أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أفنان القاسم - الغِربان1: واقع الهجرة















المزيد.....

الغِربان1: واقع الهجرة


أفنان القاسم

الحوار المتمدن-العدد: 4909 - 2015 / 8 / 27 - 11:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أولاً
على عكس الكثير من الناس، دومًا ما أحببت الغِربان، للونها الأسود الفاحم، وصوتها المجلجل، ونظرتها الثاقبة، ربما لأن مدينتي البعيدة نابلس كانت مدينة للغِربان، ولأنني كالغِربان تجذبني الأشياء الملونة، ويَلَذُّ لي اقتناء الأشياء المذهبة، لكني لا أريد أن أحكي عن هذا بخصوصها، أريد أن أتكلم عن عقلها، فهي من الذكاء بحيث تتذكرك لو آذيتها، وتطلب من رفاقها يد العون للانتقام منك، كخير من يفهم المثل السائر "يد الله مع الجماعة"، وهي ليست فقط ذكية، فهي قادرة على تنظيم حياتها، وعندما تصعب عليها الحياة، فلا تجد ما تأكل، تؤدي مهمة البحث عنه بمهارة، وتعرف أين تجد غذاءها.

ثانيًا
الوسائل الاجتماعية التي يلجأ إليها الغِربان في الانتقام ممن يؤذيها وفي البحث عن كسب قُوُتِهَا هي نفسها الوسائل الاجتماعية لغِربان العصر الحديث: المهاجرون، فلهم حقهم في حياة عادية أينما يجدونها، ووفقًا للحق في المكان الذي يقيم فيه من قام بالأذى: الغرب. إنها مطاردةُ الغِربان لمن اعتدى عليها في عقر داره، وسلب اللقمة من فمه. في الواقع، لا يذهب مهاجرونا إلى الغرب، هم يأتون بالغرب، فالعالم اليوم صغير، بالنسبة لكبره الجغرافي، وخفيف، بالنسبة لثقله المادي، وخير صورة تعبر عن ذلك جذبهم إياه كما يجذبون باخرة ضخمة على وشك الغرق، بكلاليب تُغرز في لحم ظهورهم، بينما يدفع الغربيون الباخرة الضخمة (الغرب) في الاتجاه المعارض، وهم في اعتقادهم أنها الطريقة الوحيدة لتخليصها من أيدي الغِربان العرب، دون أن يعلموا أنهم يدفعونها (يدفعون غربهم ديارهم حضارتهم) إلى الغرق، في الوقت الذي يضاعفون فيه من عذابات مهاجرينا الجاذبين والكلاليب تمزق لحمهم بقوة تتجاوزهم كبشر، مهاجرينا الذين هم في الواقع المنقذين لهم، وليس العكس. أقول ليس العكس، وأنا أزن كلامي، ليس لأننا الأذكى كغِربان، ليس لأننا الأقل شهوة للأكل، ولكن لأن مكاسب الحضارة اليوم مكاسب لجميع البشر، واقتسام هذه المكاسب هو قانون العيش والبقاء، فإن لم آخذ حصتي، ذهبت بنفسي لأخذها، وهذا بكل الوسائل، هكذا يكون إنقاذي لنفسي إنقاذًا لغيري، وإنقاذ غيري إنقاذًا لي.

ثالثًا
مجتمعاتنا قدرتها على استيعابها لجميع فئاتها ضئيلة، أو منعدمة، منها من فقد هذه القدرة، ومنها من ارتبط استيعابها باستيعاب السوق للإنتاج، أي أنها قدرة استهلاكية للبشر، وفي كلتا الحالتين العلاقات الاجتماعية فاجعة: نسبة البطالة تصل أحيانًا إلى ستين بالمائة، كما هي الحال في الجزائر، وتسعين بالمائة كما هي الحال في غزة، يعني لا طاقة للعمل والإنتاج هناك، والمجتمع يكون بطاقته الإنتاجية، وبقوته العاملة، دونهما العصيان المسلح أو العصيان المدني أحد الأمرين المُخَيَّر بينهما، العصيان المسلح نراه كل يوم على شاشة التلفزيون، والعصيان المدني سنراه عما قريب في كل مكان من وطن الغِربان، سنراه في المؤسسات وفي الشركات وفي الثانويات وفي الجامعات وفي حقول النفط وفي حقول الغاز وفي الحقول الجرداء وفي مصانع الخردوات –يا سلام!- وفي سائر مواخير الدولة، هل قلتُ الدولة، فأخطئ في الحكم على المواخير؟ دولنا المنهارة تنقسم بين دول شحادة تعيش على المعونات ودول ريعية تعيش على النفط، البنى الاقتصادية للأولى والثانية بنى رثة خاضعة لقانون العرض والطلب، لا ترفدها الصناعات التكنولوجية ولا الاستثمارات الطويلة الأمد، فما هي النتيجة؟ ما هو الاتجاه؟ النتيجة كالاتجاه نحو إخلاء بلداننا من سكانها، على شاكلة الصين ومدن بأكملها فارغة، لأن الهجرة الداخلية فيما يخصهم تذهب إلى المدن الصناعية ومراكز الاستثمار، والهجرة الخارجية فيما يخصنا ستذهب كذلك إلى المدن الصناعية ومراكز الاستثمار الموجودة عند غيرنا في شتى أنحاء العالم: آسيا، أوروبا، أمريكا، أستراليا... وبعد ذلك القمر، زحل، عطارد، المريخ.

رابعًا
الغِربان تنتظم في جماعات عند الرحيل، حقًا هي سوداء ونعيقها يبعث على التشاؤم –وهذا ما نريد- لكنها عندما تقرر الذهاب حتى ولو إلى أقاصي الدنيا، تفرش جناحيها، وتحلق في الأجواء غير آبهة بالريح، بالعواصف، بالجحيم، فكيف تأبه بالجحيم، وهي هاربة من الجحيم؟ لكل هذا موتوره بين الشباب، بين المثقفين، بين عامة الناس، الموتور عند بعضهم الرغبة في الهجرة، وعند بعضهم المغامرة، لكن عند كليهما الرفض للأوضاع. هناك استعداد نفسي جماعي يعجز الأطباء النفسانيون عن معالجته بالتحليل النفساني، استعداد من يرمي بنفسه في النار أو من قمة شاهقة، لم يعد يهمه شيء، لم يعد يعيقه شيء، لم يعد يخيفه شيء، لقد خسر كل شيء، إذن ماذا سيخسر؟ بدافع الخسارة لا بدافع الربح أو الأمل بالربح وقد انتهى كل أمل، تقرر الغِربان التخلص من واقع بؤسها بأية طريقة، وأسهل الطرق الهجرة التي هي أصعبها، أصعب من القمع، أصعب من الجوع، أصعب من الخضوع، أصعب من خنق الحرية في الصدور، خنق الآمال، خنق الأماني، قتل الأماني، شنقها، سحلها، إعدامها بقطع رأسها بالسيف كما يُقطع رأسها هناك على أبواب مكة أو دمشق، أسهل من كل اليأس في العالم، فاليأس لم يعد طاقةَ وَضْعِنَا التي تدفعنا إلى العيش، الهجرة طاقة وضعنا التي تدفعنا إلى الحياة.

خامسًا
لقد سبق السيف العَذَل!
لم يعد قمعنا ينفع نحن الغِربان بلوننا الأسود المنير للعالم، لم تعد خلايا المخابرات تقدر على وضعنا في الأقفاص، خلايا الداعشيات، خلايا التدليكات، كل نوع من خلايا الموت الناعم والصاعق، خلايا الأمن، خلايا اللاأمن بالأحرى، خلايا الصلاة والسلام على سيدنا الإمام، هكذا تقول عن الملك المغربي عند ذِكره –كرّم الله وجهه- كل الغِربان البيض التي لا تمت إلينا بصلة، خلايا الجنرالات في الجزائر، خلايا الماريشالات في مصر، خلايا الإسلاميين في الأردن، خلايا المحاصصة في العراق، خلايا الشرطة الدينية في السعودية، خلايا فنادق اللوكس في بلدان الخليج، خلايا سلطان الحريات في عُمان، خلايا سلطة المراحيض في رام الله، خلايا العابدين النازيين في غزة، خلايا الأمة العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة لحزب البعث العربي الاشتراكي الشمامي المشمشي الفاشي في سوريا، خلايا الكتب الخضراء –يا حسرة على عديم الذكر!- والسوداء والبيضاء والحمراء والصفراء والزرقاء والليلكية في ليبيا، خلايا حزب الله في لبنان، خلايا حزب النهضة في تونس، خلايا جِيَفِ الشريعة في السودان، خلايا شريعة الجيف في اليمن، خلايا الهَباب والاغتصاب في موريتانيا، خلايا الشباب البربري في الصومال –هل الصومال بلد عربي؟- خلايا، خلايا، خلايا... لم يعد عوننا ينفع في تطويرنا، فنحن نريد لاتطويرنا، نريد تخلفنا، نريد خرافاتنا، نريد أباطيلنا، نريد دجل مشايخنا، نريد كل ما يحتل عقلنا من جهالة، نريد كل ما يقتل روحنا من سفالة، نريد كل ما يركب أجسادنا من شياطين. نعم، نريد كل هذا، كسيف مسلط على رقابكم، كسفينة ماخرة إلى شواطئكم، كخلاص مسيحي من ظلمكم... لم تعد وعودكم تنفع في تسكيرنا، لأننا نفضل كذبكم على كل شيء آخر، ولأننا نسكر بكذبكم قبل كل صلاة، وبعد كل دعاء، لأننا نفضل الغرب قِبلة، وباريس قُبلة: لسنا أحرارًا، وسنكون أحرارًا عندكم، لسنا أغنياء، وسنكون أغنياء عندكم، لسنا فُضَلاء، وسنكون فُضَلاء عندكم، سنعمل كما لم يعمل أحد عندكم، وسنبني أوطانكم معكم لتكون أوطاننا وأوطانكم، وسندفع الضرائب مثلكم، وسنحترم القوانين قوانينكم، وسننتخب بكل حرية كما لم ننتخب منذ كنا أمة عربية مريضة ذات داء لا يبرأ، وستكون لنا أخلاقكم، ليس كل أخلاقكم، فللغِربان أخلاق بقيمة أخلاقكم أو يزيد عن أخلاقكم، وها نحن ننذركم، إن لم تفتحوا حدودكم، فتحناها بقوة الأمر الواقع، وجعلناكم –عن اضطرار أو اختيار- تتركوننا ننام في فراشكم.


يتبع الغِربان2







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,426,960,012
- المرأة العربية5 وأخير: حركة تحرير المرأة العربية
- المرأة العربية4: المتعة
- المرأة العربية3: المرأة والجنس
- المرأة العربية2: الخمار ليس الحجاب
- المرأة العربية1: الوضع العام
- الحريات9 وأخير: الخطوط العريضة لسلطة التنوير
- الحريات8: المغرب
- الحريات7: الجزائر
- الحريات6: العراق
- الحريات5: الأردن
- الحريات4: مصر
- الحريات3: البحرين
- الحريات2: قطر
- الحريات1: العربية السعودية
- التنوير7 وأخير: آفاق
- التنوير6: حقوق الإنسان
- التنوير5: أوهام الأديان
- التنوير4: الطائفية
- التنوير3: أركان التنوير كيف؟
- التنوير2: أركان التنوير


المزيد.....




- عصابة تهاجم المحتجين في مترو أنفاق هونغ كونغ
- سقوط 7 قتلى وعدة جرحى بينهم أطفال نتيجة استهداف الفصائل المس ...
- ألزهايمر يبدأ في مرحلة الطفولة!
- وكالة الطاقة الدولية: نراقب التطورات في مضيق هرمز ومستعدون ل ...
- شاهد: طائرة حربية ليبية تهبط اضطراريا على الطريق في بلدة جنو ...
- أخطاء في مشرحة مصرية
- هل تنقذ هذه القطط الصغيرة فصيلتها من الانقراض؟
- صور باهر: إسرائيل تبدأ في هدم منازل في بلدة بضواحي القدس
- وكالة الطاقة الدولية: نراقب التطورات في مضيق هرمز ومستعدون ل ...
- شاهد: طائرة حربية ليبية تهبط اضطراريا على الطريق في بلدة جنو ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أفنان القاسم - الغِربان1: واقع الهجرة