أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -22-















المزيد.....

حدث في قطار آخن -22-


علي دريوسي
الحوار المتمدن-العدد: 5021 - 2015 / 12 / 22 - 18:41
المحور: الادب والفن
    


أعتقد الآن أنّ المائدة جاهزة! دقائق وتأتي هنيلوري بالتِيجَان.
قالت الممرضة سابينة، غَمَزَته بعينها اليسرى ثم اِنْحَنَتْ كغصن شجرة تفاح أمام فخذيه المتباعدين، وضعت رَّاحَتا يديها على فخذيه، همست: أعشق الحذاء الأبيض ومرتديه! قَبَّلَته على شفتيه السّاخنتين، ضَيّق من انفراجة فخذيه...

حالما يصفُ الضابط المهندس،
الجالس بلباسه الأبيض على أريكته في وضعية تَقْبيل،
جذع شجرة زيتون أو تفاح مثلاً!
شارحاً أسباب فَرْشَحَاتها وانفراجاتها الغصنية.
شارحاً أسباب تَضْيِيقه لاِنْفِراجةِ فخذيه!
حالما يُفهمنا سبب نُمُوّ أحد الفروع بالاتجاه الفلاني الذي نَمَا فيه،
وعدم قدرته على النُمُوّ بالاتجاه الآخر!
حالما يُفهمنا سبب نُمُوّ فرعه باتجاه شمسها!
عندها نصدّقه،
نصدّق أنّه تغلّبَ عليها فنياً وإبداعياً،
إنّه من خَلَقَ الشجرة!

شَدّها إلى صّدره، تزحلقت بفخذيها العاريتين كصابونة صباحٍ فوق فخذيه، أَمسَكَ رَّدْفيها، ضغط على لحمهما البَضّ، حين اِلتقت الشِّفاه، صار شَّهِيقها زَفِيره وزَفِيرها شَّهِيقه.

- سأكون لك الليل بطوله، اِمرأة في عربة تسوُّق.
- أتقصدين تلك الصورة السقيمة للمُصَوِّر البريطاني جون رانكين؟
- تماماً، أين رأيتها؟
- في صالة عرض، في مدينة روستوك!
- أيثيرك هذا النوع من الصور؟
- أنا تثيرني نصف الشُرطِيّة ونصف المُمَرِّضة أكثر!
أجابها مُناكفاً في الوقت الذي أبعد فيه كفّيها عن وجهه تحسّباً للَطْمَة.


دخلت هنيلوري تحمل بحذرٍ اللوح الخشبي على راحة يديها الإثنتين، رأتهما في وضعية ركوب.
- هل بدأتما الاحتفال من دوني؟ قالت ضاحكة وجسدها ينوح تحت ثقل الصينية التي تحملها.
- لا، أبداً، كان مجرد تمرين على تبادل القُبَل! أجابت سابينه.
- لكنكما لم تشربا ما يكفي بعد!
- هذا أفضل، لكل تفصيل رائحته و وقته.
- لا تَقْرَبُوا الشّفاه وأَنْتُم سُكارى، حتى تعلموا ما تُقبِلون. قال أحمد ضاحكاً ثم أبعد جسد سابينه عنه برفق.
- ألا تساعدني يا أحمد الشرقي؟
- ألا ترين؟ كيف أحاول النهوض! أنا قادم إليك، ما هذه الأشكال الغريبة التي تحملينها؟


اِقترب منها، نظر إلى حمولتها، كانت قد أحضرت معها ثلاث قنِّينات من الزجاج المزخرف، مفتُوحَات على رأسِ غَليونٍ، يلتصق بكل واحدة منهن أنبوب طويل... ثلاثة مَشَارِط، كومة من المسحوق الأبيض، رقائق السلوفان الرفيعة، شوكولاته، أعواد ثقاب، علبة مكعبة الشكل كُتب عليها بالإنكليزية تبغ بول مول.
كانت عينا هنيلوري ترجوانه تخفيف الحمولة عن كاهلها، نظرة عينيها المَلْغُومة، زيّ الشُرْطِيّة، المسْحُوقُ الأبيض، القَنانِي الزجاجية التي تحملها وكأنها بعض حواجل مُخْتَبَر الفيزياء والكيمياء في مدرسة الثانوية في القرية التي أتى منها، كل هذا ذَكّره بمعلمة الكيمياء، بالضَّجَرِ والبرد، ذكّره بعادات الشرق السرية...


"تذكر كيف مارس العادة السرية لأول مرة في حياته، حدث الأمر بعمر متأخر نسبياً، كان قد تجاوز الخامسة عشرة بقليل، عاد لتوّه من المدرسة، إنّه يوم ثلاثاء عادي من شهر آذار، الساعة هي الثانية عشرة والنصف ظهراً، الحصة الدراسية ما قبل الأخيرة هي الكيمياء، معلمة الكيمياء شابة، جميلة، هنيلورية الجسد، سمراء، طويلة رشيقة، بشامة سوداء في الوجنة اليمنى، شعرها قصير، التنورة السوداء الأنيقة أقصر، أما النهدان فمن حبق.
تناول فطوره البسيط المؤلف من بيضة مقلية وحبات زيتون وزعتر وكأس شاي، مضغ اللُقْمَات الأولى بشرود، اِسْترجعته تنورة الكيمياء من شروده، هز رأسه، نهض ليغسل يديه بعد الفطور، غير ملابسه، صعد إلى سريره، أحضر جهاز الراديو الأحمر، اِنْتظر موعد مسلسله المفضل حكم العدالة الذي دأب على سماعه كل ثلاثاء في الساعة الواحدة والنصف تماماً.
فتح حقيبة كتبه المدرسية، عفواً، لم يكن لديه حقيبة مدرسية، خجل تلاميذ ذلك الزمن من حمل الحقائب كخجلهم من عقوبات الفتوة العسكرية وأبسطها حلاقة الشعر على الصفر، خجلوا أيضاً من حمل كتب ودفاتر كثيرة أو تجليدها.
تناول دفتر الكيمياء، فتح على صفحة الحصة الأخيرة، حيث رسم فخذي معلمته، استلقى بجسده الصغير، أغمض عَيْنَيْهِ، بدأ يحلم بفخذيها، وجد نفسه وحيداً في الصف، المعلمة تنحني أمام السبورة، يقترب منها وبمقص الأشغال يقص تنورتها السوداء، المعلمة تكتب، تراه ولا تراه وكأنها تنظم الشعر، يدخل رأسه بين فخذيها، يتأوه جهاز الراديو، يصرخ فرحاً: حكم العدالة، محكمة!
عاد إلى نفسه بعد أن شعر به للمرة الأولى، اِنتابه خوف لذيذ وغامض، أخرج رأسه من التنورة اللوحة، ابتسمت المعلمة، الكيميائية الشاعرة، توقفت عن الكتابة... كتب الألماني ويلهيلم بولشي في كتابه -أسس الشعر المبنية على العلوم الطييعية- منذ عام (1887)، موضحاً العلاقة بين الشاعر والكيميائي، ما معناه:
الشّاعر، في أسلوبه وطريقته في التعاطي مع عناصر محيطه، هو مُخْتَبِر ومُجَرِّب، كما الكِيمْيائَيّ الذي يمزج كل أنواع المواد مع بعضها البعض، ليصل بها إلى درجة حرارة معينة، ثم يبدأ بمراقبة نتائج التجربة ومدى نجاحها. بالطبع، يتعامل الشاعر مع الناس وليس مع المواد الكيميائية، لكن هؤلاء الناس الذين يتعامل معهم ينتمون علمياً وعملياً إلى مجالات العلوم المختلفة من فيزياء ورياضيات وهندسة وما شابه... عواطفهم، ردات فعلهم على الظروف الخارجية وكذلك منظومة أفكارهم بالكامل وتفاعلها مع بعضها تتبع لبعض القوانين التي اكتشفها الباحث العلمي وفحَّصها بتروٍّ وإمعان، والتي يتعين على الشّاعر مراعاتها بشكل جيد عند قيامه بتجاربه واختباراته بكامل الحرية، كما الكِيمْيائَيّ عندما يريد أن ينتج شيئاً معقولاً وليس خليط موادٍ لا قيمة تذكر له، يجب عليه حساب القوى المؤثرة والآثار مسبقاً، قبل أن يذهب إلى العمل في مُخَتَبِره ليجمع ويخلط المواد مع بعضها البعض.
لم تكن حلقة برنامجه المفضل، حكم العدالة، تلك الظهيرة مألوفة، كانت القصة مخصصة لجريمة اعتداء جنسي، حدثت جريمة الاِغتصاب في أحد البيوت في مدينة حماة لعام 1984، المُعتدى عليها هذه المرة مختلفة، إنها من ذوي الاحتياجات الخاصة، لم يكن المجرم سوى أحد عناصر سرايا الدفاع... المرأة لاحول ولا قوة لها، تتأوه قهراً، يستشرس العنصر عهراً، تبكي المعلمة كيمياءً، تموت الرغبات السرية علانيةً.
عندما أحس بالضجر تلك الظهيرة الربيعية كانوا قد قتلوا في مدينته الصغيرة كل شيء، خنقوا الأصوات والتأوهات، اِغتصبوا الرغبات الجميلة والخطوات الهادئة... كان لصمت المدن في الشرق طعم العلقم، رائحة الخوف والاِعتداءات حتى على محاولات ممارسة العادات السرية... المحكمة بدأت!"


- أحمد، هل تكون لطيفاً وتتناول الناراجيل وتضعهم على الطاولة؟ رجته هنيلوري للمرة الثانية.
- ها أنا أفعل بطيبة خاطر، ألا ترين؟
- أشعر أحياناً، كأنّكَ لست في هذا العالم، لست معنا في الحاضر.
- لا، لا أبداً، كل شيء تمام، ليس هناك أدنى مشكلة.
- ماذا فعلتِ في الأيام الأخيرة بهذا الوسيم يا سابينه؟ سألت هنيلوري دون أن تحصل على جواب.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,058,760,211
- حدث في قطار آخن -21-
- حدث في قطار آخن -20-
- حدث في قطار آخن -19-
- حدث في قطار آخن -18-
- حدث في قطار آخن -17-
- حدث في قطار آخن -16-
- حدث في قطار آخن -15-
- حدث في قطار آخن -14-
- حدث في قطار آخن -13-
- حدث في قطار آخن -12-
- حدث في قطار آخن -11-
- حدث في قطار آخن -10-
- حدث في قطار آخن -9-
- حدث في قطار آخن -8-
- حدث في قطار آخن -7-
- حدث في قطار آخن -6-
- حدث في قطار آخن -5-
- حدث في قطار آخن -4-
- حدث في قطار آخن -3-
- حدث في قطار آخن -2-


المزيد.....




- المتحف العربي بالدوحة يناقش جغرافية المقاومة في الفن
- مشروع فيلم لتوثيق مآسي حرب اليمن في 100 دقيقة
- قريبا في دور السينما.. تامر حسني بدور -الرجل العنكبوت-
- أين تشاهد إطلاق القمر الصناعي المغربي الثاني
- متحف -بيت الشركة- بقطر يوثق تاريخ الرواد بقطاع النفط
- الماضي المشبوه لمؤسس فيسبوك في فيلم سينمائي
- الثأر غابة العالم
- عمرو يوسف خارج السباق الرمضاني في 2019
- السوداني: ليس بالحرب وحدها تأويل الفنان المغترب
- إدارية البيضاء ترجأ النظر في عزل رئيس المحمدية


المزيد.....

- المرأة بين المقدمة والظل، عقب أخيل الرجل والرجولة / رياض كامل
- الرجل الخراب / عبدالعزيز بركة ساكن
- مجلة الخياط - العدد الثاني - اياد الخياط / اياد الخياط
- خرائب الوعي / سعود سالم
- شعرية الإخصاء في رواية - عرس بغل- / الحسن علاج
- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - حدث في قطار آخن -22-