أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - سيلوس العراقي - المفكر الاشتراكي الرابي موسى هيس : روما تسلّم الصولجان الى اورشليم















المزيد.....



المفكر الاشتراكي الرابي موسى هيس : روما تسلّم الصولجان الى اورشليم


سيلوس العراقي
الحوار المتمدن-العدد: 4972 - 2015 / 11 / 1 - 17:14
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


يقدم جوزيف هيلر كتيبًا يبحث في حياة وشخصية وفكر وكتابات موسى هيس الذي يعتبر من مفكري القرن التاسع عشر والذي مرّ في مسيرة حياته بتغيرات عديدة وأحيانا كبيرة، كانت جذرية بتغيرها والتي أثرت في نموه الفكري تمامًا. فمن اليهودية الى الهيغلية فالاشتراكية فصديقا ومؤثرًا في ماركس وانجلز ويؤلف كتابًا بالاشتراك مع ماركس، والى اليهودية أخيرًا. كل هذا لم يمنعه من العودة الى الروح القومية والى شعبه اليهودي وفكره الديني مع بقائه اشتراكيًا أمينا لها.. الى أن تمّ اعتماد افكاره وكتاباته كمرجع من المراجع الرئيسية في فكر الحركة الصهيونية وتأسيسها.
ربما عرض هذا الكتيب لمؤلفه جوزيف هيلر حول هيس يسلط ضوءًا لغرض التعريف به كانسان ودوره كمفكر في صناعة التاريخ برؤيته عبر رحلته وتجربته في مدارس فكرية متعددة.

ألمانيا في النصف الأول من القرن 19 وتأثيرها في الشعب اليهودي:
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كانت ألمانيا مقسمة الى ولايات عديدة، كانت ضعيفة بسبب حروب نابليون. لكنها ما لبثت أن مرت بمرحلة جديدة حيث استلهمت القوة من الثورة الفرنسية وبالخصوص في صفوف المثقفين والمفكرين والشبيبة الالمانية التي كانت تسعى نحو الوحدة في ألمانيا، فقامت فيها عمليات التحول الاجتماعية واعادة التنظيم السياسي.
هذه التحولات كان لها التأثير الخاص في المكانة والحالة المدنية لليهود في ألمانيا وفي أسلوب حياتهم. حيث كانت فرصة أخرجت اليهود فيها من حالة العزلة، واهتزت (نسبيًا ) أسس وقواعد وحدة اليهود بسبب رياح الأفكار الثوروية. وكان من نتائج ذلك أن تصارعت (بل تعارضت) حالة اليهود ونمط حياتهم القرونوسطية والتي تميزت في حياة الكيتوات المغلقة ذات الحكم الذاتي الديني تقريبًا. أقول تعارضت مع النموذج الألماني المدني الجديد (في حينه)، فالأسيجة التي أحاطت بالتقاليد اليهودية داخل الكيتوات لم يعد بامكانها الصمود أمام التأثيرات الاجتماعية التي تدعو الى الانفتاح الى مرحلة جديدة، الى التماثل والتشابه مع التحولات إنْ لم تدعو أيضًا الى الانصهار في الجديد.
ونتيجة لذلك التجأ بعض من اليهود الى التحول الى المسيحية حيث وجد فيه هذا البعض طريقًا ربما تكون قصيرة وسريعة باتجاه التخلص من التعاسة (أو سوء الحظ ) الاجتماعية التي شعروا بها، وبذلك اعتقدوا أنه سيكون بامكانهم الحصول على المساواة في المجتمعات الأوربية.
وبعض آخر من اليهود، استيحاءًا من عصر التنوير ومبادئه الذي بدأت تعيشه المجتمعات الأوربية، ركزوا وعلقوا آمالهم على القوة الفكرية والعقلية واعتقدوا، بل آمن بعضهم بأن المستقبل والانتصار سيكون بجانب الحركات الانسانوية التي ستعمل على تحقيق الحرية والمساواة والأخوّة بين البشر.
جاهد قادة الاصلاح الديني اليهودي من أجل التخلص من المتمسكين بالجزئيات الوطنية لليهودية، ومن أجل تكييف تعاليم السيناغوغ مع المباديء التحررية، ومواءمة متطلبات الشريعة الدينية لظروف العصر الجديد. وكان من بين الحوافز الرئيسية هو التماثل بأكبر قدر ممكن مع الشعب الألماني ليتمكنوا من استحقاق منافع حركة التحرر المدنية . كما أن الرغبة في الحصول على الحقوق والحريات المدنية حفّزت أيضًا الاورثوذكسيين المعارضين للاصلاح، الذين حاولوا الربط بين التمسك بالشريعة (التوراه) مع المشاركة بالثقافة العلمانية المعاصرة.
إن موجة الحرية التي حملتها الحروب النابليونية ليهود ألمانيا كان لها تاثيرًا محدودًا في فترة قصيرة. حيث قوبل نابليون بمقاومة وردّ فعل دام لفترة 30 سنة.
لكن فيما يخص التطورات في أوضاع اليهود في هذه الفترة التاريخية، لا يمكن تجاهل الأثر الكبير لحوادث دمشق ضد اليهود في عام 1840 في الرأي العام الأوربي والأميريكي بخصوص اليهود، ويمكن اعتبارها حقبة جديدة في تاريخ اليهود الحديث. خاصة أنها أعادت الى الأذهان المعاناة الكبيرة لليهود في القرون الوسطى المظلمة، وأعادت بروز ونمو روح التضامن بين اليهود في أميريكا وفي أوربا، وأيقظت من جديد الفكرة القديمة ـ الجديدة والأمل اليهودي بالعودة الى وطنه والى الفكرة اليهودية القومية، لتظهر وتنكشف بقوةٍ الأرضية الصلبة والتاريخية لهذه الروح القومية. وساعدت مسارات الأحداث في أوربا في تعزيز الفكرة المبدئية اليهودية. فبذور الوطنية الديمقراطية التي بذرتها الثورة الفرنسية، حملت ثمارها بعد الحقبة النابليونية ووصلت الى حدها الأقصى في عام 1848. فكفاح الشعوب المقهورة الصغيرة من أجل استقلالها رفع من حماس اليهود الذين انضموا الى حركات المناضلين الأوربيين من أجل الحرية والمساواة.
هذا التأثرأعلاه طال العديد من المفكرين اليهود، والذي أثر في أسُس البحث في تاريخ اليهودية وآدابها التي أصبحت علمية وأطلق عليها علم اليهودية أيضًا. فقام الرواد في هذا المجال بدراساتهم وبحوثهم للبرهنة والتأكيد للعالم على قيمة مساهمة اليهودية في الحضارة العالمية وعلى نبل الأفكار اليهودية، إنْ كان في المجال الديني أو في المجال الأخلاقي أو غيرهما. منطلقين من معتقد وفكرة أن تحرير الذهنية والعقلية سيقود الى التحرر المدني. ومع بعض الشكوك في أن تكون انجازاتهم في هذا المجال البحثي العلمي قد لعبت دورًا أساسيًا في التحرر المدني، لكن لا يمكن إنكار دورهم في رفع الحجاب والكشف للجماعات لليهودية عن روحية وعظمة الكنز الذي يملكه الشعب اليهودي وأهمية الثروة التي يكتنزها الماضي اليهودي، وبذلك خلقوا الظروف المساعدة في إعادة تقوية الوعي القومي اليهودي.

البيئة الفكرية التي ولد وترعرع فيها موسى هيس :
الزمن الذي ترعرع ونما فيه هيس، كان فترة الحياة العقلانية الفكرية intellectual في ألمانيا التي طغى عليها الصراع بين التنويريين والرومانتيكيين.
على عكس عقلانية التنويريين ، يؤكد الرومانتيكيون على العواطف والغريزية والميزات العضوية في تطور الفرد والمجتمع. فالفلسفة الألمانية بمختلف أشكالها، في الوقت الذي كانت مستندة فيه على المفاهيم الأساسية للمنظومات ذات المنظور العقلاني، اتجهت الى الافادة واستيعاب الأفكار القائدة والمسيّرة للحركة الرومانتيكية. وبلغت ذروة هذا الاتجاه في منظومة "المثالية المطلقة" الهيغلية.
حاول هيغل باستخدامه للمنهج الجدلي، القيام بالمصالحة بين عقلانية التنويريين مع عواطفية الرومانتيكيين. اعتبر الأضداد الواضحة كتعبيرات جزئية مكملة للنمو الذاتي في الارتقاء لتبني الفكرة العقلانية. ومع هذا ، فشل النظام الهيغلي في توفير حلّ للمشاكل الروحية والاجتماعية لأوربا في مرحلة ما بعد نابليون.
بعد وفاة هيجل (1831)، حدث أن فصلت عناصرُ فلسفته السياسية والدينية مدرستَه الفلسفية الى جناحين : يمين ويسار.
ديفيد شتراوس يمثل قائد جناح اليسار الهيغلي، الذي فسّر الدوكما ـ العقائد المسيحية كميثولوجيات نقية، محولاً فلسفة هيغل الى نوع من وحدة الوجود الطبيعي.
وتلميذ آخر من تلاميذ هيغل، وهو فيورباخ، الذي رفض فلسفة معلمه هيغل معتبرًا إياها لاهوتًا مقنعًا، واعتبر الدين اسقاطًا وهميًا لمثاليات الانسان وأنجب نوعًا من الميليشيا (القوى) المادية أو المادية المسلحة التي سرعان ما أصبحت سائدة في المانيا.
في نفس الوقت الذي تبرأ فيه كارل ماركس من مثالية هيغل، اعتمد عناصر أساسية من فلسفته للتاريخ. بتجريده للمنهج الجدلي من المثالية الهيغلية. وادعى أنه في غنى عن المثالية الرومنتيكية التي اتسم بها مفكرو الاشتراكية المبكرين، ومطهرًا الفكرة الاشتراكية من أوهام الطوباوية، ووضع الأسس العلمية لحركة اشتراكية جماهيرية، عن طريق تكييف الدوافع الرئيسية لعصر التنوير: مذاهب العقلانية والنفعية والانسانوية، لمتطلبات الصراع الطبقي للبروليتاريا. النظرية الماركسية تهدف تبرير الصراع من أجل خلق مجتمع الطبقة الواحدة (ايكاليتاريان)، التي أصبحت خميرة قوية في حياة أوربا الحديثة. ولكن سرعان ما وجدت لها منافسًا يتمثل في القومية الديمقراطية الناشئة.
في القرن التاسع عشر، يبدو أن الدوافع والأفكار أو المثل الاشتراكية والديمقراطية كانتا في تعارض فيما بينهما. فبينما أصبحت الاشتراكية الماركسية في اوربا الغربية حركة ثورية، مستوحاة من العقلانية البحتة، ظلت القومية المثالية ـ الأقرب لعصر التنوير المبكر ـ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالأفكار الرومانتيكية. سعت الاشتراكية الى نظام اجتماعي، يتجاوز الانقسامات الجغرافية و العرقية، بعدم الاهتمام بالتقاليد التاريخية وبالتقليل من أهمية المشكلة القومية الوطنية.
الحركات القومية الوطنية الديمقراطية في القرن التاسع عشر، من ناحية أخرى، استمدت قوة لها من الروابط العاطفية مع الاثنيات العرقية لكي تبقيها على التقليد التاريخي: تشترك مع الاشتراكية في ايمانها بمباديء الثورة الفرنسية، لكن قوة أرضيتها كانت الشعور بالقرابة والانتماءات العرقية والقومية، والوعي بالمصير المشترك والمجد الرومانتيكي للماضي المشترك.
القومية الديمقراطية ـ من طبيعتها ـ لا يمكنها التوفيق بينها وبين المادية الطبيعية (الخام)، التي تتجاهل أهمية الروح والثقافة الوطنيتين كعامل مستقل في التاريخ، ولا مع ماركسية الجدلية المادية التي تعتبر الظروف الاقتصادية كعامل حاسم ووحيد في الحياة الاجتماعية.
الصراع بين المادية والمثالية أصبح نقطة ارتكاز لموسى هيس في مسعاه الفكري. كانت رغبته في تحقيق العدالة أو العدالية بين الجوانب الروحية والمادية للواقع وللجمع بين العدالة الاجتماعية مع حرية الفرد والأمة. وهذا هو ما قاد هيس الى اعادة اكتشاف المعنى الاجتماعي لليهودية وفكرة القومية اليهودية.

حياته وأعماله:
ولد هيس في بون (بروسيا) في عام 1812، اربعة سنوات بعد احتلال القوات النابليونية للمدينة والغاءها لكيتو المدينة اليهودي. كان والده تاجرًا ماهرًا، يحضى باحترام الجماعة اليهودية التي يعتبر عضوًا فيها. تنحدر والدته من عائلة رابيين وعلماء يهود بولنديين. فبالتوافق مع هذا، أعطي له اسمًا ألمانيًا، موريس، والذي سيغيره فيما بعد بنفسه الى اسم موسى.
في سن التاسعة ذهب مع والديه الى كولونيا (كولن)، وهنا تربى في بيت جده لأمه، كان جده رجلا تقيًا ورعًا ودارسًا لليهودية، سوف يكون لصلابة ونبل عقل الجد انطباعًا كبيرًا في الصبي، فبعد سنوات عديدة، موسى هيس ذي الخبرة الجيدة والمكافح من أجل الاشتراكية، سيتذكر بعواطف عميقة القصص التي سمعها من جده حول تدمير الهيكل، التي اعتاد الجدّ قراءتها لحفيده.
في سن الرابعة عشر سيفقد هيس والدته. بعدها بأربع سنوات يدخل هيس الى جامعة كولن، ولم يقم باختيار دراسة في حقل العلوم التجريبة، لأنه كان مولعًا بقراءة الكتب التاريخية والفلسفية والدينية، وكان متأثرًا بروح الليبرالية الراديكالية والأفكار الرومانتيكية التي كانت رائجة في الأدب الألماني.
القطيعة مع ديانته اليهودية، وضعته في حالة صراع واختلاف مع والده. ومحاولة للاعتماد على نفسه ماليًا، ترك المانيا واتجه نحو انكلترا. ففشل هناك في التمكن بالقيام بأي شيء، فذهب الى باريس، فعاش لبعض الوقت في عوز شديد، وبعدها عاد سيرًا على الأقدام الى ألمانيا. وقام بالتصالح مع والده، ونتيجة للصلح وجد له أبوه عملاً معه في البزنس الذي كان يقوم به في كولن. قيامه في هذا النوع من العمل أثبت بأنه معاكس لطموحه واهتماماته : انه يحتقر الروح التجارية لأصحاب التجارة والمتاجر. كان يشعر هيس بأنها تخنق له عقله.
تحدث بعض الخلافات والجدالات بينه وبين والده، أدت به في الأخير أن يقرر إنهاء عمله مع والده.
سوف يكرس هيس بعدها وقته للعمل كصحافيّ يعمل في السياسة والصحافة.
على الرغم من المصاعب والحرمان الذي عانى منه، لكنه تمكّن من ايجاد الوقت ليتعرف على التيارات الرئيسية للفكر السياسي والمدارس الفلسفية الرئيسية.
اكتشف في سبينوزا الفلسفة المتجانسة مع عقله وفكره. وجهة النظر الأحادية الحقة، التي تتغلب على ثنائية المادة والروح، من دون الاستهانة بأي منهما واقعيًا، ويمكن اعتبارها كأساس من أجل الوصول الى حلول للاشكاليات الاخلاقية والاجتماعية.

كتابه الأول: التاريخ المقدس للتاريخ البشري
في عام 1837 سيقوم هيس بطباعة كتابه الأول "التاريخ المقدس للجنس البشري" باسم تلميذ لسبينوزا، وتغلبُ على العمل الروح المسيانية. يستعرض هيس تاريخ البشرية من وجهة نظر تمزج بين اللاهوت والأخلاق والسياسة معًا. مفترضًا ـ على نهج سبينوزا ـ الوحدة الأساسية والتناسق والتناغم بين المادة والروح، وعلى هذا ينظر الى التاريخ كعملية تعمل فيها الأسباب المادية والأفكار الأخلاقية في وفاق وتوافق لتحقيق الهدف المشترك، في سعي البشرية المستمر نحو تحقيق الوحدة في كل مجالات الحياة. هذه المثالية تكشف نفسها في الانسجام أو التناغم الاقتصادي، والمساواة الاجتماعية والحرية الدينية للفرد. ورباط الوحدة النهائية سوف يكون دينًا عالميًا للحب والأخوة، مستندًا الى معرفة الله.
تمر الانسانية في مسيرتها نحو الهدف النهائي بثلاثة مراحل أو حقب رئيسية، ويصفها هيس مستخدمًا تعابير رمزية : الله الآب ، الله الابن، الله الروح القدس. ويقسم هيس الحقب الثلاثة الى 14 فترة، لكل منها قيادتها الروحية التي يقوم بها شخصيات كبيرة وعظيمة. مؤسس المسيحية هو الشخصية السائدة للمرحلة الأولى : الفكرة الأساسية المسيحية التي استندت اليها حضارة العصور الوسطى، وهي وحدة الطبيعة والروح.
ثم سبينوزا الابن العظيم للشعب اليهودي الذي افتتح المرحلة الثانية، المتمثلة بالحضارة الحالية، التي ركزت على فكرة الوحدة الله ـ الارض والطبيعة.
والمرحلة الثالثة التي تتعلق بالمستقبل، وهي المرحلة المسيانية، والتي فيها: وحدة الله والروح ستنكشف في حياة الجنس البشري.
إن استخدام هيس للتعابير والمصطلحات المسيحية لا يتعدى أكثر من وسيلة تعبيرية لفكرته اليهودية التي هي الحافز أو السبب الرئيسي في عمله هذا. مثل العديد من الكتاب في الحقبة الرومانتيكية، يلعب هيس مع الأفاهيم الثيولوجية ـ اللاهوتية ـ المسيحية، يستعملها بطريقة رمزية بالمعنى الفلسفي والأخلاقي، من دون القبول بأسسها العقيدية ـ الدوغماتية. في نفس الوقت يتنكر هيس لسلطة الشريعة اليهودية وينفي أي مستقبل لليهودية (القديمة) كديانة حية.
في وقت كتابته تاريخ اليهودية المقدس يظهر هيس مثلما ذكر متأخرًا بأنه "دُفن في قلبه الى الأبد". لم تكن المسيحية بالنسبة له إلاّ مقدمة لدين مستقبل عالمي من النوع البانثيوني. لاحياء الفكرة الأساسية لليهودية بهيئة جديدة مقبولة لكل البشر.
اعتقد هيس بأن اسرائيل التي لعبت دورًا حيويًا في تاريخ البشرية، لم تعد موجودة كأمة حية من أجل أن يصبح ارثها قوة اثراء وتسميد للحياة الروحانية لانسانية جديدة. "إن شعب الله أصابه التحلل لكيما يظهر في نوع حياة أعلى من موته. تحوي شريعة موسى عنصرًا أبديًا للحقيقة : إنه يوحّد الحياة الداخلية للانسان مع هيئة الحياة الخارجية. هذه الشريعة لا تترك فارقًا بين الدين والسياسة، بين الواجبات نحو الله والواجبات تجاه القيصر. انها كانت البذرة والنموذج (بروتوتايب) لدستور مقدس للجنس البشري".
يتحدث هيس حول دولة الشعب القديمة التي تم تدميرها منذ زمن طويل، لكنها تعيش الآن في قلب أعضاء الشعب المشتت. كان الشعب مدعوًّا منذ بدايته ليحتل العالم : ليس بالقوة مثل الرومان الوثنيين، لكن بواسطة الفضائل الداخلية لروحه. هذا الروح الذي يحوم في كل العالم، وأعداؤه لم يتمكنوا من تدميره، لأن هذا الروح لا يمكن التغلب عليه أو صراعه inattaccabile. هذا الروح قد تغلغل في العالم، والعالم في توق (شوق) الى ولادة الشريعة (القانون) الأساسي، ومن تستحق أن تكون أمّه هي الشريعة القديمة (اليهودية). دستور جديد مقدس لابدّ أن يبزغ : انه الشريعة القديمة التي سوف تعود للحياة مرة أخرى ـ متحولة transformed.

ايمان هيس الاشتراكي :
إن كتابات هيس المبكرة كانت اعترافًا لايمانه المتقد: إن النظام الاشتراكي المقدس سوف يمنح الحق المتساوي (العدل) للمجتمع وللفرد، الحرية المثلى والمساواة المثلى، محو الملكية الفردية، وسوف يوائم (ويحدّ) من تصارع المُثل conflicting ideals.
إن غموض المفاهيم الأساسية هو سمة مشتركة في أعمال هيس وغيره من المفكرين الاشتراكيين الأوائل، الذين لم يروا بوضوح الصعوبات في تجسير (سد الفجوة) بين الفردانية والجماعية individualism and collectivism,، وبين الأناركيزم الفوضية والشيوعية.
في كتابه، يوضح هيس رؤيته للمستقبل المثالي لكن من دون أن يحدّد (ويُعرّف) وجهة نظره الأساسية، فهو لا يرسم خطًا فاصلاً بين الاشتراكية والشيوعية: وانه لا يستخدم حتى هذه العبارات، ربما يعود هذا لأسباب تقع في خانة التحسّبات الأمنية ـ السياسية ؟!
وبالمقابل فهو يتحدث حول دستور مقدس جديد كأساس لدولة الشعب المقدسة ـ من دون وعي يكشف هيس المشاعر الدينية التي تُحفّز فكره. انه كتب كتابه مدفوعًا بنوع من الرغبة النبوية، فهو لم يرَ في عمله الجدارة أو الاستحقاق الشخصي، لكنه ينظر اليه على أنه مظهر من مظاهر نعمة الله. فيقول هيس " إن روح الرب عليّ ، مثلما يمكنه أن يُسكب على أي مفكر من الجنس البشري"، انه يعتقد بأنه أعاد اكتشاف المعنى الحقيقي المنسي للديانة: " الديانة، معرفة الله، الخير الأسمى للجنس البشري، الذي فقدته البشرية"، وهل يمكن للباحث أن يخجل من الاعلان " ها هوذا هنا من جديد". "ان ضميري يرفض أن يقدم هكذا نوع من التواضع. نحن لا نتردد في المجاهرة، بقدر ما منحت لنا، للكشف والاعلان عن الفكرة التي نوضحها في كتابنا هذا، ونحن نعتبر أنفسنا أداة بسيطة في يد العناية الالهية التي استخدمت دائمًا الرجال الذين يعيشون في الظلّ والوحدة".
بعد 3 سنوات من طباعة كتابه التاريخ المقدس، تزوج هيس فتاة ألمانية غير يهودية ذات سمعة سيئة، اسمها سيبيل بريش، التي عاش معها في حب وسعادة لغاية وفاته. وهذا التحدي الذي يعتبر سافرًا للأخلاق وللشريعة اليهودية التقليدية أدام الانفصال بين هيس ووالده، حيث لم ير أحدهما الآخر مرة ثانية.

الترياركية الأوربية:
كان "التاريخ المقدس للجنس البشري" المحاولة الأولى في ألمانيا لتفسير التاريخ من وجهة نظر الاشتراكية، وتقديم عرض للنظام المثالي للمجتمع في المستقبل، وفي المجلد الثاني الذي صدر في عام 1841 بعنوان "الترياركية الاوربية"، الذي تعامل فيه هيس مع الواقع السياسي المعاصر له.

هيس رائد فكرة توحيد اوربا
كان هيس الرائد الأول لفكرة توحيد أوربا كوسيلة لخلاص الحضارة الغربية. وكخطوة أولى نحو هذا الهدف اقترح هيس حلفًا بين الدول الأوربية الأكثر تمدنًا : المانيا، فرنسا وانكلترا.
هذه الفكرة التي سيطرحها مرة ثانية في كتابه روما وأورشليم، يلتزم بها هيس لأسباب تاريخية وبسيكولوجية (نفسية) وفلسفية. انه يعتقد بأنه من أجل تقدم البشرية، يجب على العبقرية الفائقة للألمان التعاون مع الروح المعنوية أو الاخلاقية للفرنسيين ومع الروح الاجتماعية للانكليز. وأن ارتباط هذه الشعوب الرائدة الثلاثة سيعزز من قضية الحرية والسلام:
المانيا تساعد على حرية الروح، فرنسا ستعمل من أجل الحرية الحقيقية في فضاء أخلاقي، وانكلترا "نور بيت المستقبل" سوف تقوم بتأمين وضمان أسس الحرية السياسية. وان وجود هكذا حلف قوي سوف يحسن ويطور فكرة السلام الأبدي.
وهنا أيضا يبدو هيس مستعملا للمفردات المسيّانية : فتصوره لمملكة أو ملكوت السلام كبداية لملكوت الله المستقبلي، لأن الدين بالنسبة لهيس هو الحبّ بمعناه الأشمل والشامل. خاصة أن هيس يرى لاحقًا في انهيار الامبراطورية الرومانية وفي الثورة الفرنسية، حدثان حاسمان في تقدم البشرية نحو الوحدة والمصالحة العالمية من خلال الحب. دين الحبّ العالمي، يعنى ضمنيًا بالغاء الخلافات المذهبية. في عصرنا الحاضر (مرحلة ما قبل المسيانية) لم يعد من تأثير للمؤسسة الكنسية والشعب ليس بحاجة اليها من بعد. وبالرغم من أن الدولة الحديثة لا يمكنها أن تعمل شيئًا مع الكنيسة، لكن هذا لا يعني انفصال الدولة عن الدين، بل على العكس كما يعتقد هيس، لأن الدولة تهتم بالانسان بشكل شامل ككائن اجتماعي وككائن سياسي يجب أن يرتبط برباط وحدة مع الدين.
في الترياركية الأوربية يعارض هيس بشدة المثالية الهيغلية الميتافيزيقية، ويضع أزاءها وضدها مبدأه في "المثالية العملية" أو فلسفة العمل philosophy of action. بالرغم من أن هيس يستمر في استخدام مفردات لاهوتية مسيحية، لكنه ينكر وبقوة الثنائية بحسب الأفهوم المسيحي للحياة، ويعتبرها هيس على أنها تكمن في جذور الفلسفة المثالية الألمانية. وهنا أيضًا يقوم الكاتب من خلال بعض الاشارات باظهار تقديره الكبير لايمان الآباء (آبائه اليهود) واسهامهم الكبير في الحضارة الانسانية. فيصف اليهودية بأنها "المبدأ الأساسي للتطور التاريخي للجنس البشري"، " الشعب الذي احتضن الكتاب المقدس في التاريخ البعيد وكذلك يحتضنه في المستقبل البعيد". وحتى الآن. " اليهود ينبغي وجودهم كمهماز في جسم الانسانية الغربية. انهم خميرة العالم الغربي، ومقدرٌ لهم أن يطبعوه بطابع الداينميكية". ومع ذلك فأن هيس الليبرالي الراديكالي والاشتراكي يستمر في تجاهل البعد الوطني لليهودية وأهميته التاريخية. وفي هذا الصدد فهو يتوافق مع وجهات نظر اللاهوتيين المسيحيين ويعتقد مثلهم بأن اليهود قد رفضوا رسالة مؤسس المسيحية، وأصبحت تبعا لذلك ديانة محنطة : ان لعنة الثبات (الجمود) تقع على بني اسرائيل، فهم يهيمون على وجوههم مثل شبح في العالم الحي المتحرك بقوة من روح الله، فهم لا يمكنهم أن يموتوا ولا أن يحيوا من جديد".

هيس المفكر والقائد الاشتراكي :
خلال العقدين التاليين لنشر"الترياركية الاوربية" سيكرس هيس كلّ طاقاته في توضيح وجهات نظره حول الاشتراكية وتطبيقها العملي. انضمّ الى الايديولوجية المعارضة لليسار الهيغلي، انجذب الى وجهات نظر شتراوس وفيورباخ وماركس، لكنه في نهاية المطاف سينفصل عنهم، لأنه لم يتمكن من الاتفاق مع المذهب أحادي الجانب، الطبيعي والمادي. وفي الحين الذي تعزز فيه نفوره من "الثنائية" المسيحية بمساعدة الانتقادات الراديكالية التي وجدها في كتابات شتراوس وفيورباخ، لكنه لم يتخذ موقفًا سلبيًا تجاه الدين.
ومن جانب آخر، كان لماكس شتايرنر ( 1806 ـ 1856م) الفيلسوف الألماني، الذي يعتبر أحد مؤسسي الفلسفة العدمية (والوجودية واللاسلطوية) الدور المهم الذي ساعده في تحديد الفرق بين الحرية الحقيقية للفرد واللاأخلاقية، وبين الاشتراكية والأناركية. فبقي هيس ثابتًا في موقفه وقناعته بأن الأخلاق الاجتماعية هي الأساس للعمل الاجتماعي والهدف الحقيقي من الفلسفة.
في كتيب نشره هيس في عام 1845 بعنوان "آخر الفلاسفة The Latest Philosophers"، ينكر العدمية الأخلاقية لبرونو باور وماكس شتيرنر، متهمًا إياهما بأنهما تبنّيا واعتمدا النظرة الثنائية للمسيحية وللمثالية الميتافيزيقية بفك الارتباط بين : الفكرة والواقع، النظرية والتطبيق، المجتمع والفرد.
إن فكرة الحرية، المجردة والنظرية البحتة، تحرم الحرية من معناها الاجتماعي، فيعتبرها هيس على أنها : "لا تعتبر أي شيء ـ بالنسبة لي ـ أكثر من تمجيد للغرائز الحيوانية ، الأنانية والجشع".
الحرية الحقيقية للفرد ترتبط بوظيفته الاجتماعية. الحرية تعني غياب العنف وغياب القيود، لكنها تتضمن تقيد الفرد بالأخلاق، والتي ينبغي أن يُظهرها الفرد في أنشطته ووظيفته المجتمعية. إن الحرية ليست إلغاءًا لقرار الارادة وليست اللامسؤولية اللاأخلاقية، لكنها إقرار عن ارادة الفرد وفقًا وبموجب طبيعته بوصفه عضوًا في المجتمع البشري.
بعد عام 1841 كان هيس من محرري صحيفة الراين، ونظرًا لاسهاماته وكارل ماركس، أصبحت وسيلة أو جهازًا رئيسيا لليبراليين الألمان.
وفي عام 1842 ذهب هيس الى فرنسا كمراسل للصحيفة، لكن بعد سنة من ذلك تم حظر صحيفة الراين من قبل الحكومة البروسية، فعاد هيس الى كولونيا، واستمر في العمل من أجل القضية الاشتراكية كصحفي مروج لها ـ دعائي ـ وأكسبته حماسته في هذا المجال بين رفاقه في العمل لقب "الرابي ـ أو الحاخام ـ الشيوعي".

هيس وماركس :
في عام 1845 تعاون هيس مع كارل ماركس في "الآيديولوجية الألمانية" وبعدها بسنتين يذهب هيس الى بروكسل للعمل معًا مع ماركس في المساهمة في المطبوعات والمنشورات الاشتراكية وفي التنظيم الشيوعي. ويبدو أن هيس قد لعب دورًا ملحوظًا في التأثير في فكر ماركس في الفترة الحرجة من الانتقال من الراديكالية الليبرالية الى الاشتراكية. وفجأة نرى هيس قد سقط تحت تأثير سحر مؤسس "الاشتراكية العلمية" واقترب من وجهة نظره. وبالرغم من ذلك، فان الصداقة بين الرجلين، اللذين يختلفان أحدهما عن الآخر بشكل كبير في المزاج والنظرة الاجتماعية، كانت قصيرة الفترة.
وماركس، من جهته، كره المثالية المتحمسة (الحماسية) لهيس، ونهجه الأخلاقي في مقاربة اشكاليات (مشاكل) الحياة الاجتماعية. في البيان الشيوعي (1848) يصف ماركس أفكار هيس حول "الفلسفة في التطبيق" و " الاشتراكية الحقيقية" بأن لا معنى لها (هراء فلسفي) وأنها خيوط العنكبوت التي تم إلباسها وتطريزها (بالورود) بجميل الخطابة. كان خطأ هيس وفقا لماركس: أنه لا يمثل مصالح البروليتاريا كطبقة، بل كمصالح الطبيعة البشرية للانسان بشكل عام، الذي يوجد فقط في عالم ضبابي في الخيال الفلسفي.

العودة الى اليهودية : من ماركس الى سبينوزا
حينما اندلعت الثورة عام 1848 سارع هيس في العودة الى ألمانيا للقيام بدور نشط في النضال من أجل الحرية. وبعد أن فشلت الثورة تم الحكم بالأعدام على هيس، ولكنه نجح في الهروب من ألمانيا. تجول بسببها في اوربا لعدة سنوات، تحت هاجس الخوف والتهديد المستمرين من تسليمه الى الحكومة البروسية. لغاية أن استقر في باريس عام 1853، حيث كرّس وقته لدراسة العلوم الطبيعية واليهودية.
في سنوات حياته الأخيرة مرّ هيس في أزمات روحية. فردود الفعل السياسية التي وقعت: قمع الحركات الثورية في المانيا وفرنسا، الصدع بين الليبراليين والاشتراكيين الثوريين، والخلافات الآخذة في الاتساع بين الماركسيين وغير الماركسيين داخل الحركة الاشتراكية نفسها سببت هذه كلها إحباطًا له وكانت السبب في إعادة النظر التي قام بها هيس في المسلّمات الأساسية لـ "فلسفة العمل".
توصل هيس الى قناعة بأنه لا الأفكار التأملية المجردة الألمانية ولا المادية الاقتصادية الماركسية أحادية الجانب، يمكنها أن تكون الطريق الصحيح للفكر الاجتماعي، وأن الانسان ليس كائنًا روحيًا محضًا وليس منتجًا ماديًا لمسببات مادية وقوى اقتصادية، وأملَ هيس في أن يجد من خلال دراسة الطبيعة الفيزيائية والبيولوجية للانسان شرحا وتوضيحًا لوجوده (الانسان) كوحدة مادية وروحية غير قابلة للانحلال. فابتعد عن هيغل وماركس وعاد الى معلمه سبينوزا.
إن الوجود للأمم الحية ـ وليس باعتبارها فقط مجموعات اقتصادية أو طبقات اجتماعية ـ بحسب هيس هو الذي يشير ويحدد الطريق للنظرية المجتمعية التي تأخذ بالاعتبار كل عوامل الحياة المادية والروحية. وفي نفس الوقت فان انطباعات هيس الدينية شبه المنسية التي كانت له في أيام طفولته، وجدت طريقًا لها لتجدد حياتها من جديد في فكر هيس. وعزز ذلك : الشعور المرير من العذاب الذي ثار في قلبه في عام 1840 من جراء حادث دمشق، ومن الشعور بالاحباط من فشل النضال الثوري. وفي خضم نشاطاته الاشتراكية بزغت عليه حقيقة " أنه ينتمي الى شعب تعيس مقذوف به ومحتقُر ومشتت".
لبعض الوقت، اختنقت نيته في اعطاء تعبير لشعوره بالـ "الصراخ بسبب الألم" في صدره بسبب الآثار التي تركتها فيه الآلام الكبيرة التي تعانيها البروليتاريا الأوربية.
أصبح مصير أمته، وفرادة ايمانها، والأهمية القومية والعالمية لرجاء وأمل المسيانية اليهودية، بالنسبة لهيس عناصر مهمة ظهرت له بنور جديد: انه رأى المشكلة اليهودية كونها واحدة من المشاكل الحاسمة في تاريخ البشرية. فبعد قطيعة عشرين عاماً : "كان مرة ثانية مع شعبه".
في عام 1862 ظهر كتابه "روما واورشليم" محاولة لحل " المشكلة الأخيرة للأمة " ليُظهر أهمية فداء اسرائيل من أجل مستقبل البشرية. أصبح هذا الكتاب أساسًا لنظريات عديدة للقومية اليهودية المعاصرة وعملا كلاسيكيًا مهمًا للأدب الصهيوني.

السنوات الأخيرة :
عودة هيس الى شعبه وإلى ايمانه القديم لم يُضعفا فيه التزامه للمثل العليا للوحدة العالمية وللتضامن الاجتماعي. ولم يتوقف هيس في أن يكون عضوًا نشيطًا في الحركة الاشتراكية.
ففي عام 1863 ذهب الى المانيا للعمل جنبًا الى جنب مع فرديناند لاسال مؤسس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني. وقبل نهاية السنة عاد الى باريس، حيث أبدى العزم على عدم رؤية المانيا مرة أخرى، على الرغم من أنه استمر في المساهمة في الدوريات الألمانية، وكان مرتبطًا مع الاشتراكية الدولية في عام 1867.
كان مشمئزًا من الميول لمعاداة السامية والتمييز العنصري من قبل المتعلمين والمثقفين الألمان، واستحوذت عليه خيبة أمل من الاذلال الذاتي والذوبان ليهود ألمانيا. وأعرب عن اعتقاده بفرنسا ـ بلاد الثورة العظيمة ـ وأمله بأن تمدّ وتَبسط الأمة الفرنسية بعملها في فداء الشعب اليهودي أيضًا.
وعند اندلاع الحرب الفرنسية الألمانية هجر باريس ووجد ملجأ مؤقتًا في بروكسل، لكنه لم يُحمّل فرنسا أية ضغينة. ألمّ به حزن عميق لهزيمتها، وفي كتيب له "دولة مهزومة " كتبه بعد الحرب، اعترف فيه مرة أخرى ـ مثلما قال في كتابه الأقدم الترياركية الاوربية: ان التحالف الأوربي هذه المرة ليس ضد روسيا بل ضد ألمانيا البروسية.
في الفترة الأخيرة من حياته، انشغل هيس بمهمة إكمال فلسفته الاجتماعية من خلال فلسفة الطبيعة، معيدًا تفسير أحادية سبينوزا وفقًا للتقدم العلمي الذي حصل في القرن التاسع عشر. وثمار سعيه في هذا المجال احتواها كتاب قضايا حيوية الذي قامت زوجته بنشره بعد وفاته 1877.
إن مساعيه وأبحاثه العلمية لم تقلل من تحمسه واهتمامه باليهودية التي وجدت متنفسًا لها في الدوريات اليهودية، بالفرنسية والألمانية.
بعد حياة مليئة بالعطاء الفكري، حياة لم يهدأ فيها الرجل الذي كان من الرواد الأوائل للاشتراكية الحديثة وللقومية اليهودية، وضعت حداً لفكره في السادس من ابريل عام 1875 حيث توفي وتم دفنه، وفقًا لرغبته، في مقبرة عائلته في ديوتز على نهر الراين بالقرب من كولونيا.

شخصية هيس :
الميزة الواضحة في شخصية هيس هي حبّه المتقد للحقيقة والعدل. الرغبة في التعلم كانت قوية ودائمية لدى هيس مع استمرارية العمل لتحقيق أفكاره. التفكير والفكر لدى هيس لا يمكن فصله عن الفعل والعمل، فالفكر والنظرية يبقيان قاحلين وبلا معنى من دون ممارسة وتطبيق. فتمسكه الصادق لمبدأ الواحدية (المونيزم) أو الأحادية (المتعارضة مع الثنائية) ولفلسفة العمل تعكس السمات الأساسية لشخصية هيس.
إن هيس لم يكن فيلسوفًا ولم يكن كذلك سياسيًا في المعنى الضيق للعبارتين، بل واعظًا ومناضلاً. كان مثاليًا لكن محتقرًا للتجريد البحت للمثالية الفلسفية والاشتراكية الثورية، انه يرى أن المبرر الوحيد للاشتراكية يكمن في مثالية الحب والحرية. رجل ملتهب : ثوري المزاج بقلب ممتليء بالحب، يعتقد بمهمته ورسالته " النبوية"، لا يمكنه التوافق مع تصوّف جناح يمين الهيغليين ولا مع الماركسية (الميليشية ـ المسلحة) لماركس وأتباعه. إنه لا يملك الفطنة التحليلية والنقدية لماركس، ولا القوة المثالية للفيلسوف الكبير هيغل.
كان لديه عقلاً مثيرًا ومتسعًا، دائم البحث ومن دون توقف عن الحقيقة العليا مع سعي للقضايا القصوى لحياة الانسان. تمتع بصبر وبسهولة في استيعاب الأفكار الجديدة، مع البقاء وفيًا لمعتقداته الأساسية الخاصة. تفانيه في خدمة القضية الانسانية والاشتراكية الدولية لم تقمع في قلبه مشاعره العميقة لشعبه وحبه لليهود كان في حد ذاته جزءًا من حبه لكلّ الجنس البشري.

" روما و أورشليم ":
الأفكار الرئيسية
ان فلسفة هيس كانت مستندة على الأسس الوراثية genetic principle ، التي تبدو له بأنها الأرضية المشتركة لواحدية monism لسبينوزا وللوحدانية monotheism اليهودية.
ومن خلال مدرسة هيغل، تمكن من تعديل أفهوم سبينوزا للمادة المطلقة الى أفهوم المبدأ الديناميكي. بالنسبة له لا يعني ذلك أساسيًا عدم التغير، الكمال الأعلى، لكن قبل كل شيء، يعني الطاقة النشطة والقوة المبدعة، الأبدية اللازوال لها: "مصدر الحياة اللانهاية لها، استمرارية الخلق والإلهام.
إله اليهود، بحسب هيس، هو الوحدة الشاملة للكل، وهذا منظور سبينوزي. إنه إله الطبيعة مثلما إله البشرية، هو السبب الرئيسي والهدف النهائي لتطور الكون والتقدم الروحي والاجتماعي للانسان. مع أن ظهوره الأعلى هو في الروح الموحى للانسان، لكن التاريخ هو المجال الأبرز للوحي الالهي.
ففي الحين الذي قدّس فيه اليونانيون الطبيعة على أنها الكيان الثابت المتناغم بذاتها، يعبد اليهود الله كإله أبدي للتاريخ ، كمصدر لكل المستقبل، والذي اسمه في العبرية يعني "الماضي، الحاضر والمستقبل". فليس هناك من تعارض (كبير) بين الفكرة اليهودية حول الله والأفهوم العلمي للطبيعة. اليهودية هي التعبير عن الأسس الوراثية، وهي من المسلمات الضرورية للعلم الحديث : قوة الله الخلاقة تكشف نفسها في قانون (شريعة) مطلق واحد فقط. الذي يحكم الحياة في مجالات الطبيعة والتاريخ كذلك. الوحدانية اليهودية اكتشفت "وحدة الروح الخلاقة أو الابداعية في تناقضها مع تعدد القوى".
شريعة الله لا يتم البحث عنها في السماء أو في الفضاء : الله يكشف نفسه بيننا ـ في قلبنا وروحنا. والله الذي هو ليس كهذا، الله الذي لا يكشف نفسه دائمًا كالخالق الدائم الحضور الذي يعطي شريعته، ليس باله اليهود.. تؤمن اليهودية بسيادة الروح في العالم، وتؤمن بالهدف والغرض الأخلاقي للكون. الهدف الأخلاقي للكون والعالم هو السلام المسياني، أي وحدة الجنس البشري، التي من خلالها تتصالح وتتوافق كل القوى المعادية وتصبح في وئام، شاهدة على على وحدة الله. هذه بعض الأفكار الرئيسية لموسى هيس في "روما واورشليم":

1ـ الطبيعة والتاريخ
قانون الطبيعة هو المتعلق بالنشوء والتطور، وبتعبير آخر هو قانون التقدم. المعرفة الكلية لهذا القانون غير ممكنة لحد الآن، لأن جزءًا من عملية التطور لم يكتمل: المتعلق بالتطور المجتمعي.
طرق العناية لا زالت غامضة بالنسبة لنا. ومع ذلك نعلم بأنه لا يوجد تقدم من دون نهاية أو غير محدد، إن كان في العالم الاجتماعي للانسان، أو في العالم العضوي للنبات والحيوان، وأن الانسان الذي يجلس على قمتهم غير كامل بعد.
لا توجد أية تقسيمات كاملة بين الفضاءات أو المجالات الثالثة للحياة، وليس هناك من هوة بين الجانب الروحي والجانب المادي للحياة:
انها تُشكل مراحل أو حقب مختلفة في حياة واحدة للعالم غير قابلة للتجزئة ، فهي دائما شابة وقديمة في آن واحد. تماما مثل الحياة العضوية التي تفوق مجال الحياة غير العضوية للعالم، من دون أن ينفصلا عن بعضهما، هكذا أيضاً مجال الحياة الاجتماعية للانسانية يفوق الحياة العضوية من دون الانفصال عنها تمامًا.
الأجناس البشرية البدائية كانت على شريط حدودي بين الحياة العضوية والمجالات الاجتماعية للحياة: احتوت على جذور للواقع الاجتماعي، تمامًا مثلما الكون المادي يحتوي على جذور العالم العضوي.
كلّ من مجالات الحياة يمر بثلاثة مراحل من : الخلق والتكون ـ النمو والنضوج ـ الاكتمال والكمال.
فبينما اكتمل تطور الطبيعة في ذاتها. لكن مجال الحياة الاجتماعية لازال غير مكتملا: لأن الانسان لم يصل الى هدفه التاريخي. ونحن نعيش في المرحلة الأخيرة للتطور الاجتماعي. في المستقبل سينجز الجنس البشري الحالة الهارمونية والتناغم في حياته الاقتصادية والاجتماعية والروحية ، وسيتمتع بـ (سبت) السلام المسياني الذي هو خلاصة كل الخليقة.

2ـ اليهودية وايمان العالم
الديانة اليهودية هي الديانة الوحيدة في العالم التي تتعارض مع : المادية ضيقة الأفق، ومع الروحانيات الدنيوية الأخرى، " في اليهودية ، كما هو حال الحب، الجسد والروح منغمران منغمسان واحدهما في الآخر. انها الديانة في كمالها. الرابط الروحي بين الخالق والمخلوق، لا حصر لها، النهاية فيها تعود الى بدايتها، الجسر الذي يؤدي من خليقة الى أخرى، من الحياة الى الموت ومن الموت الى الحياة". إن اليهودية هي الديانة المناسبة لتكون أرضية للايمان العالمي".

3 ـ اليهودية والمسيحية
"ان الوحدانية (أو التوحيد) هي يهودية بامتياز فالوحدانية تحمل برعم حياة العالم الروحية، وهي ليست مسيحية. إن كلمة الله سوف تنتشر انطلاقا من أورشليم، وليس من روما.
فاليهودية لا تعتبر الانسان مُنتجًا من الطبيعة مثلما يعتقد الهللينستيين، ولا تؤله الانسان مثلما تفعل المسيحية، لكن اليهودية ترى في حياة الفرد كعنصر للحياة الاجتماعية والروحية للتاريخ، الذي يكشف الوحدة الأعلى وخطة (تصميم) الله".
"إن محاولة كشف أو إظهار الله في التاريخ، ليست فقط في تاريخ الجنس البشري، لكن أيضًا في تاريخ الكون والعالم العضوي، وهذا هو التعبير الأساسي للروح اليهودية".
"إن تأليه الشخصية في المسيحية كان له تبريرًا تاريخيًا : من أجل الدفاع عن حقوق الفرد كان من الضروري تصور فكرة الانسان بطريقة مجردة، من دون ارتباطه بالعائلة أو بالأمة أو الوطن.
بينما اليهودية خالية من هذا المفهوم الخاطيء : انها ترى الفرد في حقيقته الكاملة، في سياقه التاريخي الطبيعي والاجتماعي. ليس هناك مما هو أكثر غرابة وغريب على اليهودية من السعادة الأنانية للانسان الفرد المنعزل، الذي بحسب الرؤية الحديثة، يعتبرونه النقطة المحورية للدين".

4 ـ اليهودية والقومية
سمة اساسية أخرى لليهودية هي ارتباطها الأساسي مع الفكرة القومية. اليهودية هي القوة الروحية ذات أهمية تاريخية عالمية، تتجسد في الجماعة القومية. اليهودية تعطي التعبير الحقيقي للمعنى الأعمق للفكرة القومية : انها تقوم بتحويل القومية إلى وسيلة من أجل أغراض أعلى روحيًا واجتماعيًا.
اليهودية لا تتجاهل أهمية الاختلافات العرقية كعوامل حيوية في تطور الانسان، التي تتسبب في ظهور الأمم أو القوميات على مسرح التاريخ وتعزز التنوع والحيزات (من الحيز) للحياة الانسانية العاطفية (الحسية) والفكرية. اليهودية ، مع ذلك، لا تُمجّد العرق على حساب الوحدة المثلى للجنس البشري ومساواة جميع البشر ككائنات أخلاقية واجتماعية.
الأجناس والأعراق ليست الغاية في حد ذاتها : هما الجذور والسيقان التي تحمل ثمارًا روحية من مختلف الأنواع، وبالتالي لتحقق التبادل والمساهمة ـ كل ّ بطريقتها ـ في تنوع الحضارات. الأنواع العرقية، بحسب هيس، هي نتاجات التاريخ، تمامًا مثل أنواع الحيوانات والنباتات كمنتجات للطبيعة.
إن وحدة جنس الانسان ليست الحقيقة الأولى الطبيعية، لكنه نتيجة لنشاط التاريخ : إن تنوع القبائل العرقية الأولية هو الخلفية، وكفاحهم هو الشرط ، وتعاونهم المتناغم هو الهدف. كيف تم التوصل الى املاء مجمل التاريخ بالنضالات والصراعات العرقية والطبقية : الصراع العرقي كان الأولي، والصراع الطبقي يأتي ثانيًا. وحدة الجنس البشري ـ كهدف للتطور ـ يفترض مسبقًاً وجود خطة في تاريخ البشرية. الآن، في المرحلة الأخيرة لتاريخ العالم ـ بحسب هيس ـ مخطط الوحدة الالهية قد أصبح منكشفًا. انه انكشف أولاً في كتب اسرائيل المقدسة، التي أعلنت ليس فقط مثالية وحدة الجنس البشري، لكن أيضًا الفكرة الأساسية لوحدة كل حياة الكون العضوية والاجتماعية. الكتب المقدسة الاسرائيلية، تؤكد على وحدة الله ـ على رغم التنوع في العالم ووحدة الجنس البشري ـ على الرغم من تنوع الأعراق البشرية.
إن الشعب اليهودي قد لعب دورًا رائدًا في التقدم الانساني نحو المستقبل المسياني. من خلال اليهودية، تاريخ الجنس البشري يصبح تاريخًا مقدسًا : عملية توحيد التطور التي بدأت مع حب العائلة والتي سوف تنتهي قبل أن تكون كل الانسانية قد أصبحت عائلة واحدة. وهكذا فان جوهر القومية اليهودية ليس فقط متوافقًا مع الانسانوية ومع الحضارة، لكنه ضروريّ لافتراضهما. أصبح الشعب اليهودي الجهاز (اوركان) الابداعي (الخلاّقي) الحقيقي للجنس البشري. إنه شعب مقدس، أداة الخالق الحيّ في تاريخ العالم، جهاز (أو واسطة) الحب المقدس الموحد. في اليهودية تمت المصالحة بين القومية والانسانوية. اليهود هم " أكثر من أن يكونوا أتباع دين، بل هم جماعة عرقية، شعب، أمة تاريخية. روح اليهودية هي روح اليهود : جذور خلقها ـ في الماضي والحاضر والمستقبل ـ ليست في السماء، بل في روح وقلب الشعب".

5 ـ الاندماج (الانصهار) والاصلاح الديني
بعد عودة هيس لشعبه، أصبح غيورًا ومنتقدًا حادًا لعمليات الدعوة الى التماثل والانصهار وحركة الاصلاح التي تقوم على هذا الأساس. فوبخ اولئك الجبناء وعديمي الايمان " اولئك المستعدين للتخلي عن أجزاء حيوية من ميراثهم اليهودي لجني فوائد التمدن، وينكرون تمايزهم القومي اليهودي، يفتقرون لشجاعة الاعتراف بتضامنهم مع شعبهم التعيس والمضطهد والمنقسم. ليس اليهودي الورع من الطراز القديم (يقول هيس) بل اليهودي الليبرالي الحديث هو الذي يستحق الاحتقار" : اليهودي الذي يلقي بعباراته الجميلة للانسانوية وللتنوير من أجل أن يُخفي عدم ولائه لأخوته.
فالدعوة الى الاندماجية (والانصهار) الحديثة ليست فقط انشقاقًا لليهودي عن دينه بل خيانة لشعبه ولعائلته ". "اخوتنا هؤلاء، من أجل الحصول على فرصة التمدن والحرية، يسعون الى اقناع انفسهم بأن اليهود المعاصرين لا يملكون الشعور القومي من بعد، قد فقدوا عقلهم".
"الحرية والتمدن لا يمكن أن يكونا ثمنًا لخيانة للشعب، وإن كان صحيحًا بأن تحرر اليهودية لا يتوافق مع الارتباط بالأمة اليهودية، فعلى اليهودي بالتضحية بالأولى من أجل الأخيرة".
الخطأ الجذري للاصلاحيين بنظر هيس، ليس رغبتهم تعديل بعض الخصوصيات التقليدية اليهودية كحاجة ضرورية من أجل التحرر، لكن محاولتهم العبثية في تحرير أنفسهم من القومية اليهودية. بعملهم هذا في التخلص من الخصائص القومية لليهودية يقوم المصلحون بالقضاء على جوهر الديانة اليهودية . إن أهداف الاصلاحيين سلبية فقط حيث أنهم يرومون الى : إلغاء الأسس القومية لليهودية. ويتجاهلون الاستمرارية التاريخية للتقليد اليهودي : انهم قاموا بتفريغ النخاع من اليهودية الظاهرة الأروع في تاريخ العالم، ولم يتركوا شيئًا منها الاّ ظلاّ لهيكل عظمي. اقترضوا فكرة الاصلاح الديني من مذهب غريب ، الذي لا أساس له في ظروف العالم المعاصر، ولا أساس له في الخاصية والطابع الأساسي للقومية اليهودية. اصلاح يميل نحو تحويل اليهودية الى المسيحية في الوقت الذي تجد فيه المسيحية في حالة تفكك. في تقليدهم للاصلاح المسيحي الذي حدث في عصور سابقة، يحاول الاصلاحيون اليهود فصل الكتاب المقدس عن التطور اللاحق لليهودية، ووضع اليهودية النبوية للكتاب المقدس في الضدّ من اليهودية الرابينية للتلمود. هذه النظرة في الحقيقة، نظرة أضيق من نظرة الاورثوذوكسيين اليهود، الذين يعتبرون الشريعة الشفوية كمكمل للشريعة المكتوبة. وعلى خلاف كامل مع التاريخ. كما أنه من الخطأ افتراض أنّ من امكانية انصهار اليهودية والمسيحية سيولد أساس عقيدة عقلانية، حلم بها فلاسفة من القرن الثامن عشر " ديانة المستقبل للبشرية ستجد تعبيرها في طقوس مختلفة.....

6 ـ النكبة الأخيرة والولادة الجديدة لاسرائيل
يختصر موسى هيس وصفه للحالة الروحية للشعب اليهودي والعالم المعاصر بالرؤية النبوية للمستقبل. فهو يتوقع (يتنبأ) صراعًا من أجل السيطرة العنصرية، التي ستكون بدايتها من قبل الحكام الرجعيين لألمانيا، وهذه ستسبق ولادة عالم جديد. فنحن ندخل مرحلة تمثل نهاية صراعات عرقية واجتماعية ستؤدي الى "الكارثة الأخيرة" عشية سبت التاريخ. وعندها اليهود الداعين للانصهار سيدركون فشلهم. وستسلّم روما الصولجان الى اورشليم: ستعبر الهيمنة الروحية من روما المدينة المقدسة للحضارة المسيحية الى المدينة المقدسة الأبدية لاسرائيل، الى مسقط رأس اليهودية والمسيحية التي ستصبح مهدًا لولادة الحضارة الدينية الجديدة. وسيجد الشعب اليهودي جنبًا الى جنب مع الشعوب الأخرى التي ستجد مكانها الشرعي في التاريخ العالمي.
ونتيجة للنهضة (اعادة ولادة) القومية اليهودية في وطنها القديم، فان عبقرية اليهود، كمثل العملاق الاسطوري، ستستمد قوتها من عودة الشعب الى أرضه الأم، وسينشط من جديد بقوة روح الأنبياء.

المقال ترجمة بتصرف لجزء كبير من كتيب جوزيف هيلر حول موسى هيس ، ينشر لأول مرة كاملا





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- اورشليم وجبل الهيكل
- المسلمون يعلّمون أولادهم (أن اليهود أعداؤنا)
- بين الهرم العبري والهرم القبطي
- مجلس غناء خرائي عباسي
- الاردن نهرٌ اسرائيلي
- الخرائيات في كتب التراث العربي
- عيد كيبور : المسؤولية الانسانية لاسرائيل في العالم
- كراهية اليهود : يحتل العالم الاسلامي المرتبة الأولى
- كراهية اليهود : عنصر أساسي حيوي في ثقافة العرب
- بين السلة العبرية والسرقة العربية
- الشلف والشليف والشلفة
- بين تنور القرآن والتنور العبري
- الاتجاهات الأربعة لأرض الوعد لأبراهام
- مابعد داعش : هل سيتم اثارة قضية تأسيس الدولة الكوردية
- كيف أصبح الاسلام -دين-
- بين التعاطف مع اليهودي وبين اجباره على البصق على قضيبه
- أصل المجلة : مفردة عربية أم آرامية عبرية ؟
- لماذا لن يحلّ السلام في الشرق الأوسط ؟
- مَن وضعَ القرنين على رأس النبي موسى
- بين عسل الله وعسل اللحس


المزيد.....




- ممرض ألماني متهم بقتل 97 من مرضاه
- زعيم إنجيلي أمريكي: الله اختار ترامب وعلاقته بنجمة إباحية مز ...
- فنزويلا: تقريب موعد الانتخابات الرئاسية لشهر أفريل ومادورو ي ...
- تطور قضائي بملف أمريكي سعودي الأصل محتجز بالعراق 
- أمريكيون وبريطانيون يقاتلون ضد تركيا في عفرين
- وحيد في خان الحرير: ما خسرته ليس المال بل الجيران!
- ماذا يفعل سم الأفعى السام بالدم البشري؟ (فيديو)
- كيري لعباس: لا تستسلم لمطالب ترامب!
- فشل محاولة سرقة صراف آلي في بيت لحم
- تركيا تحوّل سواكن السودانية إلى مركز سياحي


المزيد.....

- أهمية مفهوم الكونية في فكر اليسار - فيفيك شِبير ترجمة حنان ق ... / حنان قصبي
- ما يمكن القيام به في أوقات العجز* / دعونا ندخل مدرسة لينين / رشيد غويلب
- أناركيون / مازن كم الماز
- مناقشات بشأن استراتيجية اليسار/ يسار الوسط ..الوحدة المطلوبة ... / رشيد غويلب
- قراءة وكالة المخابرات المركزية للنظرية الفرنسية / علي عامر
- مراجعة في أوراق عام 2016 / اليسار العالمي .. محطات مهمة ونجا ... / رشيد غويلب
- هل يمكننا تغيير العالم من دون الاستيلاء على السلطة ؟ جون هول ... / مازن كم الماز
- موسكو تعرف الدموع / الدكتور احمد الخميسي
- هاييتي ٢٠٠٤-٢٠١ ... / كايو ديزورزي
- منظومة أخلاقيات الرأسمالية / محمد عادل زكي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - سيلوس العراقي - المفكر الاشتراكي الرابي موسى هيس : روما تسلّم الصولجان الى اورشليم