أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فتحي الحبوبي - ليس الحرّ من يفعل ما يريد، بل هو من لا يفعل ما لا يريد















المزيد.....

ليس الحرّ من يفعل ما يريد، بل هو من لا يفعل ما لا يريد


فتحي الحبوبي

الحوار المتمدن-العدد: 4972 - 2015 / 11 / 1 - 00:27
المحور: حقوق الانسان
    


ليس الحرّ من يفعل ما يريد، بل هو من لا يفعل ما لا يريد

.
أرسل لي مشكورا صديقي الصحفي الفرنسي الكبير "روني نابا" (René Naba) مقالا بعنوان "أنا الأمير، وأنا أفعل ما أريد" (I am a prince and I do what I want ) ، نشر في صحيفة "ديلي ميل" (The Daily Mail) في 20 أكتوبر 2015 . وجاء فيه ما يفيد أنّ الأمير السعودي ماجد، نجل الراحل الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود ، البالغ من العمر 29 سنة، يقوم في أمريكا بمغامرات جنسية مخجلة مع العاملات و العاملين الذين يقومون على خدمته في قصره بلوس أنجلس (Los Angeles). وما يثير الإستغراب في هذا السلوك الشاذ/ الخسيس الذي لا يشرّف حتّى الحيوان، فضلا عن الإنسان هو، ليس فقط، صدوره من أمير سعودي ، يعتبر الشذوذ الجنسي في بلاده غير قانوني ، ويعاقب عليه بالجلد أو حتى الإعدام، و تدّعي عائلته الملكيّة تحالفها مع الوهابيّة المتخلّفة التي تزعم وتتشدّق بتمسّكها بانتهاج منهج السلف الصالح، بل وكذلك، تزامنه مع الهبّة الفلسطينيّة الراهنة التي اصطلح على تسميتها ب"إنتفاضة السكاكين". حيث أنّ هذا الأمير، رفعت في شأنه، في بلاد "العم سام"، قضايا أخلاقيّة عديدة ومتنوّعة في علاقة بالشذوذ الجنسي. فهو متّهم، لا فقط ، بإجبار 3 نساء لمشاهدته أثناء ممارسته لعلاقة جنسية مثلية
تحت تأثير الكوكايين، بل وكذلك، بالاعتداء جنسيّا على أحدى خادماته وضربها.
وهو متّهم أيضا بالتهديد بالقتل لإحدى موظّفاته التي رفضت ممارسة الجنس معه. كما أنّه متّهم بمحاولته التبوّل على ثلاث نساء. علما وأنّه كلّ ما طلب منه التوقّف عن هذه الممارسات المشينة يصيح في وجه من ينبّهونه إلى ذلك قائلا : »أنا الأمير، وأنا أفعل ما أريد، وأنتم لا شيء«.
إنّ ما يهمّني في كلّ هذا، ليس المغامرات الجنسيّة الخسيسة فحسب، فهذه تكاد تكون أمورا عادية لدى الأمراء والملوك العرب والمسلمين/ المتمسلمين الذين أبتلينا بهم منذ عهد معاوية. فكتب التاريخ الإسلامي تزخر بمثل هذه الممارسات غير الأخلاقية التي يأتيها ذوي النفوذ والسلطة، ملوكا وأمراء. إنّما ما أستوقفني كثيرا وشدّ إنتباهي أكثر، واستفزّني وأثار في داخلي الكثير من الأسئلة المربكة والمحيّرة ودفعني دفعا إلى كتابة هذه السطور، هو قول هذا الأمير التافه والمتخلّف: » أنا الأمير، وأنا أفعل ما أريد، وأنتم لا شيء«. فهذا القول، المؤسّس على نظرة عنصريّة دونيّة مقرفة، لا يترتّب عنها سوى إزدراء الآخر المختلف وإهانة كرامته ، لأنّها تنمّ فيما تنمّ، على أحتقاره والتعالي عليه واستغلاله. إنّها تكريس للمفاهيم الاستعمارية والرأسماليّة سليلة الفكر البورجوازي العدواني العنصري المريض الذي جعل مؤرّخا فرنسيّا هو مارك بلوك (Marc Block)، رغم أنّه جامعي و مقاوم مات برصاص الألمان، يدعو في كتابه "المجتمع الإقطاعي" (La Société Féodale) إلى التعالي واحتقار عامّة النّاس. إنّي أزعم أنّ ما قاله الأمير إنّما ينمّ على أنّه من أصحاب الضمائر المتكلّسة و المعطّلة بما يشبه الذهان الهذياني (Psychose hallucinatoire) الذي قد يجعله يعاني من مرض مركزية الذات وتضخيمها وجعلها مركزا لكلّ شيء من حولها إلى درجة التقديس والتأليه. وقد حدث ذلك مع سيئي الذكر ؛ فرعون و نيرون وهولاكو ونابليون وهتلر وستالين وتشاوسيسكو وصدّام والقذافي وبشّار الأسد وغيرهم ممّن تحفل بهم كتب التاريخ السياسي الدموي. ذلك أنّ هذا القول، قد عفى عنه الزمن، وهو يذكّرني بما يسميّه "لويس بيرّون" (Louis Perron) التعالي المدنّس أو الدنيوي، وهو غير مسموح بتوجيهّه إلى المواطنين في الزمن الراهن، زمن ما بعد الكليانيّة ، ولا يمكن أن يتفوّه به إلّا، من كان ولا يزال يعيش خارج الزمن والتاريخ ولا تنطبق عليه مقولة هيغل » كلّا منّا هو ابن عصره و ربيب زمانه « ، ولا على من يعتبر نفسه فوضويّا، فوق كل القيم والأخلاق و فوق كل القوانين والمؤسسات، لا بل وفوق الجميع، وهذا، لعمري، لا يتوافق إلّا مع مواصفات الإنسان الأعلى أو الخارق (Le Superman) الذي تصوّره، فيلسوف الإرادة والقوّة، فريدريك نيتشة (Friedrich Nietzsche) ، بعد موت الإلاه، لأنّه مهوس حدّ الجنون بالقوة التي يراها المبدأ الأوّل والأخير للحياة. لذلك فأنّ نيتشة جعل الإنسان الأعلى ينبثق من بين الأقوياء. بل إنّه كان يراه بديلا عن الله، تنتهي مع انبثاقه حركة التاريخ وكلّ الصراعات و التناقضات والاصطدامات بين الطبقات، بما هي صراعات بين الأقوياء والضعفاء، أو بين السادة والعبيد بتعبير نيتشة. حيث أن الحسم يكون حتما للأقوياء بما يجلب- بمعنى من المعاني- الخير للجميع. وهو ما يتماهى مع ما ذهب إليه داروين في الفصل السادس من مؤلفه" أصل الإنسان" من أنّ» الأعراق البشرية المتحضرة سوف تقوم على الأغلب بالقضاء على الأعراق الهمجيّة واستبدالها في شتّى أنحاء العالم «
هذا، و يرى نيتشة في سياق متّصل بفلسفة القوّة أنّ، الإستبداد المطلق الذي ليس له قيود ولا حدود، إضافة إلى تعذيب الكثرة الضعيفة، ضروري لإسعاد القلّة القويّة التي تستمتع و تنتشي، لا بل وتزهو بهذا التعذيب وبالإستهانة بالغير، تماما كما فعل الأمير السعودي المومئ إليه بدوافع التخلّف والنقص. حيث أنّي لا أخال- بداهة- أنّ هذا الأمير النكرة يعدّ من بين الأقوياء الذين يقرأ لهم حساب في عالم القوّة والنفوذ، فضلا عن أن يكون هو من قصده نيتشة بالإنسان الأعلى/)السوبرما ن!! (
اللّافت للنظر، أنّ ما قاله الأمير سيء الذكر أمام موظّفيه وخدمه، كان يقال في السابق ولا تترتّب عليه أثار قانونيّة وتتبّعات عدليّة. لأنّ الحاكم/الملك كان يعامل الشعب بشكل إستعلائي باعتبار أنّ الأفراد هم مجرّد رعايا، يرجع له وحده حقّ تملّكهم والتصرّف فيهم بما يحلو له دون رقيب ولا حسيب، وليسوا مواطنين أحررا لهم حقوق، من المفروض على الحاكم إحترامها. أمّا اليوم فلا يقول ويردّد هذا الكلام الذي يستبطن المنطق الإقطاعي إلّا سخيف أو معتوه أو جاهل بالتاريخ الذي يقول عنه هيغل» تاريخ العالم ليس إلا تقدم الوعي بالحريّة«. ذلك أنّ التاريخ، و تحديدا، تاريخ الفلسفة السياسيّة.، يفيدنا أنّه منذ القرن السابع عشر، بدءا من توماس هوبز (Tomas Hobbs) إثر الثورة البريطانيّة مباشرة، تناول المفكّرون السياسيون موضوع المواطنة، ليقرّوا حقوقا كثيرة للمواطن الذي لم يعد يعامل كرعيّة بل كإنسان محفوظ الكرامة وله رأي يبديه فيما يهمّ حياته اليوميّة. بل أصبح له حقّ إسقاط الحكومات إن هي عجزت عن تحقيق طموحاته في تحسين أوضاعه الإجتماعيّة. وقد تكرّس هذا التمشّي بصلاحيات أوسع، مع كل من جون لوك (John Locke) في رسالتيه " عن الحكم المدني" (Traité du gouvernement civil) التي أكّد فيهما أنّ »الوظيفة العليا للدولة هي حماية الثروة والحرية ويجب على الشعب تغيير الحكومة أو تبديلها في حالة عدم حفظها لحقوق الشعب وحريته«، و جون جاك روسو (Jean Jacque Rousseau)، في "العقد الإجتماعي" ثمّ مع هيجل (Hegel)في "أصول فلسفة الحق" وماركس ولوكاتش (Lukacs)و ماركيوز (Marcuse) و أدورنو(Adorno) و دهوندت (D Hondt) و فنغنشتاين (Wittgenstein) وغيرهم ممّن لا يتّسع المجال لذكرهم. بعد هذا، فإنّي أستغرب ان يجهل أو يتجاهل أمير من الأمراء المحسوبين على الوهابيّة التي تدّعي التشبّث بالسلف الصالح، أنّ أحد أبرز رجالات السلف، وهو الخليفة عمر بن الخطّاب قال قولته المشهورة» متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارا «في زمن لم تكن فيه حقوق الإنسان مكفولة بالدساتير والقوانبن وبنصّ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي جاء فيه » يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء«. .كما جاء فيه أنّ » لكلّ إنسان حقّ التمتّع بكافة الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز... «. وهو ما يتعارض بالتأكيد مع المقولة المتخلّفة للأمير السعودي التي لا تساير العصر ولا تشرّف قائلها كائنا من كان، بل ولا تجلب له سوى "السخريّة السوداء" كما حدّدها مبتدعها الشاعر الفرنسي أندريه بروتون (André Proudhon) ،رائد الحركة السوريالية، بأعتبارها شكلا من أشكال ، مواجهة الألم والدفاع عن الذات الإنسانية التي نستشفّها بوضوح لا مزيد عليه في ديوان " أزهار الشر".للشاعر شارل بودلير. ولكن هل إنّ الأمير موضوع هذه الورقة، له معرفة ودراية بالمعطيات التاريخيّة التي أوردناها ؟ وجوابي قطعا بالنفي. لأنّه لو كان يعلم لما قال في حمق، و الحُمْقُ داء لا دواء له: » أنا الأمير، وأنا أفعل ما أريد، وأنتم لا شيء « كتعبير عن حريته المطلقة لانّ الإنسان الحرّ ليس هو من يفعل ما يريد، بل هو من لا يفعل ما لا يريد. وهي ،بالتاكيد، ليست خاصيّة هذا الأمير الممثّل للسلطة ولا خاصيّة المثقّف المنبطح لسلطة القمع.

.المهندس فتحي الحبّوبي





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,553,559,041
- العرب بدو في سلوكهم وإن إدّعوا التمدّن و الحضارة
- في رفض الجديد وتقزيمه والتصدي للتجديد وتحجيمه
- في التراجع عن المواقف الخاطئة : جان جاك روسو نموذجا
- أي نصيب للعرب من طباعة وقراءة الكتب؟ !
- العرب بين ضرورة الحداثة وتمدّد التنظيمات السلفيّة الرجعيّة
- المثقّف وهواجس قول الحقيقة و فعل التغيير و استقلاليّة الموقف
- عندما يتقاطع الفكر التكفيري مع الفكر السياسي المعاصر
- الإنتخابات الرئاسية التونسيّة والإختيار المرّ
- في تأكيد السرقة الأدبيّة للدكتورعويّد ودحر مغالطاته
- وللباحثين الأكاديميين نصيبهم من السرقات الأدبيّة
- في ضرورة انتهاج مبدأ العقاب عند الإنتخاب
- قبلة هادئة على جبين غزّة الشهيدة المنتصرة
- من تداعيات العلاقة التاريخيّة بين العرب والغباء
- قراءة في الفكر والمنهج الأصولي لحركة النهضة التونسيّة
- توماس هوبز وصدقيّة مقولة -حرب الكلّ ضد الكلّ-
- الخلفيات المؤثّرة في طروحات الفكر النسوي الغربي والعربي
- في مضامين ودلالات-رسالة التسامح- عند جون لوك وفولتير
- من محاولات النهضة الفكريّة والحضاريّة بالعالم العربي
- أيّة علاقة بين الموظّف المتفرّد و الإدارة؟
- الإرهاب الفكري بين الشرق والغرب : محاكمة غاليلي وابن رشد نمو ...


المزيد.....




- أردوغان ينفي أنباء عن هروب المعتقلين الدواعش جراء -نبع السلا ...
- عمان تجدد مطالبتها لإسرائيل بإطلاق سراح مواطنين معتقلين لديه ...
- آلاف الجزائريين يتظاهرون للتنديد بمشروع قانون جديد للمحروقات ...
- الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية.. ذوو الاحتياجا ...
- آلاف الجزائريين يتظاهرون أمام مقر البرلمان في العاصمة رفضا ل ...
- ارتفاع عدد المهاجرين الذين تم إنقاذهم من قبل منظمتين إنسانيت ...
- الدين الأمريكي لميزانية الأمم المتحدة أكثر من مليار دولار
- خِطَاب يُزَكِّي الاكْتِئَاب
- واشنطن تدين إعدام المدنيين والسجناء الأكراد التعسفي خلال الع ...
- الحرب حول حق العودة.. هل انتصرت إسرائيل على الفلسطينيين؟


المزيد.....

- نجل الراحل يسار يروي قصة والده الدكتور محمد سلمان حسن في صرا ... / يسار محمد سلمان حسن
- الإستعراض الدوري الشامل بين مطرقة السياسة وسندان الحقوق .. ع ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- نطاق الشامل لحقوق الانسان / أشرف المجدول
- تضمين مفاهيم حقوق الإنسان في المناهج الدراسية / نزيهة التركى
- الكمائن الرمادية / مركز اريج لحقوق الانسان
- على هامش الدورة 38 الاعتيادية لمجلس حقوق الانسان .. قراءة في ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- حق المعتقل في السلامة البدنية والحماية من التعذيب / الصديق كبوري
- الفلسفة، وحقوق الإنسان... / محمد الحنفي
- المواطنة ..زهو الحضور ووجع الغياب وجدل الحق والواجب القسم ال ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني
- الحق في حرية الراي والتعبير وما جاوره.. ادوات في السياسة الو ... / خليل إبراهيم كاظم الحمداني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق الانسان - فتحي الحبوبي - ليس الحرّ من يفعل ما يريد، بل هو من لا يفعل ما لا يريد