أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - إنْكَارُ التَّعَدُّديَّةِ كَعْبُ آخيلِ الإِسْلامِ السِّياسِي!















المزيد.....


إنْكَارُ التَّعَدُّديَّةِ كَعْبُ آخيلِ الإِسْلامِ السِّياسِي!


كمال الجزولي
الحوار المتمدن-العدد: 4893 - 2015 / 8 / 11 - 22:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(1)
يحقُّ لخصوم "الإسلام السِّياسي" في المنطقة أن يوجِّهوا إليه من سهام النقد ما يكافئ استطاعتهم إثباته من خطل رؤيته الفكريَّة، أو اعوجاج تدبيره السِّياسي. لكنهم، قطعاً، لن يستطيعوا ذلك إن هم اكتفوا بمجرَّد الوقوف بهذا النَّقد على عتبات البروباغاندا اللفظيَّة التي تتقاصر عن الإقناع بأيِّ عمق مفاهيمي.
ومن أبرز نماذج هذا الخطل والاعوجاج الموقف من "التَّعدُّديَّة". فالإشارة إلى "الإسلام السِّياسي"، معرَّفاً، هكذا، بـ "الألف واللام"، غالباً ما تترك انطباعاً خاطئاً بأنه ظاهرة واحدة؛ ومع ذلك لا تصعُب ملاحظة "التَّعدُّد" في فكر الاسلامويِّين أنفسهم، رغم أن معظمهم لا يعترف به، سواء على صعيد مفهوم "السُّلطة السِّياسيَّة"، أو غيره. وتبدو تلك المسألة منطقيَّة تماماً، وذلك من زاوية النَّظر الإسلاميَّة ذاتها، إمَّا بسبب غياب بعض النُّصوص قطعيَّة الورود والدَّلالة، أو لأن "تعدُّد" الأفهام هو الذي يجعـل "التَّدافـع" متحـقِّقاً، كبعـض سـنن الله التي فطر النَّاس عليها، أي القـوانيـن الثابتـة لنظـام حياتهـم: "ولـن تجـد لسـنَّة الله تبديلا" (62 ؛ الأحزاب)، "ولو شاء ربك لَجعل الناس أمَّـة واحـدة ولا يزالُون مخـتلفين" (118 ؛ هود). وفي تفسير ابن كثير: "لا يزال الخُلف بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم، ونحلهم، ومذاهبهم، وآرائهم".

(2)
ولانعكاسات "التَّعدُّد" على حراكات المسلمين تمظهرات شتَّى؛ فقـد اخـتـلف الخـوارج مـع عـلي كرَّم الله وجـهه حـول شـرعيَّة "التَّحكيم"، حتَّى رفعوا المصاحف على أسنَّة الرِّماح؛ وقبل ذلك اختلف المسلمون الأوائل، يوم "السَّقيفة"، حول اختيار الخليفة الأوَّل، فانقسموا إلى "أنصار" و"مهاجرين"؛ وانقسم الأنصار إلى "أوس" و"خزرج"؛ مثلما انقسم "المهاجرون"، بدورهم، إلى مبايعين لأبي بكر (رض) ومغاضبين من بني هاشم لزموا مع الكرَّار بيته لا يبايعون، إذ رأوا أن له في الأمر حقَّا؛ ووقع الخُلف، في ما بعد، بيـن علي وعائشـة (رض)؛ ثـمَّ بين علي ومعاويـة؛ وقـبل ذلك بين عثمان (رض) الذي أقسم: "والله لا أخـلع قميصـاً قمَّصنيه الله"، وبين بعض الصَّحابة، مِمَّا أفضى إلى قتله؛ وفي مرحلة لاحقة استعر الخلاف حول المذاهب الفقهيَّة؛ و"تعدَّدت" الاتِّجاهات العامَّة التي استوعبت فرق المسلمين، كالسَّلفيَّة، والصُّوفيَّة، والمعتزلة، والمحافظة، والعصرانيَّة ..الخ؛ ثمَّ وقع الانقسام التَّاريخي بين السُنَّة والشِّيعة. وعموماً يكاد الصِّراع على السُّلطة يسِمُ مجمل تاريخ الدَّولة الإسلاميَّة، خصوصاً بعد تأسيس دولة الأمويين، وانقلاب الخلافة الرَّاشدة إلى ملك عضود. وفى بعض قول ذائع للشَّهرستاني أن سيوف المسلمين ما سُلَّت على أمر كما سُلَّت على قضيَّة "السُّلطة السِّياسيَّة".
وفي التاريخ الحديث توزَّع الاسلامويُّون بين مختلف الجَّماعات المتناحرة إلى حدِّ الدَّم، أحياناً، وادِّعاء كلِّ فرقة أنها وحدها "النَّاجية". وليست تلك محض انقسامات تنظيميَّة، بل هي انعكاس موضوعي لخلافات الحركيِّين الإسلامويِّين حول جُلِّ القضايا الجَّوهريَّة الأكثر تعقيداً، والتي ما تنفكُّ تطرح نفسها، عادة، وبالضَّرورة، وبشكل ضاغط، على كلِّ من يتصدَّى لمهام العمل السِّياسي. هكذا تباينت خياراتهم بشأن معظم قضايا الاقتصاد، والتَّشريع، والمرأة، والدُّستور، والرَّسم، والتَّصوير، والنَّحت، والموسيقى، والغناء، والرَّقص، والدُّفوف، والمعازف، والحجاب، والنِّقاب، والمواطنة، والحريَّات، والدِّيموقراطية، والتَّعدُّديَّة، والمناهج التَّعليميَّة، والانقلابات العسكريَّة، والأحزاب السِّياسيَّة، والعلاقات الخارجيَّة، وتطبيق الشَّريعة، وشكل الدَّولة، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، والتَّعليم المختلط، والحرب والسَّلام، وعلاقة الدِّين بالدَّولة، ومعاملة غير المسلمين، وما إلى ذلك.
ومع أن "التَّعدُّديَّة" ليست خارج القوانين الثَّابتة، أو السُّنن التي يسير عليها نظام الكون، إلا أن مشكلة الاسلامويِّين، باستثناء القلة منهم، تنبع، كما سبق وأشرنا، من عدم اعترافهم بهذا القانون، رغم أنه ما ينفكُّ يفعل فعله في حركتهم نفسها، فتأمَّل!
"التَّعدُّد"، إذن، حقيقة قائمة، سواء وقع الاعتراف به أو لم يقع! لذا أضحى هذا الاعتراف، خصوصاً في معنى تحمُّل "الآخر = المغاير"، احتياجاً ملحَّاً، من باب أولى، لمستقبل الحركات الإسلاميَّة نفسها، بالنَّظر، قبل كلِّ شئ، إلى تفاقم ظاهرة انشقاقاتها، وتباين المواقف في ما بينها، بل وداخل كل فرقة منها، دَعْ ما بينها وبين خصومها، مع تزايد ضغوط الواقع بأسئلته المتناسلة على جبهات النَّشاط السِّياسي والفكري والابداعي كافة، وفي كلِّ المستويات المحليَّة، والإقليميَّة، والعالميَّة.

(3)
ويرتبط بمفهـوم "التَّعدُّد"، وثيقاً، كما سلفت الإشارة أيضاً، مفهـوم "التَّدافـع" القـرآني "ولولا دفع الله الناس بعضهـم ببعـض لفسـدت الأرض ولكـن الله ذو فضـل على العالمين" (251 ؛ البقرة)، بل ولولا هذا "التَّعدُّد" لما أمكن، أصلاً، تصوُّر "التدافع" عقلاً.
ولئن كان الفكر البورجوازي قد لامس هذه الموضوعة ضمن مفهوم "الليبراليَّة السِّياسيَّة"، مثلما عالجها الفكر الماركسي ضمن مفهوم "الصِّراع الطبقي"، فإن الكثيرين من المفكرين المسلمين، وفيهم الكثير من مفكري "الإسلام السِّياسي" أنفسهم، أضحوا يبدون تقديراً طليقاً لهذا الضرب من المعالجات، ربَّما على قاعدة الحديث الشَّريف: "الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحقُّ الناس بها". ومن أهمِّ هذه التَّقديرات ما ذهب إليه، مثلاً، المرحوم عادل حسين، أحد أنشط مفكري وحركيِّي "الإسلام السِّياسي" في مصر والمنطقة، وكان قياديَّاً بحزب العمل، ورئيساً لتحرير صحيفة "الشَّعب"، حيث اتَّفق مع كون "الدَّولة"، أو "أداة المُلك"، بالتَّعبير الخلدوني، عادة ما تقع في قبضة "الأقليَّة" تستخدمها لدعم امتيازاتها الاقتصاديَّة السِّياسيَّة الاجتماعيَّة، قائلاً: "هذه مسلمة .. قَبِل بها الفكر السِّياسي والاجتماعي الإسلامي .. وقد نضيف إليها أن الدَّولة تتطلب بالضَّرورة نخبة سياسيَّة تقودها. يحدث أحياناً أن تتولى الطبقة الاجتماعيَّة الحاكمة إفرازها، ويحدث أن تتولى النُّخبة إفراز الطبقة" (بحث بعنوان "المحدِّدات التَّاريخيَّة والاجتماعيَّة للدِّيموقراطيَّة"، ضمن: أزمة الدِّيموقراطيَّة في الوطن العربي، مركز دراسات الوحدة العربيَّة، بيروت 1984م، ص 204).
ومع تحفُّظنا على القول باحتمال أن "تتولى النُّخبة إفراز الطبقة"، إلا أن اللافت بشدَّة أن هذا المفكر الإسلاموي لا يستنكف من الاستشهاد بأطروحة كارل ماركس على سلامة قراءته لظاهرة "الدَّولة"، وإن كان يرى أن سِمَة العلاقة بين الحكام والمحكومين هي "التَّكامل" (المصدر)، مِمَّا يستتبع تحفظاً آخر على كون الرَّجل يسعى جاهداً لاستصلاح تربة فكريَّة مناسبة لـ "استزراع" نوع من "الدِّيكتاتوريَّة" يتجاوز النَّماذج الفاشلة التي سادت في المنطقة إما بتأثير الفكـر القومي، أو الماركسي في طبعته "السُّوفيتيَّة = الستالينيَّة"، بحيث "تتكامل" معه الجَّماهير في تنظيم "الدَّولة" التي يضفي عليها الباحث، بلا سبب مقنع، مسحة من براءة الحَمَل ووداعته! ولعلَّ عمق التناقض، هنا، بين الرَّغبة في تجاوز "دولة الحزب الواحد القابض"، وبين الانجذاب، نفسيَّاً، وحركيَّاً، وتنظيميَّاً، إلى النَّموذج الستاليني الذي تأسَّست عليه نفس تلك التجارب، يتبدَّى بقدر من الجَّلاء لا يحتاج إلى فانوس ديوجينيس لإضاءته! وقد يكون من المناسب أن نورد، أيضاً، ومن باب الاستطراد الحميد، اعتراف حسن التُّرابي بأن حركته أخذت "منهج التنظيم والحركة من مصدر قد يكون غريباً، وهو الحركة الشِّيوعيَّة .. (لأنَّ) .. الحركة نشأت تحت وطأة الاستفزاز والضَّغط الشِّيوعي الأكبر، ولذلك اضطرت، بعامل المقابلة وردِّ الفعل، أن تأخذ عنها بعض التَّجارب التَّنظيميَّة والوسائل الحركيَّة" (الحركة الإسلاميَّة في السُّودان: التَّطوُّر والكسب والمنهج، ط 2، بيت المعرفة ـ معهد البحوث والدِّراسات الاجتماعيَّة، الخرطوم 1992م، ص 25)؛ وكذلك قوله، في موضع آخر، إن العدوى "أصابت الحركة الإسلاميَّة .. من خلال التَّنافس بكثير من مناهج العمل الشِّيوعي" (نفسه ، ص 144)؛ لكن التُّرابي يغفل حقيقة أنهم لجأوا للنَّقل عن الشِّيوعيَّة في ذات اللحظة التَّاريخيَّة التي بدأت فيها الأخيرة تتخفَّف من أحمالها الشُّموليَّة، وتتَّجه لإعادة صياغة نفسها بوجه إنساني!
مهما يكن من أمر، فإن شيئاً من ذلك التَّناقض لا يحول دون الاتِّفاق مع عادل على جذر أطروحته المتمثِّل في هيمنة "الأقليَّة" على "أداة التسلط السِّياسي = الدَّولة" في المجتمع الطبقي؛ ولا شكَّ في دعم ذلك لأطروحة "التَّعدُّديَّة"، إذ لا بد من وجود "الأغلبيَّة"، بداهة، في الجَّانب المقابل. بل ونمضي أبعد من ذلك لنفترض وجود "الكيانين" على حال من "الصِّراع" أو "التَّدافـع"، سلميَّاً أو تناحريَّاً. فإذا ما بدا هذا الوجود، فجأة، على حال من "السُّكون"، فإنه، قطعاً، "سكون مؤقَّت"، أو "انقطاع مظهري" طارئ على القاعدة. لذا، ومع اتِّفاقنا هذا، وربَّما بسببه، نجدنا مختلفين مع عادل، تماماً، حول فكرة "التَّكامل" التي يفترضها، لا لكونها تصادم، فحسب، خبرة التَّاريخ وحقائقه الباردة، ولا لكونها تتناقض، فقط، مع القانون الموسوم بـ "وحدة وصراع الأضَّداد" في الماركسيَّة التي أكد عادل قبول الإسلامويِّين ببعض مسلماتها، ولكن لكونها تتناقض، في المبتدأ والمنتهى، مع مفهوم "التَّدافع" القرآني نفسه، والذي ينصبُّ على كون الشَّر، وفق الصابوني، يُدفع بالخير حتَّى لا يغلب فيعُم الخراب والدَّمار (صفوة التفاسير ؛ ج 1 ، ص 159). وأيُّ خراب أو دمار أكبر من أن ينتفى "التَّدافع"، أو "صراع الأضَّداد"، انتفاءً عدميَّاً، فتخمد أنفاس الحياة، أو أيٍّ من ظواهرها، نهائيَّا؟!
وإذن ، فسنَّة "التَّدافع" هذه، لا "التَّكامل"، حسب عادل، والتي ما تنفكُّ تتمظهر في حقل التَّنظيم الاجتماعي والسِّياسي، ماضية إلى الأبد، كشرط قرآني للوجود والتَّطوُّر. وقد تُرك للإنسان أن يختار موقعه في هذا "التَّدافع" بالاستناد إلى عقله، وحريته، وكرامته، وإرادته المستقلة، أي إلى منظومة القيم التي تشكل شرط تحقُّقه العقلي بمعايير حكمة الخلق، مثلما تشكل ميزان حسابه النِّهائي بمطلق العدل الإلهي: "وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى. وأنَّ سعيه سوف يُرى. ثم يُجـزاه الجَّـزاء الأوفى" (39 ، 40 ، 41 ؛ النجم).

(4)
وللوسطيِّين والإصلاحيِّين، على صعيد العمل الإسلامي، مواقف متميِّزة في هذا الشَّأن. فالشَّيخ محمد الغزالي سبق الكاتب عادل حسين، ليس، فقط، في التَّشديد على الإقرار بموضوعة "التَّعدُّد"، بل وأضاف تأكيد ما يستتبعها من ضرورة الإقرار بـ "الدِّيموقراطيَّة"، قائلاً: ".. التَّفتُّح العقلي ضرورة ملحَّة .. فماذا يمنع الفقيه المسلم من قبول كلِّ وسيلة أصيلة أو مستوردة لتحقيق الغايات التي قرَّرها دينه؟! إن النَّقل والاقتباس في شئون الدُّنيا، وفي المصالح المرسلة، وفي الوسائل الحسنة، ليس مباحا فقط، بل وقد يرتفع الآن إلى مستوى الواجب .. (لقد) شعرت بجزع عندما رأيت بعض الناس يصف الدِّيموقراطيَّة بالكفر، فلما بحثت عمَّا عنده لكفالة الجَّماهير، وكبح الاستبداد، وجدت عبارات رجراجة يمكن إلقاؤها من منبر للوعظ" (دستور الوحدة الثَّقافيَّة بين المسلمين، ص 182 ، 186).
والصادق المهدى يؤكد على أن "الإسلام يوافق الدِّيموقراطيَّة في خاماتها المبدئيَّة، ولكنه لا يفصِّل نظاماً ديموقراطيَّاً محدَّداً، ويترك ذلك لظروف الزَّمان والمكان" (أحاديث الغربة، ط 1، دار القضايا، بيروت 1976م، ص 38).
ويرى عبد الله النَّعيم "أن الحاجة لتحمُّل تعدُّد الرَّأي بين المسلمين أنفسهم تجعل الليبراليَّة الإسلاميَّة مهمَّة بالنِّسبة للحيويَّة الدِّينيَّة للإسلام نفسه، بالإضافة إلى التَّطوُّر السِّياسي أو الاجتماعي للمجتمعات الإسلاميَّة .. إن المنطق الدِّيني للتَّحمُّل سوف يؤدى إلى تقدير أفضـل للتَّعدُّديَّة كواقع حياة في مجالات أخرى" (ضمن: الدِّيموقراطيَّة في السُّودان: البُعد التَّاريخي والوضع الرَّاهن وآفاق المستقبل، تحرير حيدر إبراهيم علي، مركز الدِّراسات السُّودانيَّة، القاهرة 1993م، ص 242).
وفي مقتطف مطوَّل يرى عبد الوهاب الأفندي أنه "إذا كان هناك درس يُستفاد من التَّجربة السُّودانيَّة فهو أنه لا غنى للإسلاميِّين عن اتِّباع الأساليب الدِّيموقراطيَّة الحديثة، ليس، فقط، في إدارة شؤون البلاد، بل وفى إدارة شؤون الإسلاميِّين أنفسهم. ذلك أن التَّجارب الدِّيموقراطيَّة الحديثة مثَّلت نقلة نوعيَّة في ابتداع الوسائل العمليَّة لتحقيق الأهداف التي ظلت المجتمعات الإنسانيَّة تسعى لتحقيقها منذ القدم .. (و) الحركات الإسلاميَّة الحديثة قبلت بهذه الفكرة نظريَّاً .. فحركة الأخوان المسلمين وغيرها شادت بناءها التَّنظيمي على أسس ديموقراطيَّة .. (و) قبلت بواقع المشاركة الدِّيموقراطيَّة، واعترف حسن البنَّا وغيره بأن النِّظام البرلماني الدُّستوري هو الأقرب إلى روح الإسلام، ولكن هذه الحركات لم تطوِّر فكرها لاستيعاب هذا التحوُّل، و.. قادة هذه الحركات لم يستوعبوا فكرة الدِّيموقراطيَّة في سلوكهم. وهم في ذلك يتَّبعون سنَّة بعض الخلفاء الذين كانوا يرون أنفسهم نوَّاباً عن رسول الله (صلعم) وليسوا نوَّاباً عن المسلمين، ولهذا نجدهم يستلهمون قراراتهم بالنَّظر إلى أعلى، فهم .. يقرِّرون نيابة عن الله تعالى، وليس نيابة عن أتباعهم أو الشَّعب .. حتى يُفاجأوا بثورة عارمة .. فالاستبداد .. لا يختلف في نتائجه لكون المستبد يدَّعي أنه مفوَّض من السَّماء .. وإذا لم تنجح الحركات الإسلاميَّة في حسم هذه المسألة فإنها ستوجِّه ضربة قاصمة لآمال الإحياء الإسـلامي، وقد تصبح بهذا وبالاً على الإسـلام" (الوفاق، 18 يناير 2000م).

(5)
تطابقت مع أفكار هؤلاء الوسطيِّين والإصلاحيِّين حتَّى رؤى أولئك الذين يُصنَّفون، تقليديَّاً، ضمن صقور "الإسلام السِّياسي" في المنطقة. فالقرضاوي، مثلاً، لم يجد بدَّاً من الإقرار بأن "التَّعدُّديَّة" وقرينتها "الدِّيموقراطيَّة" من تدبير سياسة الدُّنيا، ولذا يدرجها ضمن ".. منطقة العفو التي سكت عنها الشَّارع رحمة بالنَّاس، وتركها مفتوحة لاجتهاد البشر، وتقديرهم للمصلحة في كل زمان ومكان. وهذا دأب الشَّارع الإسلامي في ما يخصُّ السِّياسة الشَّرعيَّة، حيث لم ترد نصوص قطعيَّة في شأنها" (من كلمته أمام ندوة مركز الدِّراسات الحضاريَّة بالقاهرة حول التَّعدُّديَّة السِّياسيَّة، أخبار اليوم 22 فبراير 1998م).
وفي ذات الاتِّجاه دعا طارق البشرى لاستصحاب سنَّة الاختلاف، وقانون التَّنوُّع، في العمل السِّياسي، حتى تصبح التَّعدُّديَّة "أسلوباً في إدارة الخلاف، فتقوم على الاعتراف المتبادل .. وليس على الإنكار، لأن إنكار جماعة قائمة في الواقع، وعدم الاعتراف بها في خريطة التَّعدُّديَّة لا بُدَّ أن يؤدِّي إلى العنف" (المصدر نفسه).
ويذهب محمَّد سعيد العوَّا إلى أبعد من ذلك، فيشدِّد على ضرورة استصحاب أن هذه الضَّوابط تشكل، في حقيقتها، أساس أيِّ موقف إسلامي صحيح من قضيَّة "التَّعـدُّديَّـة"، حيث "أن الاخـتلاف بين النَّاس أمر قدَّره الله .. حتى صار سنَّة من سنن الكون، ومن ثمَّ فالاعتراف بالاختلاف والمغايرة له أصله الشَّرعي الثَّابت. وإذا تحدَّثنا عن تصوُّر إسلامي للنِّظام السِّياسي فإن التَّعدُّديَّة واجبة في ظله .. ولا نستطيع أن نمنع تيَّاراً سياسيَّاً قائماً في زماننا، علمانيَّاً كان أو ماركسيَّاً، لمجرَّد أنه يتعارض مع ما يتصوَّره البعض للإطار الإسلامي .. وليكن صندوق الانتخاب هو الحكم بيننا، فإذا فازوا بالأغلبيَّة من دون الإسلاميِّين .. فمعناه أن الإسلاميِّين فشـلوا في إقناع النَّاس بمشروعهـم، وعليهـم أن يتحمَّـلوا مسـؤوليَّة تقصيرهـم وفشلهـم" (المصدر نفسه).
وحيث أن الانتخابات من أهمِّ آليَّات الدِّيموقراطيَّة، فثمَّة دلالة خاصة لاعتبار مرشد الجُّمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، مطلع الألفيَّة، أن المشاركة فيها "واجب ديني"، أو كما قال (القنوات الفضائية 8 يناير 2000م).

(6)
الشَّاهد أن الموقف الرافض لـ "التَّعدُّديَّة"، وبالتَّبعيَّة لـ "الدِّيموقراطيَّة"، بمحاولة "أسلمته"، أو تأسيسه على "ثوابت دينيَّة"، ليس سوى ضرب من التَّعسُّف الذي يعاظل النُّصوص بلا هوادة، حتَّى إذا استيأس من العثور على سند لذلك في القرآن أو السُّنَّة، سعى، حثيثاً، لإحلال "تأويله الخاص" محلَّ "النَّصِّ القاطع"، و"تديُّنه المضمر" محلَّ "الدِّين الصَّريح"، بينما الصَّحيح هو إقامة "التَّعدُّديَّة" على الاعتراف بالآخر، لا إنكاره الذي لا يفضي، في نهاية المطاف، سوى إلى العنف.
هكذا لا يعود سائغاً، بأيِّ معيار إسلامي، الرأي الذي كان أذاعه، صراحة، العميد الطيِّب إبراهيم محمد خير؛ وزير ثقافة "المشروع الحضاري" الإسلاموي في السُّودان، أواخر تسعينات القرن المنصرم، قائلاً: "عندما أسمع كلمة تعدُّديَّة أو حزبيَّة فإنني أتقزز! وأشعر بقشعريرة! وأتحسَّس جنبتي بحثاً عن حجر أرميها به"! (أخبار اليوم، 5 أبريل 1998م). ولعلنا، هنا، بإزاء نموذج حيٍّ لاشتغال العقل الباطن المتأسِّي بأسوأ أمثلة التَّاريخ، فهذا الوزير يستبطن الإعجاب، ولا بُدَّ، بقول سيِّء الذكر غوبلز، وزير هتلر وساعده الأيمن: "كلما سمعت كلمة (ثقافة) تحسَّست مسدَّسي"!
مهما يكن من شئ، فإن الموقف الإسلامي الصَّائب من "التَّعدُّديَّة" ينطلق من الفهم السَّليم لحقائق الدِّين والتَّاريخ، لا من الرَّغائب الذَّاتيَّة على غرار كلمة العميد الطيِّب إبراهيم؛ فهذه الأخيرة يشملها وصف القرضاوي بأنَّها "مشكلة حقيقية .. وآراء غريبة وشاذَّة في السَّاحة الإسلاميَّة ترفض الاختلاف بين النَّاس .. وتوجُّـهٌ ضـدَّ فطـرة الإنسـان، وضدَّ منطق الإسـلام ذاتـه الـذي سجَّل القــرآن الكريم فـي صدده أن الله .. أراد النَّاس مختلفين لحكمة قدَّرها. وقد مارس المسلمون ذلك التَّعدُّد طوال تاريخهم، حيث كانت المذاهب أحزاباً في الفقه، فليس هناك ما يمنع من أن تصبح الأحزاب مذاهب في السِّياسة" (من كلمته أمام ندوة مركز الدِّراسات الحضاريَّة بالقاهرة، مصدر سابق).
وعلى نفس الصَّعيد ينبِّه فهمي هويدي إلى أن ".. الآخر له شرعيَّته التي اكتسبها من إقرار القرآن بمـبدأ اخـتلاف النَّاس. وحـذفُ الآخــر إهـدارٌ لسنَّة كونيَّة أرادها الله سبحانه وتعالى. وفي النَّاحية الرِّساليَّة فإن المشروع الإسلامي كان قائماً على استيعاب الآخر على الدَّوام" (المصدر نفسه). وحتَّى إذا تناولنا الأمر من زاوية السِّياسة البراغماتيَّة المحضة، وانطلقنا من ذات موقف الإسلامويِّين المبني على فرضيَّتهم القائلة بأن لهم "مشروعاً" سياسيَّاً "صحيحاً" يرومون "تبليغه"، فإن ثمَّة مشكلة ستثور، هنا، فوراً، من جهة المنطق الذي يحكم فعل "التبليغ" ذاته، وقد عبر عنها هويدي متسائلاً: "إذا تمَّ حذف الآخر، فمع مَن سيجري الحوار، وإلى مَن سيتوجَّه الإسلاميُّون بالتبليغ؟!" (المصدر نفسه).
وهكذا فإن الموقف الناكر لـ "التَّعدُّديَّة"، ومن ثمَّ لـ "الدِّيموقراطيَّة"، خاطىء، في اعتبار أقوى الحُجج الصادرة حتَّى من مواقع "الإسلام السِّياسي" نفسه، دَعْ مواقع خصومه، على وجوه ثلاثة: شرعيَّة، ورساليَّة، وسياسيَّة.

***





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,093,458,565
- الحِوَارُ السُّودَانِيُّ أَوْ .. عَجَلةُ التَّاريخِ المَعْطُ ...
- مِنْ سَايكِسْ بِيكو إِلى .. دَاعِش!
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [الأخيرة]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [7]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [6]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [5]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [4]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [3]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [2]
- الحَامِضُ مِنْ رَغْوَةِ الغَمَام [1]
- الذَّاكِرَةُ الحَقيقيَّةُ تِرياقُ الذَّاكِرَةِ المُخْتَرَعَة ...
- تُركيا: عِبْرِةُ التَّصْوِيتِ العِقَابِي!
- شُبُهاتٌ حَوْلَ العَلمَانيَّة!
- خَرَاقَةُ السِّياسَةِ: دَارْفُورْ وتَقْرِيرُ المَصِيْر!
- شَلْ .. ضِدَّ العَالَم!
- للمَرَّةِ الأَلْفِ: بِدُونِ تَعْليمِها حُقُوقِ الإِنْسَانِ ف ...
- أَنْدرو مُوينْدا: خِطابُ الاسْتِفْزِازِ الأَفريقِي!
- الدِّينُ والعَلْمَانِيَّةُ بَيْنَ السِّيَاسَةِ والثَّقَافَة!
- محمود!
- مُؤْتَمَرُ الشَّارِقَةِ .. السُّودانِي!


المزيد.....




- خلاف مع مسؤولين يدفع رجلا لوضع مجسم -إصبع ضخم- في وسط بلدته ...
- القضاء الصيني يمنع بيع عدد من طرز هواتف آي فون القديمة لانته ...
- كوشنير: صفقة القرن تمنح الأمن لإسرائيل والأمل لفلسطين
- السويد الأفضل والسعودية الأسوأ عالميا في مكافحة التغير المنا ...
- العملية الروسية ماريا بوتينا ستعترف أمام القضاء الأميركي بال ...
- لماذا يرغب المهاجرون الإيرانيون في المخاطرة بحياتهم للوصول إ ...
- صحف عربية: هل كان اجتماع مجلس التعاون قمة -الترفع- أو -التشر ...
- طرق مبتكرة لترتيب خزانتك في فصل الشتاء
- تايمز: السترات الصفراء مرّغت أنف ماكرون بالتراب
- خاشقجي ينافس ترامب وبوتين على لقب -شخصية العام-


المزيد.....

- ملكية برلمانية ام جمهورية برلمانية .. اي تغيير جذري سيكون با ... / سعيد الوجاني
- محمد ومعاوية - التاريخ المجهول / هشام حتاته
- ابستمولوجيا العلاقات الدولية / مروان حج محمد
- نشوء الأمم / انطون سعادة
- جنون الخلود / انطون سعادة
- اللفياثان المريض..ثنائية الطغيان السياسي والعجز التنموي للدو ... / مجدى عبد الهادى
- الأقتصاد الريعي المركزي ومأزق انفلات السوق / د.مظهر محمد صالح
- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال الجزولي - إنْكَارُ التَّعَدُّديَّةِ كَعْبُ آخيلِ الإِسْلامِ السِّياسِي!