أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق حربي - عقيل حبش .. بطل من الناصرية















المزيد.....


عقيل حبش .. بطل من الناصرية


طارق حربي

الحوار المتمدن-العدد: 4964 - 2015 / 10 / 23 - 13:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


شخصيات من الناصرية
القسم الرابع
عقيل حبش .. بطل من الناصرية
بقلم طارق حربي
ينتمي عقيل عبد الكريم حبش الجنابي (مواليد 1940) إلى أجيال التأسيس السياسي الأول في الناصرية، البيوريتانتيين الذين تربوا على التقاليد المحلية والثقافة الرافدينية والمجتمع الديني المحافظ، وكان وجود مؤسس الحزب الشيوعي العراقي يوسف سلمان يوسف الملقب بـ فهد (1901-1949) في المدينة، بائع ثلج في دكان شقيقه داود وفيما بعد بائع صحف خلال حقبة الثلاثينيات من القرن الماضي، ذا تأثير بالغ على الرعيل الأول، لا سيما بعد تشكيل الخلايا الأولى للحزب سنة 1929.
تأسس الحزب الشيوعي العراقي، مثل بقية الأحزاب الشيوعية في بلدان العالم المختلفة، كرد فعل على الكساد العالمي سنة 1930، وجمعت الخلايا الأولى للتأسيس العشرات من أبناء المدينة المنغلقة، وكان لهم أبلغ الأثر في بلورة بواكير الوعي السياسي في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، سواء في التظاهرات ضد السلطات الرجعية الحاكمة وقمعها للحريات المدنية حينذاك، أم تعبيراً عن الرفض للمعاهدات والأحلاف المشبوهة التي عقدتها الحكومات مع المحتل البريطاني، أم رفضاً لما وقع من عدوان أجنبي على بعض الدول العربية، وكانت أول مشاركة لعقيل حبش في التظاهرة الوطنية الكبرى التي هزت العراق ضد العدوان الثلاثي الواقع على مصر سنة 1956.

ثلاثة بيوت متلاصقة لعائلة كريم حبش والد عقيل في قلب الناصرية وهي قلب العراق النابض، وللعائلة معمل لصناعة الأبواب والشبابيك والأبواب المعدنية (الكبنك) جوار البيوت، قال عقيل بأنه وأشقاءه فقط هم عمال المصنع الصغير تحت إشراف الأب، أما الخبرات التي تلقاها يافعاً من تطويع المعادن إلى اللحيم إلى الكوسرة فسوف تنفعه لاحقاً في عمله السياسي، سواء في حفر سجن الحلة والهروب مع رفاقه إلى الحرية، أم في فتح القيود بالغلاف المعدني للقلم الجاف في غفلة عن عين السجان ومن ثم دهشته، في سجن الديوانية مطلع الشهر الثامن سنة 1968 ، حيث كان ينتظر ورفاقه حكم الإعدام!

يؤكد علم النفس أن ملامح شخصية الإنسان تتشكل في سن الطفولة، وترجم عقيل طفولته وتوقه إلى الحرية والإنعتاق والتحدي في ألعاب الطفولة، ولا سيما في صناعة الطائرات الورقية، ويسجل له في ناصرية الستينيات أنه أول من ابتكر وضع مصباح صغير في صدر طائرته، متحدياً أصدقاء الطفولة حول من يستطيع منهم إسقاط طائرته ذات الخيط المزجج، وكانت له القابلية على قطع خيوط طائرات الأصدقاء وإسقاطها ما أن تحتك بها!
- كنت أطحن الزجاج بالهاون وبعدما يصبح ناعماً كالتراب أمزجه بعجينة صمغية وأدهن به أول 30 متراً من الخيط مما يلي جسم الطائرة!

يريني عقيل خلال إحدى زياراتي له في بيته صيف 2015 مجموعة من الطائرات الورقية الملونة المستوردة، حيث مايزال يحتفظ بها في إحدى زوايا البيت مبتسماً ومتذكراً الزمن الجميل وهو اليوم ابن الخامسة والسبعين

- نسجت الطائرات الورقية كبيرة الحجم التي كنت أصنعها، في مخيال ذلك الزمن الجميل العديد من الحكايات الشعبية، كانت الطائرة تحمل مصباحاً صغيراً وعلى جانبيها صفاقيات تصدر أصوات كأنها أصوات أرياش مروحة طائرة عمودية!، وجعل الناس في المساء يتأملونها في الشارع ومن فوق السطوح وهي تتكبد السماء قائلين بأنها طائرة عمودية (هليكوبتر)، وظن أحد البسطاء ذات يوم بأن عقيلاً طيّر طائرة ولما حلقت عالياً قام بفصل مصباحها عن جسمها!، وسلط ضوءه فوق بيت أحد رجال الأمن المكلفين بملاحقة عقيل، حتى هوى المصباح فوقه وأحرق الشرطي وبيته!


تغلي الناصرية غلياناً ضد الحكومات الرجعية المتعاقبة على حكم البلد المتخادمة مع الاحتلال البريطاني، وبعد اندلاع ثورة 14 تموز 1958 كانت محلات مقفلة أو شبه مقفلة للحزب الشيوعي، وواجهاته المهنية هي اتحاد الطلبة ورابطة المرأة ومنظمات الشبيبة، ويعد بيت عقيل وسط المدينة واجهة للشباب، ولابد أن يتأثر الشاب بتجمعهم حوالي بيته وورشة أبيه وهم يتصفحون جريدة الحزب اتحاد الشعب في تلك الفترة، مما أعطاه القدرة على التفكير والتأمل في أحوال العراق العاصفة، وأن يحسم موقفه لصالح اليسار والديمقراطية.

ثمة علاقة بين مهنة عقيل الحداد وأبواب السجون الموصدة وقضبانها، تعلم أبوه مهنة حدادة (الكبنكات) من أصحاب المهنة البغادّة على الأرجح سنة 1938، كان يجلس في دكاكينهم ويتعلم منهم المهنة التي سيبدأ بها في الناصرية أواسط الخمسينيات، وما لبث أن اخترع ماكنة ليّ (الجينكو)، واستطاع عمل أبواب بمختلف الأحجام، وكان عقيل صغير السن حينذاك يتابع باهتمام أباه وأشقاءه وما يصنعون، ونراه في سن الرابعة عشرة مبدعاً في تطوير صناعة (الكبنكات) بعمل (سلايدات) لها، أما بالنسبة لتطوير صناعة الأبواب الحديدية فقد جعل منها كما أوضح لنا أقل تكلفة، حتى أقبل الناس على شراء أبواب (السلايد) التي أبدعها عقيل بالاتفاق مع الصنايعية في العاصمة..
وأسأل عقيلاً عن لصوص ذلك الزمان وحراميته هل كانوا كثيري العدد مثل لصوص ما قبل 2003 وبعده فيجيب
- كان الحرامية في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات أقل عدداً، فإذا قام أحدهم بسرقة أحد المحلات سرعان ما يذهب إليه ناس مخصوصون ليجيئوا بالمسروقات لقاء مبلغ بسيط، كان هنالك حرامية متخصصون في سرقة السيارات، ونشل المسافرين في المحطة، وفي الأسواق والساحات العامة، وخلال مواسم الاحتفالات، ولا أنسى حرامية رؤوس الغنم والحمير والأبقار والدجاج والحمام، وكان هؤلاء جد معروفين سواء لدى قوات الشرطة أم لدى الكثيرين من أهل الناصرية.

يبحث المناضل الصلب في أرشيفه ليخرج من (الكنتور) رزمة ورق وملفات وصوراً بالأبيض والأسود، إحداها لحبيبته، التي جاء بها مدير أمن الناصرية ليغري بها عقيلاً بالزواج منها مقابل تنازله عن عضوية الحزب وضمان حياته فلم يتنازل عن حزبه، ما أدى إلى خروج الحبيبة مصدومة باكية من الغرفة وتكون الفرقة بينهما منذ ذلك اليوم والسبب السياسة!

وإذا كان عقيل وجد في تحليق الطائرة الورقية حريته الأولى، فإنه وجد في الحزب موقفه الإنساني وتحديه لقوى الشر والظلام والرجعية، في الستينيات كانت اجتماعات الشيوعيين في المنتزه التي افتتحها السفير البريطاني سنة 1957

- يجلس كل ستة رفاق بين صف من أشجار السيسبان، ثلاثة في كل جانب، نحكي ونتناقش وكأننا ندرس طبيعة تلك الأشجار فلا يشك بنا المتنزهون!، وربما يمتد الاجتماع إلى ساعتين أو ثلاثة ونحن لا نعلم بذلك!

في الواقع أنا لا أكتب سيرة المناضل ولاهو يبحث عن مجد شخصي فسيرته معروفة ونضالاته مشهودة دونها كتاب ومهتمون، لكنه تألم كثيراً من قيام البعض بإسناد فكرة حفر سجن الحلة إلى نفسه، وتعدي الروائي السوري حيدر حيدر على حقوقه في روايته الشهيرة (وليمة لأعشاب البحر) التي يذكر فيها عقيلاً في موقف سلبي لا رصيد له في واقع هور الغموكة، بعد وشاية من متهم بخيانة رفاق الكفاح المسلح في الأهوار!

أودع عقيل في سجون عديدة خلال عقدين من السنين تقريبا، ولولا إيداعه في سجن الخيالة سنة 1962، إثر مشاجرات بين الشيوعيين والبعثيين أطلق عليها حينذاك إسم (حوادث الطلبة)، ثم إطلاق سراحه بكفالة بعد أسبوع، فإن ما لفت انتباهي بعد الاطلاع على سيرته، أنه بدأ مشواره النضالي في سجون دول الجوار (السعودية/الكويت/إيران)!، قبل سجون العراق؟!، فبعد إطلاق سراحه من سجن الخيالة هربه أبوه مع أحد شرطة الكمارك والمكوس إلى الكويت، فلا قبل للعائلة بتحمل مضايقات الأمن نتيجة اعترافات قدمت ضده، أما عاقبة الإمساك به فهي كتابة براءته من الحزب وذلك ما يمقته مقتاً شديداً، ومن جهة ثانية لم يكن لديه إدراك لأهمية إطلاق شرارة الكفاح المسلح من الأهوار كما سيفعل مع رفاقه لاحقاً

- في ثانوية الناصرية كان يقود تظاهراتنا في الستينيات محمد عبد الحسين الكبجي، لم يكن شيوعياً بل صديق لهم؟! وكان يتحدث إلينا عن قمع الشرطة للتظاهرات وقسوتهم، ويوصينا بأن نحمّل ثيابنا بالحجر و(متى ماضربوكم الشرطة ردوا عليهم!)، وعلى الأرجح في سنة 1960 نظمني صابئي في صفوف الحزب الشيوعي، وأول تصدي لي كان دفاعاً عن الحزب بعد حوالي سنة من التاريخ المذكور، فقد تشاجرت مجموعة من أهل الريف مع مجموعة من أهل المدينة على إثر شتم أحد الريفيين لفهد، وباعتباره مؤسس الحزب وينتمي إلى الناصرية تدخلت وضربت الريفيّ ضرباً مبرحاً، وتدخل في ذلك الوقت اتحاد الطلبة وأمرنا بعدم تكرار مثل تلك الحوادث.

ووجد عقيل نفسه وشقيقه رياض بعد انقلاب 8 شباط الأسود في المعتقل، ويبدو أن العراقيين سبقوا الفلسطينيين في ثورة الحجارة بعقود، فبعدما صدم الشعب العراقي بالإنقلاب الأسود سنة 1963 وإعدام الزعيم عبد الكريم قاسم، انبثقت المقاومة العفوية كرد فعل في الناصرية ومعظم مدن العراق، وقام المتظاهرون برمي الشرطة بالحجارة، وكان عقيل أحد أولئك المتظاهرين الذين اختفوا بعيداً عن أعين الشرطة حتى قرر أبوه إرساله إلى الكويت حفاظاً عليه كما ذكرنا، فانحرفت سيارة المهربين إلى جهة السعودية التي لم يبق فيها إلا يومين ليغادر بعدها إلى الكويت ويسجن فيها، وخوفاً من تسليمه ليد الجهات الأمنية العراقية وكانت هناك معاهدات تسليم بين البلدين منذ عقود طويلة، إدعى بأنه إيراني من عرب الأهواز فأرسل مخفوراً إليها على ظهر مركب، ومن سجن في الأهواز إلى سجن طهران الذي يهرب منه فيلقى عليه القبض في مدينة قم، فيودع في سجن باغ مهران الرهيب المحروس بالبشر والكلاب لمدة شهرين، ويقرأ على حيطان الزنزانة أناشيد الحرية لسجناء عراقيين سابقين بينها أشعار لمظفر النواب، الذي سيتعرف عليه في سجن الحلة ويساهم مساهمة رمزية في حفر نفقها مع عقيل وتنشأ بينهما صداقة استمرت حتى اليوم.

ولا يقل كفاح فهد وهو أول سياسي يعدم في تاريخ العراق، عن كفاح جيفارا (1928-1967) ضد الظلم والشركات الاحتكارية وعبودية الإنسان،وتأثيره على توجهات القوى اليسارية والتقدمية في العالم، وكانت أصداء كفاحه ضد الرأسمالية تتردد في الناصرية وتزيد الشيوعيين حماسة إلى العمل ومجابهة السلطات الرجعية الحاكمة حينذاك..

- بلغ من شدة تحمسي للعمل التنظيمي أنني قمت ذات يوم بتوزيع منشورات الحزب على عدد من رجال الأمن على شاطىء الفرات حتى وصفني أحدهم بالمستهتر؟!

ومن سجن الرمادي الذي يصفه عقيل في كتابه الطريق إلى الحرية (من أقسى السجون وهو سجن قديم البناء وجدرانه متهرئة، وقد بني في فترة الاحتلال البريطاني وتنتشر فيه الرطوبة والديدان والقذارة، وتمنع إدارة السجن وصول رسائل السجناء إلى ذويهم وبحسب مزاج عناصر إدارة السجن، وكانوا يمزقون بعض الرسائل ويعيدون بعضها إلى المرسلين بحجة عدم صحة العنوان!)، و (لارحمة في قلوب سجاني سجن الرمادي ولايمتون بصلة للإنسانية فهم أقرب إلى الوحوش منهم إلى البشر، وأذكر أنني كنت أستحم مع عدد من رفاقي وكنا عراة إذ دخل علينا أحد الشرطة وراح ينظر إلينا بذهول، ثم صاح بصوت مرتفع الله أكبر الله أكبر شلون يكولون الشيوعيين عدهم ذيول؟!، إلى سجن العمارة وهو (سجن قديم البناء متداعي الحيطان بني في فترة الاحتلال البريطاني)، إلى سجن الحلة الذي حقق فيه عقيل حلم الطائرة الورقية!

كان سجن الحلة في ذلك الوقت من بين سجون كثيرة رهيبة في العراق بينها سجن نقرة السلمان وسجن الفضيلية وسجن الرمادي وسجن بغداد وسجن البصرة وسجن بعقوبة وسجن رقم واحد، حيث زج في هذه السجون بالعرب والأكراد والتركمان من ضباط أحرار وشيوعيين ومن مؤيدي الجمهورية وثورة 14 تموز، إن معظم السجون المذكورة تم فيها أواسط الخمسينيات والستينيات عمليات هروب فردي وجماعي نجح عدد منها وفشل الآخر!

وكانت السياسة العالمية والإقليمية ونكسة حزيران فيما بعد تلقي بظلالها القاتمة على أوضاع العراق الداخلية، ومما زاد الأمر سوءاً هو مجىء البعثيين الذين اتخذوا من سياسة القمع وكم الأفواه وسيلة للبقاء في السلطة، وكان الشيوعيون يفكرون مثل غيرهم من الوطنيين العراقيين بالهروب من السجن والالتحاق بتنظيماتهم للقيام بعمل ما لخلاص العراق.

في سنة 1967 كان عقيل مسجوناً في سجن العمارة مع حسين ياسين المسؤول عن تنظيم الناصرية، وينقلان معاً إلى سجن الحلة قاووش رقم 4، ويطرح فكرة حفر نفق سجن الحلة على مجموعة من رفاقه بينهم الشاعر مظفر النواب، الذي كانت روحه الشاعرة ترفرف بين القواويش والقضبان وتطلق النكات والتعليقات وتسخر من السجان والحكم الرجعي العارفي، ويتسلح عقيل بخبرات المصنع وأحلام الطائرة الورقية فيما أهدابه متعلقة بطفولته البعيدة باعتباره مبتكراً لا في صناعة الكبنكات بل في تحطيم أبواب السجون وحفر الأنفاق والهروب إلى الحرية!

- التقيت في سجن التسفيرات ببغداد بالرفيق حسين ياسين وسألني (شعجب ما شارد منا منا؟!)، فأجبت بأني لن أهرب وأترك رفاقي وأريد أن أعمل في صفوف الكفاح المسلح إذا أيدني التنظيم، أن أحفر نفقاً داخل سجن الحلة لأن أرض السجن عالية نسبياً، وإذا ساعدني رفاقي في إنجاز المهمة فسوف انجزها وإذا لم يساعدوني فسوف أقوم بذلك وحدي!، وقال لي حسين إذا ذهبنا إلى الحلة وتم انتخابي عضواً في تنظيم السجن فسوف أساعدك فرحبت بالفكرة وقلت له
- أنا أهيىء نفسي في الحالتين وذلك قبل يوم واحد من نقلنا إلى سجن الحلة!

ويبدأ حفر النفق بمجموعة بسيطة عملوا كيد واحدة خلال النهار لا في الليل لأن صوت الليل مسموع، ويورد عقيل في كتابه الطريق إلى الحرية بأنه ورفاقه عثروا خلال عمليات الحفر على حفرة بعمق ثلاثة أرباع المتر محشوة بالبطانيات والملابس السجنية وكانت متهرئة، ورجحوا حينذاك أن هناك عملية سابقة لحفر نفق!

بالتزام حزبي صارم وسرية تامة حفر النفق الذي كان بطول 17 متراً وارتفاع 75 سم في أوائل شهر تموز 1967، استمر الحفر 6 أشهر مع التقطعات، حيث يحفر كل 4-5 أيام متراً واحداً، وكانت عملية التخلص من التراب صعبة، لكنهم وجدوا الحل بملىء علب مسحوق الغسيل الفارغة وعلب الزيت بالتراب وخلطها مع النفايات ليحملها المنظفون إلى خارج السجن في اليوم التالي!، ونفذ 49 شيوعياً عملية الهروب في ليلة 7 على 8 من شهر تشرين الثاني، وتصادف مناسبة مرور نصف قرن على ثورة أكتوبر الاشتراكية، ومن ضمنهم الشاعر مظفر النواب، وكان هنالك خلاف نشب قبل ليلة واحدة من الهروب بين القيادة العامة واللجنة المركزية للحزب الشيوعي حول من يهرب أولا؟!، وكان الاتفاق أن يهرب 14 سجيناً كوجبة أولى وبعد ذلك يكون الهروب مناصفة بين الفريقين، هرب السجناء في كل اتجاه وألقي القبض على عقيل بعد أيام وتم سجنه مرة أخرى وتعذيبه ومن ثم إطلاق سراحه، ليلتحق بعد ذلك بجبهة الكفاح المسلح في الأهوار.
كانت سواتر القصب والبردي والمسطحات المائية (الأهوار) ملاذاً للخارجين على ظلم الدولتين الأموية والعباسية، ولم يكن هذا الأمر بعيداً عن أذهان الشيوعيين فاتخذت مجموعات منهم الأهوار ملاذاً ومتراساً ضد السلطة الرجعية الحاكمة، وكان أشهرها مجموعة أمين الخيون (أبو جماهير) وهي إحدى المجموعات التي نشأت بعد قمع الحرس القومي للقوى الوطنية!

في الحقيقة شعر الكثير من الشيوعيين بعد انتكاسة ردة تشرين، أن هناك محاولات من قيادة الحزب الشيوعي العراقي لجعل منطلقات الحزب تتماهى مع منطلقات الاتحاد الاشتراكي الناصري، وهو المشروع القومي الذي تبنته حكومة الأخوين عارف بعد انقلاب 18 تشرين الثاني 1963، الأمر الذي رفضه الكثير من الشيوعيين ووقفوا ضده إلى حد الانخراط في عمليات الكفاح المسلح، وكان صيت جيفارا حينذاك يملأ الآفاق، بقيادته لعمليات الكفاح المسلح ضد الرأسمالية العالمية المتوحشة!

ويصل في أواخر سنة 1967 من لندن متنكراً الشاب خالد أحمد زكي وكان يعمل هناك سكرتيراً لمنظمة "Bertrand Arthur William Russell" للسلام، ويؤسس "جبهة الكفاح الشعبي المسلح في العراق، المؤلفة من 12 مناضلاً، المنتمية إلى القيادة المركزية المنشقة عن الحزب الشيوعي،


ويقف الباحث متعجباً أمام إصرار 12 مناضلاً عراقياً، من جاء من الغرب تاركاً نعم الحرية والرفاهية والأمان، ومن ترك مقاعد الدراسة، ومن هرب من سجن الحلة، لإسقاط حكومة عبد الرحمن عارف ومن ثم حكومة طاهر يحيى، من أهوار الغموكة اعتماداً على التمرد الذي شهدته الأهوار والمناطق المحيطة بها ضد الأقطاع!، وليست الغموكه مثل باب المعظم أو منطقة الصالحية حيث توجد إذاعة بغداد لإعلان البيان رقم واحد على سبيل المثال كما حدث في الثورات والانقلابات العراقية!، بل منطقة تعتبر نائية في أعماق الأهوار!

إستمر الكفاح المسلح في الأهوار أكثر من سنة من ضمنها فترة التدريب، وقامت المجموعة بعدة عمليات ناجحة في الهجوم على مراكز الشرطة والإستيلاء على السلاح وإلقاء محاضرات على الشرطة للتعريف بأن المهاجمين شيوعيون يكافحون الحكومة الرجعية والأقطاع الذي عاد بقوة خلال الحكم العارفي، وكان مسرح المعركة الفاصلة يوم 28 آيار 1968 في أهوار العوينة والجبايش والغموكه أي قبل حوالي شهر ونصف من انقلاب تموز الفاشي الذي أعاد البعثيين إلى السلطة مرة ثانية، عملية بطولية هزت كرسي الحكم ببغداد فحشد ضدها الجيش والشرطة ونفراً من الخونة من أبناء العشائر، إن قلة عدد المجموعة وضعف درايتهم في طبيعة الأهوار والمناطق الضحلة وجرح عدد منهم خلال المواجهة، جعلهم منكشفين أمام قوة عسكرية كبيرة معززة بطائرة هليكوبتر، ويورد حنا بطاطو في الجزء الثالث من كتابه عن العراق (الشيوعيون والبعثيون والضباط الأحرار), أنهم أي مجموعة خالد أحمد زكي (هاجموا مخفراً للشرطة في هور الغموكة في قضاء الشطرة من لواء الناصرية وأستولوا على خمسين قطعة من الأسلحة النارية, لكنهم ظلّوا طريقهم في المستنقعات وتخلوا عن زوارقهم في لحظة سهو, وتغلبت عليهم في النهاية قوة تفوقهم عدداً من اللواء الخامس عشر, أما الحكومة فقالت إن ستة رجال قتلوا وسقطت طائرة هليكوبتر).

إستشهد ثلاثة من المجموعة وأسر ستة حكموا بالإعدام من قبل حكومة طاهر يحيى، وكان من المؤمل تنفيذ حكم الإعدام المشؤوم في يوم 1/8/1968، لكن قدر عقيل وحظه مع رفاقه جعل النايف والداود بدعم من حزب البعث يقومان بحركة التفاف ضد حكومة طاهر التي سيطاح بها في 17 تموز، وفي يوم 30 تموز أطاح البعثيون بالنايف والداود وفي يوم 31 أصدر مجلس قيادة الثورة أمراً بإيقاف تنفيذ الإعدام، لكن بعد شهرين صدرت برقية ثانية لفت الحبل على رقبة الشهيد مطشر حواس، بالتزامن مع حكم بإعدام شبكة التجسس الاسرائيلية جماعة (زلخه وجيته) الأمر الذي رفضه الشيوعيون رفضاً قاطعاً، وفي يوم 26/2/1969 صدر مرسوم جمهوري بإلغاء حكم الإعدام وأطلق سراح الخمسة المتبقين بينهم عقيل وليطلق سراحهم يوم 18 تموز من السنة المذكورة.

وخرج ضحى يوم 18/7/1969 المئات من أبناء الناصرية لاستقبال عقيل بالسيارات خارج المدينة وكنت بينهم مع عدد من أفراد من عائلتي بينهم خالي الشيوعي فؤاد مكطوف، وانقسم المستقبلون إلى ثلاث مجاميع استقبلته الأولى في مدينة الشطرة والثانية قرب نهر الهولندي والثالثة قرب ثانوية الناصرية، ووقف العشرات على سياج الثانوية يحيونه بمناسبة قرار إلغاء الحكم الجائر، ولم يكن الموت في تلك الأيام كثيراً في الناصرية خاصة والعراق عامة، مثلما بدأ بحصد أرواح العراقيين بالجملة بعد أكثر من عقد أي منذ الثمانينات حتى اليوم في الحروب والحصار والاحتلال وإرهاب داعش والحرب الأهلية لاسيما في سنة 2006 وسنة 2007 والأمراض الفتاكة وغيرها.

عقيل حبش أحد أبطال مدينة الناصرية المشهود لها بأنها مازالت تلد كل يوم الأبطال والمبدعين في كل المجالات.

الناصرية/القاهرة
2015


المزيد على الموقع الشخصي
https://tarikharbi.wordpress.com





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,390,649,376
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية ...
- موعد في غوا (رحلة إلى العراق والهند) الفصل الأول : الناصرية
- في الليل تسطع نجمتها!
- كم هو حزين هذا الصباح؟!
- مثل ام ولد غركان .. بالناصرية؟!
- يكون غدا أثرا
- 9 هلالية!
- مقطع من القصيدة النرويجية
- استمارة الصافي مرفوضة وسنقوم بتوكيل محامين دوليين!
- دعوة إلى محافظ ذي قار الجديد التنازل عن منصبه!
- قرب مكان الانفجار الثاني بالناصرية !
- هوامش حول حرية التعبير في العراق
- الأستاذ الجامعي السعودي سعد الدريهم .. إبن أي شارع أنت؟!!
- مقهى عزران وشاعر المدينة .. فصلان من كتاب (الناصرية .. شخصيا ...
- علم الغربية .. باطل!
- حول طبخة الحكومة العراقية الجديدة في طهران !
- رمان ياقلعاوي!
- برزاني على خطى صدام وكيمياوي!
- حي الأرامل والأيتام!
- لوكان المالكي مخلصا ونزيها ؟!


المزيد.....




- -القط الثعلب-..فصيلة جديدة من القطط -تجتاح- جزيرة فرنسية
- تركيا: السجن مدى الحياة لـ24 شخصا بينهم قائد سلاح الجو الساب ...
- إيران تسقط -درون- أميركية فوق هرمز.. هل تقرع طبول الحرب؟
- سلفا كير يزور الخرطوم في إطار الوساطة بين السودانيين
- الكشف عن موعد الإعلان عن -نوت-10- المنتظر
- أحكام جديدة في حق بريطانيات ضربن طالبة مصرية حتى الموت
- نواب في جنوب السودان ينسحبون من عرض للميزانية في البرلمان
- جدل بعد تغريدة تصف محمد مرسي "بأخر الأنبياء"
- عالم الكتب: - صيف مع العدو- الرقة بين ثلاثة أجيال
- أول زيارة لرئيس صيني إلى كوريا الشمالية منذ 14 عاما


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - طارق حربي - عقيل حبش .. بطل من الناصرية