أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - الحايل عبد الفتاح - هل يكره بعض القضاة المحامين ؟















المزيد.....



هل يكره بعض القضاة المحامين ؟


الحايل عبد الفتاح

الحوار المتمدن-العدد: 4889 - 2015 / 8 / 7 - 19:19
المحور: المجتمع المدني
    


هل يكره بعض القضاة المحامين ؟
ظاهرة المنافسة rivalité ( السلبية أو الإيجابية) بين القضاة والمحامين ظاهرة قديمة ومعروفة منذ قرون بالمجتمعات الغربية. وقد تنبه لوجود هذه الظاهرة العديد من الدارسين والباحثين الغربيين في تاريخ القضاء.
وهي منافسة خلقتها العلاقات القانونية الرابطة بينهما وتشابه أدوات العمل لديهما، وأيضا فكرة الرقابة القانونية للقضاة على عمل المحامين ( التعاب، المخالفات المهنية...)، وتحفظ المحامين بخصوص ما يسمى بالسلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لقضاة...
وكلها أسباب من بين أخرى لا يسعنا المقام لجردها وتحديدها بدقة لتفسير انزعاج القضاة من المحامين والمحامين من القضاة...
هذه المنافسة المتحدث عنها بين المحامي والقاضي تمحي وتنتهي حين يصبح جزء من جهاز القضاء أو برمته مهددا من طرف سلطة أخرى أو جهة غير منتمية للميدان الحقوقي والقانوني. فالتضامن بينهما يطفو ويشتد كلما تسلط على السلطة القضائية جهاز أو جهة غير مختصة في ميدان القانون...لكن حين تثار مناوشات أو خلافات أو مشادات بين القضاة والمحامين حينها تطفوا العصبية المهنية أو الوظيفية ويصبح القضاة مساندين لبعضهم البعض والمحامون مؤيدون من طرف زملائهم وجمعياتهم وهيآتهم...
نفس العلاقة التنافسية بين القطاعين ظهرت بالمغرب نظرا لنقل منظومة القضاء الغربية الأوروبية، بكل نقائصها ومحاسنها، إلى المنظومة القضائية المغربية والعربية...فوظيفة القضاء ومهنة المحاماة ورثتا نفس العقد ونفس المظاهر والظواهر السائدة بأوروبا وخاصة بفرنسا...
وفي مقالنا وبحثنا هذا سنناقش فقط جانبا من أسباب هذه المنافسة أو الإنزعاج القائمين بين القضاة والمحامين...وبالتحديد سنقف عند بعض أسباب ازعاج بعض القضاة للمحامين...
فعلا، الكثير من الناس ، هنا وهناك، من العاميين والمثقفين لم تستوعب عقولهم ومستوى فكرهم مفهوم ومدلول وغاية وهدف ومسؤولية مهنة المحاماة...فهي في آخر المطاف مهنة غير مفهومة لأنها غير مدمجة ولا متبناة من قبل الثقافة والأفكار المغربية الإسلامية...فالعديد من هؤلاء لا يعرف منها سوى جزيئا تقليديا بسيطا من مضمونها وهدفها ووسائلها...بل منهم من يحصرها في الدفاع عن الموكلين بواسطة مرافعة شفوية او كتابة عابرة...
والغريب في هذا المعطى هو أن هذه المهنة غير مفهومة حتى من قبل العديد من المشتغلين في سلك القضاء والمتعاملين معها يوميا...والسبب أو الأسباب المؤدية لهذه النظرة التقليدية الخاطئة للمحاماة، راجع لحداثة هذه المهنة نسبيا في المجتمعات العربية والأمزيغية والإسلامية التي يسود العديد من أوساطها ضعف الثقافة العامة، وأيضا عدم قدرة هيئات المحامين على التعريف بمهنة المحاماة؛ أضف إلى ذلك الحقد التاريخي السياسي والثقافي والإجتماعي الذي استحدثت فيه المهنة وترعرعت في كنفه...وإذا كان هذا هو حال وصورة مهنة المحاماة كمولود مهني حديث نسبيا بالمغرب فما بالكم بما هو حديث الولادة أو سيولد مستقبلا من أفكار ومهن مستقبلية...
بطبيعة المقام، لا يهنا تصحيح أفكار وتصورات هؤلاء أو أولئك في موضوع مهنة المحاماة، لأننا لا نخصص هذا المقال لهذا الموضوع، وأيضا لأننا نعتقد أن من الناس من لا يمكنه أن يفهم مستويات أخرى من التفكير والمنطق والتعامل مع غيرهم، أو أن فكره وفهمه محدود...
الثقافة الجماعية المجتمعية، هنا وهناك، غير مكتملة لدى غالية مواطنينا، ولا تجد لها أرضية تمكنها من ارتشاف محتوى الجديد والحديث في التطور الإقليمي والإنساني...الغالبية المسحوقة المخدوعة والمستكلخة تفرض ثقافتها البدائية والتقليدية..."فالثقافة جوهر الفهم ومحتوى مستوى الفكر والمنطق"...
إذن أقول وأؤكد بأدلة ووسائل مختلفة وكثيرة أن بعض العاملين بالقضاة المغربي، وفي بقاع أخرى من العالم، ينزعجون، إلى درجة تقترب من الكره، من المحامين...
وأسباب انزعاج أو قل كره بعض القضاة للمحامين كثيرة ومتنوعة، ظاهرة وباطنة، مناسباتية ظرفية أو omniprésente ديموماتية نابعة من مستوى تأثير الفهم الخاص أو العام...
وحين نجزم بوجود انزعاج أوكره من بعض القضاة للكثير من المحامين، فإننا لا ندعي أن الظاهرة عامة، بل أن كثيرا من القضاة، رجالا ونساءا، لهم ثقافة في المستوى ودراية ووعي كافيين لتجنب التجني على مهنة المحاماة...
من جهة أخرى، فكما سبقت الإشارة لذلك في مقدمة هذا المقال، فنوع الثقافة ومحتواها ومستواها يحدد فهما خاطئا أو صائبا لمهنة المحاماة...فالثقافة هي ينبوع من الفهم ومصدر التفكيرالسديد أو المغلوط...فالثقافة بهذا المفهوم هي المعرفة...



وبناءا على ذلك، يجب القول أولا أنه على حد علمنا وتحرياتنا وتجاربنا، فالعديد من العاملين في ميدان القضاة لا يثقنون لغة أجنبية واحدة مما يضيع عليهم فرصة وإمكانية التطلع على الرائج قضاء وفهم مستويات أخرى من التفكير والتعامل...فإثقان لغة أجنبية تمكن من توسيع الفهم والتصور لدى الناس بقدر معين...ومن لا يستوعب هذه الفكرة فهو غير عالم بما يضيعه عليه من لذة الفهم وطيب الأحاسيس...كيف لقاض أو محام أو رجل قانون عامة أن يعرف مخرج إشكالية سبق للقضاء المقارن أن بث فيها ؟ وكيف لمتخصص، في ميدان ما من العلوم الإنسانية أو التجريبية، أن يواكب التطور السريع والمعرفة الفائضة التي تجرف وتجدد الأفكار والأحاسيس والتقنيات ؟
والغريب في الحديث عن إثقان لغة أجنبية هو أن المعربين يتدرعون بأسباب واهية للتشبت باللغة العربية كمصدر وحيد للعلم والثقافة والتكنلوجية...وردا عليهم فنحن لا نطالب فقط من المتخصصين من رجال القانون والقضاء أو غيرهم في ميادين أخرى أن يتنازلوا عن اللغة الأم أي اللغة العربية بل عليهم أن يثقنوها، لكن عليهم إثقان لغة حية أجنبية أخرى...هذا ونعرف ونفهم أن غالبية من المثقفين ضيع ( برفع الضاض) عليها فرصة تعلم لغة أجنبية بسبب نظام التعليم الخرب بالمغرب والعالم العربي الإسلامي...الأنظمة المتتالية فوتت على مواطنيها فرصة التعلم والتثقيف طيلة أجيال متعاقبة...وتراكم الأخطاء والإختيارات المغلوطة في منظومة التعليم والتربية ليست وليدة اليوم بل هي مستمرة منذ قرون من الغباوة والسذاجة والمصلحة الفردية...النتيجة هي أن "أبناء الشعب" من الجيل الثاني أو الثالث بعد الإستقلال، والذين تقلدوا الوظائف المهمة في المجتمع، بعد دمقرطة الوظائف والمهن القضائية la démocratisation des métiers et des professions، أصبحوا عرضة لكثير من الإنتقاذ واللوم من طرف زمرة من المنفتحين على اللغات الأجنبية والثقافات الإنسانية...
وبناءا عليه فنحن ممن يدعوا للتشبت باللغة العربية أساسا لكن وفي نفس الوقت ندعوا غيرنا من المعربين إلى بدل مجهود لتعلم لغة؛ فالعلم يكتسب بالجد والرغبة...والثقافة العربية القحة كالديانة الإسلامية الأصيلة تحث على طلب العلم من المهد إلى اللحد...
وفي انتظار ذلك فالعديد من الفرنكوفونيون والأكلفونيون يجدون صعوبة في التخاطب الفكري مع المعربين، خاصة مع من يملكون موقع القرار، وذلك يتجلى في الحوار البكمي الصمي حين مناقشة المسائل الثقنية والنظرية والمنطقية والأخلاقية وحقوق الإنسان...
وهذا لا يعني أن كل المعربين لهم ثقافة ناقصة أو غير متطورة، فالعديد منهم له ثقافة واسعة ومسايرة للتطور والتجدد والإنفتاح...
ورغم ذلك، فالتمكن من لغة أجنبية أصبح ضرورة لا محيد عنها...فإثقان لغة أجنبية بعد اللغة العربية ضرورة قصوى. فهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون...وهل الكمبيوتر المجهز ب 2 logiciels ككمبيوتر مجهز ب logiciel unique …؟
من جهة أخرى فالترجمة التي يمن علينا بها وبسخاء بعض رجال القانون والحقوقيين وغيرهم من خلال مقالات ودراسات وبحوث غير كافية لمواكبة مستوى الثقافة وما يطرأ هنا وهناك في ميدان القضاء والعدالة...
وما سبق ذكره لا يعني أن الثقافة هي مجرد إثقان لغة أجنبية...فمن بين من يثقن لغة أجنبية بعد لغة الوطن كثيرون لا يتابعون التطور الحاصل في مهنهم ووظائفهم ويقترفون أغلاط وأخطاء مهنية واجتماعية أفدح من تلك التي يأتيها بعض المعربين وقد يكونون في مستوى ثقافي أقل منهم...
فالثقافة من هذا المنظور اللغوي والسيميائي ليس سوى جزيئا من مناقشة الثقافة ككل لدى العاملين في حقل العدالة ...
إذن فنحن هنا لسنا نهتم فقط بموضوع الثقافة لدى القضاة بواسطة اللغة الأم واللغة الأجنبية والواجب الإلمام بها أو إثقانها... فالدعوة لتوسيع عقلية المثقف المغربي والعربي هي ليست بالضرورة مشروطة بإثقان لغة أجنبية بل هي اقتراح لكسب مفتاح أو وسيلة سهلة ومباشرة للتثقيف...فكما يقول أحد المثقفين عن حق :
« améliorer sa culture générale est aussi important pour un dîner avec des amis que pour un dîner d affaires. »
وحين نحث رجال القانون والحقوقيين أو غيرهم من المهنيين على إثقان لغة أجنبية حية فإننا ندعوهم لمسايرة الثقافة العالمية الإنسانية وما وصل له العقل البشري في ميدان القضاء...
ولنفتح القوس هنا لنذكر القارئ بأن احتمال تكوين القضاة بفكرة وثقافة الحيطة والإنزعاج أوالكره اتجاه المحامي وارد ومفترض جدا جدا...فالمعاهد التكوينة للقضاة يجب، إن كان هذا الإفتراض صحيحا، أن تغير محتوى مناهجها التكوينية عوض خلق الكره والحقد في صفوف العاملين في دولاب القضاء...
ولتكف المعاهد عن قمع القضاة اجتماعيا وفكريا بمنعهم من الإختلاط بالبشر وبالمحامين والحياة الواقعية...والتشكيك في علاقة المحامين بالقضاة والكف عن وضع القضاة في برج يضعف فيهم إنسانيتهم وتواضعهم ويورث لهم وضدهم الكره...
خلاصة القول أن على القضاة بالمغرب وخارجه أن يتواضعوا أكثر في التعامل مع المحامين؛ فمن المحامين من قضى أزيد من 40 سنة في المهنة ليجد أمامه في جلسة قاض تخرج منذ سنتين...وهذا المعطى له دلالة مهنية خاصة...زد على ذلك أن غالبية القضاة حين يحصلون على تقاعدهم بدخل مضمون يلتحقون بمهنة المحاماة بحلة جديدة وهم ناسون أو متناسون لما صدر منهم في حق بعض المحامين...
أضف إلى ذلك أن ثقافة المحامي سلسلة خزانة ثمينة ومتجدرة في القضاء والممارسة القانونية. فالسلف من الحامين يورث للخلف مساطر وطرق عمل بدون انقطاع...أما سلسلة المعرفة القضائية لدى القضاة فمنقطعة في الغالب بانقطاع القاضي عن الممارسة الوظيفية...
هذه كانت بعض المعطيات الثقافية الأولية التي يجب أن يضعها بعض العاملين في ميدان القضاء نصب أعينهم ومن ضمن أفكارهم قبل أن ينزعجوا أو يكرهوا المحامي أو يحسون بأنه يضايقهم أو أنهم أحسن منه خلقا وخلقا وتفكيرا وثقافة ومنطقا...وليضيفوا أن المحامين يتتبعون عمل القضاة ومنطقهم وسمعتهم وقيمتهم في سوق العدالة...فمن القضاة من يجد فيهم المحامون راحة وتمكينا ولو خسروا القضية وحتى لو أخطأ القاضي في الحكم أو القرار لأنهم يوجدون فيه المكانة المستحقة والسمعة الطيبة والتواضع العلمي والإجتماعي والسداد في الرأي والإقناع...أما من تهالكت وانحطت سمعته وبريكولاته القضائية وكسله البين وتماطله الغير المبرر ، كما في جميع الميادين، فعليه أن يراجع نفسه قبل أن يحترس وينزعج أو يكره زمرة المحامين...
ومن تم فبعض القضاة كبعض المحامين ملزمون باستجماع وارتشاف ثقافة مهنية واجتماعية ووطنية وإنسانية في المستوى المقبول...
هذا لن ينسينا أن بعض الممارسات المهنية من قبل بعض المحامين تبعث على القلق والحسرة وتستوجب المراجعة؛ ويظهر ذلك من خلال التطفل على بعض الموظفين والقضاة أومن خلال كتاباتهم الغير الجدية والغير المنطقية...وعدم قيام بعضهم بالواجبات المهنية اللازمة le laxisme dans le respect des procédures…، وكذا خلطهم بين ما هو مهني قانوني وما هو صداقة سطحية ومصلحة ...
أضف إلى هذا أن بعض القضاة، كبعض المحامين، ما يزالون يخزنون في أدمغتهم تلك الصورة والفكرة التقليدية عن مهنة المحاماة...هذا في وقت أصبحت فيه مهنة المحاماة، في شكلها ومضمونها الحديث، تحكمها وتلزمها إكراهات قانونية مسطرية ومادية اقتصادية فضلا عن معانات وإكراهات اجتماعية مختلفة ومتعددة...
ومن تم فبعض المحامين يساهمون هم أنفسهم في الحط من قيمتهم ويساهمون في خلق الإحساس بالإنزعاج والكره لدى بعض القضاة اتجاههم...ولا غرابة بعد ذلك أن ينظر بعض القضاة للمحامي نظرة احتقار وازدراء واستخفاف. هذه الصورة المغلوطة والإرتسامات المشوهة يجب أن تراجع من قبل المحامين قبل القضاة...
ولا يفوتنا هنا أن نذكر بأن لدى بعض القضاة فكرة راسخة مفادها أن المحامي مساعد القضــــاء «auxiliaires de justice». وهي عبارة ورثها القضاء المغربي من قبل عن القضاء الفرنسي كغيره من الموروثات الثقافية...فالنظرة التقليدية للمحامي كامنة ليس فقط في فهم كلمة " مساعد" بل أيضا في تصور مضمونها...وهذه العبارة تخلق فهما مغلوطا لدى غالبية الناس والمشتغلين في حقل القضاء...وحتى ولو سلمنا بحقيقة هذه العبارة فالمحامي مساعد للقضاء "للقضاء"de la justice ...فهو مساعد للقضاء برمته وليس فقط لغيره من العاملين في منظومة القضاء…
السبب الآخر في انزعاج بعض القضاة من المحامين هو عدم وساعة فهمهم لما تحمله مهنة المحاماة من رسالة إنسانية نبيلة ومتحضرة. فالمحامي معطاء ومنتج لعدة قواعد تنير وتنور فكر القاضي في استخراج الحكم أو القرار المناسب. ومن هذا المنطلق فالمحامي الجدي والمسؤول سد منيع من الإنحراف بالحق أو المبالغة في ذكر أو استعمال السلطة التقديرية المخولة للقضاة ( في كثير من المواد) وواقف بالمرصاد ضد الظلم والإستبداد...
ففي غالبية المساطر، إذا حذفنا دور المحامي فالقاضي سيصبح تائها وغير واع وغير مدرك لحقائق الوقائع ومعطيات الملفات...فالمحامي الجاد ينير وينور فكر القاضي وتصوره. فهو يسهل عليه سلوك درب التفكير وأساس النازلة ويسهل عليه انسياب المساطر...فبدون محام يصبح القاضي سابح في الضن والشك والإرتباك حين النطق بالحكم أو القرار...والمحامي في دوره هذا ملزم التزاما مهنيا وإنسانيا...وبحدف المحامي من زمرة العاملين في ميدان العدالة، فعجلة الحياة ستستمر، بطبيعة الحال، لكن ستستمر بشكل غريب وسيأسس القضاة مملكة خاصة بهم يتصرفون كيفما شاؤوا وكيفما يحلوا لهم وسط مجتمع اختلط فيه الشك باليقين، والكذب بالصدق، والجد بالهزل والكيد بالحق...والمصلحة الخاصة بالواجب الوظيفي ...
فإذا كان العديد من المحامين الجادين والمنطقيين يقدرون المجهود الفكري والإجتماعي للقضاة، ويفهمون الإكراهات المادية والفكرية المتسلطة على القاضي، فبالعكس من ذلك، فبعض القضاة لا يثمنون عمل المحامي ولا يدركون المجهود المبذول من طرفه ولا يتصورون المعانات اليومية خلال ممارسة العديد من المساطر القانونية...بل أن الجهد الجهيد لبعض المحامين يضيع بجرة قلم من خلال حكم أو قرار غير مقنع وغير منطقي أو غير قانوني...وعلى سبيل المثال، ففي الآونة الأخيرة، أصبح الحكم ب " عدم قبول الدعوى" لدى بعض القضاة موضة وتخريجة تنسف محتوى العمل الدؤوب والجاد الذي يقوم به المحامي...ويطعم الرغبة في التخلص من الملفات بأقل جهد فكري قانوني...
فسكوت العديد من المحامين وجهل بعض القضاة بكل هذه المعطيات يجعل الناس يكونون صورة وفكرة نمطية مغلوطة عن المحامي...
هناك سبب آخر مهم في فهم انزعاج القضاة من المحامين؛ وهذا السبب يتجلى في النظرة التقليدية التي يتصورها ويتعامل بها بعض القضاة خلال مزاولتهم لوظيفتهم الثقيلة والنبيلة. فبعضهم ما يزال ينظر لذاته نظرة تقليدية ماضوية. فمنهم من قد يضع نفسه في تصور وموقف لا يليق به في القرن 21. والأمثلة كثيرة على ذلك خاصة أن المحامي متواجد جسديا أو فكريا ( أو هما معا ) بالمحاكم طيلة النهار، ويعرف كيف يتصرف ويحكم ذلك القاضي أو المستشار تمييزا له عن باقي زملائه...فالنظرة التقليدية التي يحملها هؤلاء خلقت وتخلق حزازات وعداوات قبل وخلال المساطر...
- فالقاضي الذي يباغث محاميا ليأمر عليه بتسوية جلسته son assise أمام الموكلين رغم أن "الجلسة" عادية ولا تمس النظام والإحترام الواجب للمحكمة...لا يدري أنه يتدخل في الحياة الشخصية للمحامي وحريته ...وعليه أن يعيد النظر في الأخلاقيات وطرق الجلوس والوقوف...
- والقاضي الذي يبدأ الجلسة ( بدون اعتدار ولا عذر) متى شاء خارج توقيت الجلسة المحدد لا يدري أنه يخلق ارتباكا وزحاما في مذكرة agenda ووقت المحامي...
- والمداولات الممددة لوقت غير محدد...وطبع الأحكام بعد شهور في بعض المحاكم...يربك برامج العمل لدى المحامي...
- والمستشار الذي يدخل القضية للمداولة في أول جلسة جنحية دون الإنتباه لوقوف المحامي بجانب مؤازره المتهم...
- القاضية بعاصمة المملكة والتي لا تصافح المحامين لمجرد أنها محتجبة أو خوالجية...شيئ مقلق ومخيف ولا يضمن النزاهة والموضوعية في الحكم على فلسفة وقناعات الآخرين...
- والمحامي المتعب الذي هم بالجلوس في جلسة البحث فمنعته القاضية من الجلوس في مقعد فارغ أمام الموكلين بدريعة احترام المساوات لأنه لا يوجد بمكتبها إلا كرسي واحد...عليها أن تراجع أخلاقيات منظومة العدالة.
- المحامي الذي يقول للقاضي " نذكر المحكمة الموقر بأن..." ويجيبه قاضي الجلسة على الفور بدون تحفظ ولا وقار : " المحكمة ليست في حاجة لك لتذكيرها"...عليه أن لا يعتبر شخصه محكمة...
- والقاضي الذي يسر في أذن زميله ( بشهادة مقربيه) خلال المرافعة : " خليه إحاجي أ يخطب راه ما يزيد ما ينقص..."...عليه أن يتجنب الأحكام الجاهزة...
- بل أن من القضاة من وصل به عدم التحكم في أحاسيسه ومواقفه إلى مستوى ضرب محام كما وقع بمدينة مكناس مند أيام...
- والقاضي الذي يدخل القضية ( مسؤولية تقصيرية) للمداولة رغم عدم وجود ما يفيد توصل المحامي بنسخة الخبرة المنجزة ولا بتاريخ الجلسة بعد الخبرة ويحكم ببساطة بعدم قبول الدعوى...عليه أن يراعي الجهد المادي والعنوي الذي بدله الحامي والموكل...
- والقاضي الذي يدعي بأن المحامي لم يدلي بوثيقة رغم أن الوثيقة المعنية وضعت بمذكرة مطبوعة من طرف كتابة الضبط...عليه أن يراجه نفسه ...
وهي أمثلة بسيطة لا تنسى في بحر من الأمثلة المسكوت عنها. وهي أمثلة لا ترفع من الصورة التي يستجمعها المحامي في ذاكرته اتجاه القضاء...وكلها ممارسات وتصرفات لا تليق بمقام المحامي...فالمحامون الشرفاء والجادين يسجلون هذه المواقف ويشجبون مثل هذه التصرفات. بطبيعة الحال فالحامي يجد أعذارا ويتصور الإكراهات المتسلطة على القاضي ( حين يتصرف بشكل غريب) وفهم أن الخطأ ظاهرة إنسانية لكن حين تتكرر نفس المواقف ونفس التصرفات حينها يشتد الإحساس بالظلم لدى المحامين...فمن المحامين من يفهم الكلمة المنطوقة أو المكتوبة بعمق وجدية، في وقت يفهمها غيره بسطحية وبساطة وخنوع وخوف...
باختصار فبعض القضاة قد ينظرون للمحامي من الفوق وقد يضنون أنهم أسياد الموقف والمتحكمين في دولاب العدالة كما كان سابقا في عهد مالك ابن أنس أو ابن رشد أوعمر ابن الخطاب حين كان القاضي ( قاضي المدينة أو القبيلة ) الوحيد والمنفرد مختصا في كل المواضيع وفي كل بقاع المعمور...حين كان حكم القاضي لا يستأنف ولا ينقض ولا تعرض عليه...وأحكام القاضي التقليدي الوحيد تعتبر صائبة ولا تعقيب عليها...حينها كانت المعلومة القانونية أو الفقهية في حوزة القاضي بمفرده دون غيره من المثقفين...والمعرفة الدينية كانت هي أساس العدل والإنصاف...
ففي اعتقادنا فالنظرة التقليدية لوظيفة القاضي زالت وانمحت بدمقرطة المهن والوظائف؛ فكل إنسان بوسعه مراقبة صحة المعلومة وله الحق في الإحترام وفي محاكمة عادلة بقياسات منطقية وقانونية وطنية ودولية...أصبحت وظيفة القاضي منحصرة اساسا في تطبيق قواعد القانون المكتوب أو تأويله حين غياب النص لرفع الحرج؛ هذا مع الأخذ بعين الإعتبار مراقبة المحامي والمحاكم الأعلى درجة لعمله ووظيفته ومجهوده...فوظيفة القضاء مسندة بنص صريح أو مبهم من طرف المواطنين للقضاة...والمواطنون هم من يؤدون للقاضي راتبا من مالهم وضرائبهم ليحكم بين الناس بالعدل...
فالنظرة التقليدية المستمرة لوظيفة القاضي في فكر بعض القضاة (وفكر المشرع نفسه وفكر بعض الموكلين) تضرب في الصميم التصور الديمقرطي للعدالة بمفهومها الحديث؛ والقاضي الذي لا يحترم عمل المحامي ويتعامل معه بخشونة لا يلحق فقط ضررا بذاته هو نفسه بل أيضا بالسلطة القضائية التي ناضل في سبيلها المحامون قبل تمكن القضاة من قسط من حرية التعبير...
وبما أننا في خضم جرد بعض أسباب انزعاج أو قل كره بعض القضاة للمحامين، لا بأس من أن نسلط الضوء على موضوع كسب المحامي وأجر القاضي...فالأتعاب المترتبة للمحامي في بعض القضايا لها دخل في هذا الإنزعاج من المحامين. فالغيرة إحساس إنساني عادي لكن أن ينتقل إلى كره للمحامين فهذا ما لا يمكن قبوله...فالقاضي الذي يحكم لشخص في قضية معينة بمبلغ معين قل أو كثر يدري أن المحامي سينال نصيبه منه...وهنا تتبادر للذهن كل الإحتمالات السوداء أو البيضاء...ففي الوقت الذي يعلم فيه القاضي أن المحامي الفلاني سيتقاضى أتعابا جد مرتفعة يكون في موقف إنساني لا يحسد عليه...ففي الوقت الذي ينتظر فيه هو أجره الشهري المحدد والقار والمعين، فذلك المحامي سيحصل لا محالة على أتعاب تجر عليه نقم وحسد الآخرين...ومن الناس من يعتقد أن المحامي لا يستحق المبلغ المحكوم به لمجرد وجود إحساس إنساني غير متحكم فيه...
فالغبن الإجتماعي أو الإقتصادي الذي هو إحساس إنساني لدى الناس عامة لم يخلقه المحامي...والقضايا التي تدر دخلا محترما على المحامي قليلة جدا...وغالبية المحامين تعيش بالقرض المتراكم أو في مستوى اجتماعي حرج...ومن اختار وظيفة القضاء بدخلها المعروف والقار المحترم ليس كمن اختار مهنة المحاماة منذ البداية. فمهنة المحاماة هي مهنة المتاعب والإكراهات والمجهود المبدول باستمرار إلى غاية الموت والدخل الغير المضمون ورحلة نحو المجهول في كل صباح، ونضال اضطراري على كل الجبهات...
فإذا كان للقضاة حق اخيار البقاء في وظيفة القضاء إلى حين بلوغ سن التقاعد أو الإلتحاق بسلك المحاماة مع احتفاظهم بتقاعدهم أو بمدخول محترم بعد المغادرة الطوعية...فالمحامون ليس لهم كلهم حق الإلتحاق بسلك القضاء حين يكتشف بعضهم أنهم غير صالحين لمهنة المحاماة وغير قادرين على تحمل أعبائها؛ وليس لهم الحق في ولوج القضاء إلا بشروط، كمبتدئين من عامة الشعب...كما أن عدد المحامين المقبولين (بدون شرط تعجيزية )بسلك القضاء فنسبتهم محدودة جدا جدا...زد على ذلك أن الكثير من الحامين ( مقارنة بالقضاة) يعانون من أمراض المهنية مزمنة : كارتفاع أو انخفاض الضغط...، أو أمراض القلب والشرايين، أويعانون مرض السكري أو أو ...أو معرضون لمخاطر حوادث السير خلال تنقلاتهم الجهوية أو الوطنية...مع عدم استقرارهم الإجتماعي والعائلي...كل هذا مع تحاشينا التحدث عن عقلية كثير من الموكلين الجاهلين للثقافة القانونية...أما الإشاعات والأكاذيب المتدفقة من هنا وهناك على وضد المحامين فلا حصر لها، " أحوتة تتخنز الشواري"....
وفضلا عن كل هذه الإكراهات والتجنيات أصبحت الشكايات الكيدية ضد المحامين سلاحا بيد العديد من المتطفلين والمتصعلكين والحرضين والرافضين لأداء الأتعاب. أصبح مجرد تعاقب الجلسات وطول المسطرة سندا لتقديم شكاية، أصبح تأخر شركة التأمين عن أداء التعويض المحكوم به يحتمل فيه قيام الموكل بوضع شكاية لأن في نية العديد من الموكلين ترسبت الأكاذيب والإشاعات أو نال منه تحريض شخص أو جهة معينة ...عقول الكثير منهم محشوة بتوجسات وتصورات لا أساس لها...فمنهم من يعتقد أن مجرد عدم الحكم لفائدته هو بمتابة خيانة أوبيع للملف واتفاق محتمل مع الخصم أو محاميه...أو كحد أدنى الحكم على المحامي بأنه لم يم بواجبه أو ما يلزم القيام به...القضاة ( القضاء الجالس أو الواقف) بعيدون عن هذه المشاكل الإجتماعية المهلوسة والمضايقة والمقلقة...لا يمكن لغالبيتهم الإحاطة بكل ملابسات ما يسمى بالمخالفات المهنية...
هذا في وقت يفترض في النيابة العامة بدل مجهود فكري للتحقق من جدية شكاية الموكلين...وهكذا تحال شكايات تافهة أو كيدية على مستشار يمارس رقابة أخرى على المحامي...
وآخر فهم توصلت به أفكار المحامين بالمغرب ( أو قل هو فهم شخصي) هو أن العديد من الموكلين والمواطنين يعتقدون بجدية وبسذاجة أن القاضي لا يخطأ...وأن المحامي هو السبب في كل القضايا التي لا يفق في إنجاحها...
الكثير من العامين وغيرهم من المثقفين لا يفهمون عمل المحامي وعمل القاضي...ومن تم تكثر ظاهرة ظاهرة التنقل من محام إلى آخر بسبب حقيقي أو متخيل...
وبمناسبة موضوع مراقبة القضاة ( القضاء الجالس والواقف) على عمل المحامي وفي نفس الوقت حين الحديث عن استقلال القضاء أو استقلال السلطة القضائية، لنا الحق في طرح السؤال التالي :
فإذا كان القاضاة يراقبون عمل وتصرف كل الناس بما فيهم المحامون فمن سيراقب عملهم هم وتصرفهم هم ( خارج دائرة زملائهم القضاة والمستشارين) ؟ ومن تم فمراقبة القاضي لعمل المحامي يجب أن يعاد فيها النظر، كما أن مراقبة عمل القضاة يجب أن ينجز من طرف سلطة أخرى بثقنيات أخرى وإلا أصبح القضاة والمستشارون مستقلون عن الدولة ومؤسساتها ومكونين لمملكة خاصة. فمن غير المستصاغ ولا المنطقي أن يخضع كل الناس وفي جميع القطاعات لسلطة القضاة ويخضع القضاة فقط لرقابة زملائهم...
فالعديد من المشاكل المهنية التي يعاني منها المحامون سببها مستوى جودة بعض الأحكام والقرارات والتصرفات الصادرة عن العاملين في حقل العدالة ( قضاة، مفوضون قضائيون، خبراء، أطباء، زملاء، مديرو إدارات عمومية أو خصوصية...).
فالمحامي من هذا المنطلق عليه ليس فقط تجنب الأخطاء المهنية الممكن صورها بدون قصد بل عليه أن يدير ويحل المشاكل التي يضعها في طريقه العديد من الموظفين والعاملين في حقل العدالة عامة...وكأن المحامي خلق لإدارة شقوة وأخطاء الآخرين لكسب قوته اليومي..."فكسرة خبزه" ينتزعها من لهيب محرق...
ومن لا يحب صعود الجبال ...يعش أبد الدهر بين الحفر.
ومن تم فعمل المحامي داخل منظومة العدالة بالمغرب شاق ومرهق جدا جدا، يضطر فيه المحامي للتعامل مع كل الفئات المجتمعية الجاهلة ووالشبه الشاهلة والمثقفة والشبه مثقفة...فهو واجهة "وفترينة" العدالة بالمغرب في عقول الناس...مهنته تفرض عليه ( سرا) أن يكون رجل قانون وطبيبا نفسيا وعالم اجتماع ودبلماسي ومحبا للمجهول ومناظلا من أجل الحق مهما صعب أو استحال نيله...مهنته تفرض عليه أيضا التعامل برفق وتأني مع المجرمين والأبرياء، مع الكذابين والنصابين والصادقين، مع الأغبياء والأذكياء، مع الفقراء والأغنياء، مع المحرضين والنزهاء، مع الكسالى والمجتهدين، مع الشيوخ والشباب، مع وذي النيات الحسنة والنيات السيئة مع المهنيين والحرفيين والتائهين وأيشا الراسخين في العلم...مع الإدارات والمحاكم والخبراء والشركات ووو
بعد كل هذه المعانات يفرض على المحامين القيام بالمساعدة القضائية المجانية لفائدة المستضعفين والفقراء( أخيرا هذا المشكل في طريق الحل الجزئي)...وقد أداها المسكين بسخاء طيلة عقود طوال...
وكلها معانات ومأسات لا يفهمها بعض القضاة ( وبعض الموظفين والكثير من الموكلين) ولا تخطر ببالهم ...
زد على كل هذا أن مساحة حرية التعبير والإحساس بالإستقلال اللذين يتمتع بهما المحامي، في ظل الضروف الحالية، تخلق له في الغالب وفي مواقف معينة أعداء وناقمون من كل حدب وصوب...ولطالما وظف القضاة هذه الحرية وهذا الإستقلال في خدمة مصالحهم المهنية بل حتى الشخصية في عدة مناسبات ومنابر محاماتية...
أما حرية التعبير لدى القضاة واستقلال السلطة القضائية، اللذين ناضل من أجلهما غالبية المحامين قبل القضاة ولمدة طويلة، فلا يمكن أن يكتسبا لفائدة القضاة بمعزل عن المحامين أو على حسابهم...فالمحامون لهم طاقة تتجدد ويؤمنون بأن بعد كل عسر يسرا...ومقتنعون بأن كل مشكل له حل يناسبه في زمان ومكان معين...فالجدية والصبر والنظال والمقاومة، ولو بدون تحزب أو اتماء، هو شعارهم. وفوق ذلك محسودون على شجاعتهم هته وشعارهم هذا...
المحامي بعد كل هذه الأوصاف والمعانات عامل فعال في تسهيل المساطر وفي مراقبة عمل القاضي...فالقاضي أساسا يطبق النص القانون على الواقعة أو النازلة والمحامي يراقب تناسب ما حكم به القاضي مع النص القانوني الذي ارتكز عليه قبل النطق بالحكم أو القرار...وعلى المحامي أن يؤمن بأن فوق كل قاض ذي علم قاض آخر عليم...
ونزاهة القاضي وموضوعيته (في إيجاد حل للإشكالية قانونية أو نازلة معينة) مفترضتين، أي لا يمكن إثبات عكسهما إلا بواسطة وسيلة طعن عادية أو غير عادية...
والنزاهة والموضوعية هما الميدانين الذين لا يمكن للمحامي التحكم في مستواهما لدى القاضي أو المستشار إلا بعد الإطلاع على منطوق الحكم أو القرار. زد على ذلك أن القاضي أو المستشار هما الفردين اللذين من المفترض والمتوقع أن يكونا متحكمين أكثر من غيرهما وأكثر من المحامي في أحاسيسهما وعواطفها وميولاتهما وأذواقهما...وهي مسائل لا ينفذ لها المحامي بسهولة لدى القاضي إلا بعد صدور الحكم أو القرار المكتوب...
لا شك في أن عقلية القضاة عامة متقاربة من عقلية المحامين وذلك واضح من خلال الوقوف عند عدة محطات ثقافية وعدة مواقف قانونية. ومن تم فمبدئيا فالثقافة التي يحملها القاضي هي نفسها التي يتشبع بها المحامي. فكلاهما قد يكونا متخرج من نفس الكلية ومن نفس الفوج...ومن تم فهما يتقاسمان نفس المستوى الثقافي في بداية مسارهما المهني أو الوظيفي...
أضف إلى ذلك مثلا أن في فرنسا يقضي القاضي بعض الشهور من التدريب بمكتب محامي...وفي أجلترا يوظف القضاة من بين المحامين المجتهدين والجادين...
لكن تراكم التجارب والوقائع المهنية أو الوظيفية تفرض على كل منهما سلوك طريقة خاصة في التعامل مع غيره مهنيا واجتماعيا...
باختصار شديد، هذه كانت مجرد أرضية لموضوع أساسي سيستوعبها من له ذاكرة لتمكنه من تتبع وتقصي العلاقة المتوثرة بين المحامين والقضاة...
كانت تلكم بعض مظاهر المنافسة بين المحامين والقضاة وأسباب انزعاج بعض القضاة من المحامين. وهي أيضا توضيح لجانب من ظاهرة لم يناقشها غيرنا ( على حد علمنا) ودعوة لمراجعة حالة فكرية وإحساسية ثقافية لدى العديد ممن لهم علاقة بالقضاء والعدالة وخاصة هيئة القضاء...والسكوت عن ظاهرة سلبية هو بمتابة تكريسها والسير في اتجاهها...
بعد كل هذا، يجب القول أن العديد من المحامين كالكثير من القضاة والأساتذة الجامعيين يساهمون في تطوير مفهوم ومضمون مهنتهم ووظيفتهم. ويتجلى ذلك في عدة مواضيع ومناسبات ومواقف. لكن المؤكد هو أن شح المشرع المغربي وضعف عمله التشريعي يخلق ويساهم بأشكال مختلفة في خلق التوثر والتشنج والكره بين الفاعلين الحقوقيين وبين القضاة والمحامين...وأن على هؤلاء جميعا محامون وقضاة ورجال ونساء القضاء أن يعملوا بحسن نية وبجدية على سد هذا الفراغ والنقص التشريعي مع ضرورة الإحساس بأننا كلنا سواسية ومكرهون أمام اضطراب واختلال منظومة العدالة بالمغرب.
وطموحنا من خلال هذا المقال هو تحسيس وتوعية البعض بضرورة مراجعة تلك الصورة النمطية التي يخزنونها في خيالهم وأفكارهم اتجاه مهنة المحاماة واتجاه العاملين في حقل العدالة عامة، وأيضا لتأسيس علاقة تفاهم واحترام وشفافية بين القضاة والمحامين.

بقلم الحايل عبد الفتاح





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,391,566
- مساهمة في فهم ظاهرة الإرهاب والإرهابي
- موضوع استقلال القضاء بالمغرب مغلوط ومغلط
- المحامون يعملون في ظروف ثقافية منحطة وإكراهات مادية قاسية
- استقلال القضاء موضوع مغلوط ومغلط بالمغرب
- خطر إيران على الشيعة والسنة والعالم الديمقراطي.
- مظاهر التخلف الإداري والقضائي والإجتماعي...لدى العديد من الم ...
- L’être mesquin الإنسان الخسيس
- بعض المشاكل التي يعاني منها الكثير من المحامين في حضرة بعض ا ...
- علمنة القضاء والعدالة
- حفلات وأعراس خشنة ومقرفة بالمغرب
- فاز السيسي عبد الفتاح بمقعد رئاسة مصر.
- أنا والله ومن يؤمن بوجوده و من ينكر وجوده.
- مذكرات محام مغربي : الوقت من ذهب
- ذكرى انقلاب موفق
- الظلم والاستبداد هو المبدأ السائد بين الأفراد والدول
- شلل وغيبة فكر نوال السعداوي
- ارسالة مفتوحة إلى السيد المدير العام للقرض الفلاحي المغرب ( ...
- المساهمون في الإنفجار الثقافي بالعالم العربي الإسلامي
- الظالم قد ينتصر والمظلوم قد ينهزم
- معنويات السيسي بعد الإنقلاب


المزيد.....




- أردوغان ينفي أنباء عن هروب المعتقلين الدواعش جراء -نبع السلا ...
- عمان تجدد مطالبتها لإسرائيل بإطلاق سراح مواطنين معتقلين لديه ...
- آلاف الجزائريين يتظاهرون للتنديد بمشروع قانون جديد للمحروقات ...
- الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية التونسية.. ذوو الاحتياجا ...
- آلاف الجزائريين يتظاهرون أمام مقر البرلمان في العاصمة رفضا ل ...
- ارتفاع عدد المهاجرين الذين تم إنقاذهم من قبل منظمتين إنسانيت ...
- الدين الأمريكي لميزانية الأمم المتحدة أكثر من مليار دولار
- خِطَاب يُزَكِّي الاكْتِئَاب
- واشنطن تدين إعدام المدنيين والسجناء الأكراد التعسفي خلال الع ...
- الحرب حول حق العودة.. هل انتصرت إسرائيل على الفلسطينيين؟


المزيد.....

- فراعنة فى الدنمارك / محيى الدين غريب
- منظمات «المجتمع المدني» المعاصر: بين العلم السياسي و«اللغة ا ... / جوزف عبدالله
- وسائل الاعلام والتنشئة الاجتماعية ( دور وسائل الاعلام في الت ... / فاطمة غاي
- تقرير عن مؤشر مدركات الفساد 2018 /العراق / سعيد ياسين موسى
- المجتمع المدني .. بين المخاض والولادات القسرية / بير رستم
- المثقف العربي و السلطة للدكتور زهير كعبى / زهير كعبى
- التواصل والخطاب في احتجاجات الريف: قراءة سوسيوسميائية / . وديع جعواني
- قانون اللامركزية وعلاقته بالتنمية المستدامة ودور الحكومة الر ... / راوية رياض الصمادي
- مقالاتي_الجزء الثاني / ماهر رزوق
- هنا الضاحية / عصام سحمراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - الحايل عبد الفتاح - هل يكره بعض القضاة المحامين ؟