أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات3















المزيد.....

القدس كما هي في الشهادات3


محمود شقير

الحوار المتمدن-العدد: 4885 - 2015 / 8 / 2 - 11:11
المحور: الادب والفن
    


مفارقات الحصار

أتذكّر الآن أنّ عشر سنوات مرّت على عودتي إلى القدس، حينما وصلت مطار ملقا في الأندلس في إحدى ليالي شهر تموز العام 2003 . أدركت أنّ تلك السنوات العشر لم تمض قبل أن تترك بصماتها على تفكيري وعلى مزاجي وأعصابي.
وصلتُ المطار ليلاً، وكنت ما زلت أشعر بامتعاض مما واجهته في مطار بن غوريون من تفتيش مذلّ ومن أسئلة كثيرة. فلأنني فلسطيني فأنا مُشتبه بي، وقد أشكّل خطراً على الأمن، ولذلك ينبغي اتخاذ كلّ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا الخطر. توجّهت مع أحد أفراد الأمن الإسرائيلي إلى غرفة صغيرة شبيهة بزنزانة. خلعت جاكيتي وحزامي وحذائي، أخرجت ما في جيوبي من نقود وأوراق. فحص رجل الأمن جسمي بآلة إلكترونية، ثم أخذ الحزام والحذاء إلى جهاز فحص خاص، وبعد دقائق عاد ومعه الحزام والحذاء، وبالطبع فإنّه لم يعثر على أيّ شيء له مساس بالأمن. عدت وإيّاه إلى صالة المطار حيث صخب المسافرين وحركتهم الدائبة في كلّ اتجاه. أخذت حقيبتي ثم اصطحبني إلى بوّابة المرور نحو قاعة المغادرين، كما لو أنني شخص مميّز. إنّه تناقض مرّ يبدأ بالإساءة والإذلال، وينتهي برشوة مفضوحة لا تنجح في ردّ الاعتبار للكرامة المهدورة.
اجتزت إجراءات التسجيل في مطار ملقا بسرعة. وجدت في انتظاري، محمد إسماعيل الذي يقيم هناك منذ خمس وثلاثين سنة، ويعمل طبيباً نفسياً، وهو إلى ذلك يمارس الكتابة القصصية والترجمة بين الحين والآخر. وكان معه أخوه الكاتب صافي صافي الذي وصل قبلي بيوم واحد إلى ملقا.
أخذني محمد إلى بيته، وكنت قادماً إلى ملقا في مناسبة صدور مجموعة قصصية مترجمة إلى الإسبانية لعدد من الكتّاب الفلسطينيين، أنا واحد منهم. قاد سيارته في الشارع المتعرّج بسرعة، ما جعلني متوجّساً طوال الوقت. وستتكرّر هذه السرعة في الأيام التالية، سيجدها محمد أمراً عادياً، وسأجدها أمراً مربكاً. هذا الإيقاع السريع يربكني! أشرح له: في شوارعنا تكثر الحواجز العسكرية الإسرائيلية، ما يجعلنا غير قادرين على قيادة سياراتنا بسرعة، حتى لو أردنا ذلك.
قدّمني محمد إلى زوجته الإسبانية، غلوريا، وهي امرأة مهذّبة لا تعرف سوى قليل من العربية. سلّم عليّ طفله، إسماعيل، (على اسم جدّه) الذي لا يتجاوز الثانية عشرة من العمر، ولا يعرف سوى قليل من العربية أيضاً. رأيت على الحائط صورة لوالديّ محمد: فلاّح وفلاّحة من فلسطين. هذا ما يفعله الفلسطيني في المنفى، يستعين ببعض الرموز التي تذكّره بالوطن، لكي يتمكّن من مواصلة العيش.
تناولنا عشاء خفيفاً في البيت، ثم أوصلني محمد إلى فندق "زينيت" ذي الطوابق الخمسة، الذي لا يبعد كثيراً من مركز المدينة وقلعتها الأثرية. نمت نوماً عميقاً في غرفة هادئة، وسأقول لجمهور أندلسيّ جاء لكي يستمع لي في إحدى الندوات: هنا في بلادكم أفتقد ضجيج دوريّات الجيش وصوت الرصاص! بعضهم يبتسم وبعضهم تدمع عيناه. وسيكون الأثر الذي تركته ممارسات الاحتلال الإسرائيلي محفوراً في أعماقي. ستبدو الشوارع الممهّدة التي تخلو من الحواجز أمراً مفاجئاً بالنسبة لي، ستبدو الأحياء السكنية الوادعة في ملقا أو قرطبة أو غرناطة أو أشبيلية أكثر هدوءاً مما تحتمله أعصابي التي لم تعد تعرف الهدوء، وسيبدو الناس الذين يسيرون في الشوارع بطمأنينة، كما لو أنهم قادمون من كوكب آخر بهيج. وسأبدو متعجّباً بيني وبين نفسي من هذه المفارقة: أجد الطمأنينة في الأندلس التي تذكّر بالضياع الذي كان، وأفتقدها في الوطن المهدّد بالتحوّل إلى أندلس أخرى في حالة استمرار الاحتلال!
وسأتذكّر كيف أنني حينما كنت أقود سيارتي قريباً من أحد الحواجز المحاذية لمستوطنة أبو غنيم التي تفصل بيت لحم عن القدس، تعرّضت لنظرات استياء من الجنود، لاقترابي منهم دون أن أتوقّف بعيداً وأنتظر إلى أن يعطيني أحدهم إشارة بالتقدّم نحوهم. راحوا يتحدّثون معي بالعبرية التي لا أفهم منها سوى القليل، عن الأسباب التي جعلتني أقترب منهم بهذه الطريقة. حاولت التحدّث معهم بالإنجليزية لتفسير موقفي، لم يرقهم تحدّثي معهم باللغة الإنجليزية، لم تعجبهم محاولتي وضع نفسي في موضع الندّ لهم. فهذا يعني أنّ للفلسطيني كرامة وكياناً، وأنّه متحضّر ما دام يتكلّم لغة أجنبية، وهذا ما لا ينبغي الاعتراف به ولا يجب أن يكون.
استمرّوا يتحدّثون معي بالعبرية وأنا أحاول التحدّث بالإنجليزية وببضع كلمات عبرية، ولم أتخلّص من هذا المأزق إلا بعد وقت، وبعد تعرّض للّوم وللتحذير من تكرار مثل هذا التصرّف الذي يشكّل من وجهة نظر الجنود، مساساً بأنظمة الاحتلال!
شيء شبيه بهذا وقع لي حينما كنت أقترب من حاجز قلندية الذي يفصل رام الله عن القدس. طلبت مني مجنّدة على الحاجز أن أنزل من سيارتي لكي أفتح صندوقها الخلفيّ للتفتيش. فتحت الصندوق. شاهدت المجنّدة حقيبة أضع فيها الصحف اليومية وبعض كتبي. قلت لنفسي: رؤيتها للحقيبة ستقنعها بأنني مثقّف جدير بالاحترام. طلبت منّي أن أفتح الحقيبة، وفيما أنا منشغل بفتحها دنت مني لكي تراقبها جيداً. قلت بصوت هادئ لعلّني أختصر وقت التفتيش: ليس فيها سوى الصحف وبعض الكتب. وفي تلك الأثناء احتكّ كوعي الأيمن بنهدها الأيسر. كان نهدها لدناً مُربرباً، ولم تلبث أن أبعدته من المجال الحيوي لكوعي الذي لم يتقصّد هذا الاحتكاك. ابتعدتْ وطلبت مني في جفاء أن أمشي وأن أبتعد، لأنّ أيّ تصرّف فيه قدر من التهذيب قد يكسر صيغة الهيمنة التي يتعيّن على المحتل أن يمارسها على ضحيّته الخاضع للاحتلال، فمشيت نحو مقود سيّارتي وابتعدت. كوعي هو الذي اختصر وقت التفتيش وليس الكتب.
ثم تذكّرت كيف كنت ذات يوم أغادر بيت أحد أقاربي خلف جدار الفصل عائداً إلى القدس. توقّفت في الطريق أمام حاجز للجنود، وكانت معهم مجنّدة. أمروني بالنزول من السيارة. طلبوا مني أن أكشف بطني وظهري للتأكّد من أنني لا أضع حزاماً ناسفاً على وسطي. قلت لهم: هذا غير معقول! وكنت محرجاً من هذا الستربتيز القسري. أصرّوا على ضرورة التقيّد بما قالوه. قمت مكرهاً بعملية التعرّي في وسط الشارع، وكانت المجنّدة وزملاؤها يراقبون المشهد بسادية ولؤم، وكنت حانقاً إزاء تجربة كهذه تكرّرت على الحواجز آلاف المرّات مع الفلسطينيين.
ورغم المعاناة من هذه التربية العنصريّة التي تشجّع على إهانة الفلسطينيين وإذلالهم، فقد كنت معنياً أنا وكثيرون غيري من محبّي السلام في هذه البلاد، بالاستمرار في تجسير العلاقات بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي إلى أبعد حدّ مستطاع.
ولكي أثبت لنفسي أنّ الوضع ليس كالحاً إلى هذا الحد، رحت أبحث من جديد حينما عدت إلى الوطن، عن تميمة التي تعرّفت عليها العام 1970. سألت عنها يونا سلمان (يهودي كردي تقدّمي تعرّفت عليه في مكتب المحامية التقدّمية فيليتسيا لانغر) قال إنها تقيم في لندن. سألت عنها المخرج فرنسوا أبو سالم، قال إنه يعرف رقم هاتفها في لندن، استخدمت الرقم، واستخدمت عنوانها البريدي، ولم يكن ثمة جواب.
ووصفت شيئاً من تلك المعاناة، لإيتغار كيريت أحد أبرز كتّاب القصّة القصيرة في إسرائيل، حينما التقينا في مؤتمر ثقافي في مدينة ستافنغر النرويجية العام 2003. جاء إيتغار إلى ستافنغر، ومعه صديقته الشابّة، شيرا، التي تعمل ممثّلة مسرحية (تزوّجها فيما بعد وأنجبت منه طفلاً). وسأدعوهما لاحقاً لزيارة القدس، لتناول طعام الغداء في مطعم "أزكى دنيا". إيتغار يلبّي الدعوة وشيرا لا تأتي معه. إيتغار ليبراليّ النزعة مؤيّد لإحلال السلام في المنطقة. سيحدّثني عن عائلته، عن أخيه الكبير الذي يدعو مع جماعة من الشباب الإسرائيليين إلى إباحة تدخين الماريغوانا، عن أخته المتزوّجة في القدس الغربية من أحد الأصوليّين اليهود، عن أبيه الذي نجا من النازيين بعد أن اختبأ فترة طويلة مع آخرين، في سرداب ضيّق، لم يكونوا قادرين على الحركة داخله. سيدعوني إيتغار إلى زيارة تل أبيب لتناول طعام الغداء، للنوم في بيت شيرا إذا تعذّرت عليّ العودة في اليوم نفسه إلى القدس. لا أعطي وعداً قاطعاً بالذهاب إلى هناك، ولا أذهب بسبب تعقّد الظروف التي تتسبّب فيها حكومة شارون. وأشعر الآن بالأسى، ذلك لأنّ التطرّف اليميني في إسرائيل هذه الأيام، جعل أمثال إيتغار قليلين.
ولن يصيبني اليأس، وسأضطرّ إلى الاستعانة بإيتغار لعلّه يحتجّ على تصرفات مكتب وزارة الداخلية الإسرائيلية في القدس، الذي يعذّب المقدسيّين وهم ينتظرون على مدخله، لتجديد بطاقات هويّاتهم أو وثائق السفر الممنوحة لهم. حاولت مرّات عدّة الانتظار على مدخل هذا المكتب، فلم أظفر بفرصة للدخول من أجل تجديد وثيقة سفري الممنوحة لي من إسرائيل جرّاء إقامتي في القدس، بسبب الازدحام الشديد على المدخل، وبسبب الفوضى وعدم الاهتمام بتنظيم اصطفاف الناس عند المدخل.
استعان إيتغار بالنائبة في الكنيست من حزب ميرتس اليساري، زهافا غالؤون، التي حاولت بدورها الاتصال بمدير المكتب في القدس لعلّه يجنّبني الانتظار في الخارج، كلّ يوم ولأسابيع وربما لشهور. وكنت من جانبي اتصلت بالصحافي الإسرائيلي أمنون كابليوك، الذي يجيد العربية وكانت تربطه علاقة حسنة بالرئيس ياسر عرفات. تعرّفت على أمنون كابليوك بعد سنتين من عودتي إلى الوطن، حينما جاء زائراً إلى صحيفة الطليعة المقدسية التي كنت رئيس تحريرها آنذاك.
تكلّل مسعى الوساطة بالنجاح لمرّة واحدة فقط. ذلك أنّ معاناتي من مكتب الداخلية تجدّدت بعد ذلك مرّات ومرّات، لأنّ السياسة الإسرائيلية الرسميّة تنظر لي باعتبار أنني لست ابن القدس، بل مقيماً فيها من رعايا الدولة الأردنية، لمجرّد أنّ هذه الدولة كانت مسؤولة عن القدس وبقيّة أنحاء الضفة الغربية، بعد النكبة الفلسطينية الكبرى التي وقعت في العام 1948.
وسيكون لتلك المفارقة حول العلاقة مع الأردن وقعها، حينما كنت أتهيّأ للسفر إلى هونغ كونغ في العام 2005 للمشاركة في ورشة أدبيّة تنظّمها الجامعة المعمدانية هناك. فقد أرسلت صورة عن وثيقة سفري لكي تستخرج لي الجامعة تأشيرة للدخول إلى هونغ كونغ. وحينما دقّق المسؤولون هناك في الوثيقة وجدوا أموراً متناقضة تستعصي على الفهم. فأنا من مواليد العام 1941، أي أنني أكبر من دولة إسرائيل التي لم تكن قد ولدت بعد، بسبع سنوات، ومع ذلك فقد كان مسجّلاً في الوثيقة أنني من مواليد إسرائيل، وأما فيما يتعلق بجنسيّتي فقد كان مسجّلاً في الوثيقة أنني أردني، وذلك لإخفاء حقيقة أنني فلسطيني. أرسلت لي الجامعة رسالة تقول فيها إنّ المسؤولين هنا يتساءلون كيف بوسعهم أن يفهموا حقيقة كوني كاتباً فلسطينيّاً، لكنني مولود في إسرائيل وأنني في الوقت نفسه أردني! كدت أفقد فرصة السفر إلى هونغ كونغ، لولا أنني قمت بتقديم شروحات عن علاقتي بالقدس.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,467,334,339
- القدس كما هي في الشهادات2
- القدس كما هي في الشهادات1
- القدس كما هي في المشهد اليومي26
- القدس كما هي في المشهد اليومي25
- القدس كما هي في المشهد اليومي24
- القدس كما هي في المشهد اليومي23
- القدس كما هي في المشهد اليومي22
- القدس كما هي في المشهد اليومي21
- القدس كما هي في المشهد اليومي20
- القدس كما هي في المشهد اليومي19
- القدس كما هي في المشهد اليومي18
- القدس كما هي في المشهد اليومي17
- القدس كما هي في المشهد اليومي 17
- القدس كما هي في المشهد اليومي16
- القدس كما هي في المشهد اليومي15
- القدس كما هي في المشهد اليومي 14
- القدس كما هي في المشهد اليومي 13
- القدس كما هي في المشهد اليومي12
- القدس كما هي في المشهد اليومي11
- القدس كما هي في المشهد اليومي10


المزيد.....




- يصدر قريباً كتاب -يوما أو بعض يوم- للكاتب محمد سلماوى
- صحيفة إيطالية: الإدارة الأمريكية ستعارض استقلال الصحراء
- نادي الشباب الريفي بقرية بئر عمامة.. من مكان مهجور إلى مقر ل ...
- في سباق إيرادات أفلام عيد الأضحى... عز يتصدر وحلمي يفاجئ الج ...
- السجن لفنان مصري شهير لامتناعه عن سداد نفقة نجلته
- تنصيب رجال السلطة الجدد بمقر ولاية جهة الشرق
- وفاة الممثل الأمريكي بيتر فوندا.. أحد رموز -الثقافة المضادة- ...
- بالفيديو... موقف إنساني لعمرو دياب على المسرح
- الفنانة أمل حجازي تشكر السعودية على تكريمها: -معودين على كرم ...
- الإيرلندي ليس تعاونهما الأول.. ثمانية أفلام جمعت دي نيرو وسك ...


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود شقير - القدس كما هي في الشهادات3