أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)















المزيد.....

الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)


عبدالحميد برتو
الحوار المتمدن-العدد: 5032 - 2016 / 1 / 2 - 21:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


وصل العراق وكذلك العديد من الدول العربية من جراء حروب التدخل ومن خلال أنماط أخرى من التدخلات غير المسلحة، المكشوفة منها وغير المكشوفة، الى حالة مزرية ومؤلمة وبائسة للغاية. تتطلب التدقيق في كل شيء فينا، وفيما يدور حولنا، وفي سلوك مختلف الأطراف والنخب السياسية المحلية وغير المحلية أشخاصاً وجماعات، وفي الخطاب النظري والبرامج السياسية لمختلف القوى القريبة منها والبعيدة.

وينبغي كذلك قراءة أحداث الماضي والتفسيرات والمعتقدات السائدة حولها، إذ إن التدخلات الخارجية لا تقتصر على إقصاء أو تنصيب قشرة سياسية فاسدة، أو عزل قوى غير مرغوب فيها من قبل الأوساط والقوى الدولية المتنفذة والمقررة، سواء كانت تلك القوى المقصاة فيها شيء من الإيجابية أو الكثير من السلبيات والجرائم، بل تمتد يد التخريب الخارجية وطابورها الخامس في الداخل الى كامل حاضر وماضي المجتمعات المستهدفة.

ويتم كل ذلك عبر العديد من العمليات المدروسة والمعدة إعداداً جيداً وبمهارة عالية وخبرة مديدة، حيث يراجعون خلال عمليات التحضير للعدوان كل ما يتعلق بحياة البلاد المعنية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والتاريخية، وحتى ما يحتفي به المعجم اللغوي للبلد المستهدف من مصطلحات فكرية وسياسية على وجه الخصوص، ويعملون على تحقيق أكبر قدر ممكن من الإرباك والتشويش في المصطلحات السياسية تحديداً، ويهدفون من وراء ذلك أن يبتلع المواطن سمّاً بعسل مغشوش. ولا يقف الأمر عند حدود تخريب البلاد، وإنما يسعون لدحر الأمل في النفوس، وتعميم الخوف من المستقبل، وعدم الثقة بإمكانية الخروج من الوضع الراهن، أو إيجاد أي علاج له، على الأقل في القضايا الأكثر إلتهاباً. ويعملون بدأب لإذلال وتشويه القيّم الرفيعة عبر ثنائيات: التجويع والثراء الفاحش؛ التهديد بالشبهة والنفوذ الظاهري؛ الحرمان من العمل والمقاولات؛ السكوت والتشرد .. الخ.

لقد نجح الأمريكيون في تطبيق كل ما أنتجته مختبرات وورشات العلوم الإجتماعية عندهم، وهم أي الغزاة الأمريكيون وليس قشرتنا السياسية والإعلامية وحتى اللغوية الذين نحتوا وعمموا المصطلحات الأكثر تداولاً في الحياة السياسية المحلية، الى درجة جرى خلالها تغيب شعوب بأكمله وكأنها إكذوبة، حيث غابت كلمة عراقي أو سوري أو يمني ناهيك عن كلمة عربي عن التداول حتى في صفوف الناس الذين لا مصلحة لهم في ذلك التغيب المشؤوم. وحتى إختيار كلمة أو مفردة "إرهاب" جاءت بتسويق أمريكي، وحالياً قلدته روسيا، وجعلته الحكومات العربية أداة بيدها لقمع شعوبها وتقوية تسلطها، كما إستخدمت سابقاً بعض الشعارات النبيلة لقمع حركات التحرر الوطني، مثلما تعرضت له قضية النضال العادل للشعب الفلسطيني الباسل الضحية المشتركة للحكام العرب وقبلهم للصهيونية والقوى الدولية الداعمة لها. وسأتناول بشيء من التفصيل في السطور اللاحقة عمليات تصنع المصطلحات وتسويقها عبر بعض مثقفينا الإنتهازيين والبعيدين عن فهم ما يعانية الشعب أو الإحساس بتلك المعاناة.

لقد لعبت قوى كثير ومتعارضه ولإهداف مختلفة أدواراً ومحاولات لا حصر لها لتشويه صورة كل شيء بما فيها ما يتعلق بأساسيات أخلاق الشعوب وثوابتها وثوراتها وأشكال تعبيرها عن تطلعاتها، ووفرت الإعتداءات الخارجية والتسلط والقمع الداخلي بقية أو كل الشروط الضرورية لهيمنة القوى المتطرفة الإسلاموية، البعيدة كل البعد عن أي قيّم دينية أو إنسانية.

ومن القضايا التي تستحق التوقف عندها أن كل الحركات التي تعتمد العنف والسلاح تبدأ صغيرة، وتنمو إذا كسبت قطاعات من الشعب، ولكن ما حصل في العراق وسورية يختلف عن كل الحالات المعروفة، فعلى سبيل المثال "داعش" التي سيطرت على مناطق واسعة من سورية والعراق، وسامت الناس عذاباً لا يوصف، وعرقلت سير مجمل حياتهم بما فيه النضال من أجل حياة أفضل للناس ولأبنائهم، فقد بدأت هذه المنظمة المتوحشة كبيرة فوق العادة وبصورة مفاجئة، وإجتاحت مناطق هامة وواسعة بسرعة البرق، وهذا أمر يتطلب التأمّل أيضاً.

ولفهم ذلك الإتساع ومن ثمه مواصلة العمل من أجل حياة أفضل، ينبغي العمل بشرف وصراحة ووضوح للقضاء أو الحد على الأقل من العوامل التي أدت الى إزدهار الوحشية في بلادنا؛ وحشية القتل ونهب المال العام والمخبر السري ... الخ. ومن أهم تلك النقاط لتحقيق ذلك الهدف المشرف لأصحابه والداعين إليه أن تجري معالجة النقاط المسكوت عنها في حياة بلادنا السياسية والإقتصادية والإجتماعية أولاً، ومنها: فضح الإفراط في إستخدام القوة الغاشمة والحلول الأمنية الفجة، خاصة تلك التي يشعر فيها جزء من الشعب أنه هو المستهدف وليس غيره، وفضح التمييز بين المواطنين بكل أشكال التمييز، وتعرية الميوعة وعدم الموضوعية والتوازن في محاربة التدخلات الخارجية بكل أنواعها ومصادرها وعلى قدم المساوة، فالتدخل واحد بغض النظر عن مصدره.

إن السكوت عن المواقف السلبية لأي طرف يفضح الجهة الساكتة أو المتحدثة بمراوغة أو الناشطة بإنتهازية أو ذات النزعة المصلحية الضيقة في إدانة القسوة والوحشية وفضح كل مصادرها، ففي الصراحة والوضوح قوة لكل وطني عراقي. ولا ينبغي تحت طائلة أي عذر منافقة أو تجاهل الأدوار المشينة والرعناء للمليشيات إسلاموية أخرى بكل أنواعها، التي لا تقل عن نظيرتها إجراماً، بل هي تحاول أحياناً السير على شاكلة داعش، وتقلد أفعالها المشينة والرعناء.

ويبدو أن كل تلك الأطراف التي تمارس الوحشية ضد المواطن المستضعف لا تدرك أن وحشيتها تصل الى نقطة أو حد تفقد فيه القدرة على إخافة الناس الأبرياء، وعند ذاك لن يبقى لكل المنظمات المتوحشة أي دور سوى تلك اللوحات السوداء، التي تتركها خلفها إن عاجلاً أو آجلاً. وينبغي من جانب آخر إدراك حقيقة أن إعتقال مواطن بريء يعني خلق عشرة لا يعملون لمصلحة الأهداف المتوخاة من إعتقالهم، أو قد يُفتح الباب لتجنيدهم من قبل قوى الوحشية والظلام. كما إن حرمان الإنسان من خبزة عياله قد تدفعه أو تمهد الطريق أمامه للكراهية ورح الإنتقام من آخر.

إقول، وربما أكون في ذلك قريب من الواقع: أن وصف الإرهاب ليس دقيقاً وغير تعبوي، لأنه لا يصل الى الوعي العام مثلما يصل وصف الوحشية. وأعتقد أن ما تقوم به "داعش" وبقية المليشيات التي تتخذ من الدين والمذهب غطاءً لها تمثل الوحشية في أعلى درجاتها. ومن المعلوم أن الإرهاب بمعناه الأقدم، لم تستنكره الديانات السماوية الثلاث، ولم يُقدم له حالياً تعريف دولي متفق عليه. إن الوحشية لا تترك مجالاً للمراوغة في فهمها وتعريفها والموقف منها أو الأخذ والرد بصددها أو إختلاط المعاني. كما إن مصطلح الإرهاب يمكن الإلتفاف عليه وقد تمر من خلاله بعض الممارسات الخطيرة، حيث يُمكن إيهام شاب متدين من خلال التفسير المنافق للآيات الكريمة، وعلى سبيل المثال: "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ-;- وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ".

وقد إسْتُخدمت الأساليبُ الإرهابية حتى من جانب الحركات الثورية ذات النزعة الإنسانية في توجهاتها وبرامجها العامة، ولكن وصف الوحشية ليس طابعها العام أو المستهدف أساساً، ولا يمكن أن يُنسب إليها بسهولة حتى من قبل أعدائها وخصومها. وعلى الأقل يمكن النظر الى هذا الشأن بصفة خاصة خلال وبعد ثورة إكتوبر العظمى في روسيا عام 1917، لأنها الأقرب زمنياً الى مرحلتنا الراهنة والأكثر أهمية في تاريخ الحركات الثورية العالمية الكبرى الحديث.

وأستعير هنا إستشهاداً ذا دلالة في هذا المقام، ليس كإستشهاد نظري بل كمعلومة واضحة وسافرة ودون ضفاف، من كتاب ليون تروتسكي ـ الإرهاب والشيوعية ـ الذي كتبه تروتسكي عندما كان الشخصية الثانية في الحزب الشيوعي الروسي بعد لينين. قال في معرص رده على آراء كاوتسكي: "لقد كان الكهنة يبثون الخوف في قلب الشعب بواسطة العقوبات التي تنتظره في الأبدية. لكننا لا نملك نحن هذه الوسيلة، وبالأصل لم يكن جحيم الكهنة وسيلتهم الوحيدة في العمل.". ويعطي تروتسكي صورة ملموسة عن الإرهاب: "إن من يتخلى عن مبدأ الإرهاب، أي عن تدابير التخويف والقمع تجاه الثورة المضادة المسلحة، ينبغي أيضاً أن يتخلى عن السيطرة السياسية للطبقة العاملة، عن دكتاتوريتها الثورية. ومن يتخلى عن دكتاتورية البروليتاريا يتخلى عن الثورة الإجتماعية ويشطب بإشارة ضرب على الإشتراكية".

إن الدول الإسلامية، إن صحت التسمية، وفي المقدمة منها الدول العربية، وربما مناطق واسعة من العالم، يدفع الناس الأبرياء فيها ثمناً باهضاً للأساليب الوحشية من أجل فرض "القناعات" السياسية أو الدينية أو المذهبية عليهم، أو حتى لأغراض إعلامية ودعائية رخيصة. وإن كان ذلك الإرهاب أو الوحشية في واقعه يتحرك ضمن لعبة كبرى لا يوجد للشعوب التي سلبت إرادتها أي شأن أو مصلحة فيها. في هذه الأوضاع يكون من المهم إستنكار تلك الأساليب، ولكن ذلك ليس نهاية المطاف بل المبتدأ فقط. ومن الضروري والواجب إدراك حقيقة أن تلك الأساليب الفظة والرعناء والإجرامية لن تُدحر إلا إذا جرى نضال واع وصميمي ضد أسباب نشوئها، وفي جميع منابعها، والأهم من ذلك عدم مدّها بدماء ووقود جديدة من خلال تعميق الفرز والتمييز الإجتماعيين على أسس غير عادلة وغير حضارية ومجافية للخُلق الإنساني في بعض المجتمعات. ومن السهل على كل مخلص لشعبه، وحتى لجزءٍ منه، في أسوء الإحتمالات، في هذه المرحلة الطائفية المعيبة التي تمر بها البلاد العربية، وربما العالم بمعنى ما، أن يدرك بأن تلك الأساليب الوحشية لن تكون في صالح الجميع.

كما إن "داعش" لا مستقبل لها بفضل نضال أبناء المناطق التي تسيطر عليها في سورية والعراق أنفسهم أولاً، ولأنها ببساطة ضد حركة التاريخ، ولأنها معول ليس لتحطيم حاضر المنطقة حسب بل حتى مستقبلها. ويجب في الوقت نفسه الحد من تأثيرات السياسة الرعناء لحكومتي البلدين؛ سورية والعراق، ومليشيات الدين السياسي، لأن الوحشية تزدهر حين يُمكن للسياسة السائدة أن تُقرأ أو تُوحي بأنها تهدف الى إذلال سكان مناطق بعينها، وهي أجزاء عزيزة من البلدين، ويجب الحد من كل الحماقات أو التي يُمكن أن تفسر على ذلك النحو.

ومن نقاط الضعف الأساسية في العراق أنه منذ أمد غير قصير غاب أي حديث عن حشد القوى الوطنية المعنية حقاً بحقوق الشعب كله، وحين يوجد مبرر لو بسيط للتساؤل عن وجود أحزاب عراقية لكل العراقيين وليس لعرق منه أو دين أو طائفة تكون الحالة مدعاة للألم والمزيد من الجهد والعمل والتفهم بهدوء. من أكبر الكبائر في العمل السياسي الوطني أن يوكل أمر دحر الوحشية لقوى التدخل العالمية الغربية وحتى الروسية، لأن وضعاً من هذا النوع سيكون أداة بيد تلك القوى لتمرير صراعاتها بالإنابة، ولإضعاف القدرات والطاقات الوطنية على التغيّر ولإقامة دول الطوائف المخطط لها بمشروع معلن لمستقبل منطقة الشرق الأوسط "الجديد".

في العراق حلَّ الصخبُ محل التروي، خاصة عند المنتفعين، الذين باتوا في موقع آخر أو هم أصلاً كذلك على ضد من مصالح الشعب وبصفة خاصة ضد فئاته المقهورة والمحرومة، والتي تدفع الثمن الباهض قبل غيرها وربما الثمن القاسي كله، وقد ساهم هؤلاء مثيرو الصخب في إيصال البلد الى قعر مأساة يبدو أن الخلاص منها بعيداً وصعباً الى حين غير مسمى أو محدد. إن الوسيلة الرئيسية المتبقية بيد العراقيين كما بالنسبة للسوريين وبقية الشعوب التي تواجه ظروفاً مشابهة أو مقاربة، وتُمثل طوق النجاة، هي الوطنية الجامعة، بعد أن أنزل التوافق مع الغزاة بكل درجاته أفدح الأضرار بالجميع، بإستثاء مجموعات اللصوص وقادة الطوائف، في حين سُحق السواد الأعظم من كل الطوائف. إن العتبة الأولى حالياً في طريق الخلاص تتمثل بالوقوف ضد حروب التدخل، خاصة ونحن نرى يومياً ونشاهد أشكالاً متنوعة من نطاح الثيران بين الدول الإمبريالية العتيقة والصاعدة نحو تلك المرتبة فوق أراضينا بالذات.

جرى التركيز في هذه الأسطر على أهمية أن تكون المصطلحات والأوصاف تحمل قدراً من الروح المحلية، وليس التقليد غير المدروس بعناية، وهذا الأمر ليس مسألة شكلية. ولنأخذ على سبيل المثال التوسع في دائرة الوصف بالإرهاب، الذي قد يصل الى درجة يفقد المصطلح فيها معناه، ويفقد أي قيمة تعبوية أو حتى وصفية. ينبغي على كل وطني أن يكون همه الأول البحث عن وسائل إنقاذ البلاد كل البلاد مما هي فيه من بشاعات في مختلف أوجه الحياة.

إن المصطلح الذي ينتج في الغرف المظلمة غير المصطلح الذي تنتجه الحياة أو الذي تُعطيه الحياة الفعلية مضموناً معيناً دقيقاً في ظرف معين، فمثلاً موضوع الأقاليم وهو تنظيم إداري لا شائبة فيه، ولكن قد يكون في لحظة مأزومة أفضل وصفة لمذابح جديدة لا تقف حتى عند حدود الإنفصال أو التلاشي، وينبغي إدراك الفارق بين الدعوة الى إقامة أقاليم من قبل زمر محدودة لمصالح ضيقة للغاية وبين الدعوة للأقاليم في ظرف تشعر غالبية سكان تلك الأقاليم بأنها مستهدفة أو أن هناك مَنْ يتربص بها، وعلى جميع القوى التي ترى في نفسها أنها مخلصة للبلاد أن تبذل جهداً توعوياً حول المستقبل السيء الذي ينتظر تلك الأقاليم المفروضة بالقهر أو بالعنف أو بتدخل خارجي.

إن إختيار الأوصاف أو المصطلحات ليست مسألة لغوية مجردة، إنها قضية كبرى تقع ضمن إختصاصات كثيرة من بينها علم النفس والتاريخ الإجتماعيين وغيرهما، ففي الحالات التي تضرب أزمة ما مجتمع ما ينبغي أن يتحد الوعي والحذر من أجل المعالجة التي يشترك فيها الجميع، فلا أحد يملك الحقيقة المطلقة، ولكن السجال المتأني والساعي الى الحقيقة قد يفضي الى وصف الواقع بدقة، ومن ثمة الخروج بإستنتاجات محكمة لوضع الحلول المناسبة، وتوحيد أو تقريب معاني المصطلحات للإقتراب من ضفاف الحلول الممكنة. إن التصورات المتباينة بل المتنافرة بين أبناء الشعب الواحد تحت ظل الأزمات تخلق تفسيرات مختلفة لكل كلمة أو شعار، فهل كل المواطنين لديهم نفس التصور حالياً عن نظام المحاصصة الطائفي البائس أو الفدرالية أو الأقاليم أو ... أو.

وبصدد القرب المؤثر من وعي القطاعات الأوسع من الشعب لإختيار الوصف السياسي، أذكر أن الراحل المناضل عامر عبد الله ظل يُفضل إستخدام مصلح الإستبداد والمستبد بدلاً عن الدكتاتورية والدكتاتور، ويعتبر الأول أكثر قرباً الى وعي الغالبية العظمى من السكان، وإنه يفي بالغرض السياسي، وهو الأكثر قدرة على التعبئة، علماً أن عامراً كان يُجيد عدداً من اللغات الأجنبية الحية، ويمتلك خبرة سياسية مديدة. وأرى أن وصف المستبد هو الأقرب من ناحية المضمون العلمي للكلمة ومن زاويته التاريخية والإقتصادية والإجتماعية.

كما إن المشكلة لا تكمن في عدم دقة الأوصاف والمصطلحات فقط، وإنما في الموقع منها ومن طبيعتها ونوع النظر إليها والى محاولات إيهام الناس فيما يجري على أرض الواقع، فلا الذي يجوع ينظر الى سراق المال العام كما ينظر إليهم المترف الآخر، حتى ولو لم يكن ذلك المترف نسبياً في عداد اللصوص واقعاً وقناعة. كما إن من يخطط لمعركة علية أن يعرف كل تفاصيلها، خاصة حالات القلق الإنساني المشروع التي تنتاب المواطن الآخر من القادم والمحتمل من الأحداث، وفي مثل هذا الحالات توجد خطورة كبيرة في تصريحات المتملقين الذين يكيلون التهديد والوشايات الرخيصة والبطولات الفارغة ضد الأبرياء الذين هم حالياً تحت قبضة القوى المتوحشية، وعلى كل مناضل أو وطني مخلص لكي يقول كلاماً نافعاً ومثمراً أن يضع نفسه في تصور وضع الآخر وظروفه القاهرة بلا ريب، إن طمأنة أي إنسان لم يرتكب جرماً تعتبر مهمة وطنية، ولا يصح أن تترك هذه المهمة النبيلة بيد مَنْ لم تمسهم النيران، ومَنْ يترقبون بعض المصالح التافهة. يالسخرية الأوضاع حتى جيوش الدول المتخلفة تصدر عفواً عن الهاربين والمتخلفين من الخدمة العسكرية بين فترة وأخرى لتقليص حجم إضطرارها الى معاقبة مَنْ لا يشكلون خصوماُ سياسيين لها، وبإستعارة من لغة الجواهري الكبير، أقول: يخشون اللصوص فيذبحون العَسَسَ.

أعتقد أن حجم المحنة الراهنة كبير وخطير ومتعدد الأوجه، ويتطلب التواضع وقوة الإرادة والحيادية النزية البعيدة عن الأمراض القديمة والمستجدة في قراءة الأوضاع جهد المستطاع، والسعي الى معالجة الممكن منها، لا أحد يملك صورة كاملة عن الحالة ومستقبلها ودور كل اللاعبين فيها والخطط المعدة لها بكل تفاصيلها وحتى شكل المواجهة الشعبية لها بتفاصيلها ودقائقها وآفاقها، وهذا الوضع يتطلب بل يفرض التبصر والنظر المشترك وتأمّل الحالة بعناية فائقة، وتبادل الرأي بإخلاص وإحترام وجدية.

يتبع ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- الوطنية الحقة وحروب التدخل (1)
- حملة التضامن مع إبراهيم البهرزي
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (3)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (2)
- التصدي للفكر الظلامي المتعدد الأقطاب (1)
- نظرة الى دراسة إستطلاعية
- بين القرم ودمشق الشام
- التظاهرات نشاط سياسي حقق منجزاً
- ملاحظات موجزة حول كتاب آرا خاجادور
- بوتين و نيمتسوف
- أعداد النازحين واللاجئين أكبر مما نتوقع
- عراقيو بوهيميا يتضامنون مع شعبهم
- الإقامة بين العنوان والمتن
- آرا خاجادور ونبض سنينّه
- من الكوفة الى الأنبار
- شكري بلعيد يُقدم الدليل
- الإحساس بالإضطهاد الطائفي
- موسوعة الوراقة والورّاقين
- وداعاً أبا عواطف
- جيفارا: قوة المثل الثوري


المزيد.....




- مقتل طيارين إماراتيين إثر سقوط مقاتلتهما في اليمن
- صحف عربية تحذر من -جبهة حرب جديدة- في كركوك
- القلعة الصغرى: إدارة الفلاحة تتلاعب بصحّة العمّال وسلامة الم ...
- في اتحاد أدباء بابل .. الخطاط حسام الشلاه عن فنية الكتابة ال ...
- العبادي: يجب فرض السلطة الاتحادية حتى على كردستان
- العبادي يتلقى اتصالا هاتفيا من الرئيس الفرنسي
- واشنطن: سنواصل التعامل مع موسكو فيما يخص محاربة -داعش-
- أنقرة تدعو بروكسل لحسم موقفها بشأن انضمام تركيا للاتحاد الأو ...
- -تحدي 48 ساعة- يثير الرعب في بريطانيا
- وهم بصري.. فتاة تفصل رأسها عن الجسد باستخدام طلاء!


المزيد.....

- مسمار في جدار الذاكرة / رداد السلامي
- أكاذيب حول الثورة الروسية / كوري أوكلي
- الجزء الثاني : من مآثر الحزب الشيوعي العراقي وثبة كانون / 19 ... / فلاح أمين الرهيمي
- الرياح القادمة..مجموعة شهرية / عبد العزيز الحيدر
- رواية المتاهة ، أيمن توفيق / أيمن توفيق عبد العزيز منصور
- عزيزى الحب / سبيل محمد
- الناصرية في الثورة المضادة / عادل العمري
- أصول الفقه الميسرة / سعيد رضوان
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكرة والسياسة والاقتصاد والمجتم ... / غازي الصوراني
- مثلث الخطر اسرائيل - تركيا ايران / جمال ابو لاشين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالحميد برتو - الوطنية الحقة وحروب التدخل (2)