أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليل الغزالي - حول الديمقراطية















المزيد.....



حول الديمقراطية


خليل الغزالي

الحوار المتمدن-العدد: 4909 - 2015 / 8 / 30 - 20:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




يتميز الخطاب السياسي بشكل عام، وربما العربي منه بشكل خاص، باستعمال العديد من المصطلحات والتعابير المعروفة لكل شخص، والتي، مع ذلك، يمكن لكل شخص فهم مضمونها ومحتواها بشكل مختلف. فهذه المصطلحات هي مثل ثوب فضفاض يترك تصوّر معالم وشكل وتقاطيع ما يخفيه الثوب لخيال المشاهد والمتفرِّج والقارئ، ولكلٍ حِينَئِذٍ حرية التصور والتفسير والإجتهاد كما يلائمه ويناسبه. وعلى سبيل المثال نذكر هنا مصطلحات مثل "الجماهير" و"إرادة الشعب" و"الحرية". ولكن ربما كان مصطلح "الديمقراطية" هو الأخطر والأكثر إثارةً للجدل وسوء الفهم من كل التعابير الأخرى، لأنه بات يستعمل، وخاصةً في وطننا العربي، بشكل شمولي غير دقيق، غالباً فقط للتمييز عن الدكتاتورية، بل في كثير من الأحوال لوصف بنيويات وهياكل لها تركيبها وتعريفها المستقل، الذي لا يشترط الديمقراطية بالضرورة في تطبيقها وممارستها، مثل "دولة المؤسسات" أو "دولة القانون"، أو حتى ضمان الحريات الشخصية. وبينما كانت كل القوى اليسارية في الوطن العربي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي تعتبر الديمقراطية، وعن حق، ليست سوى إكذوبة تتيح للأغنياء إستغلال الفقراء وسرق ثروات المجتمع، أصبح اليوم مطلب الديمقراطية مثل "الكليشيه" الذي لا يمكن أن يغيب في أي خطاب سياسي، حتى من بعض القوى اليسارية مع الأسف، دون تحديد ما هو المقصود بالضبط بهذا التعبير، وغالباً بالإفتراض المسبق للضرورة الشَرطية للديمقراطية، كنظام حكم، في عملية تطبيق وممارسة العدالة الإجتماعية والمساواة وإحترام حقوق الإنسان وبناء دولة المؤسسات والدستور، دون أي إثبات لهذا الإفتراض العاري من الصحة.
كما هو معروف، فأن أصول كلمة "الديمقراطية" تعود إلى اللغة الإغريقية، وتعني "حكم الشعب" ( الترجمة الأصح هي في الحقيقية "حكم المواطنين"). ولكن هل تتيح الديمقراطية الحديثة ( الديمقراطية الليبرالية ) فعلاً للشعب أن يحكم نفسه بنفسه؟ وهل أن حكم "الشعب" أساساً ممكن إجتماعياً في مجتمع طبقي؟ وهل تعبِّر الديمقراطية الليبرالية حقيقةً عن حكم الأكثرية، كما يُدَّعى دائماً؟ أم هي بالعكس حكم الأقلية المسيطرة على وسائل الإنتاج على بقية فئات الشعب؟ سنحاول في هذا البحث الموجز، عن طريق عرض قصير للديمقراطية في التاريخ، ثم تحليل الديمقراطية الليبرالية المعاصرة في الدول الصناعية وفي الدول العربية من وجهة نظر ماركسية، الإجابة على هذه الأسئلة.

لمحة تاريخية

أن أول ديمقراطية في التاريخ، وفي الوقت نفسه أول إستعمال لمصطلح الديمقراطية لوصف هذه الممارسة، كانت في مدينة أثينا حوالي سنة ٥-;-٠-;-٨-;- ق.م. وكانت "الديمقراطية الأثينية" ديمقراطية مباشرة تقوم على التصويت المباشر "لمواطني أثينا" أثناء التجمع العام للمواطنين. وهذا الحق ( المواطنة ) كان محصوراً بالذكور فوق سن العشرين، الذين يرثون هذا الحق عادةً من آبائهم. أما النساء والعبيد ( الذين كانوا غالباً من الفقراء الذين أُسْتُعبدوا لعدم إمكانيتهم من سداد ديونهم ) و"الغرباء"، أي سكان أثينا من أصل غير أثيني، حتى لو كان يوناني، فلم يكن لهم حق التصويت، أو المشاركة أصلاً في التجمع. وبهذا كانت نسبة "المواطنين" لا تتعدى ال١-;-٠-;-٪-;- ( حوالي ٣-;-٠-;-٠-;-٠-;-٠-;- مواطن من أصل ٣-;-٠-;-٠-;-٠-;-٠-;-٠-;- مجموع عدد السكان ). أي، بمعنى آخر، فأن الديمقراطية الأولى في التاريخ لم تكن سوى استحواذ فئة صغيرة ( الأغنياء ) على السلطة على حساب بقية فئات المجتمع ( ولكن هذه الملاحظة يجب ألّا تقلل من الأهمية التاريخية لهذه الممارسة باعتبارها تطور نوعي تقدمي، بل وحتى يكاد أن يكون ثوري، في التطور الإجتماعي للبشرية).
وتنطبق هذه الحقائق على "الجمهورية الرومانية" بين سنوات ٥-;-٠-;-٩-;- ق.م. و ٢-;-٧-;- ق.م.، حيث كان حق الإنتخاب، وكذلك حق العضوية في "مجلس الشيوخ Senatus"، محصوراً في فئة صغيرة، هي فئة "المواطنين"، التي كانت تكون أقلية صغيرة بين سكان روما، بينما حرمت الأكثرية من هذا الحق.
وبعد إنهيار الإمبراطورية الرومانية كانت ما سمّي "الوثيقة العظمى Magna Carta"، التي نظمت وحددت صلاحيات الملك الإنگليزي ( جون آنذاك )، خاصةً في فرض وإستحصال الضرائب من الأرستقراطيين والإقطاعيين في إنگلترا، هي أول خطوة في إضعاف الملكية المطلقة، ومحاولة إعطاء طبقة الإقطاعيين والأرستقراطيين حقوقاً أكثر. وتعتبر "الوثيقة العظمى" النواة التي أدت في النهاية إلى إنشاء البرلمان الإنگليزي، ثم بعد قرون البرلمان البريطاني ( في سنة ١-;-٧-;-٠-;-٧-;- ). وكان هذا البرلمان منذ البداية يتكون من "المجلس الأعلى أو مجلس اللوردات House of Lords"، والمجلس الأدنى أو مجلس العموم House of Commons"، مع حصر معظم الصلاحيات والحقوق في المجلس الأول، وحرمان ممثلي العموم ( الفلاحين والفقراء بشكل عام ) من أي نفوذ أو صلاحيات تستحق الذكر.
وعدا عن إعلان "جمهورية كورسيكا"، التي أعطت حق الانتخاب لكل المواطنين، رجالاً ونساء،لأول مرة في التاريخ، والتي مع الأسف لم تدم إِلَّا لسنوات معدودة، وعن إنتخابات "المؤتمر الوطني الفرنسي" بين ١-;-٧-;-٩-;-٢-;- و ١-;-٧-;-٩-;-٥-;-، أي بعد الثورة الفرنسية مباشرةً، لم تشهد بقية القارة الأوروپية ، أو حتى في بقية العالم، أي ممارسات "ديمقراطية" تستحق الذكر في تلك الفترة.
وفي أمريكا، وبعد حروب الأسقلال وطرد المحتلين الإنگليز، أُعلن في سنة ١-;-٧-;-٨-;-٧-;-الدستور الجديد، ودخل إلى حيّز التنفيذ بأسم "دستور الولايات المتحدة". وضمن هذا الدستور الإقتراع العام لإنتخاب رئيس الدولة والحكومة، كما ضمن حد أدنى من الحقوق "للمواطنين"، ولكنه في نفس الوقت إعترف بالعبودية، وحرم "العبيد"، وكذلك سكّان القارة الأصليين، من أي حقوق أو من أي مشاركة فعالة في القرار السياسي. وعدا عن ذلك فقد كان حق الإنتخاب محصوراً بالذكور فقط ( أي أن حق الإنتخاب كان في، النهاية محصوراً في الذكور ذوي البشرة البيضاء، الذين ينحدرون من أصول أوروپية ). ورغم ذلك كله، فقد كان دستور الولايات المتحدة الأكثر تقدمية في كل العالم في تلك الحقبة الزمنية. ولم تُلغى العبودية بمقتضى الدستور إِلَّا بعد إنتهاء الحرب الأهلية الأمريكية في سنة ١-;-٨-;-٦-;-٥-;-. وهذه الحرب لم تكن بالطبع حرب "إنسانية" لتحرير العبيد من العبودية، وإنما شنتها الطبقة الرأسمالية الصناعية الناشئة المتمركزة في الولايات الشمالية الشرقية، والمتأثرة "بالثورة الصناعية" في أوروپا، ضد الطبقة الأقطاعية الرجعية المتخلفة، والمتمركزة في الولايات الجنوبية، في محاولته لإعادة هيكلة المجتمع على أساس صناعي رأسمالي. وبذلك تحول "العبيد" السابقون، وكذلك كل الفلاحين ذوي الملكية الصغيرة وكل الفقراء والكادحين إلى پروليتاريا صناعية. ويعتبر نصر الولايات الشمالية في الحرب الأهلية الحجر الأساس لنشوء "الأمبراطورية" الأمريكية كقوة رأسمالية وأمپريالية عظمى في العالم.

الديمقراطية الليبرالية الحديثة

نشأت الديمقراطية الحديثة، بالمعنى المعاصر لهذا المصطلح، في أوائل القرن العشرين في دول أوروپا الغربية الصناعية وفي الولايات المتحدة، بعد التطور الهائل للتصنيع والبحث العلمي، الذي أُستغِلَّ مباشرةً لتحديث وسائل الإنتاج وزيادة الإنتاجية، وبعد أن فشل النظام الإجتماعي القديم في مواكبة هذا التطور، بل وأصبح عقبة في طريقه، وبروز الحاجة الملحة لنظام إجتماعي جديد يتأقلم مع متطلبات الرأسمالية ( والإمپريالية ) النامية، ويدعمها بشكل فعّال. فقد أدركت الطبقة الرأسمالية أن التقدم والتطور الهائل في العلوم والمعرفة والتكنيك، الذي وصلت إليه البشرية في تلك المرحلة، يفتح الطريق لتراكم الأرباح بشكل غير مسبوق، وذلك بزيادة الإنتاجية بعدة أضعاف. ولكن هذا الهدف كان يستدعي تغيير بنية المجتمع السياسية والإجتماعية، وحتى الثقافية، بشكل يُسَهِّل هذه العملية وييسِّر تنفيذها بشكل مثالي. فأن إنجاز مثل هذه المهمة كان يستدعي توفير شروط معينة بدونها تكون فرص النجاح ضئيلة، إن لم تكن معدومة. فأولاً كان من المهم بناء نظام سياسي مستقر ومتوازن يقوم على أساس قانوني ودستوري، يثق الجميع بأن الطبقة الحاكمة ستضمن الإلتزام به، لكي يكون من الممكن إقناع أصحاب الأموال بإستثمار أموالهم في مكائن ومصانع وفي البناء التحتي المرافق لها، والتي لا يمكن نقلها إلى مكان أخر إذا أصبح الوضع غير ملائم. وثانياً كان يجب بناء جيش هائل من "الپروليتاريا"القادرة على تنفيذ وإدارة عمليات الإنتاج، وتشغيل وسائل الإنتاج الحديثة، وتوفير شروط ومستلزمات عمليات النقل والإمداد والتسويق، وكذلك تقديم الخدمات العامة غير المباشرة، ولكن الضرورية لإتمام هذه العملية. وثالثاً أدركت الطبقة الرأسمالية النامية بشكل مبكّر أن جيش الپروليتاريا هذا لايمكن أن يحقق ما تطمح فيه من المضاعفة المستمرة للإنتاجية إذا إستمر أرباب العمل على معاملته على طريقة إقطاعيي القرون الوسطى للفلاحين،أو على طريقة أصحاب مزارع القطن في الولايات الأمريكية الجنوبية للعبيد، أو أصحاب معامل النسيج في مانشستر لعمالهم. لذلك إضطرت الرأسمالية الأوروپية والأمريكية لبناء نظام سياسي مخادع يعتقد العمال والفلاحين والحرفيين وكل الكادحين فيه أنهم يختارون حاكميهم بأنفسهم بواسطة الإنتخابات، وكذلك إلى منح بعض الحريات الشخصية والسياسية وتحسين الوضع المعيشي للشعب بشكل عام كحوافز إيجابية لتكريس الولاء الفردي والجماعي لكل المشاركين في عملية الإنتاج الرأسمالي لهذا النوع من النظام الإقتصادي.
هذه كانت العوامل الرئيسية لقيام النظم الديمقراطية، بالمعنى الحديث، في المجتمعات الصناعية المتطورة. ولأن الرأسمالية لم تعد تستطيع الإستغناء عن ضم النساء بشكل واسع في عملية الإنتاج، فقد إضطرت لمنحهن حق التصويت في الإنتخابات، الذي منعته المجتمعات الذكورية في هذه الدول لمئات السنين، فنلاحظ أن هذا الحق منح لأول مرة في عام ١-;-٩-;-١-;-٨-;- في ألمانيا، وفي عام ١-;-٩-;-٢-;-٠-;- في الولايات المتحدة، وفي عام ١-;-٩-;-٢-;-٨-;- في بريطانيا، وفي عام ١-;-٩-;-٤-;-٥-;- في فرنسا. أما في سويسرا فلم ينل النساء هذا الحق حتى عام ١-;-٩-;-٧-;-١-;-.
وكما نرى، فأن الديمقراطية، بمعنى تشكيل الحكومات وتغييرها بواسطة الإنتخابات، نشأت وتطورت لأسباب إقتصادية بحتة، وذلك لتكوين البيئة الإجتماعية المثالية للإنتاج الصناعي الواسع النطاق، حيث يُخدع المشاركين الأساسيين في عملية الإنتاج بشكل دوري عن طريق مسرحية الإنتخابات العامة، حيث تتغير بين فترة وأخرى الوجوه والأفراد في الحكومات، دون أي مساس بالطبقة الحاكمة فعلياً، الذين هم أصحاب رؤوس الأموال وأصحاب البنوك والرأسمالية المالية. وبذلك يسود الإعتقاد بشكل عام أن السلطة إنبثقت من "الشعب"، فتتضائل بذلك مسببات الصراع الطبقي السياسي، وينصرف الجميع لتأدية واجباتهم في زيادة الإنتاج ومراكمة أرباح أصحاب رؤوس الأموال. ولا شك أن تراكم الأرباح هذا، الذي من أسبابه أيضاً، أو ربما العامل الأساسي فيه، أستغلال وإستعباد الشعوب الفقيرة والضعيفة في كل العالم، ونهب ثرواتها الطبيعية، ساعد في زيادة "الصدقات" التي تمنحها الرأسمالية المحلية "لجيشها الپروليتاري" المحلي، مما أدى إلى تكريس وتقوية شعور الولاء والإنتماء داخل هذا الجيش لهذا النظام، وبشكل أهم ترسيخ شعور الرضاء والإستقرار بشكل واسع داخل المجتمعات الغربية بشكل عام.
السؤال الأساسي المطروح في هذا البحث هو عما إذا كان نظام الديمقراطية الليبرالية في دول الغرب الصناعية يمثل فعلاً "سلطة الشعب". وللإجابة يجب تحليل أسس هذا النظام من وجهة النظر الماركسية الطبقية، وعلى أساس المبادئ المادية التاريخية. وقبل البدء بهذا التحليل يجب أولاً تحديد معنى ومحتوى مصطلح "الديمقراطية"، الذي يعني بالنسبة لنا فقط نظام الدولة القائم على تشكيل وتغيير السلطة التنفيذية، أو الحكومة، والسلطة التشريعية عن طريق إنتخابات دورية يشارك فيها كل شخص راشد حائز على صفة "المواطنة" في ذلك البلد، بعض النظر عن جنسه أو معتقداته أو ثروته، بحيث يكون لكل شخص نفس العدد من الأصوات. أي أن هذا المصطلح لا يشمل صفات أو أسس أخرى يمكن أن تمارسها هذه الدولة بشكل متوازي مع الديمقراطية، دون أن يكون هناك ضرورة شرطية لوجود نظام الديمقراطية الليبرالية لممارسة هذه الأسس، والمقصود هنا مكونات ومبادئ مهمة للدولة مثل "الدولة الدستورية"، و"دولة القانون" ( ويستعمل في أوروپا في هذا المجال تعبير Rechtsstaat الألماني حتى في اللغة الإنگليزية )، ودولة المؤسسات، ومبدأ ضمان كرامة الإنسان وحقوق الإنسان، على سبيل المثال. كل هذه المكونات يمكن ممارستها دون وجود نظام ديمقراطي ، بمعنى الإنتخابات، وبالمقابل يمكن وجود نظام ديمقراطي لا يمارس هذه المبادئ. ومن الضروري التمييز الواضح في تعريف كل هذه المصطلحات والمبادئ، وعدم الخلط بينهم. وتحليلنا في السطور القادمة سيتعلق فقط بمصطلح ومبدأ الديمقراطية بمعنى إنتخاب الحكومات والبرلمانات من "المواطنين" عن طريق إنتخابات دورية.
تقليدياً يستطيع الناخبون الإختيار بين شخصين أو حزبين، وفي بعض الدول ثلاثة أو أربعة، حيث يطرح كل منهم برنامجه السياسي للحقبة التالية المتفق على مدتها مسبقاً، وبالتالي يختار كل ناخب البرنامج الذي يناسبه أو الأقرب لتصوراته. على الأقل هكذا تدعي الرأسمالية الحاكمة في هذه الدول. ولكن هل الواقع هو فعلاً كذلك؟ هل يتخذ الناخب قراره باستقلالية حقيقية دون أي تأثيرات خارجية؟ والسؤال الأهم هو: هل لمجموع كل هذه الخيارات، أو بالأحرى لنتائج هذه الإنتخابات، تأثير حقيقي على الهيمنة الفعلية والعملية لرأس المال العالمي على المجتمع؟
ولكن الخيار هو في العادة محدود جداً. ففي الولايات المتحدة وبريطانيا يتكون الخيار تقليدياً من شخصين أو حزبين، بينما يتنافس في بقية أوروپا ثلاثة أو أربعة أحزاب على المقاعد الحكومية، دون أن يكون هناك فروق جوهرية وأساسية في الأداء السياسي والتنفيذي للحكومات المختلفة، بينما تظل الأهداف والبرامج السياسية المعلنة في الحملات الإنتخابية، باعتراف الأحزاب نفسها، وعود وهمية لا تساوي ثمن الورق التي كتبت عليه. فالناخب يختار بين وجوه ودمى مختلفة، معتقداً عن خطأ بأنه يشارك بذلك في القرار السياسي، دون أن يمس بهيمنة مالكي السلطة الحقيقيين، الرأسمالية الصناعية والمالية، الذين يسَيٰ-;-ّرون ويتحكمون بهذه الحكومات، أياً كان شكلها، كما في مسرح الدمى. ومن الناحية الأخرى تشجع الرأسمالية الصناعية والمالية المهيمنة التغيير الدوري للوجوه الحاكمة، بل وتُسَخِّر نفوذها لممارسته، لكي تكرس الشعور العام في المجتمع، بأن الإنتخابات ذات أهمية وتأثير، وإلّا لانكشفت اللعبة للجميع. ولكن في النهاية ليس هناك عملياً أي فرق جوهري، إن فاز الجمهوريون أو الديمقراطيون في الولايات المتحدة، أو المحافظون أو حزب العمال في بريطانيا، أو الإشتراكيون أو الوسطيون في فرنسا، وهلم جراً.

والعامل الثاني الذي يؤكد أن الإنتخابات الليبرالية لا تمثل إرادة كل مواطني الدولة ( الشعب ) هو تدني نسبة الناخبين الفعليين في الإنتخابات، وخاصة خلال العقدين أو الثلاثة الأخيرة. فكما هو معروف، فأن نسبة الناخبين في الإنتخابات الرئاسية الأمريكية لا تتعدى ال٥-;-٠-;-٪-;- إِلَّا بقليل، بينما كانت تتجاوز ال٦-;-٥-;-٪-;- في أوائل القرن الماضي. أما في إنتخابات الكونغرس فلا تتعدى هذه النسبة ال٤-;-٠-;-٪-;-. وفي أوروپا بشكل عام، فأن هذه النسبة أفضل بقليل، حيث تتراوح بين ٦-;-٠-;-٪-;- إلى ٧-;-٠-;-٪-;- في الإنتخابات الرئاسية أو الرئيسية، ولكنها عادةً أقل من ٥-;-٠-;-٪-;- في الإنتخابات المحلية. أي، بكلمة أخرى، فأن حوالي نصف عدد المواطنين الراشدين (نصف الشعب) لايعطي لهذه المهزلة أو الخدعة الرأسمالية أي أهمية، بغض النظر عن الأسباب الشخصية المحددة التي قادت كل شخص لهذا القرار. وهذا يعني أن هناك قناعة جماعية لدى جزء كبير من المجتمع، مبنية على تجارب أجيال عديدة، بأن هذا النوع من الإنتخابات لا يقدم ولا يؤخر في قضية الهيمنة وممارسة السلطة الفعلية، ولو أن هذه القناعة لم تجد حتى الآن أي إطار تنظيمي أو فكري داخل المجتمع يتولى طرحها وتحليلها وإستنتاج عبرها.
في الانتخابات الليبرالية في الدول الصناعية ( كما في كل الدول الأخرى أيضاً ) يتم فقط إنتخاب الدمى التي ستنال شرف الرقص عن طريق جر الخيوط التي يتحكم بها أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبيرة فوق القومية. فالسلطة الفعلية كانت ولا تزال وستبقى ( طالما يستمر النظام الرأسمالي ) في يد الرأسمالية العالمية فوق القومية، وما الحكومات والرؤساء والبرلمانات إِلَّا موظفين صغار عند هذه الطبقة.

وتتخذ أساليب ممارسة نخبة من الطبقة الرأسمالية للسلطة الفعلية أشكال مختلفة وعديدة، حيث لكل دولة أو منطقة "تقاليدها" الخاصة النابعة عن التطور التاريخي المحدد للطبقة الرأسمالية. فالطريقة الأكثر ممارسةً هي شراء المرشحين للمناصب الرئاسية أو الحكومية أو البرلمانية مبكراً وقبل أن يترشحوا لمنصب قيادي بشكل غير مباشر عن طريق تسهيل صفقات تجارية لهم مباشرةً أو لأفراد عوائلهم أو لشركاء غير معلن عنهم، أو عن طريق وعود بمناصب مدرة للمال في إدارات الشركات الكبيرة بعد الإعتزال من العمل السياسي، أو عن طريق تمويل الحملات الإنتخابية للأشخاص وللأحزاب، والتي أصبحت تكاليفها في العقود الأخيرة تصل أرقام خيالية، أو حتى أحياناً ببساطة عن طريق الإبتزاز ( لا تختلف هذه الممارسات بشكل عام عن أساليب عصابات المافيا في إدارة "أعمالها"). وفي أمريكا إعتادت الطغمة الرأسمالية الصناعية والمالية، بين حين وآخر، إرسال ممثلين من أعضائها لاستلام بعض المراكز المهمة في الدولة، لضمان تنفيذ بعض الخطط لاستراتيجية، وخاصة في مجال محاولة الهيمنة على العالم. وشاهدنا ذلك، على سبيل المثال، في العقود الحديثة في أشخاص مثل روبرت ماكنمارا، وجورج بوش الأب، وجورج بوش الإبن، ودونالد رامسفيلد، وديك تشيني، وهنري پاولسون وكثيرين غيرهم. أما في أوروپا فتُمارَس السيطرة الفعلية على الأجهزة التنفيذية والتشريعية ( والإعلامية ) غالباً عن طريق منظمات وهيئات شبه سرية، أو على الأقل تتفادى أي نشاط إعلامي أو علني، مختفية وراء أسماء وأوصاف "بريئة"، مثل "منظمات غير حكومية Non- Government Organisation" أو "مركز فكر أو مركز أبحاث Think Tank". وأهم هذه المنظمات على الإطلاق ما يسمّى "مجموعة بلدربيرغ Bilderberg Group"، وهي منظمة غامضة لايعرف عن ألياتها وخلفياتها وأعضائها إِلَّا القليل. وتجتمع هذه المجموعة مرة في السنة، ويضم الإجتماع نحو ١-;-٤-;-٠-;- إلى ١-;-٥-;-٠-;- شخصاً،حوالي ثلاثة أرباعهم من كبار أصحاب رؤوس الأموال ورؤساء وأعضاء المجالس الإدارية في الشركات عبر القومية وكبار الأغنياء، إضافة إلى ممثلين من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ( رأس حربة الرأسمالية الدولية لنهب وإبتزاز الدول الفقيرة والنامية )، وسياسيين من حكومات وبرلمانات الدول الصناعية، عادةً من الصف الثاني الذي يشرف عملياً على إدارة المؤسسات الحكومية، وأهم رجال أجهزة الإستخبارات والتجسس، إضافةً إلى رؤساء وسائل الإعلام واسعة الانتشار. ويحاط الأجتماع بسرية كبيرة، حيث يعلن فقط على موعده ومكان إنعقاده وجدول أعمال الإجتماع على شكل نقاط، ولكن ليس علي سير النقاش أو نتائج المؤتمر، كما لا يسمح لأي أحد من الإقتراب من مكان الإجتماع، وخاصة الصحفيين. ولذلك تعتبر هذه المجموعة من قبل الكثير من المحللين السياسيين هي الحاكم الفعلي للعالم. وعلى سبيل المثال، تضمن جدول أعمال إجتماع سنة ٢-;-٠-;-١-;-٤-;- الذي عقد في كوپنهاغن نقاط مثل: "الهيكلة الجديدة للشرق الأوسط" و"مستقبل أوكرانيا" و "مستقبل الصين السياسي والإقتصادي" و "تبادل المعلومات الإستخبارية" و " مستقبل الطبقة الوسطى والديمقراطية". بينما يُعتَقَد أن إجتماع ٢-;-٠-;-١-;-٥-;- المزمع عقده في قرية صغيرة في مقاطعة التيرول في النمسا سيناقش خطط تقسيم الشرق الأوسط وتقسيم أوكرانيا بشكل أساسي.
أما المنظمة الثانية في الأهمية في هذا السياق فهي ما يسمّى "اللجنة الثلاثية Trilaterale Commission". وهذه المجموعة أسسها داڤ-;-يد روكفلر، حفيد بارون النفط الشهير، والذي يملك عدة بنوك في كل العالم، وذلك في عام ١-;-٩-;-٧-;-٣-;-، أثناء إجتماع مجموعة بلدربيرغ لتلك السنة، ومن أعضائها المؤسسين أيضاً زيغنييڤ-;- بريجنسكي، جورج بوش الأب، روبرت ماكنمارا، پول وولفوڤ-;-يتز وجون ماكين. وتجتمع هذه المجموعة المتكونة من حوالي ٤-;-٠-;-٠-;- شخص، معظمهم من كبار أصحاب الأموال، وخاصةً ممثلي الرأسمالية المالية من أصحاب البنوك الكبرى، خمسة مرات في السنة، وكما في حالة مجموعة بيلدربيرغ، لا تنشر أي تفاصيل حول هذه الإجتماعات، بل أن وسائل الإعلام تتجاهل هذه المجموعة حتى أكثر من سابقتها، حتى أنه يمكن القول بدون أي مبالغة أن أكثر من ٩-;-٥-;-٪-;- من عامة الناس في أمريكا وأوروپا لم يسمعوا بهذا ألأسم في كل حياتهم.
وإذا كانت المجموعتين اللتين تم ذكرهما يمثلان السلطة الفعلية التي ترسم الأطر الاستراتيجية العامة للسياسة العالمية، فيمكن تشخيص العشرات من هذه المجموعات أو المنظمات الأخرى التي تتكفَّل بالتنفيذ الفعلي لهذه السياسات، من خلال التغلغل والانسلال داخل الأحزاب السياسية والبرلمانات، وبالتالي داخل المؤسسات الحكومية الأساسية، وكذلك داخل أجهزة ووسائل الإعلام والصحافة بكل أنواعها. وتمارس الرأسمالية الأمريكية على وجه الخصوص، عن طريق هذه المؤسسات هيمنتها الفعلية على السياسة الأوروپية، وخاصة في مجال السياسة الخارجية.
وأهم هذه المؤسسات إطلاقاً هي "تشاثام هاوس Chatham House"، التي مركزها لندن، والتي تصف نفسها بأنها "منظمة غير حكومية محايدة مهمتها الأساسية تحليل الأحداث الدولية المعاصرة، ومراقبتها، وتقديم حقائق عنها لكل المهتمين". ويمكن للشركات والمؤسسات وللأفراد على حد سواء العضوية، حيث يتكون الأعضاء حالياً من ٧-;-٥-;- شركة كبرى ( بينها كل شركات النفط وكل بنوك الإستثمار تقريباً )، إضافة إلى ٢-;-٦-;-٣-;- شركة كبيرة أو متوسطة، و ٢-;-٧-;-٧-;-٠-;- شخصاً من السياسيين والبرلمانيين ورجال الأعمال والدبلوماسيين والإعلاميين بكل أنواعهم ، وكذلك نخبة من الكادر العلمي والثقافي، معظمهم من أمريكا وأوروپا الغربية. ومن الجدير بالذكر أن أحد أهم برامج هذه المؤسسة هو "برنامج دراسات الشرق الأوسط".
والمنظمة الثانية التي تستحق الذكر بشكل خاص هي "الجسر الأطلسي Atlantik Brücke" الألمانية، والتي تتخذ من برلين مركزاً لها، وتصف نفسها بأنها "تهدف إلى توطيد العلاقات الإقتصادية والمالية والتجارية والثقافية والعسكرية بين ألمانيا والولايات المتحدة". وتضم هذه المنظمة حوالي ٥-;-٠-;-٠-;- عضو من كبار السياسيين وأعضاء البرلمان ورؤساء تحرير أهم الصحف الألمانية ومحرري الأخبار في التلفاز والإذاعة، وكذلك نخبة من رجال الأعمال ومدراء البنوك. وتعتبر عضوية هذه المنظمة بمثابة جسر للحصول على المراكز الأعلى في المنظمات السياسية والأحزاب والحكومة والبرلمان وأيضاً داخل المؤسسة الإعلامية في ألمانيا، بل ويمكن حتى القول أنه، بسبب سيطرتها الفعلية على البرلمان ووسائل الإعلام، لا يمكن أن يكتب النجاح لأي مشروع سياسي يخالف آراء هذه المنظمة.
وهناك بالطبع العشرات من أمثال هذه المنظمات والجمعيات في كل الدول الصناعية التي تنتهج نظام الديمقراطية الليبرالية، لا يتسع المجال في هذا البحث الموجز التطرق لها بالتفصيل، وعلى سبيل المثال، لا الحصر، نذكر مؤسسة المشروع الأمريكي American Enterprise Institute وجمعية التراث Heritage Foundation، اللذان لهما التأثير الأكبر على سياسات الولايات المتحدة، وكذلك معهد أسپن Aspen Institute الأمريكي والذي له فروع في كل العواصم الأوروپية تقريباً، وجمعية مارشال الألمانية German Marshall Fund.
كل هذه المنظمات والمؤسسات تشكل شبكة معلومات وإتصالات واسعة تُمارس من خلالها النخب الرأسمالية الصناعية والمالية نفوذها المباشر على معظم أعضاء الحكومة والبرلمان والصحافة والإعلام، وتستعملها في نفس الوقت كغطاء لعقد صفقات مربحة لهؤلاء الأشخاص كنوع من الرشوة وشراء الذمم. وما زعم أن الديمقراطية في الدول الصناعية تعني "سلطة الشعب" إِلَّا أسطورة أبتدعتها الرأسمالية، لا يصدقها سوى السذج. ولكن هذا، في نفس الوقت، لا يعني أن هذه "الديمقراطية" المزعومة ليست "أيجابية" أو"تقدمية" مقارنةً بالأنظمة الإجتماعية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر في أوروپا. فمن وجهة النظر المادية التاريخية تشكل ما يسمّى بالديمقراطية في الدول الصناعية، وما رافقها من أُطر إجتماعية وتشكيلات بنيوية مثل " دولة المؤسسات" و"دولة القانون" طفرة نوعية تقدمية، بل وحتى يمكن القول ثورية، في العملية التاريخية لتطور المجتمعات الإنسانية. فقط يجب عدم نسيان أسباب وخلفية هذا التطور، وهو أن الرأسمالية المتطورة، وبحكم تطور أدوات الأنتاج التي أصبحت قادرة على الإنتاج الشامل والضخم، أدركت أنها تحتاج إلى تركيبة إجتماعية ثابتة ومستقرة، تكرس شعور الطبقة العاملة والكادحة فيها للإنتماء والولاء لها، دون أن تفرط بنفسها بأي قدر من النفوذ الفعلي في ممارسة السلطة، أي بكلمة أخرى، فقد حددت البنية الإقتصادية للمجتمع ( القاعدة ) شكل وهيكلة البنية الفوقية (السلطة)، كما أثبت ماركس قبل أكثر من ١-;-٥-;-٠-;- سنة.

الديمقراطية في البلاد العربية

التحليل اللاحق للديمقراطية سيتناول تجارب الإنتخابات المختلفة في الدول العربية في القرن الماضي حتى اليوم بشكل أساسي، ولكنه، بطبيعة الحال، ينطبق جوهرياً على كل تجارب الإنتخابات ( والتي سنسميها لاحقاً مجازاً "الديمقراطية" ) في الدول والمجتمعات خارج معسكر الدول الصناعية المتقدمة.
على عكس الدول الصناعية، حيث نشأت الإنتخابات الديمقراطية الليبرالية كنتيجة مباشرة للصراع الطبقي داخل المجتمع، وبالتحديد نتيجة ولادة نظام إقتصادي جديد ووسائل إنتاج جديدة قادت بالتدريج إلى تضخم هائل في إنتاج البضائع إستوجب تنظيم جديد للمجتمع نفسه، فقد فُرِضت الإنتخابات الديمقراطية في عدد قليل من البلاد العربية ( ولو بشكل صوري ) من قوى إحتلال خارجية في بداية القرن الماضي،وعلى سبيل المثال نذكر العراق بعد الإحتلال البريطاني عام ١-;-٩-;-١-;-٨-;-، ثم بعد الإحتلال الامريكي عام ٢-;-٠-;-٠-;-٣-;- مرة ثانية، ولبنان بعد الإحتلال الفرنسي، وتونس بعد الإحتلال الفرنسي. وهذا يعني أن مبدأ إختيار السلطة ( أو جزء من السلطة ) عن طريق إنتخابات عامة لم يكن نتيجة تطور إجتماعي وتاريخي وإقتصادي من داخل المجتمع إستوجب هذا الشكل من إدارة الدولة ، بل كان إستنساخاً لتجارب الدول المحتلة نفسها في مجتمعاتها الأصلية، ربما لتسهيل هيمنتها الفعلية على مستعمراتها بأقل التكاليف والجهود. والفارق الأساسي الثاني، وهو الأهم، هو أن الإحتلال الخارجي فرض مبدأ الإنتخابات ( غالباً للبرلمان فقط، وليس الحكومة أو منصب الرئاسة ) على هذه الدول، دون أن يهتم بالأُسس الأخرى للدولة التي رافقت نشوء الديمقراطية الليبرالية في الغرب، أي " دولة المؤسسات" و"دولة الدستور" و"دولة القانون"، بل يمكن القول أنه بذل جهوداً كبيرة لعرقلة أي تطورات من هذا النوع.
وقد واجهت "الديمقراطية" المزيفة في البلاد العربية ( أو بشكل أصح في بعض البلدان العربية ) "نكسة" كبيرة بعد الإنقلابات العسكرية في الأقطار العربية المهمة والأساسية، مصر والعراق وسوريا، وقيام أنظمة قومية ( بمعنى محاولة بناء دولة قومية )، غالباً ممثلة بشخص واحد ذو شخصية قيادية وجذابة للجماهير، حاولت بكل وسعها أن تكون مستقلة في الرأي والقرار عن قوى الإستعمار والإمپريالية العالمية، ولو أنها لم تكن ناجحة في ذلك على المدى الطويل. وهكذا شهدنا نظام جمال عبد الناصر في مصر، وعبد الكريم قاسم في العراق، وحافظ الأسد في سوريا ( كتتويج لسلسلة من الإنقلابات العسكرية على مدى عشرين سنة )، وكذلك أنظمة مشابهة من حيث الجوهر في ليبيا والجزائر، وإلى حد ما أيضاً في اليمن. وكل هذه الأنظمة كانت، من وجهة النظر المادية التاريخية، أنظمة وطنية وتقدمية حققت الكثير من الإنجازات المهمة، بل يمكن وصف بعضها بالتاريخية، مثل تأميم قناة السويس وتأميم النفط العراقي والمحاولة الفاشلة للوحدة بين مصر وسوريا وإعادة إحياء القضية الفلسطينية وشن الحروب على الكيان الإسرائيلي،رغم الهزيمة العسكرية. وكان أحد القواسم المشتركة بين جميع هذه الأنظمة إلغائها كل الرموز والكيانات المستوردة، أو بالأحرى المفروضة من المحتلين، في أجهزة الدولة، ومنها البرلمانات، وبالتالي الإنتخابات. ويجب هنا التأكيد أن هذا الإجراء أو هذه السياسة، التي مورست بدون إستثناء في جميع هذه الدول، كانت في غاية الأهمية وضرورية من وجهة نظر قادة هذه الأنظمة، اللذين لم يكونوا مستعدين بأي حال من الأحوال التفريط في إستقلاليتهم الكاملة في الرأي والقرار السياسي، والذين أدركوا بالغريزة أن أي نوع من الإنتخابات لن يعبر عن مطالب الشعب، وإنما سيفتح الباب على مصراعيه لتدخل القوى الخارجية، وبالتحديد دول الإحتلال السابقة، وبالتالي السيطرة على كل العملية السياسية، كما أثبتت السنين اللاحقة وحاضرنا المعاصر.
بعد الفشل الذريع لمعظم تجارب بناء الدولة القومية عن طريق العسكر، وإنهيار معظم هذه الإنظمة لأسباب عديدة لا تتعلق بموضوع هذا البحث، إستطاعت الرأسمالية العالمية، والإمپريالية الأمريكية بالتحديد، السيطرة على زمام السلطة من جديد في هذه الدول عن طريق زرع رؤساء وحكومات صورية تدين لها بالولاء التام. ومع هذا التطور عادت الممارسات "الديمقراطية" المزيفة إلى الواجهة، حيث بدأت هذه الحكومات تتسابق على إقامة "إنتخابات" صورية، يفوز "القائد" فيها بنسبة ٩-;-٩-;-٪-;- على الأقل، بدون أن تجد دول "الديمقراطية الليبرالية" الغربية أي حرج بالإشادة "بنزاهة" هذه الإنتخابات.
ولكن الوجه الحقيقي للديمقراطية المزعومة ظهر بوضوح جلي وبدون أي رتوش في بداية هذا القرن، وبالتحديد بعد إحتلال العراق، ثم بعد حوادث ما يسمّى بالربيع العربي، وخاصة في مصر وتونس. فبعد الإحتلال، أعلن الأمريكان أنهم سيجلبون الديمقراطية إلى العراق، وكانت النتيجة تكوين حكومة ضعيفة تقوم على أساس طائفي وأثني، لم تكن ولو للحظة قادرة على حل مشاكل البلد الكبيرة، بل بالعكس إنهمكت طوال الوقت في نهب وسرقة موارد الدولة. ويجب عدم نسيان حقيقة أن هذه الحكومة جاءت عن طريق إنتخابات مباشرة من الشعب لم يتخللها، بشكل عام، أي تزوير أو غش يذكر. وقد أُجريت في العراق ثلاثة إنتخابات برلمانية والعديد من الإنتخابات المحلية على مستوى المحافظات منذ٢-;-٠-;-٠-;-٣-;- ، ولكن المقاعد المتنافس عليها توزعت بعد الإنتخابات بشكل يكاد أن يكون حصري بين الأحزاب الطائفية، على الأقل في المناطق العربية. ويجلس على هذه المقاعد منذ أكثر من إثني عشر عاماً نفس الأشخاص، رغم أنهم معروفين من قبل الجميع بالفساد والرشوة وسرقة موارد الدولة، دون أن يمنع ذلك من إعادة إنتخابهم كل مرة . أي، بمعنى آخر، فأن الديمقراطية المتمثّلة "بالإنتخابات الحرة" لم تمنع "جماهير الشعب" من إنتخاب هذه الحثالات، بناءً على توصيات المرجعيات الدينية لكل طائفة ومذهب، دون النسيان أن الأموال الطائلة التي أُنفقت من دول الجوار، وخاصة السعودية ودوّل الخليج، ساهمت
أيضاً بشكل جوهري في "بلورة" القرار الإنتخابي للجماهير
.
والمثال الثاني، الذي هو في الحقيقة حتى أكثر وضوحاً في هذا السياق، هو الإنتخابات التشريعية، ثم الرئاسية، التي أُجريت في مصر بين ٢-;-٠-;-١-;-١-;- و ٢-;-٠-;-١-;-٤-;-. فبعد أن نجحت الإنتفاضة الجماهيرية العفوية التي ليس لها مثيل في التاريخ العربي، حيث تظاهر واحتج أكثر من مليون مصري في ميدان التحرير لعدة أسابيع متتالية، والتي أججت شعور التفاؤل بحالة تحول واسعة النطاق في المنطقة، بحيث أن البعض شبهها،من حيث الأهمية، بالثورة الفرنسية، بالإطاحة بنظام حسني مبارك، إستحوذ الجيش مؤقتاً على السلطة، وجرى الإتفاق على إجراء إنتخابات تشريعية، ثم رئاسية لاحقاً. ووجدت أمريكا وأذنابها في ممالك ومشايخ الخليج في هذه الإنتخابات فرصة ذهبية لسرقة الثورة الشعبية ، وكل ما مثلته، وإبتلعتها كلقمة سائغة خلال أقل من سنتين. فبفضل السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام الرئيسية، وكذلك بفضل ملايين البترودولارات التي أُنفقت على الحملات الإنتخابية، إنتخبت "جماهير الشعب" أغلبية إسلامية وسلفية في الإنتخابات التشريعية عام ٢-;-٠-;-١-;-١-;- - ٢-;-٠-;-١-;-٢-;-، ثم أرسلت نفس "الجماهير" مرشح الأخوان المسلمين وممثل مشيخة قطر ( وبالتالي ممثل إسرائيل ) محمد مرسي، ومرشح نظام مبارك وممثل السعودية ( وبالتالي أمريكا وإسرائيل أيضاً ) أحمد شفيق إلى الجولة الثانية من الإنتخابات في عام ٢-;-٠-;-١-;-٢-;- ، وانتخبت نفس هذه "الجماهير" مرسي رئيساً للجمهورية، بفضل تفوق كمية الدولارات القطرية على الدولارات السعودية، لتعود نفس هذه "الجماهير" وتنتخب عبدالفتاح السيسي، الذي لا يختلف عن حسني مبارك إِلَّا ربما في شكل وجهه، بأغلبية ساحقة قاربت ٩-;-٦-;-٪-;- في عام ٢-;-٠-;-١-;-٤-;-. ويجب التذكير هنا أن عدد الناخبين الفعليين قارب ٣-;-٠-;- مليون ناخب في كل جولة من هذه الإنتخابات، أي أن الناخبين كانوا يمثلون فعلاً أغلبية "جماهير الشعب"، وليس أقلية أو زمرة صغيرة. وهكذا كان كل ما أنجزته أكبر إنتفاضة شعبية وجماهيرية في التاريخ العربي الحديث هو أنها إطاحت بدكتاتور عسكري موالي لأمريكا وحليف لإسرائيل واستبدلته بدكتاتور عسكري آخر موالى لإمريكا وحليف لإسرائيل، أو كما يقول المثل العراقي "تيتي تيتي، مثل ما رحتي جيتي".

الديمقراطية وإستراتيجية اليسار العربي

أدّى فشل الحركات اليسارية العربية، إن كانت شيوعية أو إشتراكية أو يسارية، في إستغلال المد الشعبي والجماهيري اليساري في خمسينات وستينيات، وحتى سبعينيات القرن الماضي لفرض تغييرات جوهرية في البنية الإجتماعية والسياسية للبلدان العربية إلى إنحسار عميق وبليغ للزخم الجماهيري والسياسي للفكر اليساري والإشتراكي في المنطقة، وإلى صعود الفكر الإسلامي السياسي، بشقيه "التحرري" والسلفي الرجعي، كبديل لليسار، والذي أصبح بشقيه أهم حركة سياسية منظمة، وإلى حد كبير أيضاً مسلحة، في كل البلدان العربية تقريباً. ورافق هذا التغير، كنتيجة منطقية له، الإنحلال والتفكك المستمر والدائم للأحزاب والمنظمات الشيوعية والقومية الإشتراكية العربية، التي فقدت قاعدتها الجماهيرية وتأثيرها السياسي على الشارع. وفي الوقت الذي يجابه فيه العالم العربي، وعلى الأخص المشرق العربي، أشرس هجمة إستعمارية غربية، بمساعدة وتواطؤ الإسلام السياسي السلفي والوهابي، يقود تيار إسلامي سياسي آخر، يمكن تسميته بالتيار الإسلامي التحرري، متمثل بالدولة الإيرانية وحزب الله في لبنان، وبتحالف مع نظام إستبدادي ولكن ذو جذور قومية وطنية حافظ في كل تاريخه على نوع من الإستقلالية ضد التدخل الأجنبي،أي النظام السوري، المحور المقاوم لهذه الهجمة. أما الحركات اليسارية إن كانت داخل هذا المحور، أو معادية لمحور الشر والظلام ولكن خارج محور المقاومة، فهي ممثلة بمجموعة صغيرة من المثقفين ومن بقايا الحركات اليسارية السابقة،غير منظمة، وإلى حد ما غير متجانسة، ودون برنامج سياسي واستراتيجي واضح وموحد، وبالتالي دون وزن سياسي ملموس. ولكن من المثير للدهشة، أو ربما يجب القول المثير للغضب، أن بعض هؤلاء الأفراد أو المجموعات أصبحت تتغنى بمصطلحات "الديمقراطية" و"الدولة التعددية" و"الإنتخابات الحرة"، وخاصة من منطلق معاداتها للنظام السوري، وتطرحها كبرنامج لطموحاتها السياسية لمرحلة ما بعد هذا النظام. أن مثل هذه الشعارات أو البرامج السياسية، تدل عن سذاجة سياسية، إذا لم نقل غباء سياسي، بسبب الإفتقار عن تحديد وتشخيص العدو المرحلي الرئيسي، وعلى عدم القدرة على إستيعاب وتحليل الواقع المعاصر على أُسس المادية التاريخية، فشكل السلطة، أو نوعية الهيمنة، تحدده البنية الإقتصادية للمجتمع، وليس العكس. وهذا يعني، بكلمة أخرى، أن "الديمقراطية الليبرالية"، في نموذجها الممارس في العالم الصناعي، هي منتوج الرأسمالية الصناعية المتطورة ذات الإنتاجية العالية ( القاعدة والبنية الفوقية حسب ماركس )، وهي مرتبطة بها إرتباطاً عضوياً وشرطياً. وأن هذا النموذج لايصبح، أو بالأحرى لا يمكن ممارسته في المجتمعات غير الصناعية.
أن أي تحليل للمرحلة المعاصرة يعتمد على الأُسس والمبادئ الماركسية للمادية التاريخية لا يمكن إِلَّا أن أن يصل إلى بديهية واضحة هي أن الرأسمالية الإمپريالية العالمية، والتي تمثل أمريكا رأس حربتها، وليس البرجوازية أو الرأسمالية المحلية هي العدو الرئيسي والأساسي للطبقات الكادحة والفقيرة والمهمشة وكل حركات التحرر الوطني والحركات الطامحة لبناء العدالة الإجتماعية في البلاد العربية. وبمعنى آخر، فأن موقف هذه الحركات، وبالتالي أيضاً موقف المثقفين اليساريين العرب، من هذه البرجوازية المحلية يجب أن يعتمد على موقف هذه البرجوازية نفسها من الإمپريالية العالمية. وهذه الحقيقة تكتسب أهمية أكبر إذا أخذنا بنظر الإعتبار كَوْن البرجوازية الرأسمالية العربية فئة غير متجانسة في تكوينها التاريخي والإجتماعي، وبالتالي في مصالحها الإقتصادية، التي تختلف كلياً حسب كيفية
نشوء وتكوّن وصعود هذه الفئة إن كانت برجوازية قبلية عشائرية شبه إقطاعية، أو برجوازية حضرية مدينية نشأت على فتات الإستعمار الأوروپي في بداية القرن العشرين، وإن إختلفت مصالحها غالباً مع المصالح الإستعمارية الأوروپية والأمريكية في العقود اللاحقة، أو برجوازية قوموية عائلية و فئوية نشأت عن طريق الإستحواذ على السلطة وعلى موارد الدولة بالقوة. وتقليدياً دفعت البرجوازية القبلية العشائرية الشبه إقطاعية، إن كان يصح تسميتها بالبرجوازية أساساً، والمتمثلة بشكل رئيسي بآل سعود في نجد وبقية المشيخات في الخليج، ثمن الضمانات البريطانية والأمريكية لها بالبقاء في السلطة عن طريق القيام بدور الخادم المطيع للرأسمالية الإستعمارية البريطانية أولاً ، ثم الأمريكية لاحقاً، على مدى قرنين من الزمان، وكوَّنت دائماً رأس الحربة، سويةً مع إسرائيل، في تنفيذ مشاريعها في المنطقة. وهذا أصبح في غاية الوضوح خلال السنوات العشرة الأخيرة من خلال الهجمات الظلامية وحملات القتل العشوائي وتدمير البنى التحتية في العراق وسوريا، وإلى حدً ما لبنان، التي تخططها وتمولها هذه الزمرة، بالتعاون مع تركيا. أما البرجوازيات الحضرية المدينية والعائلية الفئوية فقد إختلفت وتذبذبت مواقفها من الرأسمالية والإمپريالية العالمية خلال السنوات الخمسين أو الستين الأخيرة حسب مصالحها الإقتصادية، التي دفعتها، على سبيل المثال، في خمسينات وستينات القرن الماضي إلى الإندماج بشكل واسع في حركات التحرر الوطني ضد الإستعمار والإمپريالية، ثم الإتفاق على تسويات مهينة مع أمريكا وإسرائيل والخضوع شبه التام للرأسمالية العالمية في العقود اللاحقة وحتى الآن. وفي خريطة الصراع الدموي المستعر حالياً في المشرق العربي نجد ممثلين لهذه البرجوازيات على جانبي هذا الصراع. فمن جهة، إختارت البرجوازية العسكرية المصرية إبتداءً من السادات للخضوع غير المشروط للهيمنة الأمريكية، وشاركتها في ذلك معظم حركات ومنظمات الإسلام السياسي التقليدية من الإخوان المسلمين إلى الحركة السلفية إلى " ألأسلام المعتدل" على شاكلة رفيق الحريري،( وهنا يجب ألّا يُخْدع أحد بالشعارات والحملات الإعلامية التي تحاول إظهار العكس، والصالحة فقط لإقناع الأغبياء). وشكلت برجوازية الإسلام السياسي الدينية " الشيعية" في العراق،على عكس نظيرتيها الإيرانية واللبنانية ، مع الأسف، منذ تسعينات القرن الماضي جزأً مهماً من هذا المحور، حيث تواطأت مع الرأسمالية الأمريكية وساعدتها في إحتلال العراق، ووصلت بذلك إلى السلطة على ظهور الدبابات الأمريكية، لتنفذ بعد ذلك "بجدارة" المشروع الأمريكي في نهب ثروات العراق وتدمير بنيته التحتية والتمهيد لتقسيمه إلى دويلات صغيرة ضعيفة. ومن الجهة الأخرى، تطورت الحركة الأسلامية "الشيعية" في لبنان إلى حركة تحررية فاعلة ومهمة، مقتدية بذلك مثال نظيرتها في إيران، التي حافظت منذ إسقاطها نظام الشاه على إستقلاليتها الوطنية وعدائها لمحاولات الهيمنة الأجنبية. وكذلك إتخذت الحركات الأسلامية في فلسطين بشكل فعال هذا المسار، رغم أن حركة حماس، وخاصة قيادتها السياسية، عادت وارتمت في أحضان المحور الأمريكي، وبالتحديد قطر وتركيا، بعد بدء الغزوة المسعورة على سوريا. ولكن رأس حربة هذا المعسكر من البرجوازيات العربية كان دائماً البرجوازية العائلية الفئوية السورية التي مثلتها عائلة الأسد، ولو أنها في الحقيقة تتكون من عدة عوائل كبيرة وفئات من العسكريين والتجار، غالبيتهم بعثيين وقوميين قدامى، التي حكمت بيد من حديد واستحوذت على أهم موارد الدولة والمجتمع، واستطاعت عن هذا الطريق جمع أموال طائلة على حساب عامة الشعب. ورغم عن ذلك فقد إستطاع نظام هذه الفئة أن يحافظ على إستقلالية شبه كاملة في إتخاذ القرارات الوطنية، وقاوم بنجاح كل محاولات الهيمنة الأمريكية المباشرة على مدى أربعين عاماً. ورغم أن حافظ الأسد حاول مراراً، وغالباً بنجاح، المناورة التكتيكية بوجه الضغوط الأمريكية الهائلة في سياق سياسة الهيمنة التي تتبعها واشنطن، إلاّ أنه لم يقبل في النهاية أي تسويات مهينة، ولا أي إملاءات أجنبية في سياسته الخارجية، وخاصة فيما يخص إسرائيل وما يخص العلاقات مع إيران. وهذا ما أثار حفيظة الرجعية العربية، التي كانت تبذل كل وسعها لتنفيذ الخطط الأمريكية في المنطقة، وأهمها التطبيع مع الكيان الصهيوني. ويجب التذكير في هذا السياق بما نشرته جريدة "النهار" اللبنانية، منبر الرجعية العربية، والممولة من آل سعود، على صفحتها الأولى بعد يوم من وفاة حافظ الأسد في ١-;-٠-;- حزيران ٢-;-٠-;-٠-;-٠-;-، حيث عنونت بالخط العريض: "مات ..ولم يوقع". هذه كانت صرجة غيظ وإحباط في آن واحد. ولأن إبنه وخليفته أيضاً لم يوقع، أُعلنت الحرب العالمية على سوريا.
العدو الرئيسي هو إذاً الرأسمالية العالمية والإمپريالية الأمريكية. وهذا يعني بالتحديد أن المهمة الأساسية والرئيسية لليسار العربي وكل الحركات التحررية والوطنية هي إحباط وإفشال المشروع الرأسمالي الأمپريالي الأمريكي لتقسيم المشرق العربي، بل وكل الشرق الأوسط، وإحكام الهيمنة عليه. وهذه الحقيقة، التي لا تقبل الشك، لها إستنتاج منطقي واحد هو أن كل القوى المقاومة والرافضة للمشروع الأمريكي، بغض النظر عن إنتمائها "الطبقي" أو تاريخها السياسي، أو كونها حركات قامت على أساس ديني أو مذهبي، أو كونها جزء من نظام إستبدادي دموي، هي جميعها حليف ( مرحلي) لليسار العربي وحركات التحرر، وبالمقابل فأن كل القوى والتكتلات والدول المساندة للمشروع الأمريكي عملياً، وإن كان بعضها يدعي العكس إعلامياً، وبضمنها الحركات التي تدعي اليسارية، أو التي كانت محسوبة على اليسار في الماضي، هي عدو لدود لليسار العربي وحركات التحرر وجزء لا يتجزأ من معسكر الظلام. وهذه الحقيقة أصبح لها أهمية أكثر من أي وقت مضى، لأن الصراع الحالي أصبح الآن صراع وجودي بالنسبة لعرب المشرق العربي، الذين أصبحوا مهددين بأن يكون مصيرهم نفس مصير سكان القارة الأمريكية الأصليين، وأن تقسم بلادهم كغنيمة بين الفرس والأكراد والأتراك واليهود، برعاية ومباركة أمريكية.
ويقودنا هذا التحديد إلى حيث بدأنا في التحليل، أي إلى أن الشعارات والمطالب السياسية لبعض "اليساريين" العرب "بالديمقراطية" و"الدولة المدنية"، وما شابه من شعارات، وتحديداً كبديل للنظام السوري الحالي، تصب عملياً في مصلحة المشروع الأمريكي، ويجب وتشخيصها، في أحسن الأحوال، "كسذاجة" سياسية أو غباء سياسي . فعدا كون "الديمقراطية" ( بمعنى حكم الشعب ) وهم وخيال غير موجود إلاّ في أذهان أتباع الرومانتيكية السياسية، ولم يمارس في كل التاريخ، ولا يمارس الآن حتى في الغرب، فأن هذه تحقيق مثل هذه المطالَب والشعارات ( نظرياً ) يعني إهداء المشرق العربي بدون أي مقاومة أو قتال كلقمة سائغة للأمريكان. فحتى لو إفترضنا نظرياً أن العمليات المسلحة سوف تنتهي، فأنه ليس من الصعب لأي أحد التكهن بنتيجة أي إنتخابات "حرة" بعد تدفق الأموال الخليجية وبظل الحملات الإعلامية المسعورة للفضائيات النفطية، وبمباركة شيوخ الوهابية العرعوريين .
لا شك من أن مشاركة كل مواطني الدولة في إتخاذ قرارات في أمور تمس حياتهم اليومية والشخصية عن طريق الإنتخابات في ظل دولة مستقبلية مستقلة سيادية تسودها العدالة الإجتماعية وخالية من الأستغلال و الظلم الإجتماعي، هو هدف لجميع اليساريين والماركسيين. ولكن يجب، في نفس الوقت، التأكيد بأن المجازفة في المستقبل السياسي والوجودي لأمة بكاملها باسم الديمقراطية والإنتخابات الحرة، طالما لا تزال هناك رأسمالية إمپريالية في أحد أركان العالم، تستطيع التأثير على هذه الإنتخابات، لا بل وشراء نتائجها بالمال، هو جنون بحت، بل وجريمة لا تغتفر.
وإذا كان لابد من إجراء بعض الإنتخابات لإرضاء بعض القوى السياسية، وعلى الأخص ممثلي البرجوازية الصغيرة، في المراحل الأولى لإنشاء الدولة الوطنية المستقلة فعليا عن الرأسمالية العالمية، فيجب ألّا يكون للبرلمان المنتخب أي سلطة فعلية، أو على الأقل أي صلاحيات تسمح له في التدخل في السياسة الخارجية والإقتصادية لمصلحة قوى خارجية. وفي هذا المجال يجب الإستفادة من من تجارب الطبقات البرجوازية في دول حاولت الحفاظ على إستقلاليتها الكاملة من النفوذ الإمپريالي الأمريكي في ستينات القرن الماضي ( أندونيسيا على سبيل المثال )، ومن تجربة روسيا حاليا، وبالتحديد منذ إستلام پوتين للسلطة.
الديمقراطية إذاً، بمعنى تحقيق "سلطة الشعب" عن طريق نظام صناديق الإقتراع، هي وهم خيالي كبير. فسلطة "الشعب" لم تكن يوماً ما موجودة في الماضي، وهي أيضاً ليست موجودة في العصر الحالي في الدول الغربية، بل هناك سلطة الطبقة الرأسمالية المباشرة، وما " الواجهة" الديمقراطية لهذه الدول سوى إكذوبة ومهزلة. وبما أن الرأسمالية العالمية أصبحت تحتاج إلى جيش كبير من "مواطنيها"، ذو كفاءات فكرية وعلمية عالية، وذو إنضباط موثوق، للمساعدة في نهب ثروات وموارد بقية العالم، والسيطرة الكاملة على كل وسائل الإنتاج المهمة، وعلى البنية التحتية لوسائل النقل، وبالتالي على كل النشاطات التجارية في العالم، فقد سمحت هذه الرأسمالية للطبقة العاملة وللبرجوازية الصغيرة بالحصول على جزء أكبر من "الكعكة"، وبالتالي العيش في "رخاء" نسبي مقارنةً ببقية شعوب العالم. وفي هذا السياق نظمت الرأسمالية مجتمعاتها على أُسس "ليبرالية"، وصاغت دساتيرها على قواعد الحرية الشخصية و"دولة القانون" و"دولة المؤسسات"، التي هي بدون شك خطوة كبيرة ألى الأمام في التطور الإجتماعي للبشرية. ولكن يجب أن لا ننسى أن الحافز الأساسي للرأسمالية في هذا المجال كان تحقيق حد أقصى من الإنضباط داخل المجتمع وبالتالي تعظيم الأرباح وتسهيل نهب بقية العالم.
النتيجة المنطقية لهذا التحليل هي أن تحقيق الرخاء الإقتصادي وبناء مجتمع يقوم على العدالة الإجتماعية، ويحافظ على كرامة مواطنيه، ويضمن التعددية القومية والدينية والمذهبية في بلادنا لايمكن أن يقوم على أساس "صناديق إنتخابات"، لأن الرأسمالية العالمية ستسرق هـذه الإنتخابات لا محالة، وستمنع تحقيق هذه الأهداف التي تعارض مصالحها، وإنما تتحقق هذه الأهداف فقط على أساس بناء دولة وطنية وقومية، مستقلة تماماً عن الرأسمالية العالمية، تقودها القوى السياسية التي تمثل كل الطبقات الفقيرة والمستَغَلَّة والمهمشة ( التابعة ) في المجتمع، وعلى رأسها الأحزاب والحركات اليسارية والإشتراكية.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,419,764,736
- حول الديمقراطية


المزيد.....




- بعد شراء تركيا لنظام S-400 الروسي.. كيف سيرد الناتو؟
- 6 خطوات يجب القيام بها لتجنب غرق الأطفال
- في حادثة نادرة.. مشاهدة قنديل بحر بحجم إنسان وسط البحر
- تحذيرات من اعتماد الأطفال والأمهات على النظام الغذائي النبات ...
- تركيا: استمرار التنقيب عن الغاز بالقرب من قبرص رغم العقوبات ...
- لماذا انتشرت ظاهرة تهريب الوقود في الضفة الغربية؟
- استشهاد أسير فلسطيني قيد التحقيق
- -الدعم السريع- في مدن السودان.. مقاتلون يلفظهم المدنيون
- صحيفة تعلن إمكانية قيام روسيا بتوجيه ضربة مباغتة
- إخماد حريق في منشأة تصدير نفط بحرية في العراق


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خليل الغزالي - حول الديمقراطية