أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامان كريم - الاحتجاجات بين وهم الجماهير وحقيقة إعادة الثقة بالسلطة السياسية!















المزيد.....


الاحتجاجات بين وهم الجماهير وحقيقة إعادة الثقة بالسلطة السياسية!


سامان كريم
الحوار المتمدن-العدد: 4909 - 2015 / 8 / 27 - 23:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



جماهير العراق مستاءة ومعترضة ومحتجة, جماهير غاضبة ليس الان بل منذ اكثر من عشرة سنوات على الاقل منذ بداية الحرب الطائفية والقتل على الهوية, الجماهير غاضبة ومستاءة من انعدام وقطع التيار الكهربائي على الرغم من صرف 30 مليار دولار على مشاريع الكهرباء مع الشركات الامريكية والكندية والتي كانت أغلبها وهمية, الجماهير غاضبة ومستاءة من الحالة البائسة للامن والاستقرار, الجماهير غاضبة من توسيع الهوة بينها وبين السلطة الحاكمة وفسادها, الجماهير غاضبة من داعش والارهابيين, الجماهير محتجة وغاضبة على قلة الاجور وعدم صرفها من قبل الحكومة, الجماهير غاضبة لان نسبة البطالة تعدت الحالة العادية.. العمال غاضبون لان ليس لديهم اجور مناسبة, ليس لديهم حق التنظيم وحق الاضراب بصورة قانونية , وغاضبون من سياسة وقرار التمويل الذاتي و خصخصة شركات القطاع العام, متذمرون من سياسة التقشف... لاشك ان الجماهير الغاضبة, تحاول ان تستغل اي منفذ للظهور واي منفذ لتعبير بحرية عن مطالبها, تكشف عن اي فضاء وفراغ لتثبيت نفسها وطرح مطالبها... الجماهير في العراق نزلت مرة اخرى بسبب أرتفاع درجات الحرارة وقطع التيار الكهربائي منذ البداية خرجت من البصرة وبعدها من المدن الاخرى... الاحتجاجات في البداية.. خرجت بصورة مستمرة وليلية الى حد كبير في عدد من المحافظات بما فيها بغداد والبصرة منذ 18 تموز الماضي... هذه التظاهرات والاحتجاجات الجماهيرية في سبيل الكهرباء وضد الفساد تمثل حالة واقعية, والتحقت بها عدد من القطاعات العمالية في الأحتجاجات، لكن في سبيل مستحقاتها ومطالبها اخرى مثل صرف الرواتب في أحتجاجات عمال السكك او الغاء التمويل الذاتي والوقوف بوجه الخصخصة في أحتجاجات عمال القطاع الصناعي وأمام ساحات مصانعهم..الخ.

هناك مطالب ومطالب, والحركة الجماهيرية كحركة موحدة في الميدان او في الشارع ذات مطلب او مطالب موحدة او شعارات موحدة لم تتبلور لحد الان فحسب، بل تم إزاحة الاحتجاجات المطلبية عن مسارها الطبيعي وتم توحيدها وتحويلها إلى حركة سياسية لصالح السلطة الحاكمة وتقويتها لصالح حزب الدعوة، وخصوصا تيار العبادي بمباركة المرجعية بصورة واضحة ومتدخلة بصورة يومية ويتم ادارتها بصورة اسبوعية ادارة سياسية واضحة عبر وكيل السيستاني بصورة اكثر وضوحا. هناك جماهير متذمرة وغاضبة لديها مطلب او مطالب وهناك عمال غاضبون لديهم مطالب مختلفة لقطاعات مختلفة.. هذه اللوحة للمطالب لم تتوحد في حركة جماهيرية سواء كان مطلبية او سياسية واضحة المعالم، بل وحدت في حركة سياسية مغايرة تماما تعاكس وتتناقض مع المطالب الجماهيرية والعمالية المطروحة في الاحتجاجات الحالية. الكل يشارك في حركة سياسية لتثبت الحكم واركانه دون ان تدرك أكثريتها لماذا تشارك اصلا... وماهي اهداف هذه الحركة وما تعرف اصلا مشاركتها او مشاركته في حركة سياسية رجعية هدفها أعادة الهيكلة الاقتصادية, أعادة خريطة الاقتصادي العراقي, وعلى اساسها اعادة خارطة توازن القوى السياسي داخل السلطة الحاكمة واعادة الثقة بالقوة البرجوازية الحاكمة على الصعيد الاجتماعي, التظاهرات الحالية هي اعادة الثقة بهذه السلطة الرجعية الأسلامية بحكومة وشخص العبادي. الجماهير المشاركة في هذه الحركة, تحارب ذاتها ومطالبها دون وعي منها. انظروا الى مطلب "لا للتقشف" وانظروا الى "اصلاحات العبادي" التي قررت علي التقشف وبعد موافقة البرلمان اصبح قرار يجب تنفيذه.. اذن الحالة واضحة يجب أن لا نغمض أعيننا. مطالب العمال والفئات المختلفة من الجماهير من الكهرباء والخدمات والغاء التمويل الذاتي وصرف الرواتب... كلها موضوعية وعادلة, ولكن عدالة هذه المطالب وموضوعيتها لاتلغي إنها فقدت ذاتها في أتون حركة سياسية مغايرة ومتناقضة مع نفسها.. هذه هي اللوحة السياسية الحالية.

في هذه الحركة توحدث ثلاثة تيارات سياسية تيار المرجع الديني بقيادة السيستاني وبطبيعة الحال المرجعيات الاخرى التابعة له, وتيار العبادي "لاصلاح" السلطة وهو اساسا تيار للبرلة السوق بالكامل وتطبيق التمويل الذاتي بالكامل والترشيق الاداري وتقليل النفقات العامة والاعانات, هذا التوجه هو الذي توحد ورائه كافة الاحزاب والقوى السياسية من الوفاق الوطني الى التيار القومي العراقي والاسلام السياسي الشيعي بكافة احزابه، بما فيه تيار المالكي القوي وحزبه الدعوة ناهيك عن التيار الصدري والمجلس الاعلى وحتى تحالف القوى الكردستانية والحزب الشيوعي العراقي, ومدعومة من قبل امريكا وروسيا وايران والسعودية وتركيا... وعلى اثره شاركت كل هذه القوى ومع ميليشياتهم في التظاهرات خصوصا بعد اعلان السيستاني موقفه المؤيد منها حيث شاركت ميليشيات قوات بدر وميليشيات الصدر وعصائب اهل الحق وغيرها.. هذا تيار جارف توحدت البرجوازية العراقية بكاملها تقريبا مع تيار لبرلة السوق والترشيق الاقتصادي والاداري, تحت عنوان" الاصلاح"، والتيار الثالث الذي يشارك ويؤيد خطوات العبادي هو التيار القومي العربي او القومي العراقي... هذه التيارات كلها توحدت في سبيل هيكلة الاقتصاد والسياسة داخل اروقة الحكم تحت مسمى"الاصلاح". توحدت في سبيل قدسية الراسمال والملكية الخاصة, القدسية التي لا تضاهيها قدسية دينهم.

الجماهير تهتف لاصلاحات, العبادي تهتف وتدعوا للاصلاح والمرجعية والقوى السياسية يدعون للاصلاح وكل هذه القوى تدرك ان اصلاحه او توقعه من الاصلاح يختلف عن الباقي... مع كل الاختلافات بين القوى البرجوازية للاصلاح لكنهم موحدون حول لبرلة الاقتصاد وهذا سر وحدتهم إتجاه خطوات العبادي لحد الان. لكن هناك فرق واسع وعميق بين الاصلاحين. الاصلاح الذي تقصده الجماهير والعمال يتلخص في المعيشة المناسبة والامن والاستقرار وتقديم الخدمات والكهرباء المستمرة وإلغاء التمويل الذاتي ووقف التقشف والحريات التنظيمية والسياسية القانونية.. اما اصلاح العبادي ومعه المرجعية والحركات الاخرى.. يعني التقشف الاقتصادي ودمج الوزرات والغاء بعض المناصب القيادية والوزراية وتقليص الوزارات من 33 وزراة إلى 22 ودمج بعض المؤسسات العامة مع بعضها البعض والغاء المجالس البلدية في المحافظات... وهذا يعنى طرد مئات الالاف من العمال والموظفين الصغار من اعمالهم. هذا التقشف ما يسمى بالتقشف الاداري بدأه صدام حسين في سنة 1986 – 1987 وكان موقع الترحيب من قبل البرجوازية العالمية انذاك. حيث إن التعديلات الوزارية التي اعلنها العبادي في يوم 16 من الشهر الجاري, تتضمن "الحزمة الثانية لإصلاحات العبادي" ويشمل "إلغاء أربع وزارات مثل وزارة حقوق الإنسان، وزارة الدولة لشؤون المرأة، وزارة الدولة لشؤون المحافظات وشؤون مجلس النواب، وزارة للدولة". وقرر ايضا "إعادة هيكلة الوزارات الآتية: دمج وزارة العلوم والتكنولوجيا بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ودمج وزارة البيئة بوزارة الصحة، ودمج وزارة البلديات بوزارة الاعمار والاسكان، ودمج وزارة السياحة والآثار بوزارة الثقافة". هذا المعلوم والواضح لحد كتابة هذه الاسطر.

وعلى رغم الغاء عدد من الوزرات ودمج ثمانية منهم باربعة جديدة, وهذا يعني طرد عشرات الالاف من الموظفين الصغار والعمال من اعمالهم. هذا هو الترشيق الاداري بعينه وهو تابع لهيكلة الاقتصاد وفق خطة صندوق النقد والبنك الدوليين. وعلى رغم ذلك هناك مسائل اخرى في الطريق حسب إعتقادي وعلى راسها تطبيق "التمويل الذاتي" بهذه الدرجة او تلك وفق اعادة هيكلة الصناعة العراقية, وهذا يعني الغاء الشركات غير المربحة وبيعها للمستثمرين, ودمج عدد كبير مع بعضهما البعض والأبقاء على الشركات المربحة فيها فقط. وسيكون بيع الشركات والمعامل للمستثمرين الهدف الرئيس لهذه الخطة, اي تحرير الدولة من القطاع العام رويدا رويدا وبراي في طريق العبادي هناك تغيرات في الوزراة النفط وتحويلها الى مؤسسة أو دمجها مع وزارات اخرى مثل الكهرباء مثلا, وذلك تهيئة لبيع قطاع النفطي للمستثمرين أو تحويله الى قطاع الخاص عبر شركة سومو.... على العمال اليقظة والحذر والترقب مع خطة سياسية لمواجهتا. براي ان قضية الخصخصة وتطبيقها في ميادين مختلفة احد اهداف هذه الحركة الموجودة في الشارع دون ادراك او علم المشاركين فيها "الجمامير المشاركة".

القضية المحورية للعبادي هي التقشف الاداري مع اعادة هيكلة الاقتصاد "طلبان لصندق النقد والبنك الدوليين" وسياسيا مركزة الدولة وجعل ادارتها اكثر سلساً, وقص لسان اللامركزيين خصوصا في الوسط والجنوب "تحت مسمى تقليل الانفاق الحكومي".. ودمج هذه الامور تحت مفهوم "الاصلاح" لصالح البرجوازية لكن هذا ليس اصلاحا فرض على السلطة من قبل الجماهير ولو المشهد يبدوا كذلك او هكذا تروج له البرجوازية بكافة اطيافها واعلامها واقلامها... بل اصلاحا تقوم به البرجوازية لصالحها بالضد من طموحات ومطالب الجماهير المطروحة لكن بقوتها وجعل قوتها اي قوة الجماهير المحتجة في المدن العراقية وسيلة لتطبيق سياساتها التي لم تتمكن منها سابقا. ويسمون هذه الحركة الاحتجاجية بالثورة لانها في صالح البرجوازية ان تسميها الثورة حيث يقول القبانجي القيادي في المجلس الاعلى وخطيب الحسينية الفاطمية في خطبته "العراق يعيش منعطفا تاريخيا وثورة إصلاحات سياسية والذي حدث هو جمهور غاضب ومطالب بحقوق مشروعة" وهذا مثال واحد من مئات وليس مثل واحد فحسب. الاسلام السياسي الحاكم يسمي الاحتجاجات بالثورة. اولا لابعاد شبح الثورة والثورة ذاتها عن صورتها الواقعية وثانيا لابعاد الناس عن الثورة الواقعية.. وهذا عمل سياسي برجوازي دؤوب ومستمر.

ان الاحتجاجات الجماهيرية في العراق الحالي, بسبب غياب قيادة موحدة لها ورؤية سياسة واضحة لها ومنظمة قيادية لقيادتها وتوجيهها.. هي الضعف الاكبر او هي سبب كبير "وليس الاسباب كلها" لتغير مسار احتجاجاتها وتظاهراتها وحتى مطالبها حيث تحولت المطالب من الكهرباء الى استقالة "رئيس مجلس القضاء الاعلى" من "صرف الاجور" و"الغاء التمويل الذاتي" إلى محاكمة رئيس هيئة الاعلام واخرون.. الجماهير تطالب بالكهرباء والحركة تتجه الى الغاء الوزارات ومحاكمة المالكي والقادة العسكرين الذين تسببوا بسقوط الموصل.. شئ ما يشبه شئ وهو تناقض بين الموضوعيات وتطابقها في ان معاً... وهذه حالة طبيعية لهذه الحركات المنقلبة على ذاتها.

القوى البرجوازية من الاسلام السياسي بشقيها السني والشيعي, الحركة القومية الكردية والقومية العربية والعراقية ومليشياتها ومرجعياتهم الدينية مؤيدة ومنظمة لهذه الاحتجاجات قضية مفهومة وواضحة, وفق مفهوم السوق, بمعنى ان البرجوازية من الصعب ان تعاند السوق, من الصعب ان تعاكسه, من الصعب ان تقف بوجهه اي بوجه مصالح الرأسمال خصوصا انها مدعومة من القوى البرجوازية العالمية والإقليمية ومن المؤسستين الدوليتين الاكثر نفوذا لحد الان, البنك وصندوق النقد الدولين. ماهي مشكلة و عوائق امام جماهير؟!

الجماهير متوهمة
جماهير العراق أقهرت على أوضاعها, تشارك في كل حركة وكل تظاهرة سياسية واجتماعية, لعل ان يكون فيها خير لصالحها. براي البحث هو ليس لماذا الجماهير تشارك في هذه التظاهرات وتستمر بمشاركتها في الحركة السياسية الراهنة لاعادة الثقة بالسلطة؟! البحث ليس لماذا الجماهير غير واعية! والسؤال المطلوب ليس لماذا الجماهير تتحول من مطلب الكهرباء الى مطلب معاقبة المجرمين والفاسدين؟ وتتحول من مطلب توفير الاجور الى "لا للمحاصصة ولا للطائفية"؟! ‌اشياء لا تشبه بعضها البعض, مطالب لا يجمعهما الجامع المنطقي....

البحث والسؤال الاساسي هو لماذا الجماهير لا تدرك اهدافها لماذا الجماهير تتوهم بكل الحركات التي تجري في الشارع, لماذا الجماهير تشارك بقوة وتطالب بما يعاكس مطالبها, لماذا الجماهير تؤيد العبادي وهو ينفذ سياسة التقشف بحذافيرها, السياسية التي يقف بوجهها المتظاهرين؟! اليس سؤالا واقعيا؟! الجماهير ضد التقشف وضد الفاسدين والعبادي ينفذ ما هو متناقض مع مطالبهم, بدأ من سياسة التقشف والترشيق الاداري الى إخفاء الفاسدين وستر فسادهم وبهاء الاعرجي مثالا. اذا السؤال هو لماذا الجماهير لا تدرك تلك الحركات السياسية؟! لماذا هي ليست واعية بصورة كافية؟! ولماذ ولماذ؟! جماهير بلا قيادة وقيادة بلا جماهير.... هذه هي حالة الحركات الاحتجاجية في العراق.

تاريخ الحركات الاحتجاجية في العراق له مستويات مختلفة. مستوى عام وسائد في تأريخ الحركات الاحتجاجية الجماهيرية, هو المستوى الحزبي اي تحريك الاحتجاجات من قبل احزاب وتيارات سياسية, تنظيم جماهير منطقة او محلة او مدينة ما حول مطلب او مطالب محددة, في سبيل قلب موازين القوى لصالح هذا الحزب او ذاك. هذه الحالة في العراق اصبحت ظاهرة نمطية كلاسكية تتكرر بين فترة واخرى ووفق العلاقات بين التيارات والاحزاب السياسية... لكن هذا لا يعني أن ليس هناك تظاهرات جماهيرية حول مطلب او مطالب معينة مثل الكهرباء او صرف الاجور وخصوصا للعمال فهناك احتجاجات بصورة يومية. الحديث هنا عن الاحتجاجات الجماهيرية بصورة عامة.

المستوى الثاني تحريف او تغيير المسار.... الجماهير تتظاهر ضد انعدام الكهرباء وبسبب درجات الحرارة العالية فتتحول الى الغاء المحاصصة والاصلاح ومحاكمة الفاسدين... مثل الحالة الراهنة. هذه الحالة نراها اليوم في المحافظات الجنوبية والوسطى في التحرير والساحات الاخرى, ليست حالة شاذة بل هي ظاهرة إعتيادية خلال السنوات التي تلت الاحتلال الامريكي نتيجة لظرف سياسي واجتماعي جديد، حيث تسود الفوضى وخلط الاوراق بين الحركات السياسية والاحتجاجات في اطار ظرف غير اعتيادي, ظرف انتقالي مأساوي صعب "سيناريو اسود" الوضع الذي اختلط بالحالة الانتقالية على الصعيدين العالمي والعراقي ايضا. بمعنى ان القوانين والدساتير لاتعمل وفق الحالة الاعتيادية. في حالة كهذا وفي العراق الذي تشرد فيه الملايين قسريا على الهوية الطائفية، وقتل فيه مئات الالاف في الحروب الطاحنة والارهاب.. وعدم وجود حزب يقود الجماهير والعمال وفق مصالحها وتطلعاتها بالتالي تحقيق مطالبها في هذه المعمعة المختلطة والماساوية الخطيرة.

المستوى الثالث بصورة عامة يخص الجماهير بعفويتها ومصالحها المتنافرة في صفوفها. حيث الجماهير في ذاتها منقسمة على الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة والتي لها مصالح مختلفة. بهذا المعنى هي انتهازية وفق مصالحها. كل فئة من هذه الفئات لديها مطلب واحد مثلا... اذا تحقق مطلبها ستخرج من الاحتجاجات وهكذا, ناهيك عن ان الجماهير بصورة عامة تركن الى الاستقرار والامن وعدم الفوضى والقلاقل بما فيها الاحتجاجات وهذا حقها وحق اي إنسان. المستوى الاخير هو مستوى العفوية وفوريتها تلك التي تنزل على الشوارع والساحات بالعشرات او المئات او ربما الالاف من الناس وفق المطلب او الحدث. هذه العفويات بصورة عامة تظهر وتختفي بصورة عفوية ايضا. تسجل ذاتها كلمحة احتجاجية وبعد ذلك تهبط عن مستواها الاعتراضي بعد تحقيق المطلب او حتى بدون تحقيق المطلب.
في الاحتجاجات الحالية في العراق التي تحولت الى حركة سياسية كبيرة تقودها الترويكا الحكومة بقيادة الاسلام السياسي الشيعي, والسيستاني والقومية العربية... اختلطت كل المستويات. ولكن كحركة سياسية تميل الى المستوى الثانى وهذا المستوى هو السائد. المستوى او الحركة التي اصبحت ظاهرة في العراق وكردستان والبلدان العربية وحتى دول اوروبا الشرقية ودول البلقان.
وفق هذه المستويات وخصوصا المستوى الثاني, جماهيرنا في العراق لم تدرك لماذا تحول احتجاجها من مطلب الكهرباء الى الغاء المحاصصة والطائفية ومعاقبة الفاسدين؟! وجماهيرينا لم تدرك لماذا تحولت مطالب اعتيادية الى تغير النظام برمته؟! كما يسمونها "بالثورة التصحيحية"!! كيف تحولت أحتجاجات الكهرباء الى ثورة او اصلاح شامل في العملية السياسية؟! عجيب اليس كذلك! هذا التقليد السائد اصبح جزءا من تقليد جماهير العراق بصورة عامة. حيث راينا ساحات الاحتجاجات في الانبار وسامراء قبل ثلاثة سنوات التي تحولت الى حاضنة لداعش والاسلام السياسي الارهابي... بحجة وجود مطالب "سنية" وهي موجودة طبعا وفي وقتها قلنا يجب فصل صف الجماهير عن ساحات الأحتجاجات في الانبار وسامراء... قلنا هناك مطالب عادلة منها اطلاق سراح السجناء المظلومين, وتوظيف العاطلين عن العمل... وقلنا ايضا يجب فصل هذه الاحتجاجات عن هذه الساحات لانها ساحات منحازة بالكامل للارهاب والاسلام السياسي... الحركة السياسية الراهنة هي حركة سياسية للعبادي لتثبيت سلطته وحكمه واعادة الثقة والاعتبار اليها. هذه هي الحقيقة السياسية والهدف السياسي وراء هذه الحركة. اما مطاليب الكهرباء وصرف الاجور والغاء التمويل الذاتي.... كلها مطالب عادلة وكلها محقة ولكن مكانها ليس ساحات وميادين هذه الحركة بما فيها ساحة التحرير بل يجب طرحها عبر قادة مختلفين, قادة محليين, في امكان العمل والمعيشة... حتى اذا نزلت الى الشوارع يجب ان تفصل شارعها وميدانها وساحاتها عن هذه الساحات. بصريح العبارة لان هذه الحركة هي حركة مشابهة لحركة الخضر بقيادة الموسوي في ايران. عبادي هو موسوي العراق بخلاف نقطة واحدة وهي القوى البرجوازية كلها معها على الاقل شكليا وطبعا في ظرف سياسي واجتماعي واقليمي مختلف تماماً..... عليه يجب فصل الرؤية والمكان عن هذه الحركة. فهي حركة في نهاية المطاف توحد البرجوازية العربية اكثر فاكثر, ربما تبعد البرجوازية الكردية عبر تعديلات الدستورية. على اية حال ان قضايا السياسية و الافرازات السياسية كثيرة بغض النظر عن مستوى تحقيق "إصلاحات" العبادي.

الحركة المطلبية مهما كان شانها لم ولن يتحول الى حركة سياسية كبيرة بدون قائد سياسي و احزاب سياسية مؤثرة.قائدها سيستاني و عبادي و احزابها تقريبا كل الاحزاب المشاركة في الحكم والبرلمان. قائدها ومنظمها هو الاسلام السياسي الشيعي ومرجعيته وسلطته دفع بالشباب والتابعين له بالمشاركة حيث ان: "المرجعية الدينية فتحت قنوات اتصال مع اللجان التي تنسق التظاهرات في بغداد وبقية المحافظات لهدفين: الأول مواصلة الضغط الجماهيري على القوى السياسية لتنفيذ الإصلاحات من دون مماطلة، والثاني منع المتظاهرين من اللجوء إلى الفوضى كي لا يعطوا فرصة لمن يسعى إلى استغلالها" (الحياة اللندنية 10آب 2015). ان الحركة السياسية هي منظمة ولها قيادة ولا تجري عفويا خصوصا في المرحلة الراهنة بعد تأريخ طويل من التجربة البرجوازية والطبقة العاملة ايضا.. ليس هناك حركة سياسية عفوية, في عصرنا هذا, هناك حركات احتجاجية بسيطة ومؤقتة للكهرباء او توفير المياه او لصرف ارباح سنوية او لصرف الاجور.. حركات مطلبية بسيطة تشمل قطاعا من القطاعات او الجماهير بصورة عامة وهذا شئ وظاهرة طبيعية تحدث كل يوم او كل ساعة... هذه الحركات الاحتجاجية لمطلب او عدة مطالب واضحة وشفافة والناس او المشاركين فيها سواء كان في معمل او شركة او محلة او مدينة, يعرفون انهم يشاركون في سبيل توفير الكهرباء مثلا او صرف الرواتب "في كردستان العراق تجري هذه الحركات بصورة يومية تقريبا, طبعا هذا ايضا ليس عفوية ولكنها لم تتحول الى حركة سياسية" كما حدثت في البصرة ومدن اخرى في البداية... الناس يشاركون ويعرفون لماذا يحتجون, وحتى يدركون مدة احتجاجهم مدة قصيرة.. ولا يتطلب امرا عقائديا او سياسيا خاصا لمشاركة في هذه الاحتجاجات, في هذه الحركات ربما في البداية تبدوا كانها عفوية, براي حتى هذه الحركات البسيطة تتطلب نوعا بسيطا من القيادة في محلة ما او في معمل ما.. ولكن نفترض ربما تشكل قيادتها اذا استمر الاحتجاج أكثر من المدة المقررة.

اما بخصوص الحركات السياسية يختلف الامر بكثير ومن ناحية نوعية... يختلف الامر لانه يتطلب التنظيم والقيادة وقيادة مقبولة, وليس قيادة غير معروفة تظهر في وسط المتظاهرين على شكل خطيب او توجيه المتظاهرين لترديد الشعارات... للحركات السياسية انواع مختلفة واهداف مختلفة. الحركة السياسية بحجم تغير الدستور والغاء المحاصصة الذي يطلب العبادي التفويض بشأنها ويرفعه المتظاهرين والمرجعية أو بحجم اقالة نوري المالكي والنجيفي وعلاوي. او بحجم محاكمة المالكي والجنرالات العسكرية الاخرى.. هذه الحركة لا بد أن يكون لها قائد سياسي ومنظم وعقيدة ايدولوجية وسياسية ايضا... هذه هي اساسا حركة تغيرية شاملة للسطة السياسية الحاكمة ومقوماتها لحد الان, بغض النظر عن تحقيق اهدافها او لا, حركة لاعادة الثقة بالسلطة, او انقلاب على السلطة, لتثبيت السلطة واعادة الاعتبار اليها..

هذا جزء من المسالة. الجزء الاخر, هل بامكاننا ان نفترض وقوع انتفاضة جماهيرية او ثورة عمومية تشارك فيها اطياف وطبقات اجتماعية مختلفة,؟ براي هذا ممكن الحدوث ولكن لهذه الاحداث الكبرى مقدماتها واولوياتها, واساسها الموضوعي على الصعيد الاجتماعي. لا اشرح هذا الامر لان الاوضاع في العراق بعيدة جداً ليس عن الثورة العمومية بل عن الانتفاضة ايضا, ليس هذا فحسب بل الاوضاع تراجعت الى الوراء بشكل كبير. من هذه الزاوية ايضا ليس بامكاننا ان نتحدث عن الانتفاضة وماشابه ذلك من المفاهيم الثوروية. .ملخصي حول هذه النقطة ان الحركة التي تجري الان ليس انتفاضة وليست ثورة ضد الفساد ولا ضد المحاصصة بل تجري بما يعاكس تطلعات ومطالب المتظاهرين والمشاركين في الحركة. دفن لتطلعات الجماهير بأياديها. مطالب الجماهير حول مسائل الخدمات والاجور والتمويل الذاتي والكهرباء كلها عادلة ومحقة ويجب ان تتنظم حولها الجماهير والعمال ويجب فصل هذه التطلعات والمطالبات عن الحركة الموجودة الراهنة على الصعيد السياسي والرؤية السياسية وعلى الصعيد المكاني بمعنى مطالبات الناس يقترح في محلاتهم ومعاملهم وشركاتهم ونزولهم الى شوارع وساحات مختلفة. إن تكرار تجربة الموسوي وحركته حركة الخضر في إيران ليس أمرا حتميا, جماهير يجب ان لا تكرر تجربة الموسوي مرة اخرى في العراق, انها تجربة تعني شد الاغلال في عنق الجماهير والعمال و الكادحين. الجماهير مشغولة بساحات التحرير و بشعارات لا صلة بمصلحتها ولكن في البرلمان تم الموافقة على اهم القانونين في التاريخ العراقي الحديث : قانون العمل و قانون الاحزاب السياسية.... هذه هي حيلة البرجوازية وذكائها . كتبت في يوم 9 من الشهر الجاري تعليق في فيسبوك انهي هذا البحث به.

"تقوية التظاهرات وتنظيمها مرهونة بفصل الصف الجماهيري عن العبادي والمرجعية!"
مطالب الجماهير من الكهرباء وصرف الرواتب.. كلها مطالب محقة وعادلة.. يجب تنظيم الاحتجاجات الجماهيرية وتوحيدها على صعيد العراق... وهي قضية ضخمة تتطلب جملة قضايا منها طرد الاوهام اوهام "المرجعية" و"اصلاحات العبادي".. نقد الاراء والتصورات الاسلامية والقومية منها.. هذا جانب مهم من ثم بناء صرح قيادي لها في كل محافظة وبعدها تنظيمها على صعيد العراق كله.. والاتفاق والانسجام على الشعارات والمطالب.. واخيرا يجب ان يدرك قادتها ان الجماهير لديها مطالب بسيطة لا تتعدى ثلاثة او اربعة.. عليه يجب ان لا تحمل هذه التظاهرات اكثر من طاقتها.... اما اصلاحات العبادي فهي ليست اصلاحات اجتماعية ولا سياسية بل هي اعادة هيكلة وفق برنامج صندوق النقد والبنك الدوليين.. ان محاكمة الفاسدين التي وردت في خطواتها هي خطوت للتجميل ليس الا.. ليس بامكان احد ما محاكمة الفاسدين في العراق لان العملية السياسية مبنية على الفساد.. انظروا الى خطواتها ليس فيها اصلاح حتى للكهرباء وليس فيها صرف الرواتب وفق المستحقات الشهرية... وليس فيها وليس فيها.. انها مكيدة, مكيدة.. وضعتها المرجعية مع الحكومة وحزب الدعوة لضرب ليس عصفورين بحجر بل عدة عضافير بحجر.. انها عملية لتسويق لبرلة العراق وبيع منشئاته الصناعية و الخدمية و ربما النفطية.. تقوية التظاهرات مرهونة بفصل الصف الجماهيري عن صف التظاهرات المؤيدة للعبادي والمرجعية...". 16.8.2015





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,845,255,365
- اصلاحات العبادي تجميل الفساد والمحاصصة عبر عملية اعادة الهيك ...
- الوضع السوري يتجه نحو التسوية المؤقتة بدون الامن والاستقرار ...
- قصف مقار (به كه كه) من قبل حكومة أردوغان يعني تقوية داعش في ...
- أتفاقات البورجوازية أو الصراع بين اقطابها لحد الان يرسم عالم ...
- حول أزمة ديون اليونان.. سياسة الأصلاح الأقتصادي هي لغة النفا ...
- الاجتماع الثلاثي المرتقب في بغداد يافطة مشبوهة لتضليل الراي ...
- الهجرة وطلب اللجوء نتاج طبيعي لسياسات واداء الرأسمال العالمي
- انشاء قواعد عسكرية امريكية جديدة بالعراق ليس له علاقة بالحرب ...
- مؤتمر تحالف الأرهاب في باريس.. مقايضة سوريا بمساعدة الحكومة ...
- سيطرة دولة الخلافة على الرمادي مسمار جديد في نعش العراق المو ...
- الطائفية السياسية قسمت الأنسان في العراق قبل مشروع تقسيم الأ ...
- حزب ماركسي ثوري قوي ومؤثر بامكانه ان يغير مسار التاريخ
- خطر ما بعد داعش ليس اقل من الخطر في مرحلة داعش
- عاصفة الحزم حسرت الدور السعودي في المنطقة
- بتجاوز الملف النووي الايراني, نقوي الصراع الطبقي, هذه هي قضي ...
- حول عدم صرف الرواتب وحركة عمال وزارة الصناعة والمعادن
- الارهاب ضرورة المرحلة الانتقالية للراسمال العالمي.. وليس بام ...
- خطاب نتنياهر في الكونغرس الأمريكي محاولة لدغدغة المشاعر القو ...
- ليس بامكان البرجوازية ان تعيش بدون ارهاب.. هذا قانون حركة عص ...
- تفويض أوباما لثلاث سنوات حرب هو رسالة للعالم باستمرار السياس ...


المزيد.....




- بومبيو يوجه خطابا للإيرانيين في الولايات المتحدة
- شيخ إماراتي يتحدث عن -صبر- السعودية والإمارات تجاه قطر
- عقب تعرضها للإجهاض... محكمة تبطل زواج سودانية تبلغ 11 عاما
- التلفزيون السوري: إسرائيل استهدفت موقعا عسكريا في حماة
- لقطات استثنائية... جلسة تصوير لعارضة مع تمساح تخطف الأنفاس ( ...
- -وضع بصمتها في سجل عالمي-... قطر تحقق إنجازا هو -الأول من نو ...
- لائحتا -التغيير- و-الوفاء والمسؤولية- تنوهان بتموقف فيدرالية ...
- تركيا.. -أنثى الذئب- تستقيل من رئاسة حزب الخير
- إجلاء -الخوذ البيضاء-.. واشنطن ترحب
- وكالة: -داعش- يعلن مقتل أحد قادته في مصر


المزيد.....

- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من نظام عبد الناصر وحركة يولي ... / سعيد العليمى
- الولايات المتحدة، نظام شمولي لصالح الشركات / كريس هيدجز
- الثورة الصينية بين الآمال والمآل / محمد حسن خليل
- المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي / أحمد فتحي سليمان
- العبد والرعية لمحمد الناجي : من الترضيات إلى التفكير المؤلم / لحسن وزين
- الفرعون والإسكندر والمسيح : مقامتان أدبيتان / ماجد هاشم كيلاني
- الشرق أوسطية إذْ تعود مجددا: المسارات البديلة للعلاقات الاقت ... / محمد عبد الشفيع عيسى
- دلالات ما وراء النص في عوالم الكاتب محمود الوهب / ريبر هبون
- في الدولة -الزومبي-: المهمة المستحيلة / أحمد جرادات
- نقد مسألة التحالفات من منظور حزب العمال الشيوعى المصرى / سعيد العليمى


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سامان كريم - الاحتجاجات بين وهم الجماهير وحقيقة إعادة الثقة بالسلطة السياسية!