أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن محسن رمضان - فارس أحمد آل شويل الزهراني















المزيد.....

فارس أحمد آل شويل الزهراني


حسن محسن رمضان
الحوار المتمدن-العدد: 5032 - 2016 / 1 / 2 - 23:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




أعدمت اليوم السلطات السعودية، بعد اعتقال دام أكثر من إحدى عشرة سنة، أحد أهم جامعي وناشري الفكر السلفي المتطرف في التسعينيات والألفية. وعلى شهرته الواسعة بين أتباع المنهج السلفي المتطرف في الجزيرة العربية على الخصوص، فإنه من النادر جداً أن تجد من سمع عنه خارج تلك الدائرة وذلك على الرغم من أن ما يشاهدونه حولهم من تطرف في العنف قد ساهمت كتاباته وكُتيباته في انتشارها وتأصيلها بين أتباع هذا المنهج. ساهم في هذا الإبهام لتلك الشخصية المتطرفة أن جميع من يحاول الآن، كائناً مَنْ كان، أن يتتبع كتب هؤلاء وأدبياتهم المنشورة على شبكة الإنترنت، أو بطرق أخرى، فإنه سوف يتم وضعه مباشرة على قائمة المراقبة الاستخبارتية في دول لا تُعد ولا تحصى، وسوف تتناقل اسمه دوائر المباحث البوليسية المحلية، وقد يتعرض فوراً للمسائلة القانونية في دول أخرى كثيرة، هذا بالإضافة إلى أن هذا الشخص هو نموذج للشخصية السرية المتكتمة التي لا يُعرف عنها الكثير حتى من جانب أتباعه. ولا غرابة في تصرف أجهزة الإستخبارات ولا في إصراره هو على السرية حتى آخر لحظة، فأحد كتبه قد وضع عنوانه: (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث).

(فارس أحمد جمعان آل شويل الزهراني) وقد عُرف باسمه الحركي الأكثر شهرة من اسمه الحقيقي وهو (أبو جندل الأزدي)، وتحت هذا الاسم الأخير قد نشر جميع كتبه. ولهذه الشهرة في أوساط الفكر السلفي المتطرف بالذات فقد احتل الزهراني موضعاً في كتابي (تشريح الفكر السلفي المتطرف) المنشور في سنة 2009. أدناه هو تعريف بهذه الشخصية التي تمكنت، على تواضع مقدرتها في الاسترسال والاسهاب، من التأصيل لمظاهر عنف غير مسبوقة في المجتمعات المسلمة المعاصرة.

على الرغم من الشهرة الساحقة التي حققتها مؤلفات (فارس أحمد جمعان آل شويل الزهراني)، أو تحت اسمه الحركي الشهير (أبو جندل الأزدي)، إلا أن أي من المواقع السلفية المتطرفة لم تضع أية ترجمة لحياته. بل حتى الشذرات التي توجد هنا وهناك ما هي في الحقيقة إلا رأي يجب أن يقبلها الباحث (على ذمة الراوي). فلا شيء مؤكد حول هذه الشخصية إلا اسمه وموقع وتاريخ اعتقاله وحادثة يتيمة تتعلق برفضه إستلام جائزة مقدمة له من الدولة بسبب تفوقه في إحدى الجامعات السعودية، ولا شيء أكثر من هذا. فعلى الرغم أن أحد مؤلفاته قد تم قراءتها وتنزليها من أحد المواقع الجهادية المتطرفة على شبكة الإنترنت أكثر من خمسين ألف مرة خلال أشهر تقل مجموعها عن سنة واحدة وذلك من خلال بحثي وتتبعي الشخصي خلال فترة إعداد كتابي (تشريح الفكر السلفي المتطرف) وذلك في الفترة الممتدة من أوائل سنة 2007 إلى منتصف سنة 2009، متفوقاً بذلك العدد على أي من خطب أو مؤلفات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وأبو مصعب الزرقاوي مجتمعين معاً، فإن هذه المواقع الجهادية والمتطرفة بالذات، وعلى عكس عادتها، لم تضع حتى كلمة واحدة في سيرة أبو جندل (فارس الزهراني) مما يعكس حالة انعدام المعلومات الكافية عنه. انعدام المعلومات الكافية عنه حتى بين أتباعه لم يمنع إطلاقاً من احرازه شعبية واضحة لِما كان يكتبه، بل إن هذا النجاح جعل أبو جندل نفسه يتباهى فخراً وليكتب بعد (أقل من شهرين من نشره لكتاب له في إحدى المواقع الجهادية المتطرفة):

"بعد أن يسر الله كتابة بحث (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث) في شهر رمضان وتم نشره في مطلع شهر شوال من عام 1423هـ، انتشر انتشاراً سريعاً وراج رواجاً طيباً لم أكن أتوقعه، خصوصاً أنه من الممنوعات، أي لم يتم نشره إلا عبر الشبكة العنكبوتية عبر موقع منبر التوحيد والجهاد ومع ذلك فقد قام بتحميله إلى الآن أكثر من (5200)، وزاره وأطلع عليه وسمع عنه عشرات الألوف، وهذا كله في أقل من شهرين ونصف فالحمد لله أولاً وآخراً فله الفضل والمنة".

وقد كتب أبو جندل هذا الكلام أعلاه قبل سبع سنوات من بداية كتابة كتابي (تشريح الفكر السلفي المتطرف)، وللقارئ الكريم أن يتخيل كم من قراء الشبكة العنكبوتية قد قرأ كتبه هذه منذ ذلك الحين حتى يومنا هذا. ومن الجدير بالملاحظة أن عبارة "إنتشار النار في الهشيم" هو اللفظ الذي استخدمه أبو جندل في لقاء له مع أنصار فكره، وليقول لهم: "صدر لي بفضل الله عز وجل إلى الآن ستة مؤلفات أولها كتاب (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث)، وفي النية إصدار طبعة جديدة للكتاب بحول الله وقوته مزيدة ومنقحة، وهذا الكتاب انتشر انتشار النار في الهشيم".

ما نعرفه عن أحمد آل شويل الزهراني أنه سعودي الجنسية، ولكن لم تتطرق أي من المواقع الجهادية المتطرفة إلى مكان ولادته أو تاريخه. ومن المؤكد أنه يحمل الشهادة الجامعية في تخصص ما، إذ أن أحد المواقع ذكر أنه كان يواصل دراسته العليا عندما بدأ تحوله نحو الفكر السلفي المتطرف. هو يقول عن نفسه في أحد كتبه: (أذكر أن طواغيت آل سعود عرضوا جوائز لحفل ما وكانت لي جائزة من تلك الجوائز، قبل ست سنوات تقريباً، فرفضت أن أستلم تلك الجائزة، وحلفت حينها أن لا تمس يدي يد كافر طاغوت، وأسأل الله أن يثبتني على ذلك). وفي حكم اليقين أن هذا الحفل متعلقٌ بالحفلات التي تقيمها الجامعات ويحضرها كبار رجالات الدولة.

كتب فارس الزهراني تحت اسم (أبو جندل الأزدي) أغلب مؤلفاته، وقيل أيضاً أنه كان يكتب في المنتديات الجهادية تحت اسم رمزي هو (متحرك). ولكنه حاز الشهرة عندما كتب كتاباً نقل فيه نقولاً مسهبة ومطولة جداً في جواز قتل رجال الأمن. وعند هذا الكتاب بالذات برز اسم أبو جندل الأزدي كأحد مصادر الفكر السلفي المتطرف فيما يخص العنف والتحريض على القتل. واختلفت بعض المواقع في سبب تحول فارس الزهراني من الكتابة باسمه الحركي "أبو جندل الأزدي" إلى اسمه الحقيقي. فذكر بعضها أن السبب هو بيان أصدره فارس الزهراني نفسه بعد عملية مسلحة على مجمع المُحيّا في غرب مدينة الرياض في المملكة العربية السعودية (8 نوفمبر 2003) راح ضحيته 12 من القتلى و 122 من الجرحى أغلبهم من المقيمين العرب. في هذا البيان كشف فارس الزهراني عن هويته الحقيقية وتحول من يومها إلى الكتابة باسمه الحقيقي. ولكن لم يتم العثور على هذا البيان فيما توفر من المواقع التي تهتم بهذا الشأن للتأكد من هذه المعلومة. إلا أن بعض المواقع الأخرى ذكرت أن السبب هو معرفة الأجهزة الأمنية السعودية هويته الحقيقية واصدرت أمراً بإلقاء القبض عليه مع أحد عشر فرداً آخرين، وهذا السبب الأخير هو السبب الحقيقي في تحوله هذا. ففي تقديم قام به الموقع المستضيف لأحد كتبه الذي كتبها، قال من كتب هذا التقديم الآتي:

"يسرنا أن نقدم لكل متابع لإصدارتنا وموقعنا هذا الكتاب النفيس الذي يعد بحق مرجعاً (...) وقد كتبه أخونا الفاضل الشيخ فارس بن أحمد آل شويل الزهراني حفظه الله من كل سوء، والمعروف باسم (أبي جندل الأزدي). وقد كان الشيخ يكتب باسمه المستعار ليسهل تحركه وخدمته للجهاد والمجاهدين، ولكن لما اشتد التضييق عليه وطُلب من قبل أذناب أمريكا لإرضاء أسيادهم الأمريكان، ولما نشر اسمه وصورته في الصحف، رأى أن الوقت المناسب للكتابة باسمه الصريح قد حان، وها هو ينشره على ورق هذا السفر المبارك".

وصفت بعض المقالات والأخبار في بعض الصحف فارس الزهراني (أبو جندل الأزدي) بأنه "منظر جماعة القاعدة في الجزيرة العربية"، وهذا وصف مبالغ فيه ولا شك. إذ المتتبع لكتابات فارس الزهراني سوف يلاحظ مباشرة أنه جامع للنصوص والأخبار، لا أكثر من هذا ولا أقل. ولكن سبب نجاحه هو تعرضه وتركيزه الاقتباسي والنقلي لقضايا جدلية وخطيرة على الساحة السلفية المتطرفة، مثل جواز قتل أفراد الجيش والشرطة وتكفيرهم وجواز قتل الأبرياء من النساء والأطفال والشيوخ. كما تم وصفه أيضاً بأنه "الركن الثاني في اللجنة الشرعية لجماعة القاعدة"، وهذا أيضاً وصف مبالغ فيه ولا شك. ولم يتم الربط، فيما تم تتبعه من أخبار أو مواقع جهادية، بين فارس الزهراني وبين عملية ارهابية محددة، ولكن التركيز كان دائماً حول جهوده في نشر كتبه التي تبيح أعمال العنف وقتل الأبرياء ورجال الشرطة والجيش. فالرجل لا يعدو أن يكون جامع لنصوص هذا الفكر من مصادر مختلفة، وبصورة انتقائية واضحة بحيث أنه يلغي جميع أوجه الخلاف الفقهي في المسألة، ثم بعد ذلك يعيد ترتيبها وبصورة مركزة ليبرز قضية هو يريد أن يصل فيها إلى نتيجة محددة ويكون عنوان كتابه دالاً عليها. فإذا أراد أبو جندل الأزدي أن يتطرق إلى موضوع الاغتيال مثلاً، سمى كتابه بـ (تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنة الاغتيال)، ثم بعد ذلك يبتدء في نقل النصوص، بصورة انتقائية متعمداً إلغاء كل الاختلافات في الأحكام والفقه، من كل كتاب أو مقال أو مقولة أو حديث أو آية أو فتوى أو رأي أو حادثة تاريخية من الممكن أن تفيد الهدف النهائي الذي يريد أن يصل إليه وهو (التحريض على الاغتيال). وكذلك هو الحال تماماً في كتاب آخر له تحت عنوان (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث) وليكون الهدف النهائي الذي يريد أن يصل إليه هو (استحلال قتل أفراد المباحث). ومن الغريب أن أبو جندل لا يملك ذلك القلم السيال الذي يستطيع أن يسهب في الخطاب والنقاش والإقناع، بل إنه حتى في رسالة وجهها لابنائه كان من المفترض أن تتغلب فيها العاطفة الشخصية الجياشة ونرى تعبيراً شخصياً عن مواقفه، نراه ينقل نقلاً مطولاً لأطفاله من سيد قطب وكتابه (في ضلال القرآن).

كما ذكرت أعلاه، لا يتميز أبو جندل الأزدي بأي قدرة فكرية مميزة، مقارنة بشخصيات أخرى تمثل الفكر السلفي المتطرف، تجعله يسترسل أو يسهب في شرح قناعاته ومواقفه. فالرجل لا يعدو أن يكون جامعاً لكتابات أو نصوص، وبشكل مكثف، ثم ليطلق عليها اسم كتاب فيما بعد. ففي كل كتبه أو رسائله، بل وحتى في إجاباته في لقاء منبر التوحيد والجهاد المنشور على الشبكة، ينقل أبو جندل الأزدي نقولاً مطولة جداً من مصدرين يكادان يكونان أساسيين في كل كتاباته، سيد قطب وكتابه "في ظلال القرآن"، وأبو قتادة الفلسطيني (اسمه الحقيقي: عمر محمود عثمان أبو عمر) وسلسلة مقالاته "بين منهجين". هذه النقول تكون من الطول أحياناً بحيث ينسى القارئ في منتصفها بأن هذا كله إنما هو اقتباس من مصدر آخر، وليسيطر عليه انطباع بأن ما يقرأه إنما هو نتاج قلم أبو جندل، حتى يتفاجأ في آخر النقل بقوس انتهاء الاقتباس أو أن القارئ يميز فقرة أو جملة ما على أنها من أدبيات شخص مختلف قد قرأها في مكان آخر. ولكن السبب الرئيس الذي جعله بازراً ضمن أتباع هذا الفكر والمنهج دون غيره من الشخصيات هو أن الزهراني قد وظف هذه النقول والاقتباسات، وبشكل مركز وناجح، تجاه قضية خطيرة جداً وهي قضية الاغتيالات وحِلّية قتل وإختطاف رجال الشرطة والجيش ورجالات الدولة، وكل من أعان الدول القائمة، إسلامية فضلاً عن غيرها، لتوطيد مؤسساتها أو عرقلة عمل هؤلاء المتطرفين. فمبدأ "العنف" والإعداد له هو السياق الذي يستهلك كل جهد أبي جندل في نقوله المركزة هذه. والسبب الثاني في بروز أبو جندل (الزهراني) هو تلك الظاهرة الغريبة المتمثلة في الجمع بين محدودية قدرات أبو جندل الأدبية في الإسترسال في التعبير والبيان الذاتيان وبين تلك الموهبة في دمج النصوص المنقولة بصورة مسترسلة لا تشي بالانقطاع مما حقق النجاح الباهر المنقطع النظير لكتبه على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت).

إلا أن القضية هنا هي ليست كتباً تحت عناوين (الباحث عن حكم قتل أفراد وضباط المباحث) أو (تحريض المجاهدين الأبطال على إحياء سنّة الاغتيال) أو (الآيات والأحاديث الغزيرة على كفر قوات درع الجزيرة) ضمن أخرى، ولكن القضية الأساسية والخطيرة هي ذات الحقيقة التي شرحتها أعلاه في الفقرة السابقة وهي انتشار هذه الكتابات بشكل واسع من خلال الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)، مما جعلت أبا جندل نفسه يتعجب أولاً، ثم يتباهى بالعدد القياسي لمرات تنزيل كتبه من المواقع الإلكترونية وبفترة وجيزة جداً. بالطبع، لا يُقاس نجاح أي فكرة إلا بإحيائها على أرض الواقع عملاً، وهذا ما نستطيع الحكم عليه الآن من خلال كم الخراب والدمار الذي حل بدول متعددة. فما ينقله أبو قتادة بشكل مركز في كتبه يشرح للقارئ، وفي مكان واحد وضمن صفحات ليست بالكثيرة وبشكل غير قابل لسوء الفهم، عن السبب الذي من أجله يتم استهداف رجال الجيش والشرطة ومؤسسات الدولة وقيادييها وبعض المؤسسات والمواقع المدنية والسفارات والدبلوماسيين وكل ما يمت بصلة للمنهج الحديث لإدارة الدولة السياسية في العراق وسوريا ودول الخليج وليبيا ومصر وأوروبا الغربية وأمريكا. هذه النقول سوف تخرج بقارئها من المرحلة المبدئية التي تؤسسها الآية القرآنية (أنه من قتَلَ نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتَلَ الناسَ جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناسَ جميعا) إلى مرحلة أخرى مختلفة تماماً يهيمن عليها تحليل الدماء، دماء المسلمين أولاً دون غيرهم، كمبدأ ولا يعصمها إلا فقه الزهراني أبي جندل ومن ينقل عنهم من المصادر السلفية أو المتطرفة. بل هي خطيرة لأنها خاضعة أصلاً لتقلبات فكر شخص أو عدة أشخاص لا يرون لأية دولة أو سلطان أو فقه إسلامي يتبناه الأكثرية الساحقة أي حكم عليهم أو سلطان أو رادع، اللهم إلا ما يدّعونه من سلطان الله الخاضعين له. هذا التقلب الخطير يُعبر عنه أبو جندل خير تعبير حينما كتب يقول:

"فربما نثني على شخص صباح هذا اليوم لما أظهره لنا من إيمان وإسلام، ونلعنه في مساء نفس اليوم لما أظهره من كفر وشرك".

لاحظ هنا كلمة "لنا" في الاقتباس أعلاه. هي لا تعني أبداً أية سلطة سياسية أو اجتماعية أو تنظيمية أو علمية محايدة ومنفصلة عن هؤلاء، هي لا تعني ذلك أبداً. ولكنها تعني ذلك التقمص الذي يمثلونه ليكونوا هم المرجعية الإسلامية الأولى والأخيرة، وليس سواهم، للفهم وللحكم والتنفيذ ضمن الفضاء الإسلامي وبكل محاوره وأبعاده. هذا التقمص الذي يأخذ دور الحاكم والرئيس والسياسي والمُخبر والشرطي والقاضي والفقيه والمفسر والجلاد، كل هؤلاء في أفراد قلة قد لايتعدون أصابع اليد الواحدة في أحسن الأحوال. كل هؤلاء جمعتهم كلمة (لنا) في ذلك الاقتباس. كلمة "لنا" لا تختلف كثيراً في هذا النص عن ذلك الاقتباس الشهير لملك فرنسا لويس الرابع عشر (أنا الدولة)، فالمضمون واحد ولكن اللفظ قد يختلف قليلاً عند هؤلاء ليكون (أنا الدين) بمفهومه الواسع الشامل، أو (أنا الإسلام) الذي يفترض في نفسه التجلي الكامل للنصوص المقدسة كما تتبلور كاملة في (إنسان) يمشي على الأرض.

هذا الموقف، موقف (أنا الإسلام)، يتبدى في كثير من الكتابات السلفية بلا استثناء. إذ ليس أبو جندل هو الشذوذ في هذا، ولكنه السياق العام للتوجه السلفي بصفة عامة. إنها دعوى إمتلاك الحقيقة تتجسد بصور مختلفة وتحت أقنعة متعددة، لا أكثر ولا أقل. ولذلك عندما يكتب أبو جندل: "وانقسام الناس إلى فريقين سُنّة من سنن الله القدرية في خلقه. فلابد من وجود هذين الفريقين، المؤمنين والكفار، إلى أن تهبَّ الريح الطيبة التي تقبض أرواح المؤمنين فلا يبقى إلا الكفار، وحينها تقوم الساعة على شرار الخلق وذلك لتتحقق سُنة الابتلاء والإختبار"، فإنه في الحقيقة يجزم بانتمائه إلى فريق المؤمنين في وجه كل من يخالف منهجه من المسلمين وليس غيرهم. فـ "الفريقين" الذين يقصدهما الزهراني هنا ليسوا المسلمين وغيرهم من الأديان، فهو قد قصد ألا يستخدم لفظ "المسلمين" في هذا الاقتباس، ولكنه استخدم لفظ "المؤمنين"، أي مَنْ هُم على رأيه ومنهجه، والكفار والمبتدعين والمنافقين هم جميع مَن سِواهم حتى وإنْ كانوا مسلمين. هذا الجزم هو من يُعطي هؤلاء تلك السلطة الوهمية والتي تجعلهم يقررون بالنيابة عن الرب في كل شيء يتعلق بالآخر المختلف حتى مَنْ يستحق حق الحياة من عدمه وإنْ كانوا مسلمين. فما هو الغريب هنا إذن إذا كتب أبو جندل: "وعلى المجاهدين أن يعلموا أن مَحق الكافرين لن يأتي إلا بعد تمحيص المؤمنين كما قال الله تعالى (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) ، وليعلموا أيضاً أن الحق ليس بالكثرة كما قال الله (وإن كثيراً من الناس لفاسقون)".

هذه الـ (أنا) تتبدى أيضاً في هذا الاقتباس لأبي جندل: "أحكامنا الصادرة تجاه أي شخص تنبني على إيمانه أو كفره، إسلامه أو شركه". فلا مكان هنا، في "حكمنا"، لأي فكر أو فقه أو منطق أو حتى مصلحة لا يراها هؤلاء الذين يصرون في وجه المسلمين، قبل غيرهم، أنهم هم وحدهم الجماعة المهتدية والطائفة المنصورة. ويختفي في كل هذه الكتابات أي نوع من أنواع الحقوق فضلاً عن حق الدفاع والإيضاح والبيان ممن وقع عليه "حكمنا" بالكفر والشرك وما يستتبعه ذلك من استهداف بالقتل وازهاق الروح. إذ هو، ذلك الآخر المختلف عن هؤلاء، قد أصبح لا يُمثل بالنسبة لهم إلا "نَجَس" يتنزهون عنه ويجب تطهير دار الإسلام منه. ومن هذا السياق نفهم مقصد أبو جندل عندما كتب "وحلفت حينها أن لا تمس يدي يد كافر طاغوت، وأسأل الله أن يثبتني على ذلك".

في 5 اغسطس 2004 (19 جمادى الثاني 1425 هـ) ألقى رجال الأمن السعودي القبض على فارس الزهراني في مدينة أبها جنوب المملكة العربية السعودية بالقرب من موقع سياحي صيفي. وقد أصدر ما يسمى بـ "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب" بياناً في هذا الشأن وذكرت فيه أنه انتقل إلى جنوب الجزيرة "ليتواصل مع بعض معارفه". ولم يزل أبو جندل معتقلاً منذ ذلك الوقت حتى تم اعدامه بعد أكثر من إحدى عشرة سنة في السجن في 2 يناير 2016.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- عندما يسقط المثقفون – يوسف زيدان نموذجاً
- الاستقواء بالسلطة كمنهجية – الحالة المصرية
- نموذج لدوافع التزوير في النص المسيحي
- مقدمة في العقيدة القتالية للجماعات المتطرفة
- حول انعدام براءة النص
- هل كان يسوع سارقاً؟
- أسطرة نصوص العهد الجديد
- أسطورة يسوع والشيطان
- مسألة تعمد تزوير النص المسيحي
- في مسألة الترجمة المسيحية
- بولس – 16 – بولس والنص اليهودي
- المشكلة المذهبية في الوطن العربي
- بولس – 15 – بولس والنص اليهودي
- شذوذ مفهوم الوطنية
- بولس – 14 – بولس والنص اليهودي
- بولس – 13 – عصمة النص المسيحي
- بولس – 12 – بولس والنص اليهودي
- بولس – 11 – بولس والنص اليهودي
- نصوص حرق البشر المسيحية - 3
- نصوص حرق البشر المسيحية – 2


المزيد.....




- شاهد.. قتلى في إطلاق نار بولاية ميريلاند الأمريكية
- خامنئي: ترامب يتظاهر بأنه أبله.. ولن نغفل عن مكر أمريكا
- العبادي يحصر مسؤولية الأمن في كركوك بالشرطة وجهاز مكافحة الإ ...
- تايوان ردا على الصين.. شعبنا يقرر مستقبله بنفسه
- برلماني بريطاني: على الساسة التواصل مع وسائل الإعلام ودعمها ...
- مبعوث ترامب: -داعش- خسر 6 آلاف من مسلحيه في الرقة
- مفوضية كردستان تعلن تعليق الانتخابات الرئاسية والبرلمانية
- الصين تطلق نسختها من -الروبوت الكلب-
- موسكو تدعو للضغط على كييف بسبب تقييد استخدام لغات الأقليات
- -سوريا الديمقراطية-.. بأجندة أمريكية؟


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حسن محسن رمضان - فارس أحمد آل شويل الزهراني