أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حنان بن عريبية - كان رجلا














المزيد.....

كان رجلا


حنان بن عريبية
الحوار المتمدن-العدد: 4855 - 2015 / 7 / 3 - 19:52
المحور: الادب والفن
    


في نواة الفزع والهلع كان ينتقل بنظراته بين قسمات الخوف التّي لا تسثني أحدا... فهذا جاثم على ركبتيه يبتهل لله وهذا يشّق الأجسام المتراصّة باحثا عن أحبّته وذاك يفتّك نجاته باختراق ساعده كلّ من وجده أمامه وتلك تنتحب وأخرى تعتنق ذراع حبيبها الذّي تسارعت خطواته حتّى انزلقت يداها منه ...

كان واقفا لم يشعر حتّى بتلاطم الأجساد المفزوعة عليه حتّى كاد يكون كالخرقة تتجاذبها ريح ضراوة الخوف في نواة الهلع.. تمتم بشفتيه ترجمة ما يدور بخلده.. كرّر قوله بحروفه المبعثرة كمن ينتظر إشارة المباشرة بدون جزع.. كرّر تمتماته إلى أن التأمت الحروف وتشكلّت على لسانه وبدأت تخترق الفوضى بعلوّ وقعها ليتّضح أثر شحنه لصرخة استمدّها من أعماقه لم يسمعها غيره قائلا يجب أن ينتهي كلّ هذا.. واتّخذ من نفسه بديلا لتلك القنطرة المكلومة في نصفها لم ينتبه له أحد عندما مدّد جسده كجسر للعبور..

كان بمجرّد عبور أحدهم على لحمه الطّري يتدّفق سيل بشري فوقه بخليطه.. فكتم وطأة النّعال عليه وهي تمرّ على جسده دون أن ينطق بكلمة.. فوجعه يغري تلك الألغام في الأسفل التّي اكتشفها لمّا أصبح بوجه لا خيار له سوى أن ينظر لخطر الأسفل السّحيق.. تشبثّ جيّدا ولم يكن يتصوّر أنّ هناك من نزع عنه سترته البالية التّي كان يرتديها وسمعه يقول أنه يشعر بالبرد ولم يكن يتصوّر أنّ ظهره تحوّل منبر محادثة جدلية هل في الضفّة الأخرى دراهم... ولم يكن يتخيّل أن هناك من تجسّس جسده ليتفحص معدن خارطة هويّة هذا المعبر لاجتياز الخطر.. فكلّ المعابر التّي يعرفها يدفع ثمنها حتّى لو كان خاوي الجيب ولم ينتبه أحد أنّه إنسان كان منهم لمّا تفشّى التّلوّث..

لملم أنفاسه ووعدها بالصّمود.. واستمرّ بعزاء جسده بقول كم هم أغبياء.. وفي قمّة الإنهاك قال للألغام لن تنالي منهم.. سيعبرون برّ الأمان بسلام.. المهّم أن لا تقطفي أرواحهم.. وكان يرى ما يجري في الأسفل وكيف أنّ الهاوية تتحيّن سقوطه ليسقط الجميع من بعده ...

كانت السّاعات تمرّ عليه كالدّهر.. وحتّى خفقان قلبه تراجع وبدأ ينبض ببطء يكاد لا يشعر به.. كلّ همّه آنذاك أن يمرّ الجميع باختلاف أطيافهم وألوانهم وأشكالهم وحتّى غبائهم...بعدها شعر بملامسة نسمة باردة تكتسح ظهره العاري وهدوء رهيب.. فخفق قلبه مزهوّا حمدا لله الجميع مرّوا بسلام.. وفي ذروة بلسم شقائه وتعبه لم تمهله جذبة قويّة للضفّة التي تفشىّ فيها التّلوث وسمع ضحكات لم يستطع تمييزها فلقد كانت بلغة الانتقام والتشّفي ...

كلّ ما ميّزه حينها صوت الخراطيش تستعمر السّماء ولكمة استقرّت بوجهه فقد إثرها وعيه ولم يستفق إلا بزخّات كتل من الصّقيع وجد نفسه بينها وقبالته بشري ذميم يملي عليه عنوان النّمطيّة وكيف أنّ ما قام به خرق للقدر المحسوم.. ابتلع ريقه ليطلق تفرّد لسانه بقول لقد انعزلت الحشود المفزوعة تجديدا للرّوابط وتمتينها وكان جسدي طوق النّجاة فلماذا تجازيني بالخذلان وكلّ ما فعلته حدّد نبل المسعى في أن يحيا الإنسان هل اقترفت خطأ
ولم يتلقّى ردّا سوى نظرة من ذلك الذّميم.. فهم بعدها أنّه قضي عليه.. وتعاقبت زخّات الجليد.. تُجمد عروق حماسه وتنسف تركيبة وعيه في أن يحيا الإنسان ..

مازالت جذور ذالك الجسر تشهد له رغم شروخ أطرافها.. فلولاه لسقط بسقوطه.. فالألغام زرعت من أجل اندثار الجذور وتعويضها بجذور هجينة ومزيّفة بابتلاع مهد ذاكرة تراب الوطن وما حصل من تضييق للنّجاة بتفشّي التّلوث وبكسر نصف الجسر لم يكن سوى خارطة التّموقع وتثبيت سجن العَزل....عندها تذّكر أنّ خارطة الهويّة التّي كان يحملها بموقفه لا بجيبه مطمع أغلال العَزل التّي تنسب المواقف العظيمة لخزينة أرشيف النسيان ..

كان يؤمن بعدم الجزع في نواة الهلع ليتيح المجال للرويّة ولكن قانون التّلوّث وجده عاقلا كفاية ليفضح غائيّتة في تعجيز الاختيار فإما العَزل أو السّقوط نحو مخالب الألغام... كان رجلا ومازالت فخاخ الشّهامة تلقّبه بفجيعة الألغام.. كان رجلا جسرا لعبور الانسان ...





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- أنا من تحرّش بي مجتمع الشّرف والفحولة
- تعبدت عارية
- إيمان الحفظ والتلقين سجن للنفس ودمار للعقل
- تحرير الدين من أجل فهم الدين
- أيها الأبله ليس هذا أمل الثورة ولا هكذا يكون الثوار
- أنا تونسية علمانية لست إرهابية ولن أصوت للسبسي
- تونس : اعتذاري لنفسي أمام جبناء النفوس - المعارض محمد مواعدة ...
- داعشي وان كره المسلمون
- مِرساةُ الكون
- لنتحدث عن الله
- سوريا بين مطرقة الأسد و سندان الإرهاب
- حبيسة العشائر
- المرأة العربية لم تنطق بعد
- لا تحدثني عن شرف الأمة
- تونس و مشروع جرائم الشرف الذكورية
- أبحث عن ذكرى فى الذاكرة
- خطيئة على سريري
- الإرهاب صنيعة الدكتاتورية
- البناء العقلاني في معالجة التطرف
- مصر و الحسابات السياسوية


المزيد.....




- دبي السينمائي يعود.. هل تكون السنة الذهبية للأفلام العربية؟ ...
- جائزة البوكر العربية تنظّم ورشة كتابة إبداعية في عُمان
- عاجل..سعد الحريري يتراجع عن استقالته
- وفاة مغني الأوبرا الروسي دميتري خفوروستوفسكي
- وفاة مغني الأوبرا الروسي الشهير دميتري خفوروستوفسكي
- البيئة والبشرية... توأمة تاريخية
- رابطة متفرغي اللبنانية دعت رئاسة الجامعة الى البت بطعون الاس ...
- انعقاد المؤتمر الـ10 لوزراء الثقافة بالدول الإسلامية في الخر ...
- -فوق الحياة قليلا-، و-الحالة دايت-؛ روايتان للروائي والناقد ...
- جائزة ابن خلدون – سنغور للترجمة تختار الدكتور أنور مغيث لجائ ...


المزيد.....

- يوم كان الأمر له كان عظيما... / محمد الحنفي
- التكوين المغترب الفاشل ) أنياب الله إلهكم ) / فري دوم ايزابل Freedom Ezabel
- عندما كان المهدي شعلة... / محمد الحنفي
- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حنان بن عريبية - كان رجلا