أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جميل حسين عبدالله - تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 3















المزيد.....


تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 3


جميل حسين عبدالله

الحوار المتمدن-العدد: 4945 - 2015 / 10 / 4 - 18:29
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


سابعا: إن ما يمكن ملاحظته في هذه الفترة أن المنبر قد تعود على لغة تثري لدى الأمة أحاسيس الحزن، ومشاعر المظلومية، وعقد الكبت النفسي، والقهر الاجتماعي. وذلك ما كان مطلوبا وجوده في لحظة تواطأت على ضرب هدف واحد معلوم، ومحدود، ولكنه منبوذ في لحظتنا التي اجتمعت على محاربة لص واحد، سرق التاريخ، والحضارة، واغتال الإنسان، والمكان، وأقام مجازر العقيدة في قلب الصحراء. ومن هنا، فالتغيرات التي حدثت في واقعنا الديني، والسياسي، تتطلب نقطة عودة أخرى، لها علاقة بالموروث من حيث المضمون التاريخي، وعلاقة بالمعاصرة من حيث الشكل التي تسوق به، أو تتاجر به. لأن واقع الأحداث التي أفرزتها ظاهرة الإرهاب العالمي، قد كان من وراءها في عقل مدبري قيم فوضى اليوم، ما تفجره مكبرات صوت المنابر من زفير الحقد والكراهية للآخر. وسواء كان ذلك تزييفا للحقيقة، أو كان في ذاته حقيقة لا تحتمل غيرها، وإن كنا نميل في قراءاتنا للوقائع إلى أن للمنبر جزءا كبيرا من السببية والعلية فيما يحدث من حروب دينية، وعقدية. وهذا ما يتطلب الوقوف مع كل المشاريع الدينية التي راكمت تجربتها بين سياقات الأحداث المتتالية على أمتنا العربية، والإسلامية، لكي نتعرف على مكونات هذه الظاهرة، من حيث بناءها المعرفي، والفلسفي، أو من حيث تكوينها النفسي، والاجتماعي، ونختبر ما كمن فيها من استواء، واعتدال، أو من تشدد، وتطرف. ولعل ما يمكن لنا أن نستشهد به في هذا المقام، هو ما أصطلح عليه بعد أحداث إحدى عشر سبتمبر بالإصلاح الديني للمفاهيم التي تشكل الهوية الروحية والمادية للإنسان المتدين، وسواء في ذلك ما قامت به الدول من حماية لبيضتها عن طريق تجفيف منابع الإرهاب في سياقاتها الدينية، والرمزية، أو ما قامت به بعض التيارات التنويرية من قراءة جديدة لمنظومتنا الفكرية، والثقافية، أو ما دعت إليه بعض التوجهات من دعوات تحقيق أدبيات الإسلام وفق المكون النفسي والروحي والاجتماعي للهوية المحلية. فكل ذلك يفصح عن رغبة في التغيير الذي تبحث الدول والأمم عن جدوى فاعليته في محيط يتأسس على مبادئ الديمقراطية، ومفاهيم الدولة المدنية، وأبجديات حقوق الإنسان، ومفردات المعاهدات الدولية، وإن كنا نرى الإصلاح الذي انبثقت معاييره من معطيات عديدة، ليس محله الموروث الذي قُدمت تضحياتٌ جسام من أجل ترسيخه، لأنه في حقيقته لم يتخل عن ماضويته التي هي لبدته، بل بقي في صيرورته ثابتا بلا تغيير، ولا تبديل، لا تفقده جدة الصراع والتدافع القائم في بنية المجتمع لونه، ولا طعمه، لا لأنه جامد عن الحركة، لا يقبل التطور، بل لكونه يلخص نمطا من التجربة الدينية التاريخية. لكن الذي يجب إصلاح وعيه، وخطابه، بل انتشاله مما خالطه من شوب، وحمم، هو ما طرأ على لغة الدين من علل تترجم ما انطوت عليه الذوات من أحاسيس الحزن، والخوف، والألم، وما تعبر عنه المنابر من عنف وكراهية للآخر المخالف، والمنابذ لمنظوماتنا الفكرية، والثقافية. وهذه التغيرات التي صاحبت المعركة العقدية والدينية القائمة في مواجهة دينامكية المقولات المستحدثة بين مخاض الدول العربية المتحولة بطريقة ميكانيكية نحو التعددية الدينية، والسياسية، قد كان لها أثر مكشوف على العلاقة الجوهرية بين رجل الدين، ورجل السياسة. ففي الوقت الذي يحاول رجل الدين أن يلعب دورا رئيسا في تحديد صياغة هذه المفاهيم (الحرية، التعددية، الاقتصاد، العلاقات الدولية...) بما تقتضيه كمالية العقيدة، وشمولية الدين لكل العناصر المبتدعة في الواقع الإسلامي، فإن رجل السياسة يسعى إلى ترسيخ تلك المفاهيم عن طريق الانخراط في عملية التحديث بوساطة ما يضمنه القانون من تأليف للأحزاب، والنقابات، والجمعيات، والهيئات المدنية. وهنا اكتسى الصراع ثوبا آخر، لأن رجل الدين، إن لم يقبل بالعملية الديمقراطية، فلا محالة سيشوش على بنية المفاهيم، ومدى فاعليتها، وجدواها، لئلا يفقد سلطته الرمزية في المجتمع، لاسيما وأنها كانت له في مرحلة من مراحل التاريخ. وهكذا سيواجه رجل السياسة هذا الصراع بما تمليه التوجهات التي تجاوزت حدود الزمان، والمكان، لكي تحل محل ما هو موروث، وقديم. وذلك ما يسوغ المشاركة في كل نشاط سياسي، واقتصادي، واجتماعي، وثقافي، ويوسع دائرة النظر إلى كل ما هو منظم، ومؤسساتي، ويدفع بالفاعل السياسي إلى استحضار ما هو مرغوب للإنسان، لا ما هو مطلوب منه، لأن مطالبته بواجبه، لا يتأتى إلا إذا تمتع بحقه. ولذا كان التركيز على مفهوم المواطنة أمرا ضروريا، لما يؤدي إليه من علاقة جدلية قائمة بين الحاكم، والمحكوم. وهكذا تناسلت في المجتمعات العربية والإسلامية مفاهيم أخرى، تبحث عن موقع لها في تركيبة المنطق، والفكر، والإرادة، والمسؤولية، وتفتش في عمق الإنسان، لكي تكون إجابة صريحة عما يعانيه من ظلم، وفقر، وجهل، وتخلف. لكن المثير للانتباه هنا، أن رجل الدين بموقفه المتردد من مفاهيم الديمقراطية، لم يستطع أن يصنع مفهوما حقيقيا للمواطنة، ولا للحياة المدنية، بل قصارى جهد كثير ممن ألفوا كتبا في المشاركة السياسية، أنهم لم يميزوا بين الوطنية، والمواطنة، فجعلوا المواطنة خاضعة للوطنية، وذلك في فاعلية ترتيب الأفكار ضروري، لكنهم وسعوا مفهوم الوطنية، فجعلوها تشمل كل وطن تقام عليه العقيدة الإسلامية. وذلك مما يتنافى مع الخصوصية المحلية، ويتعاند مع التراث الموروث في دائرة جغرافية محددة، ويتعالى على القيم والسلوكيات والأعراف والعادات والتقاليد المتعاقبة على الأعراق واللغات المختلفة. وذلك لن يصنع وطنا إسلاميا من جاكرتا إلى طنجة، (كما سمعنا في زمن الصبا.) بل سيتيه بنا الحلم إلى أبعد مدى، وفي ذلك تضييع لمحليتنا، وخصوصيتنا، وتضييق على أنظارنا، وأذواقنا. إذ المحلية، لا تعاند العالمية، ولا الكونية، لأن جُماع التجربة هو حب الإنسان، والأرض، والكون، والطبيعة، والحياة، والجمال.
وبناء على هذا، فإن هذه التغيرات التي طرأت على تحديد المفاهيم، ودلالاتها، كانت نتيجةً للأوضاع السياسية التي خاضها كوكبنا الأرضي، بدءا من الحرب الباردة، وانتهاء بالصراع حول الطاقة، والنفط، والبترول. وحقا، إن بنية الماضي الموروث عن آبائنا، وأجدادنا، ولو لم تنلها بعض الطراوة في التعبير عنها بلفظ مستساغ في ذوق العصر، فإنها قد التوت على خصوصيتها، واحتفظت على دور المنبر الرئيس، وهو إقامة ذكر الله، والتذكير به. وبهذا كانت محتفظة على سياقها في الزمان، والمكان، ومنفتحة على تاريخها الذي تستلهم منه أبجديات أدبياتها الفكرية، ومنعزلة عن المخاض الذي لم يولد معه شيء يستحق أن يكون محل اعتبار على المستوى المعرفي، أو الاجتماعي. لكن مجاراة المنبر للوقائع المستحدثة في أفق التغيير لنمط الحياة، وسياقاتها، ومنازلتها ببضاعة تتهادى بين معرفة تستبطن مواطن الفراغ في طرق دركها لحقيقة التاريخ، والحضارة، وإن كانت قشرتها في الظاهر توحي بالجدة، والحداثة، وتشير إلى مسايرة الواقع المتفجر بإكراهات عميقة، ومزايلة الخطاب للماضوية المستغرقة في تمجيد التراث، والأشخاص، هو الذي طرأت عليه تغييرات طوعت ملامحه الغائرة لكل ما هو حادث عليه من شحوب، وضمور، سواء كان ذلك تسخيرا له في نفخ روح الحماسة بين المتدينين، أو في صنع طبقة محددة في مشاعرها وأحاسيسها بين السواد الأعظم للأمة، أو في جر الأعناق إلى مجزرة التاريخ الملتهبة بشرارة الجهاد، والغزو، والشهادة، أو كان ذلك تسويغا لما هو قائم، ولا معدى عن معايشته، ولا منجى من مهادنته، أو تثبيطا للعزائم عن مجانسة ألوان الحياة المتركبة من قيم مختلفة، تؤسس لمبدأ التعددية الدينية، والفكرية، والثقافية، والاجتماعية، والسياسية.
وهكذا، فإن انكفاء المنظومة التقليدية على ذاتها، والتحصن بما هو راسخ في هويتها، -ولا أعني السلفية القائمة على ظاهرية النص الديني، ولكن أعني المرتبطين بالتاريخ عن طريق سلسلة من العادات والتقاليد والأعراف المنعكسة على مرآة كبار المشايخ، والعلماء.- وانحياز اهتمام الناس إلى ما تبثه وسائل الإعلام والاتصال، والتواصل، قد أفرغ المنبر من محتواه الموضوعي، والوظيفي، لكي يكون منصة يعرض عليها ما يفرزه الواقع من إسقاطات، وإكراهات، لا تدبيرا حقيقيا لأمر الدين الذي يقتضي الالتزام بما توحي إليه كلمة ذكر الله. ومن هنا، انفصل الماضي -على اعتباره قيمة معنوية.- عن الحاضر. -على اعتباره صوت الإنسان المنهوك بالصراعات المحتدمة في واقعه.- لكن ما الذي فقدناه هنا.؟
قبل أن أجيب عن هذا السؤال، لا بد أن أشير إلى أن الزمن الذي مر علينا بين أحضان التاريخ المزهو بحلله المجللة بالبهاء، لم يكن خارجا عن دائرة الدين، والعقيدة، بل كان إسلاميا في الفهم، والفكر، والذوق، لأنه لو لم يكن بهذه الصفة، لانقطعت صلتنا بالماضي، ولارتبطنا في عودتنا بشيء غير مقبول في منهجنا الفكري، ولا في مناخنا الطبعي. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، لو لم يكن موجودا وجودا عينيا بقيمة دينه، لما قام الدعاة في عصرنا بالدعوة إلى تجديد نمطه، وسياقاته. إذ لا يمكن في الاعتبار المنطقي أن نطالب بترميم البناء، أو تجميله، ما لم يكن قائما في الحقيقة، وشاخصا للأعين البصيرة. فما قام به هؤلاء الدعاة من دعوات متكررة بين الأقطار والشعوب الإسلامية، لم تكن مقبولة إلا لأنها أرادت أن تصنع من الماضي حاضرا، فيكون بذلك مؤثرا في الغد، لا أثرا. وهكذا كان عنصر التصور الذي غلب على الدعوة في الأدبيات، والمناهج، لكن غاب عن أذهان هؤلاء أن الأفكار القديمة، هي الأفكار الحديثة. فما يطرأ عليها من تغيير في مظاهرها، ليس خاضعا لفكرة الزيادة، والإضافة، بل يقع ذلك في العلاقة التي تربط الإنسان باللغة، والفكر، والتاريخ، والحضارة. ففي زمن تكون الفكرة مبهوتة، وغامضة، ومغيبة، وفي زمن تظهر مكشوفة، وفاتنة، ومعبرة. وهنا يكون التجديد للفهم أولا، لكي تتأسس النظرية على كمال المعرفة، وتمام الفكرة، ومن بعدها يحصل التجديد في الممارسة، والتطبيق، والالتزام. وذلك ما لم يحدث في إفراز الحركات الدينية لأنماط تعبدية فارغة من المعنى، فقد تغيرت ملامح التدين قبل استيعاب النص بفهوم الأقدمين، وتغيرت معه سلوكيات المتدين الذي حاد عن البساطة إلى التعقيد، وعن الأريحية إلى استثقال ما يبقره الزمن من مخاضات عسرة. ولذا غزا المجتمع أنموذج من التدين المغالي في الظهور، ولكنه قلق في محتواه الباطني، لأنه تأسس على الظاهر، ولم تترسخ مفاهيمه في حركة العقل، والقلب. وهنا مجثم الأزمة التي صنعت تضخم الشكل عند المتدينين، ولم تصنع فهم فحوى الدين، وعالميته، وكونيته.
إذا نظرنا إلى سلبية الارتباط بالماضي عند من خاله منظرا، لا مخبرا، فإننا سنعثر على كيفية ترسخ كثير من الأوهام بين حطيم عقول لم تستطع أن تفهم تلك الخطوط التي تربط بين مراحل نشأة الإسلام، ومسارات تطوره، ومسايرته للحياة الكونية. وتلك هي صيرورته التي حلق فيها مع الزمان، والمكان، وطريقته في الحركة نحو الأمام، ووسيلة استيعابه للتناقضات التي تفرزها الأحداث المتناقضة الحس، والشعور. وما لم نستطع أن نفهم سبب تشكل العقل الديني، وعلل تغيره، وخبايا علاقاته بالماضي، والحاضر، فإننا سنفصل بين المراحل التاريخية التي طواها الدهر مع حقب متلاحقة، ومتتالية، وإذ ذاك ستكون عودتنا إلى لحظة محددة دون ما سواها من المراحل التي تكوِّن مجموع التجربة الدينية في التاريخ الإسلامي. ومن ثم، تحدث تلك المفاصلة الاعتباطية التي تفقدنا معرفة بطرق تكون العقل الديني، ومسايرته لكل المراحل التي مرت بها الأمة في تاريخها البشري، سواء في مراحل قوتها، أو في مراحل ضعفها. ولذا، كان وصف الماضوية في الأدبيات الفكرية يحمل بعدين اثنين: الأول: يعني العودة المقيدة إلى لحظة متماهية بين دورات التاريخ، على اعتبارها مرحلة خالصة من شوائب الزمان، والمكان. الثاني: يعني العودة المطلقة إلى الماضي الممتد فيما بين البعثة المحمدية، وحاضرنا، على اعتبارها مجموعة حلقات تجددت، وتغيرت، ولكن اللاحق فيها يستلهم من السابق تجربته، وخبرته، ثم يؤسس عليها آلة فهمه لواقعه، لكي يضيف عصارة التاريخ المنقضي إلى التواريخ الحاضرة، والقادمة. وكل مرحلة من المراحل، تكون نتيجة لما وصل إليه الإنسان في الترتيب، والتركيب. ومن هنا، فإن وصف واقعنا الحالي باللحظة الإسلامية الفذة، لا يحتمل إلا الحكم بالكفر على ما عداه من الأزمنة، ما عدا زمنا واحدا ظهرت فيه الفئة الناجية، أو يعني الحكم بإسلام كل المراحل التي قطعها العقل الديني وإلى يومنا هذا. وذلك ما لا يخالف فيه منصف النظر، لأن ما انصرم من واقع آبائنا، وأجدادنا، لم يكن كفرا بالدين، ولا بالملة، ولو اتهمه الأغرار بأنه غارق في الدجل، والشعوذة، والشرك، بل كان إسلامي الفكرة، والنظرة. وكل ما هو قائم فيه مبني على أصول شرعية امتدت مع الحياة بمجموعة مفاهيم تستوعب مضمون الحاضر، وتشرح قيمه على مرآة الماضي.
إن سعة الأدلة الشرعية، ومرونتها، وطرق استنباطها، واستخراجها، واستظهارها، لم يدع ما انتهى من عقود يمضي بدون درك لحال حاضرها، واستظهار لظاهر الحكم فيها بمقتضى فهم الثابت والمتحول من أقوال الأديان، وأفكار الإنسان، ولم يترك دورة زمنية تمر مع تاريخ الحياة البشرية بدون نسب، ولا سند، بل كان الحاضر رغم قوة ظهوره من سنخ الماضي، ومن سلالته، ولو تباينت العقول في تأصيل وتأثيل العادات، والتقاليد، والأعراف. ولهذا كان العلماء والعامة في علاقة يسودها التواضع، والبساطة، والاحترام، وكان الوجهاء والوضعاء في عنفوان تمازج تفرضه دورة الحياة البشرية، وتقضيه الصلة القائمة بين الأغنياء، والفقراء، وبين الحكام، والمحكومين. ولا غرابة إذا نشأنا في محيط ثقيل بالآداب، والأخلاق العامة، وبسيط من حيث مظاهره في التدين، والصلات الاجتماعية، ولكنه في الوقت نفسه متشبع بفكرة لزومية العقيدة، ومتشبث بنظرة واسعة إلى الآفاق الإنسانية. ولولا ذلك التعانق الذي مزج بين الأطياف، والألوان، على اختلاف المراتب الاجتماعية، والمستويات الدينية، لما عاش اليهود والمسيحيون والمسلمون بروح واحدة، ولما تأسست رابطة الوطن التي تقتضي حق الانتساب والانتماء إلى كيان معين، لا أفضلية فيه لدين على دين، أو لجنس على جنس، أو لعرق على عرق، أو للغة على لغة، بل كان مجموع هذه الألوان منطلقا للوحدة، لا للكثرة. ومن هنا، فإن ما طرأ من تغيير على نظرتنا إلى التراث، لا يدعونا إلى هدم كل مراحل الماضي، لكي ننتقل إلى مفاهيم دين نخاله في بداوته أكمل من خلقان حضارته، بل يحرضنا على استلهام روح التاريخ من كل المراحل التي مر عليها المجتمع الإسلامي، لكي نكون أقدر على التأسيس، أو البناء، أو الترميم.
ويكفي أن نستدل على إسلام الماضي، وإيمانه، بما خلفه فقه النوازل من تراث عريق، يحق لكل معتقد بخصوصيته المحلية أن يفخر به، ويذود عنه، لأنه يجسد كيفية فهم الأوائل للديانة، والشريعة، وطريقة تفاعل المجتمعات مع محاضنها المتنوعة، ووسيلة استثمار الطبيعة لكسب حظوظ الحياة المختلفة. ومما لا شك فيه أن ذلك مما يعتبر خزانة مفتوحة لقراءة التاريخ، والإنسان، والمجتمع، والحياة. إذ يمكن أن يستفيد منه عالم بالشرع، أو بالنفس، أو بالاجتماع، لأنه وعاء يحتوي طرق تشكل الإنسان في نطاق الدين، والمجتمع، ويجمع بين تلافيفه كل الأنماط والسياقات التي مرت عليها التجربة الدينية في بعديها الروحي، والمادي. ومن هنا، فإن فقه النوازل يوحي بثراء العقل الديني، وغناه، ويدل على أن الآباء والأجداد لم يكونوا في زمنهم بمنأى عما شغل اليوم بال كثير من البكائين على مسير الأمة، ومصير الملة. لكن اهتمامهم كان مرتبطا بزمنهم، ومؤقتا بواقعهم، وهو جزء لا يتجزأ من واقعنا الذي نعيش ظله، ولم نستوعب تفاصيله. لأن ما كان مستقبلا للأمس، فهو في واقعنا حاضر. وبمقدار ما تكتمل عندنا صورة الماضي، نستطيع أن نركب حقيقة لواقعنا، ونكون له مفهوما كليا، نستغني به عن كثير من الأفكار الهادمة للعلاقات، والروابط، والصلات، والنسب. ويعني ذلك أن الحضور في الأحداث، والتفاعل معها، سواء بالإيجاب، أو السلب، لا يتم إلا بفهم ما انبنت عليه، وتأسست به ماهيتها، وهويتها. لأن بناء الأفكار، لا يتصور باعتباط النظر، ومغامرته، ومجازفته، بل لا بد من وضع الحروف بعضها إلى جانب بعض، لكي تتراكم المعاني على أساس قويم، وفكر سديد. وما لم نطق أن نرص المعاني في الأذهان، فإننا نجلل العقل البشري بفكر الشتات، والضياع.
وفي المقابل نجد قوة ارتباط المجتمعات القديمة بالدين لازما لمكوناتها العقلية، والسلوكية، لأنها لو لم تكن بهذه العناية لشأن الالتزام بالعقيدة، لما طفر إلى عقولنا شيء يجوز لنا أن نعتبره بين تجليات واقعنا اهتماما، أو تقديرا. بل هذا الاحتفاء بالدين يمكن لنا أن نستلهمه أيضا من كتب التاريخ الذي حكت في مواردها الكثيرة عن تلك التمثلات المتجسدة في موكب السلاطين يوم الجمعة، وموكب قوافل الحجيج، وموكب الاحتفال بحفظ القرآن، وروت كثيرا عن الأوقاف التي سبلت من أجل خدمة العلم، والمعرفة، والشريعة. ولا أدل على ذلك من وجود تراث يتضمن حركية وفاعلية المدارس العلمية، والزوايا، والأضرحة، وجهوزيتها للاستفادة من خبراتها، وتجاربها. وكلها مظاهر تستبطن عمق الاعتقاد، وشدة الالتزام بتعباته الظاهرية، والعملية. ومن هنا، تصير كتب التاريخ أيضا معينة على فهم ودرك حقيقة الماضي الذي أزاح عنه قوم لثام البساطة، فأرادوا أن يمسحوا وجهه بمساحيق التعقيد، والتشدد، والتطرف، فيكون بذلك حربا، لا سلما، وخوفا، لا أمنا.
إن ما يترتب على أسلمة الحاضر، أو الدعوة إليه، أو تسويغ هذا الخطاب المنفر عن الماضي، لن يوصلنا إلا إلى نتيجتين: الأولى: أننا سننشئ جيلا فاقدا لصلته بمضامين عادات وتقاليد الآباء، والأجداد. وذلك ما حدث لكثير من المتدينين الذين التزموا بعادات الشرق، فكانوا ببغاوات تحكي ما تزدرده من سمع، وتتلقفه من كلِم، بل صدر منها صوت معرور ببرد الجمود على حطام الأطلال البالية، فكفرت الأقدمين من العلماء، والأولياء، ونبشت بجوارح اعتدادها صميمَ صدورهم المنسية بين قبورهم، لكي تنتقم لحظوة الشرق الذي يخطو بخطوات نحو تاريخ الصحراء الكاسرة لهدوئنا بأموالها المبذرة في تسويق أنموذجها الديني المتخلف. الثانية: أن مواجهة الواقع بكل ما يرشح عليه من مفاهيم، ونظريات، وأفكار، وآراء، لن يكون لها أي أثر، لأنه الأقوى في فرض ذاته، وكيانه، والأغلب في المقياس، والمعيار. وكيف يمكن لنا أن نواجه في اعتبارنا أخلاقا فاسدة، وباطلة، وقد وفدت علينا من وراء البحار المتخمة بأجساد الصارخين بين أعين الحيتان، ونحن قد أعدمنا الماضي في الحدود، والرسوم، ولم تبق منه إلا صورة التصقنا فيها بفترة لا يجوز تأسيسها في منطق العقول إلا بتسلسلها عبر دورات التاريخ.؟
إن مساهمة الماضي بحظ وافر في الحاضر، لا يتأتى لنا فقهه بهذه النظرة المنغلقة على ذاتها، ووعيه بهذه الفكرة التي ترى ما وصلت إلى غروره تخمة معرفية، لا تحتاج معها إلى ربط جواهر أجزائها بكلية التاريخ، والحضارة. بل في لحظة من اللحظات، ولو ظهر لنا أننا قد تجاوزنا منطق الخوف على المستقبل، وتناولنا الواقع بيد قوية، فإننا سنفقد الأصالة المعرفية، والفكرية. وإذ ذاك لن تتميز حاضرتنا بشيء يجعلها شامخة الاسم بين حواضر الكوكب الأرضي. فهل يحق لنا أن نؤسس في جدلية المعرفة لحقيقة إسهامنا بين بساتين الحضارة الإنسانية، والكونية.؟ إننا إن فتشنا بصدق الموقف عن موقعنا بين أمم الأرض الحالية، فإننا سنجد كثيرا من جهودنا تبذل من أجل الحكم على تجربة التاريخ الذي مضى بكل ما يحمله من حواس الخير، والشر، وغرائز النماء، والموت. فنعول، نولول، ونقول: هل هي إسلامية صرفة.؟ أم فيها عوائق شوهت صورتها، فلم يبق لها إلا ذلك المظهر القبيح.؟

إن ما وصلت إليه الحركات الدينية من نتائج وخيمة، لم تظهر قدرة الالتزام الديني على تبني ما هو واقع في عالم اليوم من أحداث غامضة، بل أظهرت أننا ما زلنا لم نعرف ما لا يجوز لنا أخذه، وما لا يجوز لنا رده. وكل ما لا يجوز أن نعتبره طاقة إيجابية في الحياة الدنيوية، فهو مردود في المنطق الإنساني السليم. وسواء في ذلك المتدينون، أو اللائكيون، أو العلمانيون، أو الملاحدة. لكن ما يجوز لنا أن نأخذ تصريفه في واقعنا، وتدبيره في حياتنا، قد نفصله عن حقيقته، وننقله عن موقعه، لكي ننفخ فيه سؤر أفكارنا الهزيلة، وأخلاقنا الرديئة. وإذ ذاك يكون ما اخترع في الواقع من مستحدث، ومخترع، ومبتكر، لا يعبر عن تنعم الإنسان بحياة الأشياء الموهوبة له في زمنه، بل يبين لنا كمدا، وأودا، وألما، وورما. وذلك ما تنتجه كثير من الأفكار التي يهذي بها الوعاظ من غير درك لمحتواها، وفحواها. وهنا ، تؤدي هذه الصحوة غير المحددة المعالم إلى ضرر يتمدد في كيان العامة، ويستحوذ على صناعة الفكر، وأدوات التطبيق. وتلك هي لحظة الاغتراب، لأنها ستفقدنا صيرورتنا بين الأمم، والشعوب، ثم نعيش حيارى بين واقع يطالبنا بالقرار، والالتزام، والاحترام.
ولعل ما يحدث اليوم من هدم للآثار، وللعمارة، وللأرض، وللتاريخ، وللحضارة، لن نصبح بعد دماره في مدينة نَفَت آثار الآخر عن الدائرة المقدسة، بل سنسخر نوعا من الخرافة في إيجاد حلول ملتبسة لأزمات الأمة المؤمنة بدينها، وحياتها. وعندئذ، سيكون عسيرا علينا أن نضع جبة الرب على وجه كل ما نتوهم من حدث يطرأ، ويحدث، وهو محتاج إلى عمق في التفكير، وحلول عملية تروي عطش الإنسان إلى الأمن، والاستقرار. وهنا، فإن قتل التاريخ والحضارة بوأد كل الآثار الإنسانية، لن يمنحنا تلك العصى السحرية التي تنهي سؤال الإنسان، وولعه بكشف ضمائر الحاضر، والمستقبل، ولن تعيدنا إلى لحظة متسامية في نظرتنا إليها، بل سننهب الماضي بحروبنا الفاتكة بروح الأخوة البشرية، وسنملأ الكون دماء، وأشلاء، وجماجم، ورفاتا. وذلك ما سيهبنا مفاتيح العالم المخزون في أمراضنا، وأدوائنا. لا كنوز ذلك العالم الذي يأمل البشر الوصول إليه. ومن ثم، فإن إطلاق شرارة الصحوة أو اليقظة بين عشب المبتدع من نظم، وأنماط، وسياقات، لم تدعمه قوى ذاتية قادرة على طي مراحل التاريخ، وقراءة المستقبل على صفاء مرآة الماضي، بل ينحدر جذره على جلد الذات، وتأنيبها، والشماتة بالآباء، والأجداد. وفي ذلك خطر على مستقبل العالم الإسلامي، إذ إرخاء عنان العامة من غير كبح لجامح نفوسهم المثخنة بالجراح المؤلمة، لن يفضي بنا إلى أمل يزيح غلالة النكد الذي تدسه أبواق الوعظ بلا محص، ولا فحص. ومرد ذلك عندي إلى اختلال في توازن العقل، والقلب، والروح، وانتحال لصفة المخلص الذي لا يملك قواعد البناء، ولا أدوات التأسيس، ولا دعائم تقف عليها سطوح أفكاره، وأحلامه. ولا عجب إذا رأينا على الوجوه عتمة الأفكار الحالكة، والأقوال الحائرة، وهي تعبر عن مكنونها المكبوت في أعماقها بلغة الرفض، والعنف، والتكفير، والقتل. ومن هنا نتساءل مرة ثانية، ما الذي فقدناه إذا ضيعنا المنبر.؟





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,518,583,627
- كارثة مشعر منى... أي خيار في تفسير النكبة.؟
- تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 1-2
- جذور المعرفة الصوفية
- حين تلتبس المفاهيم
- ناسك في دير الحرف 1
- ناسك في دير الحرف 2
- مقالات في التصوف
- حقيقة المجرم
- مفهوم الحقيقة
- إزالة الإبلاس عن معاني الإرجاس
- أفكار مسوقة (الجزء السادس)
- أفكار مسروقة (الجزء الخامس)
- أفكار مسروقة الجزء الرابع
- أفكار مسروقة (الجزء الثالث)
- أفكار مسروقة (الجزء الثاني)
- أفكار مسروقة (الجزء الأول)
- صرخة براءة صغير
- همم الحكماء، وذمم السفهاء
- تعدد الزوجات بين فحوى النص، وفوضى اللص.
- دموع الجمعة


المزيد.....




- الإيغور: فيديو يثبت استخدام تقنية التعرف على الوجه في المساج ...
- الإخوان المسلمون.. لا يتذكرون شيئا ولا يتعلمون شيئا (1)
- السفير السعودي بالكويت: قادرون على حماية أراضينا والدفاع عن ...
- أمين عام رابطة العالم الإسلامي: الإسلام السياسي يمثل تهديدا ...
- جامعة القرآن الكريم بالسودان تُكرِّم عضوًا بـ”الشئون الإسلام ...
-  وزير الشئون الإسلامية السعودي: الرئيس السيسي “مجاهدا” حافظ ...
- بالصور... ابنة قاديروف تفتتح متجرا للأزياء الإسلامية في موسك ...
- حركة مجتمع السلم الإخوانية بالجزائر: الانتخابات الرئاسية ممر ...
- مناقشة أولى رسائل الدكتوراه في مجال العلوم الإسلامية بروسيا ...
- مصر... المؤبد لـ11 متهما من -الإخوان- والسجن 15 عاما لـ106 ف ...


المزيد.....

- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري
- نقد الاقتصاد السياسي : قراءات مبسطة في كتاب رأس المال. مدخل ... / عيسى ربضي
- الطائفية السياسية ومشكلة الحكم في العراق / عبدالخالق حسين
- النظام العالمي وتداعياته الإنسانية والعربية – السلفية وإغلاق ... / الفضل شلق


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - جميل حسين عبدالله - تجديد المسار... أي دور للمنبر.؟ 3