أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد المجيد السخيري - بوجميع: إيقونة غيوانية من زمن الرصاص















المزيد.....

بوجميع: إيقونة غيوانية من زمن الرصاص


عبد المجيد السخيري

الحوار المتمدن-العدد: 4968 - 2015 / 10 / 27 - 17:58
المحور: الادب والفن
    


في سياق الاشتغال على بحث في الموسيقى الحضرية الاحتجاجية بالمغرب، كان لا بد لنا أن نتوقف عند التجربة الغنائية الغيوانية التي شكلت محطة هامة في تاريخ الفنون الموسيقية المغربية بشكل، وفي تاريخ الفن الاحتجاجي الحضري بشكل خاص؛ وبالمناسبة نتذكر أحد رموزها ومؤسس أشهر فرقها الغنائية، "ناس الغيوان"، المشهور ب"بوجميع"، صاحب الصوت الصادح للفرقة التي تشكلت فنيا وترعرعت في واحد من أشهر الأحياء الشعبية (الحي المحمدي) بالمدينة العمالية الدار البيضاء منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، قبل أن تتبلور ملامح مشروعها الفني في سياق التجربة المسرحية التي قادها المسرحي المعروف الطيب الصديقي. رحيل بوجميع في ظروف مريبة وعلى نحو مفاجئ سيحوله إلى أسطورة، وسيلقي بظلاله على استمرارية الفرقة، ومدى قدرة أعضائها على الوفاء لجذورها الشعبية وهويتها الفنية والرمزية ضاربة الجذور في البيئة التي تفتح فيها وعيهم، واستلهموا منها مواد اشتغال الفرقة والكثير من إيقاعات أغانيها الممتدة إلى أصول ساكنة الحي العمالي والشعبي بالغة التنوع والثراء، وملتصقة بقضايا الناس والبسطاء وتطلعاتهم وأحلامهم...
إن عطاء الفرقة الفني وتراثها الغنائي الزاخر بالألوان الفنية الغنية للتراث الشعبي العريق، وبالجودة الفنية في صياغته وإعادة تشكيله في وجدان الناس، وتكييفه في قوالب لحنية وإيقاعية ونغمية ولغة موسيقية تساير العصر، وتتلاءم والمضامين الجديدة المعبر عنها في أشكال من القصيد والشعر والزجل المتناغم مع الحساسية الثقافية والذائقة الفنية لأوسع فئات الشعب، جعلها تتبوأ مكانة خاصة في قلوب الناس وتحظى باحترام المثقفين وتقدير نقاد الفن والموسيقى.


أصول صحراوية وامتداد عمالي

ولد بوجميع، واسمه الحقيقي حكور بوجمعة، بكاريان الخليفة بالحي المحمدي بمدينة الدار البيضاء، كبرى مدن المغرب سنة 1944. تنحدر عائلته من الجنوب الصحراوي للمغرب، وقد تنقلت بين مناطقه بفعل ظروف ونمط العيش. ورغم إقامتها لمدة في نواحي إقليم تارودانت ، فإن ذلك لم يمح من ذاكرة الفنان الراحل ولا من طباعه وملامحه أصوله الصحراوية الأولى، وهي الأصول التي يمكن أن نقتفيها في الاختيار الثقافي والفني لبوجميع وقد تخصَبت في بيئة الحي المحمدي التي شهدت ميلاد تجارب متنوعة في الموسيقى والأدب والمسرح، وفي طليعتها التجربة الغنائية الغيوانية بفرقها المتعددة: ناس الغيوان، لمشاهب وغيرها.
يعد بوجميع الإيقونة الخالدة للظاهرة وللفرقة الشهيرة، بعدما سعى في تأسيسها وتغذية مرجعيتها الموسيقية والفنية من رصيد أجداده وذاكرة والدته ومحكياتها ومرويات التراث الشعبي الممتد إلى جذور بعيدة جنوبا وغربا وشرقا من جغرافية مغرب متعدد الأعراق واللغات والثقافات، فيما لعبت جذوره الطبقية دورا هاما في اختياراته وانتمائه لأفق المغرب العميق، وصيرورته صوتا ينشد آلام وآمال الكادحين بصدى ما كان يعتمل في المجتمع المغربي من صراعات سياسية وثقافية، وبما كان يمور في العالم من نضالات وكفاحات تحررية. لم يكن أمام بوجميع من خيارات كثيرة للتعبير عن ذاته، خاصة بعدما اضطرته ظروف الأسرة الكادحة إلى ترك مقعده بالمدرسة والارتماء في أحضان الشارع ومدرسة الحياة، ملازما لوالده في أمسيات الأذكار والإنشاد الصوفي التي ستورثه ذلك العمق الصوفي في النصوص التي تغنت بها فرقته في بداياتها، بينما سيجد في أرجاء الحي الشعبي الملاذ في الاستمتاع بألوان من الموسيقى الشعبية لمغرب الأعماق وروايات "الحلاقية"، قبل أن ينتقل إلى الفعل سنة 1963 بتأسيس الفرقة المسرحية "رواد الخشبة"، بمعية رفاق من أبناء الحي ومنهم عمر السيد، أحد أبرز أعضاء الفرقة الباقين على قيد الحياة. ومما يُذكر أنه ألّف لهذه الفرقة مجموعة من النصوص المسرحية ("المسمار"،"فلسطين"، "الحاجة كنزة"...)، وذلك قبل أن يلتحق بفرقة المسرح البلدي التي كان يديرها الطيب الصديقي، ويشارك في أشهر مسرحياتها مثل:"سيدي ياسين في الطريق" و"عبد الرحمان المجذوب"، و"الحراز"، حيث أدى فيها مقاطع غنائية تراثية مختلفة شملت فنون "العيطة" و"كناوة" و"الملحون". وهو بذلك كان يجسد الدور التي يتفق مع ميوله ويناسب قدرته العجيبة على استظهار ما اختزنته ذاكرته من قصائد وموشحات منذ الطفولة. فقد كان مولعا بالأهازيج الشعبية منذ صغره، وتأثر بشكل بالغ بجلسات وحلقات الذكر الصوفي التي كان يداوم حضورها رفقة والده، ما جعله مرجعا مهما في مجال الثقافة الشعبية المغربية. ولعل ذلك أسهم بشكل مميز في طبع شخصيته الفنية وصقل ملكاته الإبداعية، حتى أن جل عطاءاته الفنية وأغانيه كانت تستلهم بشكل استثنائي الموروث الشعبي بكل مكوناته وروافده، وتعيد صياغته فنيا في قوالب موسيقية وإيقاعية تواكب زمنها، وتستوعب تطلعات المرحلة الجديدة، والمضامين التي تعكس تقلباتها وجديدها.

بوجميع والثورة الفنية

لقد بصم بوجميع تجربة "ناس الغيوان" ورسم لها طريقا واضحا في تمثَُل رسالتها الفنية ومشروعها الموسيقي. فهذا العامل السابق الذي اشتغل بمعامل النسيج والتصبير والحديد، تفتح وعيه الطبقي على واقع المغرب ومعاناة عماله وكادحيه، ما أهله لخوض مغامرة موسيقية وغنائية محفوفة بالروح الجماعية.
غير أن سنة 1967 ستشكل نقطة تحول هامة في وعي بوجميع ومسيرته الفنية، شأن كثير من أبناء جيله، إثر لقاء الفنان بتجربة سياسية فريدة من نوعها قادته إليها رحلته إلى باريس رفقة الطيب الصديقي لتقديم عروض مسرحية بالخارج، وحيث ستكون فرنسا مسرح ثورة طلابية عارمة سنة 1968. وقد ظهرت سريعا ثمار التحول بعد العودة إلى الوطن، والشروع في إنشاء مجموعة غنائية جديدة رفقة الراحل العربي باطما وبمساعدة عبد العزيز الطاهري، الذي كان له دور كبير وحاسم في إخراج تجربة ناس الغيوان إلى الوجود سنة 1971.
خروج الفرقة إلى الساحة الفنية شكل حدثا موسيقيا خلخل المألوف والنظام الغنائي السائد. ومعظم الأغاني التي أدتها الفرقة في بدايتها كانت من تأليف بوجميع :"مزين مديحك"، "الهمامي"، "غير خوذوني"، "فين غادي بيا خويا"، "الماضي فات"، "جودي برضاك"، "واش احنا هما احنا"، ورائعة "الصينية". فقد كان له حضور حاسم في تحديد الخط الفني للمجموعة، حتى أن باحثين في تاريخ التجربة الغيوانية اعتبروا أن فرقة "ناس الغيوان" الحقيقية تمثلت في شخص بوجميع، ولدت معه وانتهت بموته. ولعل جنوح أغاني المجموعة بعد رحيله إلى التقوقع داخل نصوص يطغى عليها المنزع الصوفي والفرداني، فضلا عن تسطيح الظواهر الإنسانية والاجتماعية والسياسية المعالجة يعزز مثل هذا الرأي.

الغيواني المغدور

رغم قصر الفترة الزمنية التي قضاها بالفرقة، وحتى آخر سهرة له صحبة الفرقة يوم الخميس 24 أكتوبر 1974، فقد ظل بوجميع حاضرا بقوة في ذاكرة الجمهور العاشق للأغنية الغيوانية، إلى حد يصعب تخيُّل الفرقة بدونه، بدليل أن ما أنتجته هذه الأخيرة من أعمال بعد وفاته قليلا ما يستوقف الجمهور، رغم جهود أمثال الراحل العربي باطما لإعطاء الفرقة نفسا جديدا وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث المجموعة. كان حضور بوجيمع قويا ومميزا في الصورة التي تكونت عن التجربة الغيوانية كحدث فني وموسيقي شكل ثورة على النمط الغنائي السائد الفردي والنخبوي، باستلهام التراث الشعبي الذي استوعبت ذاكرته، وبشكل استثنائي، الكثير من إبداعاته وإيقاعاته وأنماطه اللحنية، وأعادت صياغتها فنيا في قوالب جديدة بالارتكاز على لغة بسيطة ذات عمق شعبي، إنما مزودة بمضامين نقدية للأوضاع السائدة، وتوظيف ذكي ومبدع للآلات التراثية مثل: البندير والسنتير والطبل...
عندما اكتشف المخرج العالمي مارتين سكورسيزي أغاني الفرقة من خلال شريط "الحال" للمخرج المغربي أحمد البوعناني، أعجب بها أيما إعجاب، ولم يجد بدا من تشبيهها بفرقة رولينغ ستون الشهيرة، معتبرا أن ناس الغيوان هي بمثابة رولينغ ستون إفريقيا. ولعل من تبقى من أعضاء الفرقة على قيد الحياة يفخر كثيرا بهذه الشهادة، ويعدها دليلا على ولوج العالمية.

ملحوظة: كتب هذا النص السنة الماضية في الذكرى الثلاثين لرحيل "بوجميع"، الذي قضى في ظروف مريبة وأعلن رسميا عن وفاته ليلة 27 أكتوبر من سنة 1974.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,158,006,863
- تمثيلية النساء بالهيئات والمؤسسات المنتخبة المحلية والوطنية: ...
- نموذج للقانون الأساسي والنظام الداخلي للنادي الحقوقي(الجزء ا ...
- تأسيس وهيكلة نوادي حقوق الانسان والتربية على المواطنة: الجزء ...
- تأسيس وتنشيط النوادي التربوية لحقوق الانسان والتربية على الم ...
- السلوك الانتخابي والحملة الانتخابية في ضوء المرجعية الدستوري ...
- دورة تكوينية تقييمية في أفق الانتخابات الجماعية والجهوية(تقر ...
- المغرب: تجدّد الجدل حول الفن والأخلاق
- تطور النظام الانتخابي بالمغرب، الميثاق الجماعي ومقاربة النوع
- راهن العمل النقابي وآفاقه-حالة المغرب
- المشاركة السياسية للنساء والسلوك الانتخابي بالمغرب في ظل الم ...
- الحملة الانتخابية: مفاهيم، أنماط واتجاهات
- الحقوق السياسية للنساء: المرجعية الدولية لحقوق الانسان والقو ...
- نوافذ: الصين والماركسية، فلسطين والثورات في العالم العربي .. ...
- الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين واليسار الجديد بالمغرب
- المثقف المسلح
- ببير بورديو : المثقف، منطق العلم والالتزام السياسي
- افتتاحاية -نوافذ- : لا للشعبوية لا للصبيانية*
- خوان رومان : التجربة الاستثنائية والكتابة المستحيلة
- الثورة المضادة*
- *الفكر الوحيد اللابس شكل الخطاب الحداثوي


المزيد.....




- هل أسلم نابليون بونابرت سرا في مصر؟
- مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
- هوغان من برلين: أنا مسرور ووجودي هنا للاحتفال بقرار الاتحاد ...
- كاريكاتير سعودي بالقرآن!
- معرض الفنون التشكيلية في القاهرة
- مخرج -فالنتينو- يؤكد عرضه في رمضان 2019
- تشييع جنازة الفنان المصري سعيد عبد الغني وسط غياب النجوم.. و ...
- المقاهي الثقافية بالجزائر.. ديمقراطية المعرفة والفنون والجوا ...
- مكتب مجلس النواب يثمن التوقيع على الاتفاق الفلاحي
- المالكي يمثل جلالة الملك في تنصيب رئيس مدغشقر


المزيد.....

- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف
- مجلة رؤيا / مجموعة من المثقفين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد المجيد السخيري - بوجميع: إيقونة غيوانية من زمن الرصاص