أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - مفهوم مختلف للدين في أعلنوا مولده فوق الجبل














المزيد.....

مفهوم مختلف للدين في أعلنوا مولده فوق الجبل


هويدا صالح

الحوار المتمدن-العدد: 4903 - 2015 / 8 / 21 - 20:31
المحور: الادب والفن
    




في حي "هارلم" بمدينة نيويورك الذي كان يطلق عليه "عاصمة أمريكا السوداء" تدور أحداث رواية"أعلنوا مولده فوق الجبل" للكاتب الأمريكي جيمس بولدوين والتي ترجمها هاني حلمي وصدرت عن دار رؤية للنشر والتوزيع بالقاهرة. يكتب جيمس بولدين مولد يسوع فوق الجبل، ويكشف عن الحياة الدينية للأفارقة الأمريكيين . يستلهم الكاتب طفولته التي عاشها في عاصمة الزنوج في النصف الأول من القرن العشرين.يبحث الكاتب عبر بطله عن طريق للتحرر من الأمان الخانق الذي يقدمه الدين بصورته المتزمتة المنغلقة على الذات: الأمان من الضغوط الاجتماعية ممثلة في التمييز العنصري، أو الأمان من عواطفنا وآلامنا ، من ضعفنا ومخاوفنا. هي ليست رواية دينية تبشرية كما يظهر من العنوان ، لكنها رواية تصور تجربة روحية وجودية بأبعادها النفسية ، وتشابكاتها الاجتماعية ومن هنا جاء الالتباس والغموض الذي يلقي بظلاله على الرواية .
وقد استلهم الكاتب عنوان روايته من أغنية كنسية كان يرددها السود الأمريكيون في أعياد الكريسماس والتي يبدأ مطلعها :" انطلقوا وأعلنوا مولده فوق الجبل، مولد يسوع المسيح ".
تصور الرواية شخصية الفتى جون جرايمز في بدايات مراهقته ومأزقه الروحي والوجودي الناجم عن ضغوط الأب ومنظوره الديني الخانق ورؤيته للحياة المترعة بالمرارة والكراهية وميراث العنصرية الأمريكية، وتتعقد أزمة الشخصية من جراء صراعه الداخلي مع وعيه المتنامي بأزمة الجسد الجنسية ، وشكوكه الدينية وتنازع مشاعره بين الفوز بحب أبيه واحترامه ورغبة أوديبية في الإطاحة به وبسطلته ،فالسطوة الأبوية المحمية بلاهوت استبدادي صارم تحكم أجواء الرواية وشخوصها جميعا ،وتستنفد كل طاقة وإمكانية لحياة طبيعية وعلاقات إنسانية سوية . ويصبح الابن جون الذي هو بطريقة أو بأخرى صورة ذهنية للمؤلف نفسه ساحة للصراع النفسي والعقلي بين أفكار أبيه الدينية وتصوره الخاص للدين المتسم بالمحبة والتحقق الذاتي والجمعي .
يعري بولدوين المجتمع الذي يلجأ للدين هربا من مشكلاته المجتمعية والحياتية، لكنه يقع في الخطيئة .نجد المجتمع الأسود يمارس العنصرية على بعضه البعض، ويحاول طوال الوقت أن ينال رضا الرجل الأبيض، الذي يعاملهم جميعا باحتقار ودونية. جاءت الرواية بمثابة الصرخة ضد الرجل الأبيض، وضد الكنيسة التي تسلب الناس إنسانيتها، وتجعلهم يتخلون عن هذه الإنسانية أمام خطاب ديني يغيب وعيهم.
تعد هذه الرواية من الكتابات المهمة التي أرخت للزنوج ومعاناتهم من عنصرية البيض، وتجيء في إطار رغبتهم في التحرر. وتمتاز ببعد ديني يعطيها القدرة على البحث في الهوية البشرية ومأزقها في الوجود على الأرض، وسؤالها الدائم عن المصير وقدرة الإنسان على تغييره.
تحتفي الرواية بالطقوس الكنسية واللغة الإنجيلية، ورغم أن الكاتب كان ابنا لقس، بل ومارس الوعظ الديني في مرحلة من مرحل حياته، قبل أن يفر ويتجه إلى الكتابة الإبداعية إلا أننا نجده يفكك الخطاب الديني الكنسي من داخله، بل وينتقده، ورغم أن الفتى جون يسقط بين زمرة المؤمنين في حالة من الكشف الرؤيوي وينضم لهم، إلا أننا نكتشف أن الكاتب يعري حال هذا المجتمع المغلق، ويكشف أسراره ، بل ويكشف عن الهوس الجنسي الذي سيطر على البطل رغم الكهنوت الديني الذي يتلبسه.
تحاول الرواية أن تطرح مفهوما مختلفا للدين وتصورا مغايرا للإله، وهو ما نجده في معرض انتقاد بولدوين المباشر للنفاق الأخلاقي الذي اتسم به تصور الأمريكي للدين وممارسته له،يقول :" من كان يرغب في أن يصبح إنسانا أخلاقيا صادقا .. عليه أن ينأى بنفسه أولا عن كل القيود والجرائم وأشكال النفاق التي ميزت الكنيسة المسيحية فإن كان ثمة جدوى أو نفع لمفهوم الرب، فهو أن يحملنا على أن نكون أكثر رحابة وتسامحا وأكثر حرية ومحبة".
تأتي نهاية الرواية منفتحة على فكرة التسامح ونبذ الكراهية والعنف، واعتبار العنصرية والكراهية والمرارة وكل أشكال العذاب البشري باعتبارها جزءا من الشر الكامن في الوضع الإنساني :" أدركت أنه على أن أجد نفسي ككاتب حتى ولو كان الثمن هذا الكتاب . صرت مشلولا ، ولم أستطع مواصلة العمل فيه . شعرت أنه دُمِّر تدميرا نهائيا ، وأنني دمرت معه ". كان الانتهاء من الرواية وصدورها إيذانا بميلاد بولدوين نفسه كواحد من كتاب أمريكا اللامعين ، وعلامة فارقة في تاريخ الرواية الإفريقية الأمريكية،تركت أثرها على كثير من الأجيال اللاحقة من الكتاب السود. واحتلت مكانها بين كلاسيكيات الأدب الأمريكي والأدب العالمي المكتوب بالإنجليزية مثل توني موريسون التي أوقفت مشروعها الروائي لكشف العنصرية التي تمارس ضد الأمريكيين من أصل إفريقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش
ـ جيمس آرثر بالدوين, هو روائي وكاتب أمريكي, وكاتب مسرحي وشاعر وناشط في مجال الحقوق المدنية. يتناول جيمس بالدوين في معظم أعماله القضايا التي تتعلق بالتمييز العنصري والقضايا المتعلقة بالجنس في منتصف القرن العشرين في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن أعماله: " لا أحد يعرف اسمي" و"أعلنوا مولده فوق الجبل"و"صليب الخلاص".
ـ توني موريسون روائية أمريكية-إفريقية . فازت بجائزة نوبل في الأدب عام 1993 عن مُجمل أعمالها، وجائزة بوليتزر عن روايتها محبوبة. من رواياتها الأخرى: أكثر العيون زرقة، نشيد سليمان، صولا، وطفل القطران.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,190,229
- اللامنتمي يحتج على قسوة البشر
- فن السياسة والأحكام السلطانية في كتاب-دولة الخلافة-
- هشاشة الخطاب الديني في حركات الإسلام السياسي
- عوائق مراجعة المفاهيم في الفكر الإسلامي
- أول محاولة لقلب نظام الحكم في التاريخ العربي
- الحب العذري عند العرب
- مقال د. سيد ضيف الله عن رواية - عشق البنات - لهويدا صالح
- قراءة في رواية ممرات للفقد ..لدكتور عمار علي حسن
- نجيب محفوظ بين السيرة الذاتية والتخييل السردي .. أصداء السير ...
- طرف من سيرة جدتي دولت
- الكرنفالية وتعدد الأصوات في رواية - كلما رأيت بنتًا حلوة أقو ...
- هل قتل النبي كعب بن الأشرف بكلمته؟!
- الخروج: آلهة وملوك.. أم إثبات حق العودة ؟!
- قراءة في صورة لقاء المثقفين بالرئيس عبد الفتاح السيسي !!
- امرأة الميدان ( حكاية عن شهرزاد يوم جمعة الحداد)
- المجتمع وضريبة الجسد !
- جابر عصفور والتنوير !!
- المثقف الميداني واستراتيجية العمل الثقافي
- خرائب النصر
- تشظي الذوات في نصوص فرق توقيت


المزيد.....




- بعد أزمة الملاحة البحرية في الخليج.. بوريطة يكشف موقف المملك ...
- كودار يقاضي بنشماس ويطعن في قرار طرده من البام
- كواليس: جليل القيسي وتواضع الفنان!
- كاريكاتير العدد 4476
- ميكائيل عكار -بيكاسو الصغير- الذي أذهل الوسط الفني في ألماني ...
- شاهد.. بعد هوس فيس آب.. تطبيق جديد يرسم صورتك بريشة كبار الف ...
- الوداد يتعاقد مع مدافع الكوكب المراكشي
- الكتابة عن الحب والجنس.. هل كان الفقهاء أكثر حرية من الأدباء ...
- 5 أفلام حطمت مبيعات شبابيك التذاكر
- -رد قلبي-.. أيقونة ثورة 23 يوليو


المزيد.....

- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - مفهوم مختلف للدين في أعلنوا مولده فوق الجبل