أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد محسن عامر - موسيقى الشارع في تونس : نحو تنظّمات ثقافية مقاومة















المزيد.....

موسيقى الشارع في تونس : نحو تنظّمات ثقافية مقاومة


محمد محسن عامر

الحوار المتمدن-العدد: 5033 - 2016 / 1 / 3 - 21:34
المحور: المجتمع المدني
    


يقول الفيلسوف و الكتاب التشيكي ميلان كونديرا محررة : إذ تحرره من الوحدة والانعزال ومن غبار المكتبات .وتفتح في داخل جسده أبواباً لتخرج النفس وتتآخى مع الاخرين.. هكذا تتأسس فكرة الموسيقى في إطار مشروع إنساني جمالي متحرر .. و الموسيقى شانها شأن كل حقول الثقافة تتحدد داخل الصراع الاجتماعي و حركاته و تغيراته.و الثقافة دوما كانت أداة سلطوية بدي النظام يشكلها دوما حسب ما يتماشى مع أهوائه , أي يمئسسها داخل سياقات إنتاج الرسمي و المؤسساتي . هذا ما طبع الفن في إطار عقود خلت في ارتباط مع الأنظمة و خادما لها , فخلقت لها مؤسسات إتحاد الكتاب و دور النشر صارمة الشروط و وزارة للثقافة مهمتها كبح جمال كل إنتاج ثقافي تفوه منه رائحة التمرد. كانت الانتفاضات العربية و إن لم تسقط الأنظمة بكاملها رجة حقيقية ارتد صداها داخل كل مؤسسات النظام بما فيها مؤسسات إنتاج الهيمنة السلطوية ثقافيا . و لكن مع اشتداد الردة على هذا الفوران الهادر الجماهيري الذي قبر سياسيا بدأت بوادر تنظمات ثقافية فنية تفلت كالزأبق من أدواة الهيمنة لتجد داخل الفضاءات العامة مجالا لا سلطويا للتنظم و التعبير الفني عن هموم الشباب العربي . أصبحت العاصمة التونسية بعد الانتفاضة مجالا مفتوحا لممارسة كل أشكال المقاومات الثقافية و ظهرت العديد من المجموعات الفنية على غرار "أهل الكهف" و غيرها من المجموعات التي حاولت الإفلات من السلطة و مكرها نحو الشارع لتعبر عن هموم الشارع و المثقف التونسي الحر. ما يثير الإنتباه في هذه المجموعات أنها تتناسخ و ترفض الموت دوما , فتحت وطأة المادي و اليومي تضمحل العديد من التجمعات الفنية الحرة و لكنها تعود من جديد لتدل على إصرار من الشباب المثقف على تفجير المجال العام و الراكد في التقليد و الرزح تحت سلطة العرف من أجل دفع رسالتها مباشرة و بدون وسائط رسمية للشعب.
تتحدد الثقافة على قاعدة إنتاج كل تعبيرة اجتماعية لوعيها الجمعي الذي ينشأ قوانينها القيمية و الأخلاقية. ذهب أنطونيو غرامشي للقول أن كل طبقة اجتماعية تنتج مثقفيها و بانتمائها الطبقي إذ ذاك انطلاقا من وعيها الطبقي و من الطبقة المتحدثين باسمها .بالتالي معبراتها الأيديولوجية التي تشكل الحصن الذي تتمترس من ورائها بعناصرها المادية و الروحية المكونة لها .بالتالي فالوعي الجمعي للمجتمعات ليس كلّا متجانسا بل هو بنى أيديولوجية متنضدة داخل حقل أيديولوجي جامع. فالأخلاق و العرف و الدين و حتى الفن بتفريعاته لهي معبرات ثقافية في جوهرها هي "العقل الأيديولوجي " الذي تتمايز به كل طبقة اجتماعية في حقل التنضيد الاجتماعي . فالفكر كما يقول مهدي عامل في حقيقة وجوده الاجتماعي ليس جوهرا مستقلا بل علاقة تناقض في صراع أيديولوجي هو مظهر للصراع الاجتماعي يحدده تحرك هذا الصراع في إطار الزمان البنيوي لتطور البنية الاجتماعية , بهذا يكون تحديد علاقة التفاعل بينه و بين الواقع الاجتماعي في إطار هذا الزمان البنيوي تحديد لعلاقة الصراع الأيديولوجي بالصراع الاجتماعي .
النخبة التونسية و صدمة اللقاء الأول مع المجتمع التونسي :
كشفت الإنتفاضة في تونس كما في أغلب بلدان العالم العربي وضعا اجتماعيا و ثقافيا صادما . لم تكن محاولة صبغ المجتمع التونسي بقيم النخبة البورقيبية التي قادت الحركة الوطنية نحو الاستقلال ذات التوجه الليبيرالي المتأثر بالحداثة الأوروبية سوى ستار خبّأ حالة التخلف العام و الركود الاجتماعي . ظهر جليا أن محاولة علمنة المجتمع عن طريق الإسقاط الأيديولوجي المرفق بمسحة من الاستبداد السلطوي عاجزة على تثوير المجتمع حداثيا من أجل انتاج مشروع مواطنة تونسية حديثة تتعالى عن التقليد و نظامه و بناه الراسخة. هكذا ظلت حداثة بورقيبة معطى "برّانيا" خارجا عن سياقات إنتاج الوعي الجمعي لا معطى جوانيا هو محدد تكوين أيديولوجيا ليبيرالية علمانية مسيطرة.
مع سقوط بن علي افتتح المجتمع التونسي عهدا جديدا ب30 قتيلا سنة 2011 في نزاع قبلي بالجنوب التونسي فضح بطريقة دموية مرعبة زيف شعارات الهوية التونسية الجامعة العلمانية و كم القوة التي تختزنها البنى ما قبل دولتية و قدرتها على توجيه المجتمع .كما فوجئت النخبة المتلبرلة أن تونس هي في طليعة مصدري المتطرفين الجهاديين لبؤر التوتر في المشرق العربي و العالم .
تعتبر الهوية التونسية مزيجا غريبا من القيم الإسلامية التقليدية التي ترتكز على تراث طويل من العادات و التقاليد و أساطير الإسلام الطرقي مصهورا بطريقة غير متجانسة مع القيم الغربية التي ركزها الاستعمار المباشر الفرنسي وواصلتها النخب التي حكمت كقناع يخبئ الحقيقة التقليدية السلطوية للمجتمع التونسي . بقيت بذلك البنية الاجتماعية في فصام أيديولوجي صامت أبكم تتحرك فيه الصراعات أفقيا و تعيده عصى الاستبداد كلما خرج عن إطار ما يريده النظام المسيطر .
لم يكن الوضع الاجتماعي في المحصلة أمرا غريبا إلا من وجهة نظر النخبة الفزعة. غياب المؤسسات الطوعية كالأحزاب و مجمع عناصر المجتمع المدني الحديثة كأدوات تنظيم طوعي متجاوز للتقليد التي كان الاستبداد السياسي السبب الأساس لغيابها فسح المجال ليجد المجتمع في انقسامه الصامت مرجعيته الأيديولوجية في الوعي القبلي الذي يتأسس على قرابات الدم لا الانتماء المواطني و و التراث الميتافيزيقي ليفرض نفسه على المجتمع ناطقا رسميا باسمه و معبرا اجتماعيا عليه , هكذا ظهر كيف تصنع خلطات التخلف بضرب التقليد في التقليد داخل خلاط الاستبداد السياسي الكابح للتقدم لإنتاج وعي نكوصي مرتد نحو الماضي لم تقدم الثورة فيه سوى إحلال هيمنة سلطوية تقليدية مكان هيمنة أخرى .
ثقافة السلطة و سلطة الثقافة :
إن السلطة معطى أكبر من الجهاز و المؤسسة, إنها تنطلق من توزيع الجنس حتى ثقافة الأكل و صناعة الأذواق و سبر الآراء. بهدف وحيد هو ضمان تجدد النظام و الحفاض على ديمومة بنى التخلف . و ما السياسة في نهاية المطاف سوى أحد ألاعيب التزييف السلطوي التي تصنع بأجهزة صناعة الرأي العام الوعي الشعبي و توجهه أينما تريد. فالسلطة إذا ليست فردا أو حزبا أو جماعة أو مؤسسة , إنها إنتاج للهيمنة تنتج لفضه الذي يتكلمها حتى أعدائها . نعم إن السلطة تنتج مناهضيها أي مناوئيها الذين يعارضونها و لكن ليس من منطلق هدم سيطرتها الاجتماعية و لكن في إطار توزيع الوهم الذي تنتج السلطة في شكل أكاذيب أيديولوجي قد تسمى معارضات و إن اختلفت ألوانها . إنها لعبة النظام التي يصعب الهرب منها حتى لدى جهابذة مناوئة الأنظمة و سلطتها الذي يفكرون في علياء وهمه أنهم خارج سياقات إنتاج الهيمنة و لكنهم ما إن يفتحوا أفواههم حتى يقفز سلطوي بين الحروف. هكذا انتجت الأنظمة إنتلجنسيا مهمتها تشكيل ثقافة السلطة شيوخا دعاة أو ممثلين و كتاب و ليبيراليين أو حتى يساريين , كلهم في مرمى إنتاج ثقافة سلطوية خادمة لديمومة القديم.
في مواجهة ثقافة السلطة , أي ثقافة تأبيد السائد و نظامه ترفض الثقافة أن تكون السلطة مكيدتها و مكيدة التاريخ الذي ينتصر دوما بتعبير ميشيل فوكو. تقف روح التحرر الثوري التي عجزت الاحزاب الثورية على تحقيقها رافضة لفكرة ديمومة الهزيمة . ففكرة الحرية جميلة في كل الأزمان و دافع أبدي للتحرر . هكذا وجدت في تاريخ تدوير السلطة حركات مقاومات و إن فشلت فإنها كالقمح تغوص في تربة المجتمع المهزوم لتولد سنبلة قمح من جديد و للثقافة و بالثقافة تولد حركات العصيان في مواجهة سائد هو بالسلطة ينبني و يتحدد.
نعود للقول أنه و بعد خمس سنوات من الإنتفاضة التي أنتجت فشلا في تحقيق مهامها السياسية و الإجتماعية و الثقافية و تلاشت فيها أحلام الشباب المنتفض بين حسابات الفاعليين الإقليميين و الداخليين و الدوليين و أعيد تركيب النظام بما يتلائم مع إدامة بنى التقليد و الهيمنة. بدأت تظهر حالات مجهرية لا سلطوية وجدت في الفن أدات للتعبير الثقافي عن رغبة الشباب في خلق تنظمات مناهظة للنظام و سلطة السائد. اقتحمت هذه المجموعات أرصفة العاصمة مجموعات موسيقية اناركية خارج إطار المؤسسات الرسمية الثقافية تمارس الإبداع على ركح الرصيف وسط ذهول و إعجاب و إدانة تارة من المارة لتكون تناسخا ثقافيا لمجموعات مستقلة اندثرت و اضمحلت فما تلبث حتى تعود من جديد في شكل أخر .
ليست هذه المبادرات الموسيقية الحرة في شوارع العاصمة مبادرات فردية من شباب متمرد يمارس صعلكته الفنية في الشارع بجمهور لم يقرر مسبقا الحضور. إنها كذلك من وجهة نظر سطحية مبتذلة . إنها في جوهرها بوادر حركة مقاومة فنية وجدت في فن الشارع الحر ممثلا لها في مواجهة أيديولوجيا السلطة و المؤسسة و الإدارة و البيروقراطية التي تقتل الفن في وثيقة احتراف و تجزل العطاء على فنانيها "المخلصين" حصرا دون الأخرين . إنه مقاومة شرسة للقديم , و القديم هنا لا يعني التراث بل هو السائد , إدامة ركود المجتمع و تقوقعه على قيمه السائدة و الموروثة . هكذا خرجت هذه المجموعات الفنية إلى الشارع من شقوق السائد السلطوي لتخدش السلطة في تساميها السلطوي الواهم لتستعير أشكال اللباس الغجري المتمرد و الغيثارة و أغاني الغناوة . الشارع التونسي أو الجمهور الحر يستقبل هذه المجموعات في غالب الأحيان بشيء من التفاجئ المشوب بالحذر الأخلاقي أحيانا و أو بالإدانة الصامتة . و قد يجد أحيانا هذا الجمهور في القيم الاخلاقية أدوات للإدانة كالاتهام بالتسول أو العربدة تعبر عن خوف المجتمع عن نفسه من هزات التقليد التي تأذي هدوئه المستسلم.
في الأخير , أصوات الغيثارة التي أصبحت ترافق صوت إيقاعات موسيقى الغناوة التي تزعج أصوات ضجيج السيارات و تشوه مشاهد الإزدحام اليومي الخانق في العاصمة و التي بدأت تتوسع_ و هذا في حكم الممكن _ لتتحول إلى ظاهرة فنية في الشوارع التونسية الراكدة تدفع الشارع لأن يخرج من ركوده المستكين. فلا شيئ أجدى من تفجير عبوات الفن في الشارع و على الأرصفة المسكونة بالفقر و البؤس و التسول لأن تدفع شظاياها خفافيش الظلام و التكفير و الحشمة للهرب بعيد تحت وطئة ضربات الجمال الزاحف .
*كاتب من تونس





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,327,661,883
- من إبن المفروزة محسن عامر إلى كبير فارزي جمهورية الواي أوف ل ...
- التراجيديا الندائية : محسن مرزوق زعيما لخوارج نداء تونس
- في صناعة المظلومية الامازيغية : من الظالم و من المظلوم
- أطياف أسامة من بن لادن : حول الانبعاث الجديد -للاممية الإسلا ...
- محمد محسن عامر: اليعقوبية الفرنسية في مواجهة سؤال تهرم حداثت ...
- ليسوا عليا و ليسوا معاوية : آليات الإنهاك في صراع النهضة و ن ...
- داعش ما بعد الإستشراقية
- إدارة التوحش و إدارة البكاء
- السقوط قبل البداية:المؤتمر الوطني لمكافحة الإرهاب في تونس
- عن ال سعود و احترام حقوق الانسان
- لقاء بوتين و أوباما اليوم ومخاطر خسارة داعش :
- قانون المصالحة الإقتصادية مع رجال الأعمال في تونس :المآلات
- تضامنا مع مناضلي النهج القاعدي في المغرب
- بورقيبة و نظرية الحلول في فكر سبسي الله الثوري : أنا بورقيبة ...
- الجنّ هو المسؤول عن الإرهاب في تونس
- العولمة و الأصولية الإسلامية الجزأ الأوّل
- ملاحظات سريعة حول مسألة المثلية الجنسية
- المأزق التونسي :الإنتفاضة و الإرهاب و الحرب الأهلية
- تأملات نقدية حول تجربة -الشباب العربي البعثي- في تونس
- مأزق الحركات القومية التقليدية أم مأزق البورجوازية الصغيرة


المزيد.....




- الجزائر.. اعتقالات والجيش يحذر ويتوعد
- المغرب: آلاف المدرسين يتظاهرون مجددا للمطالبة بالإدماج في ال ...
- إعدام 37 إرهابيا في السعودية … بينهم -مرسول القاعدة-
- الأمم المتحدة: إصابات خطيرة بين مهاجرين بمركز احتجاز جنوبي ط ...
- بري يؤكّد استعداد لبنان لتثبيت الحدود البحرية اللبنانية بإشر ...
- اعتقال مسؤولين سابقين في السودان
- خارطة طريق اقتصادية للإغاثة الإنسانية في اليمن
- الأمم المتحدة: عدد كبار السن في العالم تجاوز عدد الأطفال
- مقابلة: "حملة الاعتقالات والتحقيقات في الجزائر تجسد مبد ...
- مقابلة: "حملة الاعتقالات والتحقيقات في الجزائر تجسد مبد ...


المزيد.....

- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني
- عودة إلى الديمقراطية والمجتمع المدني / كامل شياع
- معوقات نمو الأبنية المدنية في الأردن / صالح أبو طويلة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - محمد محسن عامر - موسيقى الشارع في تونس : نحو تنظّمات ثقافية مقاومة