتصف القرن 23) اسطولا كاملا من الغواصات والسفن والزوارق الحربية من مختلف الاحجام والمهمات، والمزودة كلها بالصواريخ، واسطولا جويا من كافة انواع الطائرات الحربية، و100 او 200 الف صاروخ ارض ـ ارض من كل العيارات، وبضعة آلاف دبابة وناقلة جند مدرعة ومدفعية خفيفة ومتوسطة وثقيلة، وبضعة ملايين من الرشاشات والبنادق الحربية ذات المناظير النهارية والليلية؟ وماذا لو قامت هذه اليونان الجديدة بفرض حصار بحري وجوي على تركيا من جهة بحر ايجيه ومن جهة شمالي البحر الأبيض المتوسط، ومنعت الإبحار والطيران الحربيين والمدنيين من والى تركيا؟ وماذا لو قامت احدى الطائرات (عن طريق "الخطأ!" مثلما يفعل الاميركان) بإلقاء قنبلة واحدة على جسر إسطنبول ومنعت السير عليه؟ وماذا لو طلبت هذه اليونان ـ كبادرة حسن نية لاجل فك الحصار وتجنب الحرب ـ إعادة اليونانيين الى أراضيهم الاصلية واولها القسطنطينية والتعويض عن الاضرار التاريخية التي حلت باليونان مائة او الف او مائة الف تريليون دولار (بسعر اليوم)؟ هل سيطلب اردوغان عقد اجتماع استثنائي لقيادة حلف الناتو يدعى اليه كضيف شرف محمد الفاتح كي يدخل الى بروكسل على حصان ابيض؟ فليدع أيضا بابا روما وحاخام نيويورك كي تكتمل الشلة! وليكن ما ينبغي ان يكون!
القيادة الروسية غير مستعجلة
ـ25ـ ان القيادة الروسية غير مستعجلة لحسم المعركة في سوريا. أولا، لانها تدرك ـ وبالوقائع وآخرها اسقاط الطائرة المدنية الروسية في سيناء، ثم اسقاط تركيا للطائرة الحربية الروسية التي كانت تقوم بمهماتها داخل الحدود السورية، وكشف وافشال اكثر من 30 محاولة القيام بعمليات إرهابية في روسيا هذه السنة، وأخيرا لا آخرا اغتيال إسرائيل للقائد المقاوم سمير القنطار، دعما للجبهة الاسلاموية ـ ان الحرب السورية هي مقدمة وجزء لا يتجزأ من مؤامرة التحضير للحرب العالمية الاسلاموية ضد روسيا. وثانيا لان المنظمات الاسلاموية الإرهابية المعادية، والدول الإقليمية والخارجية الداعمة لها، لم تستنفد بعد طاقاتها الحشدية، ولم تكشف بعد كل اوراقها السياسية والاساليب التي ستنتهجها والساحات القتالية التي ستختارها.
ولذلك فإن القيادة الروسية تنتهج تاكتيكات التصعيد التدريجي لحشد واستخدام القوى الحربية الضاربة، وتحضير الساحة السورية والإقليمية والعالمية كلها للحرب العالمية القائمة والمتواصلة، بهدف اقتلاع المعسكر الإرهابي الاسلاموي وحلفائه من جذوره مرة والى الابد. ونشير هنا الى بعض المعطيات ومنها:
روسيا مصنع أسلحة كبير
أ ـ يعتقد بعض المحللين ذوي التفكير المشطور ان الميزانية الروسية لن تصمد لحرب طويلة، في ظروف انخفاض سعر برميل النفط (ومن ثم الغاز). ولكن الخبراء المطلعين يقولون ان الميزانية الروسية بمجملها بدأت تحتسب منذ سنوات عديدة على أساس ان سعر برميل النفط هو 20 دولارا فقط. والميزانية الحربية تؤخذ من الميزانية العامة على أساس سعر برميل النفط 20 دولارا. وكل زيادة في سعر برميل النفط (والغاز) اكثر من 20 دولارا لا تذهب الى الميزانية العامة، بل تذهب الى "الاحتياطي الخاص" للدولة. وهذا "الاحتياطي الخاص" ـ بالإضافة الى الميزانية العادية لوزارة الدفاع ـ يصب كله في المشاريع الستراتيجية للدولة، وبالدرجة الأولى في المجمع الصناعي الحربي، ومن ثم يدخل في الاقتصاد العام للدولة من خلال منجزات المجمع الصناعي الحربي. وبالإضافة الى ذلك ففي مطلع 2015، وبمرسوم صادر عن الرئاسة الروسية، أوقف البنك المركزي السياسة القديمة لدعم الروبل، أي الشراء المصطنع للروبل بالدولارات التي تكون سبق ان تجمعت لدى البنك المركزي من التجارة الخارجية وتجارة الأسلحة، من اجل ان يستطيع المواطن شراء دولار رخيص بـ 30 ـ 35 روبلا. وفور البدء بتطبيق هذا القرار قفز سعر الدولار الى حوالى 70 روبلا. ولكن بنتيجة لبررة الروبل فإن البنك المركزي احتفظ بمئات وربما الاف مليارات الدولارات التي كانت تذهب لشراء الروبلات وتخزينها بلا معنى فأصبحت (أي الدولارات) تذهب أيضا الى "الاحتياطي الخاص للدولة"، وتصب أخيرا في المجمع الصناعي الحربي. وهذا يعني ان روسيا، ومهما كان سعر برميل النفط، هي أولا مصنع حربي كبير يصنع الغواصات والطائرات والدبابات والصواريخ والمدافع، ومن ثم يأتي في عملية الإنتاج دور زرع الفريز او صناعة احذية الكعب العالي للفتيات الروسيات الجميلات.
الوجود العسكري الروسي يتوسع في سوريا
ب ـ تعمل القيادة الروسية على توسيع الوجود العسكري الروسي في سوريا جغرافيا، وزيادة وتنويع الأسلحة المستخدمة، جوا وبحرا وبرا، من ضمن ضرورات المعركة، خطوة خطوة، وبدون افتعال او انفعال.
السيطرة الكاملة على بحر قزوين ومحيطه بالتعاون مع ايران
ج ـ ان الصواريخ الموجهة التي اطلقتها روسيا على داعش في 7 تشرين الثاني الماضي من بحر قزوين، تعني ببساطة توسيع الرقعة الجغرافية لساحة الحرب، وهي كانت تحمل رسالة الى تركيا، بأن هذه الصواريخ التي عبرت ايران والعراق الى سوريا، من الممكن أيضا ان "تنحرف" قليلا لزيارة تركيا في أي نقطة كانت. كما انها تحمل رسائل الى الدول الإسلامية "السوفياتية" السابقة في محيط بحر قزوين بأن لا تسمح بظهور أي بؤرة داعشية على أراضيها. والا فإن مثل هذه البؤرة سيكون لها حساب عسير على يد القوات الروسية بالتعاون الوثيق بينها وبين الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وأخيرا لا آخرا فإن هذه العملية تعني ببساطة ان بحر قزوين اصبح قاعدة بحرية حربية روسية ـ إيرانية، شاء من شاء وابى من ابى.
البحر الأسود وبحر آزوف حوض بناء وتخزين غواصات وسفن حربية روسية
د ـ بعد استرداد شبه جزيرة القرم لروسيا، والموت السريري البطيء لما تبقى من أوكرانيا بعد انفصال منطقة الدونباس، ووضع السدادة العسكرية الروسية في بحر ايجه، فإن البحر الأسود اصبح عمليا بالكامل تحت السيطرة الروسية. والغواصات والسفن الحربية التركية والناتوية في تركيا وأوكرانيا ورومانيا وبلغاريا تعرف تماما انها "رهائن" لا اكثر في قبضة البحرية والطيران الستراتيجي الروسي، وبحارتها المساكين سيكونون طعاما للسمك لدى اول احتكاك جدي. وكل سفينة غير روسية تدخل البحر الأسود اصبح ينطبق عليها القول المأثور: الداخل مفقود والخارج مولود.
ولا احد يعرف الان ماذا يفعل الغطاسون ـ الحفارون الروس في أعماق مضيق البوسفور، وفي جميع سواحل شبه جزيرة القرم، وخصوصا في بحر آزوف المتفرع من البحر الاسود والمغلق عند مضيق كيرتش، والصالح للتحول الى حوض لبناء السفن والزوارق الحربية، والى "وكر دبابير" لبناء و"تخزين" الغواصات الحربية من مختلف الاحجام والمهمات.
البحر الأبيض المتوسط منتزه استجمام للغواصات "السوفياتية" القديمة
ـ26ـ لاسباب لسنا في صدد مناقشتها الان، فإن البحرية الحربية الأميركية اعتمدت بشكل رئيسي على بناء حاملات الطائرات الجبارة. في حين ان روسيا اعتمدت على بناء الغواصات، التي هي اقل كلفة بكثير، واكبر فتكا، والتي تفي بالأغراض الحربية للدولة.
وفي الفترة الأخيرة بدأت الدولة الروسية في بناء الغواصات من الجيل الجديد التي تسير بالطاقة النووية، وهي من الطراز الشبحي الذي يسير بدون ضجة ويصعب اكتشافه خصوصا عندما "ينام" في الاعماق. ويقول بعض الخبراء ان معدل الإنتاج في السنوات الأخيرة هو لا اقل من عشر غواصات في السنة. وترسل روسيا هذه الغواصات بشكل أساسي لتطويق اميركا من المحيطات الأطلسي والهادي والمتجمد الشمالي، كي تطبق عليها القنابل النووية في أي لحظة ومن كل الجهات.
والان تقوم روسيا باستبدال جميع الغواصات القديمة حول اميركا التي تسير بالوقود غير النووي، ووضع الغواصات الجديدة مكانها، وسحب الغواصات القديمة الى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الهادي حول أوروبا وافريقيا والشرق الأوسط الكبير. وفي غضون اشهر او أسابيع سيتحول البحر الأبيض المتوسط الى حوض للغواصات الروسية، المحملة بالصواريخ النووية الباليستية ذات المائة طن، وبكل أنواع واحجام الصواريخ الأخرى، بما فيها الصواريخ المجنحة الشبحية، ذات خط الطيران المتعرج والالتفافي، أي التي يمكن ان تطير الى مسافة الف كيلومتر (مثلا) ثم تعود الى نقطة انطلاقها. وليس بعيدا اليوم الذي سنرى فيه الغواصات الروسية تتنزه على امتداد شرقي المتوسط، وقناة السويس وخليج العقبة (باعتباره صار ممرا دوليا بموجب معاهدة لندن 1957)، وربما ينزل بعض البحارة الروس بقارب مطاطي على شاطئ حيفا او ايلات لاخذ حمام شمسي واخذ صور تذكارية مع بنات يهوديات لا زلن يتكلمن اللغة الروسية بطلاقة. او ينزل بحارة آخرون لزيارة "رفاق" قدماء في عدن.
حرب بلا هوادة على الدواعش ولواحقهم
ـ27ـ ان الدواعش وانصارهم وأولياءهم ارتكبوا كل الفواحش، ولم يتركوا للاخلاق أي فسحة: اغتصبوا البنات اليزيديات والمسيحيات وباعوهن ارقاء، وقطعوا رؤوس العمال المصريين الفقراء فقط لانهم مسيحيون، وقتلوا المصلين في الجوامع والكنائس والحسينيات وهم يصلون لرب العالمين، وقامت المخابرات التركية بقتل المدنيين الروس بالطائرة المدنية. واذا كان الروس يلتزمون أخلاقيا بعدم اللجوء الى الاسلحة النووية، فلماذا سيتقيدون فقط بالسلاح الكلاسيكي: الرصاصة، والقنبلة والصاروخ والمتفجرة. ان قدراتهم العلمية والمالية تتيح لهم مثلا ان يلجأوا الى اسلحة علمية نظيفة كثيرة منها على سبيل المثال: الاستنساخ. فما المانع من استنساخ عشرات الاف افاعي الكوبرا، المبرمجة كي تفعل فعلها وتموت بعد 10 او 15 يوما، والقاء هذه الافاعي "الجميلة" فوق رؤوس اخوانها الدواعش؟ ولماذا لا تستخدم اشعة الليزر لتعمي ابصار الدواعش في مناطق باسرها؟ ولماذا لا تستخدم الموجات الحرارية المرتفعة جدا (500 درجة وما فوق) فتمر فوق منطقة معينة لمدة 30 ثانية فقط وتحول كل جسم حي الى كتلة رماد، او الموجات الباردة شديدة الانخفاض (500 درجة تحت الصفر واكثر) وتحول كل جسم حي الى صخرة صقيعية؟ وغير ذلك من الأسلحة الايكولوجية النظيفة التي يمكن لروسيا استخدامها!
الدواعش يستأهلون ميني ـ قنبلة نووية
ـ28ـ كلنا يتذكر يوم وقف المندوب الروسي لوحده في مجلس الامن واستخدم حق النقض (الفيتو) منذ امد قريب. وبهذا وغيره اثبتت روسيا انها لا تخشى لا اميركا ولا الناتو ولا الفاتيكان ولا حتى امارة موناكو.
واذا كانت روسيا تلتزم بعدم استخدام الأسلحة النووية او أسلحة الدمار الشامل ضد المنظمات الإرهابية الاسلاموية، فهذا الالتزام لا ينبع عن خوف من احد، بل ينبع من التزاماتها الأخلاقية ـ المسيحية الشرقية ليس غير.
ولكن أحيانا الضرورات تبيح المحظورات. واحيانا تقتضي الأحوال دفع شر اكبر بشر اصغر.
فماذا يجبر روسيا على ان تلتزم 100% بعدم استخدام السلاح النووي ضد الدواعش؟ لتلتزم به بنسبة 99,99% مثلا، والله يسامحها بالباقي.
فليس من الضروري ان تستخدم روسيا قنبلة نووية تدمر نصف اميركا او ثلاثة ارباع شبه الجزيرة العربية او كل تركيا، لمحاربة الدواعش واصدقائهم وبيئتهم الحاضنة.
لتصنع روسيا، للاستخدام عند الحاجة، بضع قنابل نووية صغيرة ومهضومة تصدر اشعة ملونة للفرجة، ولا تتعدى قوتها التدميرية مساحة 10 ـ 15 ملعب كرة قدم (او ملعب غولف اذا شئتم)، تحملها بضع صواريخ مجنحة شبحية بدون صوت، تدخل قبل بزوغ الفجر في غرف نوم بعض القادة والامراء (بمن فيهم طبعا امير المؤمنين) وتخلص البشرية من هذا الشر المستطير.
ألن يتحقق حينئذ قول الانجيل المقدس: المجد لله في العلى، وعلى الأرض السلام، وفي الناس المسرة!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل




مفتي روسيا والرؤساء بوتين واردوغان وعباس
في افتتاح المسجد الكبير في موسكو



صورة البابا الماسوني يقبل يد البارون روكفلر
بحضور هنري كيسينجر (في الخلف)





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,319,806,711
- صعود الدولة الروسية وأفول الدولة الاوكرانية
- القيادة البوتينية تتجه نحو العسكرة الكاملة للدولة الروسية
- روسيا تقلب المواجهة تماما ضد داعش واسيادها
- كيسينجر ينعى النظام العالمي لاميركا
- حذار من الغضب الروسي الآتي
- تحطيم الداعشية وكسر نظام الآحادية القطبية العالمية لاميركا
- فشل خطة شرعنة الدولة الداعشية
- الحرب الجوية الروسية في سوريا ستقلب ستراتيجية الحروب الإقليم ...
- بدأ العد العكسي للانهيار الداخلي لاوكرانيا
- الحرب الاهلية الأوكرانية تتجه نحو الغرب
- العلاقات الروسية الإيرانية سد منيع ضد الامبريالية والصهيوني ...
- العقيدة الجديدة للبحرية الحربية الروسية: المحاصرة الكاملة لا ...
- أزمة أوكرانيا ستنتهي بزوالها كدولة
- اميركا تقع في الفخ الذي نصبته لروسيا
- اليونان المتمردة تغيّر ميزان الجيوستراتيجيا العالمية
- بعد اغتيال نيمتسوف روسيا تتجه نحو تغيير كل الخريطة المحيطة ب ...
- اليونان تنتفض ضد التبعية الغربية
- الستراتيجية الروسية وأسلحة الليزر
- بداية ثورة في صناعة الأسلحة الروسية
- العقيدة العسكرية الجديدة لروسيا


المزيد.....




- استقالة رئيس وزراء مالي وحكومته بسبب تصاعد العنف في البلاد
- جزائريون ينخرطون في مبادرة -السترات البرتقالية- لحماية الاحت ...
- اهتمام مصري بتطور الأوضاع في السودان
- الشرطة الفرنسية تكشف سبب حريق نوتردام
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- داعش يعلن قتل وإصابة 69 جنديا في هجمات بنيجيريا
- أمريكا وروسيا لا تؤيدان دعوة لهدنة في ليبيا
- جمهورية دونيتسك مستعدة لمد سوريا بالفحم
- بالصورة... عماد مغنية على أنقاض السفارة الأمريكية في بيروت


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - الحرب العالمية الاسلاموية الأميركية ضد روسيا ...ستنقلب على اصحابها!