أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مختار سعد شحاته - الشاعرة لبنى عبد الله المستعدة للانقضاض على وحدة تائهة















المزيد.....

الشاعرة لبنى عبد الله المستعدة للانقضاض على وحدة تائهة


مختار سعد شحاته

الحوار المتمدن-العدد: 4904 - 2015 / 8 / 22 - 02:17
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


قراءة في عتبات القراءة لديوان "تستعد للانقضاض على وحدة تائهة للشاعرة لبنى عبد الله"
رصدها/ مختار سعد شحاته "Bo Mima"
مدخل واجب الإشارة إليه:
يدفعني حبي للشعر وللشعراء أن أتورط في قراءات، لا أنكر أن المحبة الخالصة لصاحب العمل أحد دوافع تلك القراءة، ولما كنت بصدد التطوير لنظريتي عن بيئة المبدع "البيئة القاسمة القاصمة"، كان لزامًا أن أنتبه لما أحاول التنظير له عند قراءتي هذه لديوان الشاعرة –الصديقة- لبنى عبد الله وأول إصداراتها "تستعد للانقضاض على وحدة تائهة"، والصادر عن دار كلمة للنشر والتوزيع بالإسكندرية في مطلع العام 2015، وبغلاف بديع لمصممة الغلاف الفنانة غادة خليفة، ويجيء الديوان في "88 ورقة" من القطع المتوسط، قدمت فيه الشاعرة عشرين قصيدة، تناوبت بين الطول تارة والقصر أخرى، وانتهت صفحاته بالرقم "88" دون هامش ملحق كما كان دون تقديم، مكتفية فيه الشاعرة بإهدائها الذي تصدر الديوان.

عتبات لقراءة الديوان:
يمكن أن نقرأ النص الشعري من خلال عتباته الخارجية كالغلاف والعنوان، ويمكن أن نقرأه من خلال عتباته الداخلية من حيث اللغة والرمز والصورة وغيرهم، لكننا هنا سنشير إلى عتبات هامة بشكل سريع.
فالعنوان اعتبره جيرار عتبة خاصة في قراءة النص الأدبي السردي، وهو ما تلقفه النقد العربي، وبنى عليه في قراءاته السردية، إلا أننا لا يمنعنا ذلك التأسيس أن نأخذ العنوان لديوان "تستعد للانقضاض على وحدةٍ تائهة" عتبه هامة لدراسة النصوص الشعرية داخل دفتي هذا الديوان المتنوع، إذ سيكون هنا –كما في السرد الروائي- مفتاحًا لكثير من التأويلات التي تدخلنا فيها نصوص الديوان الشعرية، فالعنوان في هذا الديوان –أظنه- يحتاج إلى تأويل جديد بعد الانتهاء من القراءة الدقيقة للديوان وقصائده، وهو ما بدا واضحًا في بعض النصوص الشعرية كما سنوضح فيما يلي، إذ يمكن للعنوان أن يأتي بتأويل في بدايته ثم يعيدك العنوان بعد القراءة –للديوان أو القصيدة- إلى تأويلات تنفتح أمام وعي التلقي عند القاريء.
إذن "تستعد للانقضاض على وحدة تائهة"، هو أول العتبات في قراءة هذه النصوص الشعرية التي جمعها الديوان، وهي عتبة تسلمنا قبل مغادرتها إلى عتبة تالية هي "لغة الديوان" ونصه الخفي والموازي، وهو ما نلمحه منذ قراءة العنوان، واعتماد الجملة الفعلية ودلالة ذلك، والسناد إلى ضمير الغائب، وهو ما يسلم بدوره إلى فهم النص الخفي في قصائد الديوان.
الحقيقة أن اعتبار العتبات أمر يجعل القراءة النقدية مغلولة اليد بالبحث عن آليات تلك العتبات وتتبعها، لذلك عليك –عزيزي القاريء- أن تتحرر من تلك العتبات ولا تنشغل بها، وتمتع فقط بالنصوص الجيدة التي يطرحها الديوان والتي تؤكد أن كاتبتها شاعرة جيدة، وهنا أستعير بأريحية جملة الصديق الشاعر وليد علاء الدين "كل نص جيد وراءه مبدع جيد"، وهو ما أراه تعليقًا عامًا يمكن به وصف مجموع هذا الديوان.

التنسيق الطباعي للديوان:
تحاول لبنى عبد الله ان تنتصر مثل جيلها ومن سبقه لما يمكن اعتباره تغييرًا في الشكل الراديكالي ليس للقصيدة الخليلية وحسب بل حتى وقصيدة التفعيلة، رغم أن هناك بعض النصوص تقترب من عالم التفعيلة جدًا، وهو ما يمتطيه جلُ المنادين بثورة التغيير في الشكل الشعري، والذي تنتمي إليهم لبني عبد الله لأسباب تطول، إلا أن كثير من التنسيق الطباعي في الديوان جاء بالشكل التفعيلي الذي ثارت عليه لبنى لغة وموضوعًا.
وهنا نستدرك أن تلك المغايرة تخرجنا من عتبة الوزن والإيقاع، وتجعلنا ننحصر في بعض الأحيان في بعض أقوال شعراء قصيدة النثر، وانتصارهم لقصيدتهم بأنها قصيدة مقروءة بالأساس أكثر منها مسموعة، والحقيقة أن التنسيق الطباعي للديوان والذي شابه التنسيق الطباعي لشعر التفعيلة هو ما يضيفه هذا التنسيق للديوان، فيمكن أن تتبع من خلاله عند القراءة تلك الموسيقي الإيقاعية التي نجحت لبني عبد الله في غزل قصائدها عليه، حتى ولو بدا لأول وهلة غير ملحوظ بهذا التنسيق.
تقول في قصيدة "فراغات صغيرة" في ص 34:
"يكفيك سقف الموج
ورمال الصمت
قرب منضدة النتظار
* * *
هي فراغات صغيرة
بين حياة وأخرى
هي فراغات كثيرة
....... "
ومثل هذه التكرارات الصوتية –فردية او جماعية- مثل "هي فراغات صغيرة" يمكن أن ندرسها دراسة عروضية، وهو مثال له تشابهات كثيرة طوال الديوان، ولا تخل بل تضيف، وهو ما يخبرنا عنه أدونيس حين يقول "هي موسيقي الاستجابة لإيقاع تجاربنا وحياتنا المعاصرة"، وهو ما ينطبق تمامصا على قصائد الديوان.
تقول لبنى عبد الله في قصيدة "غابة بيضاء" ص 51:
"لم يترك الموت لنا كلامًا نزرعه
كان وارفًا
مزهرًا
يطوف قاطفًا أرواحًا ملونة
يغرسها في غابته البيضاء
بين شفافية الماء
وأهداب حمائم الدهشة
.............. "
ويبقي هنا ان نشير إلى أن ذلك النسق الطباعي يجيء عن الشاعر ذاته بشكل مقصود غير اعتباطي، وله دلالاته من من حيث الانفصال أو الاتصال بين المقاطع الشعرية، والحقيقة أن هذا النسق الطباعي لا يمنعنا أن نطبق قول رزولان بارت بأن ثمة إيدلوجية عامة للنصوص –الديوان- بعيدة عن تلك الأيدلوجية الآنية للنصوص ذاتها وداخلها، وهو ما يعيدنا من جديد إلى الشاعرة بذاتها وتكوينها الشعري والأدبي، وربطه بالعنوان، والصورة الشعرية داخل قصائد الديوان، وهنا لا يمكننا ان نغفل أن الشاعرة بالأساس درست ومارست الفن التشكيلي، وهو ما يمكن أن نضمه متى جعلنا السياق العام والإيدلوجية العامة للنصوص مدخلا للقراءة.

الفنانة لبنى عبد الله مدخلا إلى الديوان:
كما أشرنا فالمبدع ذاته واحدة من اهم العتبات والمداخل لقراءة المنتوج الإبداعي، وذلك في السياق العام للنص بعيدًا عن التقسيمات والجزائر الفكرية التي يصنعها المبدع داخل عمله، وهو ما لا يمكن إغفاله هنا في "تستعد للانقضاض على وحدتها"، وهو ما يساعد في انفتاحات دلالية جديدة عند تاويل النص الشعري داخل الديوان.
إذن فالفنانة التشكيلية "لبنى عبد الله" ذاتها مدخلا هامًا لقراءة نصوص الشاعرة "لبنى عبد الله"، بل لا نبالغ حين نقول أن هذه الحالة وغيرها من النصوص التي يقدمها أمثال الشاعرة، يكون الأقرب في تأويل نصوصها الأكثر معرفة بها، وهو لا ينفي الغير من تأويل مخالف ومحايد، بل وجديد. استمع إليها حين تقول في نهاية قصيدتها الأولى "عرائس ماريونت وحيدة" في ص 9:
"ألواني
لا تكفي لسد فم البحر
لا أملك ما أهديه له
لا أملك إلا إياي وبعض النغمات
بسمات تخرج من عيني
في صمت
ونقرات لا تلوي على شيء
....................... "
هنا يمكن أن تكون السيمائية البصرية مدخلا لقراءة الصورة الشعرية في الديوان ودلااتها وتأويلاتها المنفتحة، وذلك بما ألزمته الفنانة لبنى عبدالله للشاعرة من تقطيع شعري يشبه تقطيعات المونتاج السينمائي، والديوان أمثلته على ذلك كثير، منها ما سبق وقدمناه وما سنقدمه من مقاطع.

الإهداء في مفتتح الديوان:
تهدي لبني ديوانها إلى "أم الغرباء واللامنتمين.. أمي، إلى "رفيق" الدرب الذي لولاه ما كنت ما أنا عليه اليوم"، وهو إهداء كلاسيكي التكوين، وإن كان يحمل صدمة ما في هذا الوصف "أم الغرباء"، وهو ما يمكن أن نعرف منه عن شخصية الفنان والشاعر التي سكنت لبنى عبد الله، الفنانة والشاعرة، و كذلك وفي ضوء تأويل الجملة الثانية من الإهداء وما أحدثته الشاعرة في بنية الجملة البلاغية حين اعتمدت بلاغة الاستخدام مع مفردة "رفيق"، فأضافة جمالاً بلاغيًا جديدًا إلى جملة الإهداء حين اعتمدت "الاستخدام" وبلاغته، فرفيق –الاسم- زوجها، وكذلك الصاحب في رحلتها ودربها، وكلا الأمرين أظن قصدتهما معًا وهو بناء بليغ، قلما ينتبه إليه كاتب لصعوبته، وله دلالة على لغة الشاعرة ومفرداتها وإن أعطت بعض القصائد انطباعًا مغايرًا حين استخدام اللغة وسنوضحه. أحسنت الشاعرة باستخدامها -"أم الغرباء"- الكناية عن موصوف، وببلاغة الاستخدام تلك في "رفيق الدرب".
تقفز الشاعرة في الإهداء إلى إهداء عام إلى من تنعتهم بأنهن "كاهنات المعبد"، وتخصهن بكاف الخطاب المتصلة، والنداء حين تقول "إليكن يا كاهنات المعبد"، لتؤكد ما قلناه آنفًا بأن الفنانة والإنسانة لبنى عبد الله وتوجهاتها مدخلا أساسيًا لانفتاحات التأويل داخل هذا الديوان.
والحقيقة أن القصيدة الأولى في الديوان "عرائس ماريونت وحيدة" ص 5، جاءت كأنها استكمالاً للإهداء في صدر الديوان، حيث تهدي لوحاتها المنتهية والمنتظرة، ونصوصها والشجرة العتيقة وقرينتها، وغيرهم كثير خاطبتهم وبررت بالحديث لهم في القصيدة.

لغة الديوان:
يقول الآمدي في وصف اللغة الشعرية حين يتحدث عن الشعر " وليس الشعر عند أهل العلم به إلا حسن التأتي ووقرب المأخذ واختيار الكلام وووضع الألفاظ في مواضعها، وأن يورد المعني باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله....."، وباعتبار ذلك القول فإن لغة الديوان تنتصر لهذا القول بقوة بما أنتجه الديوان من ثنائية اللفظ والمضمون، وهو شأن له سياقات يمكن تناولها باعتبار علم الدلالة لا يتسع لها المقام هنا، إلا أن الدلالة في اختيار مفردات الديوان لا يمكن حين القراءة فصلها عن الدلالات الأخرى التي كونت الشاعرة "لبنى عبد الله" وشكلت لغتها، ولعل أهم هذه الدلالات هي الدلاة الاجتماعية الأيدلوجية للشاعرة، والتي رأت أن تتخذ لغة قريبة المأخذ، وسهلة الفهم وبسيطة غير معقدة في بنائها اللغوي، وهو ما تصدره لنا مجموعة من عناوين الديوان، وتأمل معي على الترتيب عناوين القصائد "لوحة ص 11، خريطة اللعبة ص 19، لا شيء ص 23، سفر ص 41، أنا السماء ص 49، الألوان الحمراء ص73، وغيرهم".
وللحقيقة ثمة أمر يجب الانتباه إليه وهو تلك العناوين المطلقة مثل "سفر، لوحة، طيفان" وهو إطلاق عام، به شبهة الغموض التي بدت في بعض القصائد حين نست لبنى لغتها العفوية البسيطة، وأرادت أن تحقق عمقًا وأبعادًا جديدة لقصائدها تلك. ورغم ذلك فإن الديوان وبشكل عام اعتمد السهل الماتع من التراكيب والتي بلغت حد المباشرة في بعض العناوين مثل "أنا السماء، لوحة، الألوان الحمراء"، إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة من تراكيب أخرى تعرف بها عن فهمها للغة والإزاحات اللغوية وفنيات وبلاغة التقديم والتأخير وغيرها من فنون اللغة، ولك أن تتامل هذا العنوان "البحر ليس لك ص 27"، لنستمع إلي لغتها تقول في القصيدة:
"للساهرين في سؤال الوجع
كف محني
بالترتيب على بقعة الونس
وأشرعة بيضاء تبحر
في دماء البكارى
البحر ليس لك
قالها وأفل مع الآفلين
كي يحفر قناة للطوفان القادم
.............. "
وهذه اللغة الشعرية التي اعتمدتها الشاعرة، والمعتمدة على جمل فعلية في غالبها أو جمل اسمية بسيطة مباشرة، تدفع إلى ما يمكن تسميه "المشاهداتية" في النص، إذ أن تلك اللغة استطاعت ان تخلق هذا المنظور البصري للمقروء، فتحول الدفقات الشعرية إلى صور بصرية تتلاحق في إيقاع حافظت عليه الشاعرة، وهو أبدع ما جاء في الديوان، فأبعد شبهة الرتابة والتي عرفت الشاعرة من البداية في العنوان كيف تورطنا في لعبتها تلك على بساطتها وصعوبتها، فكأنها جعلت من قلمها عين كاميرا تنقل إلى كادر القاريء صورة للشاعرة، حاولت أن تواري فيها صورة الفنانة التي ظلت تطل بظلالها بين الحين والحين داخل تلك الصور الشعرية. وتجيء قصيدة "فراغات صغيرة" ص 33، دليلا على تلك اللغة ورسم هذه الصورة البصرية، استمع حين تقول:
"تعود وحيدًا
كأذناب ضوءٍ في ليل صبور
ترتب كيانات السراب
الأمس... فوق الأريكة
اليوم... حط على النافذة
غدًا... متكيء على كتفي السأم
................... "
وتقول في القصيدة ذاتها في ص 35:
"قلبك المرتجف بين الأغصان
يرتب وشاية السماء
ويفضح أسرار الطيور
تضحك... ويجفل ظللك
تبكي... فيطير محلقًا
تصمت... فيطير محلقًا
................ "

وبالنظر إلى تلك الصور التي صنعتها تلك اللغة البسيطة تجد جمالها فيما جمعته بين الصورة المركبة والصور الذاتية، واستطاعت أن تخلص من الصورة الذاتية إلى دلالات أوسع للصور الإنسانية، فاستمع إليها في قصيدة "سفر" ص41، حين تقول:
"هنا على المحطة الآفلة
يشرب المسافرون كئوس الوصول إلى القعر
يرممون رغوة ثمالتهم بين نقطتين
جثثهم معلقة من ثقب أسود
............. "

وتقول في قصيدة " عاصفة بيضاء بحوافر برية" في ص 81:
"أغمض عيني
سأعبر ثانية لك
خيوط تلتف بأطرافي للأرض
أغمض عيني بقوة
عندما تحتويني البرودة
الورود تتنازل عن عبيرها
لرمال ناغزة
........... "
وقبل أن نترك اللغة، نشير إلى المقطع الأخير الذي أشرنا إليه، وإن كنا نميل إلى كون الشاعر والمبدع كتابةً له حرية اختيار لغته وألفاظه، إلا أن الخطورة هنا هي الوقوع في أخطاء اللغة الشائعة، كما يحدث في المقطع الأخير، حيث يورد كلمة "الورود" باعتبارها الجمع لكلمة "وردة"، وهو خطأ لغوي يكثر الوقوع فيه، متي اعتمد المبدع اللغة البسيطة، وتلك خطورتها وخطورة استخدامها، فكلمة "الورود" تعني "ورود الماء للشرب"، وأما الوردة فجمعها "الورد" خلافًا لما يشيع في اللغة المتداولة، وهو ما فطنت إليه الشاعرة في نهاية قصيدة "البحر..ليس لك" في ص 29، فتقول:
"أتيتُ
لظمأ الورد وابتهالات الشجر وقت الأصيل
......... "
وهو ما يدل على وعي الشاعرة باللغة، حين قالت "الورد" وهو الجمع الصحيح لكلمة الوردة، وهو ما تكرر في موضع آخر في قصيدة فتاة العيد" ص 32، حين تقول: "فوق مقابر الورد"، وفي ص 42 "شراب الورد" وغيرهما.

ظلال الرمزية والأسطورة في الديوان:
كغيرها من الشعراء كانت لبنى عبد الله، حتى ومع ادعائها الميل إلى الحداثة والتجديد في الشكل والنسق، إلا أنها ظلت على أصل من أصول القصيدة، فتظهر بعض الإحالات والرمزية في استخدام اللغة وتركيب الصور الشعرية، فمثلا تمأمل معي تلك الجمل على طول الديوان، "الماريونت الحزين، النبوءة الزرقاء، سيمفونية نينوى، الشاطيء الآخر، نناجي النوارس في خشوع، أي مجرى سيعانق الطوفان، رصاصات الجنة، الأشباح الهاربة، .........."، وغيرها الكثير من الأمثلة.
ويضاف هنا بعض الصور الجديدة البكر التي تقدمها لنا الشاعرة باعتماد ما للأسطوة، فتزيد من جمالية الصورة، فمثلا تأمل تلك الصورة في قصيدة "سفر" ص 42 حين تقول:
"هنا على المحطة الآفلة
يشرب المسافرون كئوس الوصول إلى القعر
يرممون رغوة ثُمالتهم بين نقطتين"
وكذلك تأمل الصورة في مطلع قصيدة "أنا السماء" ص 49 حين تقول:
"ماذا سأعد لليلة النيازك
والنجوم المارقة عن الخط المستقيم
الحرارة المرتفعة عن جلودنا الرطبة بالاختناق
السماء تصرخ كل ليلة
أنا هنا يا أهل الأرض الأغبياء
......."
وبتأمل بسيط تدرك حجم القراءات المختلفة للشاعرة، والتي جاءت ظلالها في طول الديوان، بما يؤكد أن الشاعر ضمير عصره، وصلة لماضيه ومستقبله بواقعنا المُعاش. وهنا يتضح نرى بوضوح المزج الشعري الذي صنعته الشاعرة وكيف ضفرت من قراءاتها وأساطيرها العامة او الخاصة صورتها الشعرية داخل القصيدة، بل وكررتها لتأكيد ما لتجربة واقعها من مضمون يستحق الكتابة عنه.
عتبة أخيرة للقراءة:
تبقى هنا أن أشير إلى عتبة هامة وأنت تستعد لقراءة الديوان، يمكن أن تجده في قصيدة الديوان الأخيرة "حنين في تمام اكتماله" ص 87، وهي العتبة التي أشار إليها الدكتور محمد سعد شحاته، في دراسته النقدية عن "نثرية الشعر، وشاعرية النثر"، إذ تأتي القصيدة نموذجًا ماتعًا لقيدة النثر وخصوصيتها وجماليتها بالاعتبار الذي أشرنا إليه –أنها مقروءة بالأساس لا مسموعة- وهو ما فهمه الشاعر "وليد علاء الدين" حين أشرت إلى مقولته في أحد مقالاته "النص الجيد يبدعه مبدع جيد"، فالنص الأخير يمثل جملة علاء الدين تمامًا، وتتضح فيه جماليات نثرية الشعر، اقرأ لها تقول في منتصف القصيدة:
"إنه الحنين في تمام اكتماله واختفائه، كان نغم الفراشة البعيدة آخر قشة للتوقف عن الغرق في التيه. على هذا الحنين أن يتعرى تمامًا في وسط الميدان... أن يواجه البرد وحيدًا ومقصيًا.. أن ينظر في المرآة دون ان يداري سوءة وجوده المشع................".
هكذا صنعت الشاعرة إيقاع القصيدة وأمسكت به بجدارة، وقدمت لنا نموذجًا يستحق الحفاوة.

تعقيب أخير:
تلك عتبات يجب أن يضعها في اعتباره من يستعد لقراءة الديوان، وهو ديوان له عتبات آٌخر، سيطول بنا الحديث متى تناولناها وبما لا يتسع له مقالنا المتواضع والعجول، ونؤكد أنها عتبات سيتم تأويلها بكثير من الانفتاحات متى عرفت الشاعرة والفنانة عن قرب، فلا تملك إلا إعادة القراءة في ضوء ما ينجلي من تأويلات جديدة تتواتر بطول القراءة.
هذا دين قراءة كان في عنقي، ربما أتقاطع به مع غيري، وربما أتباعد، إلا أنه وبما أعرفه عن طبيعة الشاعرة، أعرف أنها ستأخذني بنقاش واسع مع الشاعرة في لقاءاتنا الأدبية، حتى وإن حالت ظروفي الصحية الشخصية عن التصريح مباشرة بهذا الرأي.
أدعوكم لقراءة ماتعة في هذا الديوان الذي يعلن بقوة عن شاعرة تستحق أن تعطيها الفنانة لبنى عبد الله من وقتها أكثر وأكثر.

قرأ الديوان:
مختار سعد شحاته
Bo Mima
روائي، وباحث أدبي.
مصر/ الإسكندرية





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,387,279,907
- ما بين الفوضى وسقف المؤسسة في الجوائز العربية
- كان مرة -واحد مصري-..
- النص الإبداعي بين امرأتين
- رواية إليها المسير.. لبغداد السايح
- -باب جانبي في كابينة والدي-
- العين صابتني ورب الكلمة نجاني
- الرجل ال-يباشر-.. قصة قصيرة
- رسالة.. نص أدبي إلى الرفيق مولانا الدرويش الذي يعرف نفسه.
- للأخ المسافر.. إليهم جمعاء
- هل كان أبو الأنبياء مُداهنًا؟! المقال الأول بعد التأسيسي لنظ ...
- نظرية الضيق.. مقال تأسيسي رقم 1
- يقولُ وليد.. مهداة إلى ديوان -تفسر أعضاءها للوقت- للشاعر ولي ...
- سرور التي تضخّ حزنًا ووجعًا قراءة في رواية -الشويرة- لمحمد ا ...
- قراءة لمجموعة -صباح مناسب للقتل- لأسامه جاد.
- قراءة في مجموعة -البطلة لا يجب أن تكون بدينة- لشيرين فتحي عن ...
- تأملات قرآنية خاصة.
- اغفر لي ... ابتهال.
- عاري... إلى أمي
- خان.. بين الروح والجسد. -لا ينصح العقلاء بالقراءة.-
- حين تكتب العالمة بقلب طفل لا يكبر أبدًا...( قراءة في رواية - ...


المزيد.....




- حقائق عن الآباء في الولايات المتحدة
- الشرطة المصرية تواصل تجريف أراضي الوراق والسكان ينشدون الدعم ...
- العرس المغربي.. تقاليد عريقة واحتفالات فريدة
- الرئيس يشتكي البعوض.. معلومات عن ظروف البشير ورفاقه بالسجن
- بالصور... السيسي يجري جولة تفقدية في استاد القاهرة
- هجمات حوثية بطائرات قاصف -2 كا-على مطار أبها جنوب غربي السعو ...
- مصر تفوز على غينيا باستعدادات أمم إفريقيا
- قانون جديد للهجرة لكيبيك الكندية
- تغريم زوجة نتياهو لطلبها وجبات على حساب الدولة
- غرينبلات يرجح تأجيل إعلان خطة السلام


المزيد.....

- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم
- طائر الندى / الطيب طهوري
- قصة حقيقية عن العبودية / نادية خلوف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - مختار سعد شحاته - الشاعرة لبنى عبد الله المستعدة للانقضاض على وحدة تائهة