أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى البستاني - شعرية السرد ، قراءة في رواية محمد الأسعد -أطفال الندى-















المزيد.....



شعرية السرد ، قراءة في رواية محمد الأسعد -أطفال الندى-


بشرى البستاني

الحوار المتمدن-العدد: 4864 - 2015 / 7 / 12 - 09:35
المحور: الادب والفن
    


شعرية السرد
قراءة في رواية محمد الأسعد "أطفال الندى"
أ.د. بشرى البستاني
**
إنها رواية يقول كاتبها تشبه أسطورة ، وأسطورة تشبه رواية. رواية تكتب تاريخ الندى وتدون تجلياته الخالدة داخل المسطورات وخارج حركتها ، حيث تتحرك الحقائق حرة من كل قيد وزيف، الندى صديق الورد وشقيق أوراق الشجر ، ورفيق الموت والحياة ، هو النقاء المرتبط بالسماء لانه الخمرة السامية التي خُلق منها الكون الذي لم يوجد للبطش والقتل والفساد ، تقول الاسطورة اليونانية . الندى رمز الروحانيات والوحدة الجوهرية للانسان ، هو مدخلٌ للخلود لأنه في شفافيته يرنو للصعود، يأخذه أول شعاع شمس إلى السماء ، الندى رمز الخصب ورعشة الحياة والديمومة والدليل إليهما ، لكنه سيد الموت كذلك ، فهو سريع الزوال ورفيق تربة الأموات . ويختصر الشاعر قضية الندى في انثيالاته حين يصفه بـ "سيد الليل والصباح ، وسيد البداية والنهاية " إنه " الندى الذي كان يملأ شعر أخي ويجعله ثقيلا يتدلى على جبينه.."ص60 ، وهو "لا يترك أثراً على الأرض ، ولكن في الروح عميقاً حتى جذورها" إنه إذاً ذلك السرُّ الذي لا يكفُّ عن الحضور والتحول ، إنه العامل المشترك الذي يجمع كينونة الأحياء بالزمان والمكان والنبات والأشياء ، وبشفافية الاطفال وروحانيتهم ، الأطفال بذرة الحب والخصب والسلام ، أحباب الرحمن الذين كان الشيخ حمزة يقصدهم متيمناً بالنقاء ومستشرفاً غداً مبرءاً من المحنة . ويبدع الأسعد في استقصاء رمز الندى ، وكلما ألحَّ عليه ازداد الرمز جمالا ، ومع الجمال لبسٌ وفتنة وغموض ، فالرمز في الأدب لا يسعى لمهمة توضيحية ، بل هو ذو مهمة تضليلية تُغني الدلالة وتكثّف مستوياتها ، وتفتح لها آفاقَ عدة لتشكيل المعنى " إن ندى ليلة كاملة يُشوِّشُ التفكيرَ ويحوّلُ الكائنات إلى ماء ، والمعارك إلى هجمات أطفالٍ يلعبون تحت فضاء الله ، غافلين عن الماضي والحاضر والمستقبل " ص63 ، أهي الخمرة التي تشوش وتُفقد التركيز وتُربكُ التوازن ذلك الندى ، أم هو الحلم الذي ينأى بالحالم عن بؤس واقعه وسوء أحواله ، ولعله في الحالين نوعٌ من الخلاص وإن كان واهما ، وارتحالٌ وإن كان بعودة . إنه يمنح للندى قوة تحويلية تزيح العقل عن مرتكزاته ليحلَّ الجنون الذي ينأى بصاحب الندى عن المركز وقيوده إلى الهامش وامتيازات حريته. من هنا يمكن القول إن علاقة العنوان بالمتن تختلف تجاذبا وتقاطعا من نص لآخر ، كما تختلف طرائق تشكيل التجاذبات داخل النص الواحد ، وكلما كان النص مهموما بالشعرية ، تلونت فتنة تلك العلاقة وازدادت جماليتها توضيحا وتضليلا وإغراءً وإغواءً واستقصاءً وتمنعا. ولذلك جعله جيرار جينيت أول إشارات الشعرية التي تتجلى في الموازيات النصية ضمن التناصات الخمسة التي وضعها لدراسة شعرية النص.

هكذا يجد القارئ عنوان رواية محمد الأسعد " أطفال الندى " (القدس ، دار الفيل ، ط2 ، 2013 ) التي خطط فيها لما أراد بثَّه بدقة وذكاء ، فقد أُنجِزَ السردُ عبر شراكة بين السارد والأم وبعض النسوة وبعض الرجال ، لكن حصة السرد تكاد تتمركز حول شخصيتي السارد والأم ، السارد الذي يمكن أن نطلق عليه الشاعر لشعرية سرده وتمكنه من فنون التضمين والترميز والأسلبة والنمذجة ، وكونه يعلن أكثر من مرة أنه يسير في أسطورة أو أنه يقيم مسرحا خياليا لحسابه الخاص ، وكلاهما الشاعر والمرأة يحرصان على تميز من نوع خاص ، الشاعر يمسك بالرمزي ، باللغة وما تضمر من فن وممكنات ومكنونات خصب ونبض وثقافة ، وما تتوفر عليه من ثراء وحضارة ومن توهج في الشعرية وافتتان في اللعبة التي تخرق القوانين وتتجاوز المعايير ، ليس في تشكيلها اللغوي حسب ، بل وفي حبكتها التي لا تنسج أجزاء خطابها في البنية السطحية التي اعتمدت على المونتاج في القطع والوصل وتوزيع الصور ، وفي سير الأحداث وانبثاق الوقائع ، فقد اشتغل المونتاج في الرواية اشتغالا حركيا لا يدع للزمن ولا للكامرا التصويرية فرصة التواصل الذاتي المنساب ، لانه لا يتواصل الا بعين السارد المخرج الذي اعتاد التحولات ، ففي صفحة واحدة (20 مثلا) قد تزيد عمليات القطع والوصل على خمسة أو ستة تحولات ، مما يشكل فنا قائما بذاته ، ويحتاج محوراً خاصاً لدراسة طبيعة اشتغاله في البنية العميقة.

تبدأ الرواية في سردها من نقطة صلدة ، راسخة وغائرة في الزمن حيث تستلقي قرية "أم الزينات" الفلسطينية الواقعة على قمة شبه مستوية في النهاية الجنوبية لجبل الكرمل، تلك التي حفرت طيات أرضها ذات يوم "دوروثي غرود" عالمةُ الآثار البريطانية بحثا عما يبرر الزحف الهجين لعصابات ذلك الحلم المزور. وتمتد اللعبة الفنية للسرد فتكسّر الزمن ليغادر رتابة جريانه عبر سببية التوقع ، ولتمنحه حرية القفز والانفلات والاسترجاع والاستباق والحذف والايجاز، فاللغة وحدها استطاعت أن تلعب بالزمن الذي ظلَّ عصيا على الاستحواذ ، صحيحٌ انه يبدو جارياً برتابة وانسيابية وحياد ، إلا أنه المهيمن على التحولات سلبا وايجابا ، فهو وإن كانت مهمته ابتلاع الأعمار والآمال وتغييب الأحبة ، إلا أنه سيد المفاجآت والإبداعات وفرح اللقاء والمنجزات ومبتكر الدهشة كذلك.
الزمن جوهر الأنا ، ومحرك الاشياء والوجود ، والانسان داخل الزمن كتلة فاعلة ، خالقة ومطورة لانه هو الذي يضفي على العالم نشاطا وحركية ،وحركية الانسان في الزمن هي التي تضنع الحياة وأحداثها ، وتشعل في الكون الحرائق التي تطلق ممكناته . لكن الزمن في النهاية لا ينفك يفعل فعلته بألغازه الملبسة " إنه لغز آخر مثل بقية الالغاز التي يلقيها أبو الهول الصخري هذا ، أعني الزمن الذي لا نهاية لامتداده ، أبو هولنا المتحرك الذي ورَثنا بعد أن أعجز آباءنا ، وربما يظلُّ يعجز أحفادنا ، كلُّ شيء نوّرثه لهذا الزمن ، ونترك له ما نملك شيئا فشيئا "ص 37، يأخذنا إليه ويحولنا إلى تماثيل في غابته الحجرية ، لكنها اللغة تمكنت من احتواء جبروت أبي الهول هذا يوم استدرجته اليها ، فلم ينضوِ بين تشكلاتها حسب ، بل استسلم لضروب فعلها وتلاعبها وتجلياتها ، بما في تلك الضروب من فتنة وجماليات ، وسيأخذ الزمن الذي يرمز الشاعر لجبروته بأبي الهول حصة في مواصلة الترميز الشعري ومواصلة الاستحواذ .

تشترك الأم وبعض النساء مع الشاعر في الروي ، إذ تعمل على توسيع أفق السرد بفعل الذاكرة أولا وبالمتخيل ، بالصور التي تفتح أفق الدهشة على الغريب والعجيب من عوالم الغول والجنيات وهن يقترفن الحب بعنف وجنون ، وهن يسعين لتملك المحبوب وانتزاعه من بيته وأسرته ليلا ، وهن يحولن البشر باقتدار الى إبرة تُعلق في الشعر. الجنية سيدة السِّحر الذي يهون لديه كل صعب ، فهي تجسد القدرة الهائلة على التحول والتقمص والتحويل كذلك . فضلا عن كونها سيدة الحضور والغياب ، رسولا من العالم الآخر لا يظهر إلا ليختفي بإرادة تتيح للقوة ممارسة طاقتها ، إنها الوهم الذي يمتلك طاقة تدميرية أو هي رمز له ، لكن طاقته بالرغم من قدرتها تبقى في حدود الوهم الماثل للزوال ، وكأن الرواية تشير لسلسلة الأوهام التي جرت وتجري على أرض فلسطين محاوِلةً تغيير الحقائق الوجودية لشعب وأرض وكينونات ، ولتبقى الأحداث دائرة في هذا الفلك الذي لا يضيق إلا ليتسع ، ولا ينأى بشعريته إلا ليعاود الرجوع إلى حيث يواصل الحدثُ فعله عبر التضمين الذي يجتهد بالربط العضوي من الداخل ، ربطٍ بين قصص الناس ومعاناتهم من مسلسل الغزو والكيد والقتل ، وكأنَّ سكان هذه المنطقة من الأرض ما خلقوا إلا لدفع ثمن غطرسة الحضارة الغربية في فكرة التمركز والهيمنة ، وفي خرافة نهاية تاريخها هي ، لدى اللحظة التي انبثقت في إمكانية استحواذها على العالم ، لتغدو القصصُ رواية واحدة تجمع بين البشر والأمكنة والأزمنة ، بين المياه والشجر والنبت والورد والينابيع ، وقبل كل ذلك تربط بين تجليات الندى الذي سيواصل البثَّ الدلالي ما بين العنوان والمتن ، لكنه يظلُّ ربطا سرياً يهيمن عليه غيابٌ دلالي وغموضٌ من نوع خاص ، ولبسٌ يثير التساؤل في ذهن طفل ينتزع من اعماق ماضيه لحظاتِ عتمة وخوف وجوع ومعاناة ، وجمر يتساقط فوق الرؤوس وبين الخطى رصاصاً يقذفه غرباءُ قادمون من بلاد بعيدة ، وشكٍّ يبحث عن حقيقة ما يجري . هل الحقيقة صرحٌ شاخص يدعونا إليه ، أم هي فعل يتشكل بقناعات ورؤى بعد تثبيت ركائز تمنح الرؤية وعملية البحث جدواها ، ذلك ما يجبر القارئ على التواصل الحميم مع النص ؛ لأن أي انقطاع عنه سيؤدي الى انفراط عقد الرواية الذي لن يكتمل بهاؤه الا بوفاء المتلقي بالرهان ، رهان القراءة الفاعلة التي لن يكون للنص الحديث أيُّ وجود حقيقي بدون حضوره وشراكته في تشكيل الدلالة ، لكن رهن إشارات النص ومبدعه.

**
تبدأ الرواية بتثبيت حدود الأرض حيث جرى ويجري نزاعٌ دموي هائل ، وحيث يُمارَس عدوانٌ قلما شهد العالم له نظيرا ، أرض ستدور على ثراها الاحداث وتنطلق منها ، لتعود إليها ، تبدأ بقرية "أم الزينات" المتشبثة بجبل الكرمل وهو يطلُّ على البحر ، هذه الحقيقة العربية الفلسطينية التي يؤكد محمد الاسعد ان تأكيدها يمكن أن يتم من طرق عدة بعكس ما تذهب اليه الموسوعات من ان ثمة طريقين يؤديان إلى "ارتفاعها" ، ويعاود الإثباتَ مرة أخرى " الطرق الى أم الزينات كثيرة ، ويجيد القرويون إيجاد الطرق عبر الوعر ونبات الصبر والزعرور " ص5 . فالحقيقة الفلسطينية ليست غائمة الأفق ولا ضبابية لمن يريد البحث بموضوعية وصفاء ، بل هي واضحة بيّنة ومتعددة المسالك، وللبرهنة على جذور الانتماء يأخذنا معه إلى تشخيص سمات الهوية وأولها الذاكرة التي تحفظ التفاصيل بتاريخها المشترك ، سارد محمد الأسعد لم يترك فجوة للنسيان ، فكل تلك " الطرق والأماكن يرتبط بالأحداث ، ليس هناك مكانٌ لا يرتبط بالذاكرة بحدثٍ ما "ص5 ، مما يؤكد ان ايّ علاقة للمفهوم مع الموضوع إن لم تتحقق تاريخيا ، فلن يكون لها أية قيمة أو معنى ، فكيف لتلك الذاكرة أن تنفصم ، وكيف لذلك التحقق التاريخي عبر كل تلك الحقب من السنين أن يُلغى . ان تفكير الهوية لا يمكن ان يوجد منعزلا عن سياقاته التاريخية والاجتماعية والثقافية ، كما لا يمكن أن ينفصم بيسر حال دخول محتل أو مستعمر ، إذ لا يمكن لذلك المحتل النزيل أن يشكل له هوية مع ظروف كلها طارئة وغريبة مهما كانت درجة التكيف والاستجابة . من هنا سيكون تحديد الهوية شرطاً لإمكان الحياة التاريخية الطبيغية ولحفظ الذات الانسانية (1).، ويؤكد السارد أهمية التسمية ، فالتسمية تثبيت وجود ، وتحقيق علاقة ، أن أعرف اسمك يعني أني أعرفك " كل شيء في وطني يمتلك اسما بدءاً من الحجر ومرورا بالشجرة وصولا الى الفصول والثمار والإنسان ، لا شيء يظلُّ بلا تسمية ، بل إن مكانا أو شيئا واحدا قد يكتسب اسمين في وقت واحد .."ص8 ، ومن يمتلك اسماً ، فليس له أن يضيع، يشهد على ذلك الندى ، الندى شهد أنهم " كانوا صادقين في المحكمة الدولية ، وأمام قرارات الأمم المتحدة التي تجاهلتهم ، واتخذت من الأوكرانيين والبولنديين والبلغار والأسبان والانكليز شهوداً وقضاة " ص60 ، فهل يوجد واقع يتحرك خارج إطار منظورات محددة بوعي معين، وإذا كان لهذا الوعي وجودٌ حقيقي ، فكيف كان لتلك الكارثة وما بعدها أن تحدث لولا اعتماد غطرسة العدوان وسلطة التجني ، سلطة غرب متفوق يمتلك العدة الحديدية ، وبُدجّن العلم منفصلا عن القيم ، وينطلق من مادية شرسة غادرت الروح واعتنقت الآلة الحديدية والجشع والاحتكارات والأهواء فكان القتل والإبادة والنهب والاستلابات، غربٍ ينظر لشعوب العالم باستعلاء وعنجهية مفسرا تاريخ الحضارة تفسيرا أحاديا بالغ الضيق والظلم والغبن ، مُلغيا جهد الإنسان وحضاراته الخمس القديمة ودورها في رفد الحضارة الغربية المعاصرة ، ومدعياً انبثقاقة تُبيحُ له الهيمنة على العالم أجمع بحجة ذلك التمركز العقيم الذي انحرف عن كل نظرياته في الحرية والديمقراطية والعدل وحقوق الانسان حالما غادر بقعته " كان ذلك في أحد أيام العام 1038 والجو شتاء والنسمات الباردة تتطاير عند مدخل المغارة الدافئة بالأحياء فيها ، وقبل ذلك بأيام ، كانت مواطنتها المس فرنسيس نيوتن تأخذ طريقها صاعدة في الجبل الى قرية إجزم لتشاهد حطام ثلاثة أيام من البربرية الانكليزية حين اقتحم جنود وضباط ملكها البريطاني إجزم فنسفوا البيوت وسرقوا المواشي وأطلقوا الرصاص على كل من وجدوه خارج بيته. كانت السرقة والنهب مخططا ملكيا لتقويض مقاومة الفلاحين والانتقام لأعصاب كبار جنرالاتهم التي حطمتها بنادق عثمانية عتيقة بأيدي الفلاحين الفلسطينيين"ص97 . هذه هي بنود حقوق الانسان واحترام كرامته وضمان حريته المقرة من قبل لجان المنظمة الدولية للأمم المتحدة التي سنتها الحضارة الغربية بمركزيتها وديمقراطيتها العتيدة ، نسفٌ وقتلٌ ورصاص وسرقة ونهب ، وفي النهاية تهجير وملاحقة واغتصاب وطن.

**
سارد أطفال الندى شخصية متماسكة حتى في حزنها ، حتى في تعبيرها عن معاناة ما رأت في طفولتها من مشاهد العنف والقتل والحرائق والترحيل ولوعة الفقدان ، إنها لا تفضي بلغة العواطف المنسابة ، بل تبوح بتشكيلات رصينة تخفي مشاعرها تحت نبض الفن وفي مستوياته العميقة حيث يتعالى الادب على الانفعال السريع والنشوة العابرة ليحرك جذور المتعة بحثا عن الحقيقة الوجودية وهي تتبدّى جرحاً فجرحاً ، وغياباً فغيابا ، يقول محمد الأسعد ، أحس أنها منحوتة مثل تماثيل راسخة تسعى إلى الخلود لا تلقي بالا لزمن يأتي وزمن يمضي؛ هي في لحظة الفن التي تعلو على الزمان والمكان، كما ذلك الجسيم المتردد بين كونه ضوءً مرة وكونه جسيماً مرة أخرى في علوه على الزمان والمكان كما يقول أصحاب فيزياء الكوانتم". ويواصل قائلاً " في مطلع القرن العشرين حين زار الشاعر الألماني "ريلكة" النحات "رودان" في باريس، نصحه بأن يترك "الرؤى" ويفتح عينيه وحواسه ويكتب قصيدته كما لو أنه نحات. ومع أن سالومي، صديقته، حذرته من أن الكلمات ليست صلصالا، إلا أن "ريلكة" اتبع نصيحة "رودان" وتحولت قصائده من قصائد "خزف" كما كانت في البداية إلى قصائد من "رخام"، وقال هو ذاته "كنتُ أرى، لا الطبيعة، بل الرؤى التي توحيها إليّ، والآن أخذتُ أتعلمُ أن "أرى" وأن "أصنع". وقبله كان "هولدرن" يقول "الشعر تجارب وليس مشاعر" ر.الكترونية في 29 /6/2015 ..نعم الشعر تجارب ، ولكن كم هو حجم المشاعر في تلك التجارب ، وهل يمكن للكلمة أن تضارع الرخام صلادة كما ورد في تحذير سالومي ، لكن الأسعد لم ينجز هذه المهمة الصعبة الا بتمرين طويل امتدَّ زمنا كما ورد في مقالته " كيف كتبتُ أطفال الندى" ذلك التدريب الذي استغرق سنوات واستهدف الوصول إلى حالة الكتابة بحيث يتحول فعلها إلى فعل تلقائي ومنزه عن أي غرض ، شأنه في ذلك شأن نهر أو شجرة أو نسيم عابر ، أو زهرة تتفتح خارج المختبرات"(2). بحيث صار النص ينطلق من الذاتي لينفتح على الإنساني ، وليكون عذابُ الفلسطيني هوعذاب الانسان المستضعف بهيمنة الظلم والسلاح في كل مكان ، وتكون الام الفلسطينية نموذجا لأم شمولية وبؤرة لتنمية عوامل الايجاب التي تحمي الحياة وترعاها ، وليكون تأبين الأخ تأبينا لكل عزيز رحل ، ولكل الأخوة الذين غابوا ، لقد أجَّلَ السارد تأبين أخيه ، أجَّله كثيرا ، كان يعرج على موته الذي ظلَّ غامضا خطفا بألم صامت ، فهو الذي يقول مخاطباً أخاه " التفجع وحده لا يصيبنا الا على الذين لا نعرفهم . أما الذين نعرفهم ، فهم يصيبوننا بالصمت والندى" ص88 فأيُّ لغة تستطيع وصف هذا الندى الذي يتلألأ جراء الغياب ، وهذا الصمت الذي يكسو لوعة تستعصي على الحروف وأصواتها ، فيلوذ بالداخل حيث الصور والمشاهد والمونولوجات تترى. الصمت عنوان اللوعة ،

هل اللغة عاجزة عن البوح في الصدمات ، أم أن اللوعة تحتل مناطق التعبير فتتعطل عن الاشتغال .! لكنَّ الحزن طال واختمر وتوالد " هؤلاء الجدد المولودون في غيابك بعد موتك لم تعرفهم ، ولكنَّ كل ما فيهم يتنفس حسرتك الدائمة كأنك الميت الاول والأخير في الكون ، يرونك في حجم الفراغ الكبير الذي يثقب الكلمات والنظرات والحياة ويرافق أيامهم " ص88 إنه يختار كلماته بدقة ويشكلها في جمل تختزن لوعة عذاب صامت "كلَّ ما فيهم يتنفس حسرتك" ، كيف يعيش من يتنفس الحسرة في شهيقه والزفير، وكيف يثقب الفراغ الكبير الكلماتِ والنظراتِ والحياة.! إن الفعل "يثقب" بفاعليته التخريبية المركزة يلقي بظلال كثيفة من حزن ثاقب مدمر ، لا يعرف الضوضاء ولا الثرثرة ولا ابتذال الشكوى. ولذلك فهو يلوذ بالصمت حين يكبر الوجع وتضيق اللغة . فالصمت ليس سكوتا عاجزا عن الكلام ، إنه الكلام المفعم بالمعنى، لكنه لا يتخذ من الصوت وسيلة تعبيرية ، بل يلوذ بالسيمياء . ويواصل السارد الشعر وهو يتحدث عن ذلك الرجل ، الجندي التركي الذي فقد عقله "وأعرف أنه الندى ، الندى هو ما أورثه الجنون ، هذا الذي كان منذ البدء ومع مسيرة الزمان مولودا للهواء ، هواء البحر والشطآن ، لم يكن طوفانا ولكنه الطوفان بذاته الذي أغرق السماء وبلل الأرض والرؤوس ، وتغلغل عميقا في مسارب الروح حتى أيقظ فيها حالة بين النوم واليقظة ، وحولها الى سفينة تتأرجح وتخفق كما خفقة الريح بين أشجار الزيتون"ص61 .كيف يكون الندى سببا للجنون ..! ما العلاقة الضدية بين الندى والعقل ، وكيف يتغلب هذا الندى الشفاف المرهف سريع التلاشي على فاعلية العقل التي تعيد تشكيل الأشياء كل لحظة بطاقات متجددة ، أليس الشعر يؤرة أسئلة تترى ..! ما المقصود بالندى في هذه القصيدة الثرة ..؟ وكيف سيكون طوفانا يغرق السماء والأرض و.. و..وكيف يتغلغل في الروح ليوقظ فيها حالة المابين ،،ويحولها لسفينة متأرجحة في الريح ..؟.

سارد محمد الأسعد عميق في تأمله ، قوي في حزنه ، موضوعي في طرح حركة أعدائه ، معرفي في حواره ، ولذلك كان النص فريدا في هدوئه المكتنز بثراء الشعرية ، حتى الحقيقة التاريخية والحادثة والوقائع ترد في ذلك السياق الذي يخضبها بالشعر ، إذ يتداخل الأدبي بالتاريخي بالسياسي بالجغرافي بالاجتماعي ، فتصير مشاهد ذبح اصحاب الارض من فلاحي فلسطينن وأطفالهم وعوائلهم فرصة لأستئناس القتلة القادمين من بعيد وضحكهم ، وتصير مغادرة البيت ، موطن أمن الإنسان الحميم والسير تحت دوي الرصاص ليلا تحت الشجر في العتمة وفي الطرق الوعرة ووسط الضباع وشهوة افتراسهم شاهدا على محنة الانسان العربي المعاصر ، ويغدو استبسال الجيش العراقي في قتال الصهاينة ومطاردتهم شهادة تاريخية ، هل يمكن للنص الأدبي أن يكون وثيقة تاريخية ..؟ لا ، لا يمكنه ذلك ، لأن الأدب ليس سجل وثائق واقعية ، بل هو استقبال إشارات تعمل المخيلة على تحليلها وإعادة تشكيلها من جديد ، تؤازر ذلك نمذجة لغوية ، لكنه يمكن أن يؤدي مالا تؤديه الوثيقة التاريخية من مهمات لدى وضع إشارات النص الجديدة في مختبر التحليل النقدي والتعليل.وهو في كل تلك التداخلات المرجعية يبقى حريصا على ممارسة خصوصيته في التخييل والأسلبة والاستلهام والاستيهام ، وفي دقة الالتقاط من الواقع وذكاء الاختيارات التي تسمو بانتمائها للفن في علاقة سيميائية مع الأصول ، فمحمد الأسعد صيادٌ آسرٌ كما يقول ماكليش ، صياد يستخدم الشكل شبكةً لأسر التجربة كلها طريقا للمعنى ، وطريقا لجعل العالم يعني شيئا .(3) إنه يفاجئنا بين آونة وأخرى بمشاهد شعرية تتوهج بحدة لتضيء جوانب النص بأكمله ، ولعل مشهد استقبال الحمام لعودة الاسرة ليلا بالرفيف والهديل ، واحدٌ من المشاهد المتألقة التي تؤكد أن الحياة ليست تجربة بين العالم والإنسان وحده ، لكنها أوسع مدى من ذلك حين ينسج خيوطها المخلوقات والموجودات جميعا ، وأن الأليف والمتوحش من هذه المخلوقات يدخل في صميم الوعي السرّاني لكينونتنا ، هذا الوعي الذي ينهض فجأة وعلى حين غرة ليضيف ثراءً لمكنونات الداخل المفعم بأسرار الوجود وعتمته وغموض حركته. وعي لا يقنعه ايُّ تفسير علمي أو بايولوجي لفرح الحمام واحتفاله وهديله بعودة أهل بيته ؛ لأن أي تفسير محدد غير قادر على أسر هذا الحدث العجيب بروعته ؛ ولذلك فهو يكتفي -آنياً- بالقناعة بما وراء هذا التفسير من انجذاب وخطفٍ وأسرار.

هكذا يخفي النص الكثيف ذو المستويات أسراره حتى عن مبدعه حين يجوس في دواخل الانسان المعتمة وفي دهاليز الوجود . يتحدث السارد عن مخزونه من العذاب والمعذبين بشعر مخضب بالندى "فأخترعُ هذه المدينة كي ألقاهم بها مجددا، ممرات وغرفاً بسقوف واطئة مسودة من أثر الدخان ، ينفذ اليَّ فيها الصغير الذي كنته ، فأحسُّ بأنفاسه وأنا أكتب وأشعر به يمزق ورقة أو يكسر محبرة أو يتوقف أمامي ناظرا بأسى على ما أصبحتُ عليه ، ويكون عليَّ أن أتحرك وأخرج إلى هذه المدينة واطرق بابا فيفتح لي وجهٌ أتعرف فيه على طفلٍ هو أنا ، وأنظر حولي مندهشاً حين ينسحبُ الطفلُ إلى الداخل صائحاً "لا أحد بالباب ، إنها الريح فقط" وأقول لنفسي " أحقاً هي الريح ؟"وأهرع وراء الطفل إلى غرفة العائلة ، فأجد كل شيء في مكانه كما كان ، حتى مكاني الذي يشغله الآن ، طفلٌ لا يراني مسبل العينين كما كنت دائما ، وكما أحببت أن أكون ، أنا الوحيد الذي عرف أن شخصا دخل من الباب ، ولكنني أخفيت سره عن الجميع " ص87. ما هذا ..؟ أليست هذه الفقرة قصيدة مفعمة بالغموض والأسرار والأسئلة ، أهي الروح تغادر سجنها لتجول بحرية بعيدا عن أغلال الجسد ، أهو التجريد ، أهو الشاعرُ يتابع قرينه ، أم هي المخيلة تنفتح على اداءٍ حرٍّ يتجلى بعيدا عن الرقيب فتتلقى من عالم الغيب أصواتاً وأشخاصا وصوراً وتهيؤات ، والشاعر المبدع وحده القادر على إطلاق حريته الداخلية لتمارس حضورها بإبداع . والأسعد بذكاء الناقد يعترفُ أن هذا الغموض المحيط بالشخصيات لا يسري على القارئ حسب ، بل عليه هو مبدعهم كذلك ، لسبب لا يستعصي عليه ، هو أن لغة الشعر معتمة ، وأنهم يتحركون في العتمة ، وأنه يدير معهم مغامرة لا يتبين هو نفسه دقائق الأمور فيها ؛ ولذلك يقرّ أنه كان عليه أن يلتقطهم ويرسم "كلا منهم بكلمة أو كلمتين ، تاركا جزءا كبيرا من غموضهم يحيط بالقارئ كما هو محيط بي "ص 87 وكأنهم كما وصفهم مختبئون في حبة جوز، وهو يعدُّ تصويرهم بهذا الشكل مغامرة كتابية لا يعرف لها سببا. لكنه يدرك جيدا بحسه النقدي أنها المغامرة التي حولت النص الإبداعي العربي من المستوى التفسيري الذي ظل يراوح فيه ، إلى المستوى التأويلي الذي نقله النقلة النوعية الابداعية المعاصرة ، لكن بنماذج نادرة.

سارد محمد الأسعد كثيرا ما يبثُّ عبر منولوجات تنثال بعيدا عن أي حبكة تقليدية ، لأنها تمتلك حبكتها الخارجة على قوانين السرد ، حبكة لا تأبه كثيرا بالبنى السطحية للخطاب، لأن اشتغالها يتحرك في البنى العميقة حيث تتحرك الذاكرة بحرية وانتقاء ، فالقصص متاحة سواء كانت في الواقع أو الذاكرة أو المخيلة ، لكن امتياز السارد كان في لحظتين مهمتين ، لحظة اختيار القصة ، ولحظة تشكيل الخطاب ، وما بينهما من خطورة التواشج . يقول الاسعد عن كتابته هذه الرواية : " لم تدهشني عفوية هذه الرواية وهي تُبنى يوماً بعد يوم من دون تخطيطٍ مسبق ولا هذه الالتماعات والمفاجآت وهي تواجهني وأنا أكتب ، فكأنني كلما أوغلت في كتابة "أطفال الندى" أوغلت في التعرف على أعماق منسية في ذاتي وفي الكون من حولي . ما أدهشني أكثر هو ردّ فعل عدد من القراء اختلفت مستوياتهم ومطامح حياتهم واشواقهم والتقوا عند نقطة جوهرية هي أن في الرواية شيئا حميماً يمس كلَّ واحدٍ منهم ويتحدث اليهم" (4) فكان لا بد من اجتماع هؤلاء المبدعين الذين اختلفت مستوياتهم على اللقاء عند تلك النقطة الجوهرية التي هي بؤرة الوجود الانساني في اللحظات الحميمة المشتركة والعارمة بالتجلي وهي تسمو على كل ما هو سطحي ومكرور ، لتأخذ الإنسان إلى الداخل حيث عوالمه الخاصة التي تخاطب وجدانه هو ، والتي كلما حرثها ازداد اقترابا من ذاته وازداد تعرفا عليها وكشفا للمزيد من أسرارها ، فالشعر الأصيل ليس ذاك الذي يحدثنا عن موضوعات ومضامين ، بل هو الذي يحدثنا عن صميم ذات الشاعر ، ليتجلى من خلال ذلك الصميم الكيف والماذا . ويواصل الأسعد شرح أسرار تشكيل شعرية الرواية فيشخص سماتها مؤكدا أن هذا النص يحمل سمات اسلوبية ولغوية ورؤيوية لتكون بمثابة لغم يفجر في القارئ ما هو معتم ومكبوت وليحقق شعرية تقع في اطار فهم انساني ، شعر يفهمه كل انسان لانه يلامس منظقة في ذاته . ويسمي الاسعد ما يحول اللغة الى هذا المستوى من الشعرية "حجر الروح" موازيا لحجر الفلاسفة في قدرته على التحويل الذي يتم في الفضاء الداخلي للانسان ، وليتحول الى نبضات طاقة حية ، كامنة ويختصرُ هذه القضية بثلاثة عناصر ، الاسلوب الفني الذي يستمد جماليته من الفن البصري ، اذ تحتفظ الصورة باكبر قدر من الطاقة الفاعلة في تفجير المخيلة على الايحاء ، ومن تراسل الحواس ، حين تتبادل الحواس وظائفها فتبصر الاذن وتسمع العين ، ثم من التقطيع والمونتاج الذي يخلخل التسلسل الاعتيادي للاحداث . هذا الفن الذي استوحته علوم السينما من فن الشعر ، ولا سيما الصيني والياباني ، الثاني ، هو طريقة استخدام اللغة ، بتجريدها من عاداتها المشتركة لتصبح لغة خاصة بشخص ما ، شخص يعيش التجربة ولا يتذكرها بحياد ، ويوظف طاقاتها مجتمعة حين يكون الفكر والعاطفة مندمجين . السمة الثالثة هي ما يسميه الهولوجرافية وهو انسجام منطق الرؤيا مع منطق الواقع ، إذ يحرص الاسعد على الانظلاق من ان الانسان ليس مركز الكون وحده ، بل هو جزء من شبكة اوسع تمثل البشر والطبيعة والاشياء.(5) ،

هكذا يلخص الشاعر اشتغاله في الرواية مع أن فيها دقائق من الفن لا يمكن حصرها بعجالة ، ولعل ما قاله الأسعد في أحد حواراته من أن كل نص أدبي يجب أن يتوفر على كل الممكنات الفنية من شعر وقص وروي ومسرح وفنون بصرية تشكيلية ، فتقييد الكاتب بتقنيات أي شكل يعمل فيه يعني أنه لا يستخدم كل ما يعرفه عن الكتابة (6) . هذا هو ما ينطبق على هذا النص الثري وذي المستويات المشتبكة ، فضلا عن بُعدٍ ثقافي فكري ومعرفي أخلص لجذوره التاريخية ، ولمرجعيته الحضارية؛ فدمج الفن وجماله بالقيم وبهائها ، بوفاء الابداع وهو ينتزع صفاء الحقيقة من دخلاء جاؤوا يبحثون عنها في أعماق أرضه بعيدا عن فضاءاتها . ولذلك يثبت النص أن "دوروثي غرود لم تعد تتذكر الا تلك اللحظة التي وصلت فيها الى قناعة كاملة بأن يهودها الذين جاءت تبحث عنهم في مغارات الكرمل لم يكن لهم وجود ، ولم يمروا بهذه الأرض ، وأنها كانت تفتش في المكان الخطأ ، تماما كما ستكتشفُ بعد ذلك بأربعين سنة عالمة آثار تدعى " كاثلين كينون " أن الحجر الفلسطيني لا يخفي تحته غير الحجر الفلسطيني ، وكلما تزايد عمق الحفريات تزايد ظهور الفلسطيني يرافقه ذلك الصوت الصامت الذي تطلقه التوابيت والنواويسُ الكنعانية وصولا إلى الغلاف الصخري وربما إلى لبِّ الأرض حيث يغلي كل شيء ويكادُ يندلع الجحيم" ص98 ، لكن بعل الساكن في المرتفعات ، وبغضبة المعتدى على تراثه ووجود أهله ، والذي شهد ما جرى ويجري من ذبح ناسه والاستهانة بحياة شعبه ، لا يكفُّ عن تمريغ خرافتهم بتراب الأرض التي اغتالوها ، ينهض ليطأ الاسطورة وحاملتها ، يعفِّرها بالتراب المائل للاحمرار ، تراب فلسطينه وفلسطين تاريخه ، ثم يرميها بعيدا ، هي رمز الغزو والتسلط والعلم القائم على الآلة الصماء والاغتصاب ، لتعود إلى هناك حيث تُقيم ، مؤكداً أن فكر التمركز وحق الاستحواذ على العالم ليس إلا خرافة ، فحضارتهم تاريخية زمنية نمت وتطورت ضمن اشتراطاتها التاريخية وظروفها الاقتصادية والسياسية والمعرفية ، ولن تكون صالحة لغير ظروفها وشعوبها وناسها من شعوب العالم ، ولذلك انحرفت عن مبادئها النظرية حالما غادرت حدودها ، فلم تعد حقوق الانسان تشتغل ولا حريته مصونة، ولذلك عادت "دوروثي غرود" لموطنها هناك ، لكن بعد أن وطأتها رياح بعل ، لعل تلك الحضارة التي اعتنقت القطيعة والانفصال تتعلم الرجوع إلى التواصل مع الإنسان وفعل القيمة . تلك هي اللحظة المدهشة التي كانت أروع ما يمكن تخيله من نهاية لهذه الملحمة الفذة ، إنها النهاية المتوقعة لحضارة مادية لا إنسانية ، أن تُمرّغ بتراب من عذبتهم وسعت لاضطهادهم ، وبعد طول صبر ومكابدة ينهض المستحيلُ الممكنُ ليعيد للحياة توازنها ، وليفكَّ القيد عن معصم المكبلين بجور الاستكبار والهيمنة والابتزاز، متناسين ان القوة المقدسة ليست الا اقتراباً من روح الانسان وداً وحباً وصفاءَ سلام ، وأن الصواريخ والقنابل وبارجات قتل الأبرياء وانتهاك حياتهم ليست إلا المدنسَ الذي يقترفون. ولهذا يقول صديقٌ للسارد من "عانين" رأى ما رأى من جرائم الغربي : " بعدنا تنحدر الأرض ، فنحن آخر المرتفعات ، وآخر الصيافير ، وربما آخر النهارات " ص107 ، في مثل هذا الزمن المتهافت والسنين العجاف ، وفي ضوضاء القتل وسفك الدم والحرائق ، ينهض مبدعٌ عربي وسط الدمار ليقول كلاما كهذا ، إنما يبشر بمعجزة ، ويعلن عن سرٍّ مخبوء يمكن له التجلي في أي لحظة من لحظات اشتباك عوامل الايجاب بالطاقة المضمرة في خلايا أمة أرهقتها اللعنة القادمة من اليونان والرومان والانكليز والتشيك والبلغار والبولونيين والروس تقودهم الامبريالية الامريكية في هجمات شرسة ليقتلوا في هذه الامة بذرة الحياة.
**
"اطفال الندى" عمل يُعلي من شأن الأنثى ، يتعامل معها بحب وجدّية وتراتيل ، يتعامل معها حاميةً ومعلمةً وشخصيةً حضورية تتألق في كل حكاية وحدث . إن السارد الشاعر يتغنى بمفردة "أمي" ، يكررها مرتلا ومحتفيا ومشتاقا ، معرضا عن مفردة "والدتي" بينما لا يتحدث عن ابيه الا بـ "والدي" ، يتحدث عنه ومعه رجلا لرجل ، بينما يتحدث عن الأم ومعها ويستمع إليها طفلاً لمعلمة ، لم يقل ضمن السياقات "والدتي" ، فهو يدرك جيداً أنْ شتان ما بين الولادة والامومة ، الولادة عملية بايولوجية تمارسها كل إناث الأحياء ، بينما الامومة رعاية وحب ومسؤولية وانتماء ، إنها مشاعر شمولية من الحنو والاحتواء والحماية ، وهي الأمن الروحي والإلهام وخيمة الندى ، والمحور الذي يتوازن به وحوله الوجود. محمد الأسعد يطرز النص بتراتيل "أمي" ..أمي روت ، أمي قالت ، والقول خطاب ، والخطاب سلطة ، سلطة الحب وابتكار المعارف التي لا تجيد توظيفها غير امرأة تعي وظائفها بالفطرة ، أمي ذهبت ، أمي عادت ، أمي هي التي علمتني طريق الندى .. أمي هي التي وضعتني في الندى ، أمي هي التي كانت تظرز الحكايا كما تطرز الفساتين الفلسطينية ،تكرارٌ فيه ترتيلات حبٍّ روحية أكثر منها حوارية ، وهي أم تبدو مثالية في إدارة أسرتها وأولادها وفي تنظيم عملية السرد وتأثيث المحكي ، مما جعل التوازن سمة من سمات النص.

تكرار مفردة أمي مع تغيير في التشكيل والسياقات ليس هو الصيغة التكرارية الوحيدة في الرواية ، فالسارد يكرر مشاهد عدة بتشكيلات متغايرة باثّاً شحناتها عبر مناطق متباعدة من النص كتكرار موت الجد المفاجئ واستعادة وقائع أسباب إصابة الأخ الكبير وموته ،وأحداث أخرى تتكرر بين آونة وأخرى وتعمل على تماسك النص وتنسيق إيقاعاته وشدّ أطراف الخطاب لبعضها . لقد كان التكثيف أهم السمات التي تجلت في شعرية الرواية ، وبالرغم من قصرها ، فقد وفت وفاءً بيِّناً بمهماتها وهي تبث داخل الشعري ومضاتٍ من حقائقَ سياسيةٍ واجتماعية وواقعية ، لا أخلاقية المحتل سلبا ونهبا وحرقا وذبح ابرياء ، تشبث بالارض ودفاع عنها وتوصيف لطبيعتها وإدانة لقصور التاريخ وموسوعاته في تدوين ما حدث ،توثيق لحرص شعبه على العلم وعلى الكتاب ، إدانة لقرارات الامم المتحدة التي لم تعرف العدل في التعامل مع اصحاب الحق ، بل اعتمدت الكيل بأكثرَ من مكيالٍ دوما .
أخيرا ، هل يمكن عدُّ هذه الرواية التي حكت قصة تهجير فلاحي أم الزينات وعوائلهم سيرة ذاتية ..؟ أتفق مع كاتب الرواية على أن "أطفال الندى" تتجاوز إطارَ السيرة الذاتية الفردية إلى إطارٍ أوسع؛ "فهي ذاكرة قرية من مئات القرى الفلسطينية التي تعرض أهلها للقتل والتشريد، وتم تدميرها ومصادرة أراضيها، وسكن فوق أنقاض بعضها أو على أطراف بعضها الآخر مستعمرون غرباء "(7).فالرواية لا تحكي حياة الاسعد وعائلته ، لإنها تتجاوز هوية فرد وحياة أسرة ،إلى هوية جماعية أكبر وأشمل، "هوية الموجة المنتشرة بلا حدود ؛ إنها أنا وآخر في وقت واحد، وهي في هذا المكان وذاك في آن واحد معاً ، وهي أيضاً في هذا الزمن وذاك من دون حدود. في هذا العمق يتحول ما يسرده فردٌ إلى سردٍ جماعي يشعر معه كل إنسان أنه يتحدث عنه وإليه، وأقصد بكلمة كل إنسان، من مات ومن يحيا ومن سيأتي في المستقبل. وهنا أجد مدلولات هذه السيرة في السيرة الفلسطينية ، فهي تفتح الأفق لنظرة إلى وجودنا الفردي بوصفه جزءً من كلية أكبر نتحقق فيها ونصير نحن جزءً من الطبيعة ومن البشر وحينها يتحقق مصيرنا بقدر ما نعي ونفهم أن تفاعلنا مع محيطنا الشامل هو الذي يمنحنا وجودنا الحق" (8).

وفي النهاية يعلن الاسعد أنه ما ظلَّ غيرُ الندى ، الندى الذي يبلل الأوراق الخضر والجذور ، الندى والندى وحده . مما يجعل النص مفتوحا على الحلم والخصب وديمومة التواصل ، وأن الامم التي تدرك معنى الحياة لا شك في إدراكها قوانين فعل الندى وما في حركيته من جدل هو سمة الحياة ذاتها ، وأن مشروع الإبادة الذي يمارسونه سيسقط تحت ضربات إرادة خلاقة لشعبٍ لن يموت ..




(1) فلسفة اعادة بناء الحداثة، د. هشام عمر النور،ضمن كتاب الدكتور محمد شنب والحداثة ، 348 ، الملتقى الدولي محمد بن شنب والحداثة، ولاية المدية ،2013.

(2) كيف كتبتُ اطفال الندى ، نت ، شبكة قدس الاخبارية ، 10/7/2015 .
http://www.qudsn.ps/article/1244

(3) الشعر والتجربة ، ارشيبالد ماكليش ،ترجمة سلمى الخضراء الجيوسي ،مراجعة توفيق صايغ ،15-16 ، دار اليقظة العربية ، بيروت ، 1963 .
(4) كيف كتبت أطفال الندى ، مصدر سابق
(5) المصدر نفسه.
(6) أوسلو حولتنا إلى هنود جمر ، حوار مع محمد الأسعد أجراه مهدي مصطفى ، مجلة الأهرام العربي ، 30/6 – 7/7 /2001 .
(7) حوار مع محمد الأسعد ، موقع جدلية الألكتروني ، 10/7/2015 .
http://www.jadaliyya.com/pages/index/11718/%D9%83%D8%AA%D8%A8_%D8%A3%D8%B7%D9%81%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%89

(8) المصدر نفسه.









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,567,043,354
- رحلة في العتمة
- الهايكو العربي بين البنية والرؤى ، 2 – 2
- الهايكو العراقي والعربي بين البنية والرؤى 1- 2
- كان الوردُ مخضبا بالندم
- هايكو الحب
- المرأة العربية العاملة وكوارث العولمة والتهجير
- هايكو مأساوي
- ملامح النسوية فِي الرواية العربية ، رواية المحبوبات لعالية م ...
- ما روته دجلة للبحر
- جماليات السينما في الشعر الحديث
- موعدُ أدركته الرصاصة
- صوتك الذي يكبر فيه شجري
- وداعا شاعرة العراق الكبيرة آمال الزهاوي
- تداخل الأنواع الأدبية وشعرية النوع الهجين
- الحضارة الغربية المعاصرة في رؤية مبدعيها
- بعيداً عن العراق
- قصيدتان للموصل
- القطار يواصل الصفير
- رافع الناصري ، مبدع العراق الباذخ ..
- المبدعة العربية واشتراطات الواقع


المزيد.....




- حياة صاخبة ومركز للقضاء.. غزة قبل الاحتلال في سجل وثائق نادر ...
- قيادات من الشبيبة الاستقلالية غاضبة بسبب -الاقصاء-
- بنشعبون يقدم مشروع قانون المالية أمام غرفتي البرلمان
- بالصور والفيديو... أول فنان عربي في ممر المشاهير بدبي
- النجم التونسي ظافر العابدين لإعلامية مصرية: أنا رومانسي
- البام يدفع بصحافية لخلافة إلياس العماري على رأس جهة طنجة
- من مؤتمر العدالة بمراكش.. وزير العدل يعلن عن 7 إجراءات لتحسي ...
- 100 فنان من 26 جنسية يشاركون في إطلاق دبي العد التنازلي لـ«إ ...
- بيت الحكمة تشكل لجنة متابعة للترافع عن الحريات الفردية
- مراكش.. بنعبد القادر يتباحث مع العديد من وزراء العدل العرب و ...


المزيد.....

- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - بشرى البستاني - شعرية السرد ، قراءة في رواية محمد الأسعد -أطفال الندى-