أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند احمد الشرعة - انتحار















المزيد.....

انتحار


مهند احمد الشرعة

الحوار المتمدن-العدد: 4997 - 2015 / 11 / 26 - 01:15
المحور: الادب والفن
    


مأساة أن تكون وحيدا ليست بذات أهمية لغيرك لا أحد يهتم أو يشعر بوحدتك ببساطة لا أحد يشعر بألمك أو يموت معك أو لأجلك لا أحد يهتم بأمر وحدتك الا ليجعلوا منها عبرة لكي لا يصبح أحد مثلك هذا ما فكرت فيه وأنا في وسط تلك القمامة التي تسمى بالكتب.
سجائري الرخيصة خمرتي القديمة كتبي المبعثرة ملابسي المهترئة غبار كهفي الحضاري أوراقي المملوئة بالحبر مسدس ملقى على الطاولة فيه طلقة تمثل معنى الرحمة قطرات المطر التي تقتحم الغرفة من الشقوق الموجودة بالسقف شقوق تمثل جراحا لتبرهن الحياة على مدى قساوتها الهواء البارد الداخل مع البلور المكسور لا شيء يؤدي لشيء كل ما بالأمر أننا لا أشياء داخل بعضها بالمحايثة.
أتمشى في الغرفة أحيانا أرمي باحدى قطع الملابس عن طريقي وأحيانا أتناول أحد الكتب وأقلبه وأحيانا أمسك أوراقا كتبتها علقت عليها آخر معاني الأمل أنظر اليها لكم مزج الحبر بالعرق والدموع لكم أجهدت نفسي لأجلها لقد كان الأمل عذابا واليأس راحة من الجيد أنها لم تنشر فقد كانت حثالة أفكاري لا أحد يريد حقيقة حياتنا التي هي بلا معنى الكل يبحث عن النهايات السعيدة الكارثة أن النهاية هي الموت والكل ما زالوا يعتبرون الموت نهاية بشعة كلهم يبحثون عن الخلود عن الرغبة عن الحب عن الجنس عن الشراب عن المتعة عن أي شيء يضيعون ويربطون وقتهم فيه فقط ليتناسوا النهاية الحتمية البشعة!
أتهاوى على المقعد المحطم وأعيد التفكر في أحلام الماضي كانت أحلاما لا تقل طوبائية عن جمهورية أفلاطون أو مدينة الفارابي أو يوتوبيا توماس مور لم أكن أعرف بأن الواقع هو جحيم دانتي لم أعرف أن الواقع هو الدرك الأسفل من النار! أحلام الماضي كانت بسيطة عمل في الكتابة شهرة واسعة زوجة سيارات منزل كبير ما دامت الأحلام مجانا فلك أن تحلم بكل شيء حتى الحلم بأن تحكم العالم حق لك لا أحد يتلصص على حلمك ولكن الواقع يصفعك لتستيقظ منه.
مأساتي في الوجود أنني موجود ولا أعرف ان كانوا يحسبونني موجودا لقد قدمت استقالتي من كل ما هو بشري لا لأجل شيء فقط لأنني لم أعد أتحمل أن أكون انسانا موجودا أتمنى أن يحسبونني من سكان المقابر فهيئتي قريبة إليهم.
في العمل لم أكن كما يريدون المجتمع يدعي أنه يمنح الفرد الحرية ولكن حريتهم هي أن تقبل ما يريده المجتمع لا أحد يريد قراءة ما لا يريد أن يقرأه لا أحد يريد الا ما يريده هو بناءا على ما اتفق عليه المجتمع لا أحد يريد أن يسمع رأيا مخالفا لما هو عليه المجتمع وكما هو الاسم والعائلة والدين والوطن وقائع جبرية تكون الأفكار جبرية القطيع ما زال قطيعا من الذئاب كأس من الخمرة القديمة لعل وعسى أن تطرد هذه الخيالات المعتمة.
عبثا لم تعد الخمرة تداوي جرحا وكأن كل ما بالحياة قد تم الغش فيه تفشى الغش في كل شيء حتى في ما هو مرفوض الجرس يقرع صاحب الغرفة القذرة يطالب بايجار شهرين ليس هنالك مال لأعطيه لقد تم طردي من العمل نظر الى الكتب وأشار اليها لقد كانت ثروتي المتبقية نظرت اليها ومن ثم اليه قلت له: مر في الغد وان لم أكن موجودا فادخل وخذها كتبت له ورقة بذلك كما طلب لم يعد هنالك أحد يثق بأحد الطموح السائد هو أن تكون بورجوازيا أن لا تخالف القانون وما القانون الا ليحمي أموال الأقوياء أو ليساعد الأقوياء على سرقة الفقراء عذرا كاليكالاس فقد وقفت الى جانب تراسيماخوس ولتذهب معي الى الجحيم.
كنت كيشوتيا فقالوا به مس من الجن ربما حالة نفسية او عقدة لازمته منذ الطفولة لم يكن الأمر كذلك كل ما في الأمر أنني ظننت الكأس مملوءة فصدمت بأن الكأس كلها خيالية حقد جامح على ليال قضيتها أحلم بأمور لن تتحقق حقد جامح على نفسي وكيف أفنيتها حقد جامح على بشرية تريدك أن تكون كاذبا ومخدوعا مثلها.
كلب تائه في الشارع ومن بعيد تراه مجموعة من الأطفال حملوا الحجارة ولحقوه وهم ينهاولن عليه ضربا الانسان أكثر كائنات الأرض توحشا حجر يصيب ما تبقى من الشباك لا يهم فقد حطموه من قبل بحجارتهم لا يهم فإن لم تأتي الأمطار والرياح من الشباك فمن المؤكد أنها ستأتي من شقوق السقف.
الكلب ينبح والأولاد يصرخون ولكم أحتاج الى السكون ظرف البريد يلقى من تحت الباب عجبا من تذكر بأنني موجود ساعي البريد كيف تحمل أن يصل الى غرفتي كيف تحمل صبية الحي الفقير كيف تحمل الطريق المملوءة بالطين والقذارة كيف تحمل روائح الحي الكريهة ربما قد عبر عن قرفه بالقاء الظرف من تحت الباب أو أنه خشي أن يطرق الباب فيقع أو أن يفتح له الباب انسان مقرف وهل هنالك فرق؟!
أفتح الظرف البنك يطالب بدفعات عن القرض الذي أخذته أيام ما كنت أعمل والا فإنه سيتخذ الاجراءات القانونية اللازمة ويسجنني و سيحجز على ما أمتلكه منذ ثلاثة شهور لم أدفع للبنك شيئا أنظر الى الكتب وأضحك ليتقاسموها ليست بمشكلة.
وأمسك كتابا وأفتحه صورة رجل بجانبه صورة للمقصلة لقد كان غليوتان الذي انتهت حياته باختراعه ومن المصادفات العجيبة أن المقصلة أنجبت الحرية ربما حرية تتصادم مع المصلحة أغلق الكتاب وأشعل سيجارة وأصب خمرتي القديمة بكأسي القذر أضع يدي على وجهي وأفكر بالماضي منذ أن طردت من العمل وقف الى جانبي بعض الأصدقاء وبعض الأهل أقرضوني لمرة أقل من نصف ما طلبته بعدها لم يعودوا ليتذكروني لا أحد يكترث لفداحة عذابك لا أحد ربما البعض يشذ عن القاعدة قليلا يكترث لأجلك فترة ومن ثم يتركك و يجعلك عبرة ويتلذذ بسرد قصتك أمام الناس ليرى الشفقة على وجوههم عليك لا يعرف بأنه بذلك يسلبك شيئا من عزة نفسك لا يعرف أنه بذلك يقتلك أكثر فأكثر حتى في غيابك.
حتى في العمل كنت أقتل كل يوم أجر قليل مقابل شهادة جامعية أجلب لمن يجلسون على مكاتبهم الأوراق أجلب لهم قهوة الصباح أجلب لهم ما يطلبونه أريد أن أصرخ بهم :ها أنا أنا موجود ولكن الكلمات تخرج على شكل:تفضل يا سيدي حسنا يا سيدي كلمة شكرا يقولونها بترفع دون النظر لوجهي لا أحد يريد أن يرى مدى بؤسي.
حتى تلك الفتاة الجديدة في مطبخ العمل التي كنت أتخيل في أحلامي أن فتاتي مثلها لم أكن أظن أنها تبحث عمن يغنون جيبها كنت أنظر اليها أحيانا وتنظر الي ولا أحدثها الا بالأمور المتعلقة بالعمل لم أكن لأعرف بأن نظرتها كانت احتقارا لي كنت أرسم بعقلي أحلاما كنت أحلم بأنها ستشن حبا علي عبثا ما كنت أحلم لقد كان الأمر عبارة عن مهزلة عبرت لها يوما عن حبي لها فنظرت الى الأعلى بترفع ولكنني أظن أنها نظرت الى حلمها الى مكتب ابن المدير الشاب النزق كنت أغلي حنقا عندما رفضتني فأردت أن أنتقم منها أخذت اجازة وذهبت الى المنزل لأنتقم منها رميت نفسي على فراشي المهترء وذهبت أحلم بانتقامي منها أستقيل من العمل وأسافر أعمل في الخارج وأصبح غنيا أعود الى مكان عملي وأشتريه فإن كانت زوجة ابن المدير أقهرها وإن لم تكن أبحث عنها وأريها مدى الغنى الذي وصلت اليه.
ربما عدت أحلم بانتقامي!
المساء يحل والبرد يصبح أشد قسوة أبحث عن شيء لأغطي نفسي فيه فلا أجد شيئا لأدع الذاكرة تعمل عملها لعلها تنسيني البرد الذي أصابني أسكب قليلا من الخمرة فلم يتبق الا القليل وأريد أن أحتمل برد الليل بها وعندما أنهيت ليلة حلم الانتقام خرجت الى العمل في الصباح تركت الحي الفقير ورائي ودخلت الى المدينة وشوارعها كنا في أوائل الخريف وفي الجو بعض البرودة الأوراق البنية المتساقطة تمنحك احساسا عميقا بالبؤس عندما تكون لوحدك لا أحد يمشي معك أو يحدثك تتناسى ذلك وتنظر الى من يركبون السيارات الفارهة عند اشارات المرور والمتسولون يطرقون عليهم الشبابيك والبعض يمسحون زجاج سياراتهم الأمامية لا أحد من أصحاب السيارات الفارهة يلقي لهم بقطعة نقدية بل يشبعونهم بالشتائم وأمض وأنظر الى ما تعرضه المحلات خلف الزجاج أشياءا ترغب بامتلاكها ولكن النقود تمنع ذلك وأمض وأرى الفتاة راكبة مع ابن المدير تنظر الي بقرف واستعلاء و كأنها تقول لي انظر ها أنا أشق طريقي أضع رأسي في الأرض وأكمل طريقي دخلت الى مكان العمل وكنت متأخرا عشرة دقائق استدعاني المدير قائلا لي : لقد تأخرت أكثر من مرة وقد حذرتك كذلك أكثر من مرة لهذا سأتخذ اجراءا بحقك.
- يا سيدي لقد شرحت لك وضعي أكثر من مرة فسكني بعيد وأنا أذهب الى العمل مشيا.
-ليس ذنبي أنت مطرود.
وقد اشتد البرد علي وأنظر الى المقعد المحطم والطاولة المملوءة بالبق لم يعد هنالك حل لهذا البرد أكسر المقعد والطاولة وأضع بعض الأخشاب في زاوية الغرفة وأحاول أن أشعل النار بالخشب ببعض الأوراق عبثا ما أفعل فقد كان الخشب مبلولا ويحتاج الى الكثير من الورق أتناول زجاة الخمر وأرتشف منها قليلا وأنظر الى الكتب وأرتشف جرعة أخرى دموع تتساقط من خدي لا أعرف ان كانت دموعي أم المياه التي تتسرب مع شقوق السقف أو مع الرياح الداخلة من الشباك المكسور تمالكت نفسي وبدأت برمي الكتب المشتعلة على الخشب تهب النار قليلا ومن ثم تنطفيء لقد كانت الرطوبة والمياه قد ملأت الغرفة الليل طويل والبرد قارص والسماء تزيد من لعناتها علي فبدأ الثلج يتساقط ضوء عمود الانارة في الشارع انطفأ بدأت أزيد من احراق الكتب وأوراقي التي أفنيت عليها العمر اقتربت من افنائها وفجأة خطر على بالي على ذلك السؤال ما جدوى ذلك؟
وعلى ضوء النار التي ستبقى مشتعلة لدقائق أخذت أبحث عن بعض الأوراق وجدت القليل منها شربت ما تبقى من الخمر ووضعت المسدس القديم الى جانبي ورحت أكتب وختمت ما كتبته:
هذه الكلمات ما تبقى من ذلك البائس الذي انتحر.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,470,916,015
- نقد فكرة العدالة في الإسلام(الجزء الأول):
- الوجودي التائه
- هل نحن جاهزون؟
- نافذة الى الوجود
- نظرة حول موضوع الاخلاق
- ما وراء رفض دول الشرق الأوسط للملحدين والمتنورين
- المعتزلة فرقة عقلانية
- قراءات حول العقل الشرق أوسطي
- مغالطات النقاش العربي (الملحدين والمتدينين)
- ((مشكلتنا مع الاسلام 2 )) قراءات وآراء حول كتاب الانسداد الت ...
- مشكلتنا مع الاسلام
- هاوية الوجود
- الصراع على السلطة في التاريخ الاسلامي
- نظرات الى التاريخ الاسلامي
- باستثناء أن أكون أبا.....
- ما وراء عقل المتدين
- النهاية
- سقوط الانسانية
- سدوم
- في سيل الذكريات


المزيد.....




- ندوة لمناقشة ديوان -سيعود من بلد بعيد-
- فيل نيفيل يدعو لمقاطعة مواقع التواصل الاجتماعي بعد تعرض بوغب ...
- رحيل الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب الإماراتي حبي ...
- يتيمة الدهر.. عندما انتعش الأدباء والشعراء في القرن العاشر ا ...
- الرئيس التونسي: إحياء اليوم الوطني للثقافة لتكريم المبدعين ن ...
- قلاع عُمان.. حين تجتمع فنون الحرب والعمارة
- وزيرة الثقافة الإماراتية: مهرجان عكاظ منصة سنوية لخلق تواصل ...
- -الحرة- الأمريكية تتحرش بالمغرب
- رسوم أولية تظهر في لوحة -عذراء الصخور-.. هل أخفاها دافينشي؟ ...
- وفاة الأمين العام لاتحاد الأدباء والكتاب العرب حبيب الصايغ


المزيد.....

- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي
- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهند احمد الشرعة - انتحار