أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية













المزيد.....


دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية


أحمد صبحى منصور

الحوار المتمدن-العدد: 4847 - 2015 / 6 / 24 - 20:51
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كتاب : أثر التصوف السياسى فى الدولة المملوكية
الفصل الثالث : أثر التصوف في انهيار الدولة المملوكي
دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية
انهار بناء الدولة المملوكية لتحالفها مع الشاه إسماعيل الصوفي ، وكان متوقعا أن يسارع الصوفية في داخل الدولة إلى نجدتها بحكم تحالفهم معها إلا أنهم على كثرتهم في نهاية العصر لم يقدموا نفعا للدولة في محنتها ، رغم كثرة ما قدمه الغوري وطومان باى في محنتهما من خدمات للصوفية لاستمالتهم وقت الشدة .
وان كان الصوفية في مصر قد تقاعسوا عن نجدة الدولة فان صوفية الشام ـ وحلب خاصة ـ تعاونوا مع العثمانيين ضد مصلحة الدولة الشرعية .. وسيتعرض البحث لتفصيل ذلك كالآتي :ـ
أ‌) ـ جهود الغوري في استمالة الصوفية :ـ
1ـ وصف ابن إياس آخر مولد نبوي أقامه الغوري للصوفية في مصر بأنه ( كان مشهودا وأبهج مما تقدم من الموالد الماضية، وأوسع في زينة الشرابخانة أكثر من كل سنة ) ، وقبل ذهابه الأخير أقام الغوري في خانقاه سرياقوس يوما وليلة بين الصوفية ، وكان قد زار قبل ذلك أضرحة الشافعي والليث وتصدق في الصوفية هناك ، بل أن جهد الغوري في استمالة الصوفية وصل إلى حد تقبيل يد الصوفي ابن عنان على مرأى من الشعراني . القائل (.. وطلعت مرة مع سيدي أبى الحسن الغمري للسلطان الغوري في شفاعة فقام للشيخ وعضده من تحت إبطه وقال يا سيدي عززتني في هذا النهار فأنني ومملكتي كلها لا تفي حق طريقك .
2ـ وفى حلب تابع الغوري سياسته في استمالة الصوفية بها ( فقرأ ختمة في الميدان الكبير بحلب حضرها الخليفة والقضاة ومشايخ الزوايا، وانعم على مشايخ الزوايا، لكل واحد منهم بخمسين دينارا، وانعم على الفقراء الذين سافروا صحبته ، لكل واحد منهم بعشرة دنانير، وأنعم على الفقراء الذين حضروا هذا الختم من فقراء حلب وغيرها ، لكل واحد منهم بخمسة دنانير ) .
ب) الصوفية المصريون مع الغوري في مرج دابق : ـ
1ـ اصطحب الغوري معه أعيان الصوفية المصريين رغم أنوفهم فحين عرض على خليفة البدوي الصحبة ( تعلل وأظهر أنه ضعيف ولا يقدر يسافر، فحنق منه السلطان، وألزمه بالسفر ولم يقبل له عذرا ) على حد قول ابن إياس ..وهكذا اصطحب الغوري معه ( السادة الأشراف القادرية والخلفاء الصوفية وابن شيخ مشهد السيدة نفيسة ). . ووصل الغوري بحشوده العسكرية والصوفية إلى الشام. وشاهد المؤرخ الشامي ابن طولون مشايخ المتصوفة مع الغوري وذكر أسماءهم .
2ـ واكتسب جيش الغوري المظهر الصوفي في معركة مرج دابق ، وذلك بترتيب الغوري نفسه، فجعل حوله أربعين مصحفا ( في أكياس حرير اصفر على رءوس جماعة أشراف . وكان حول السلطان جماعة من الفقراء ، وهم خليفة البدوي ومعه أعلام حمر ، والأشراف القادرية ومعهم أعلام خضر، وخليفة الرفاعي ومعه أعلام صفر. والشيخ عفيف الدين خادم السيدة نفيسة بأعلام سود ) فكان المنظر أقرب ما يكون إلى موكب المولد النبوي ، وحين هزم الغوري وهرب من حوله ( التفت للفقراء والمشايخ الذين حوله وقال له ادعوا الله تعالى بالنصر فهذا وقت دعاكم .. وفقد المصحف العثماني وأعلام الفقراء وصناجق الأمراء ) ..
وبعد تمام الهزيمة زجر السلطان سليم القضاة لأنهم لم يوجهوا سلطانهم التوجيه الصحيح، وأمر بقتل حملة الأعلام والمصاحف ومشايخ الطرق الصوفية ..
صوفية الشام بين الغوري والعثمانيين
1ـ قام بعضهم بمساندة العثمانيين في الشام بالرغم مما بذله الغوري لهم في حلب ، فقد أرسل صوفيتها إلى سليم يعرضون عليه الولاء والطاعة قبل حدوث المعركة ويقولون :( أن تخليصنا من يد الجراكسة بمثابة خلاص لنا من يد الكفار ) ،ويطمئنونه على ولائهم إذا دخل حلب، ويتعهدون بالوقوف إلى جانبه إذا هاجمه الغوري .. وقابل وفد منهم السلطان سليم، وسلموه مفتاح المدينة، فسلّمت جميع توابع المدينة ..
2ـ هذا في الوقت الذي نشط فيه الصوفية الأعاجم للتجسس لصالح العثمانيين ، فورد في رسالة سرية من حاكم الرها إلى سلطانه سليم (.. جاء إلى عبدكم أيضا رجل كردى يدعى الشيخ أحمد .. وحلف اليمين سرا ثم قال .. أن القزلباش سيعاونون السلطان المملوكي في الاستيلاء على القلعة، ويعتقد أهالي هذه القلعة أن السلطان المملوكي سيأتي إلى حلب، ثم يبعث برجل إلى القلعة، وفى هذه الحالة يسلمونها له ..ويجيب الشيخ أحمد على ذلك قائلا أنى أرى في هذه الحالة أنه من الواجب القبض على الرجل بسرعة واحتجازه في القلعة .. أرسلت إلى عتبتكم السعيدة الشيخ أحمد المذكور ) .أي أن ذلك الصوفي لم يتجسس فقد وإنما شارك بالرأي .. وبهذا بكّر صوفية حلب بالتعاون مع العثمانيين وجاراهم الصوفية في بقية الشام :ـ
3ـ حيث تم تعاونهم مع العثمانيين على النحو التالي :ـ
أ ـ في بداية المعركة وقف الصوفية الظاهرون مع المنتصر دون تعيين بالاسم وذلك في وقت لم تعرف فيه نتيجة المواجهة يقول ابن طولون ( اجتمع في دمشق القضاة الأربعة والشيخ عبد النبي ومن يلوذ به من المرائين في جامع بنى أمية ، وقرأوا سورة الأنعام ودعوا للسلطان وعسكره و ألسنتهم ناطقة بالدعاء لمن قصده بالخير منهما ) أي دعوا للمنتصر ..
ب ـ وبعد انتصار سليم في مرج دابق بدأ التعاون بينه وبين الصوفية في الشام يأخذ مجراه الطبيعي فذكرت لقاءات غامضة بينهم . يقول الغزي في ترجمة الشيخ البدخشي ( لما فتح السلطان سليم دمشق ذهب إلى بيت الشيخ المذكور مرتين وفى المرة الأولى لم يجر بينهما كلام ) . وأنكر على الشيخ عبد النبي ذهابه مع الصوفية لمقابلة سليم .. ومع ذلك فقد كان سليم حريصا، فلم يجتمع بهم لما يعرفه عنهم من تعاون سابق مع المماليك ، لذا فإن عساكره حينما هاجمت دمشق ( لم يوقروا صغيرا ولا كبيرا ولا أهل القرآن ولا أهل العلم ولا الصوفية ) كما يقول ابن طولون .
جـ ـ وآتت هذه الشدة أكلها، فقدم الصوفية المزيد من المساعدات المعنوية للعثمانيين تقربا لهم فأجاد ( ابن الفرفور في خطبته ،وذكر فيها السبعة الذين يظلهم الله بظله ومنهم الأمام العادل، وطبّق ذلك على ملك الروم مسجعا ، وذكر في الخطبة الثانية نسبه الدعاء له ولقبه بالملك المظفر. وصرح بأنه سلطان الحرمين وقبل الخطبة قرأ مؤذن الجامع عشرا من القرآن وقرأ الحافظ التبريزي عشرا من سورة مريم بصوت لطيف على طريقة العجم )
أى الصوفية الأعاجم . وهكذا نظمت صلاة الجمعة كحفلة نفاق للسلطان العثماني، وبادر ابن الفرفور فلقب سليم بالملك المظفر وأعطاه السلطة على الحرمين . وهذه المبادرة من جانب الصوفية بالدعاء للسلطان سليم في الخطبة والدعاية له كانت مسوغا لمعاملة الصوفية معاملة خاصة، ففرّق العثمانيون بينهم المال الكثير .
دـ ــ وبذلك بدأ التعاون بين الفريقين يأخذ الصورة الجدية العلنية ، فكان الصوفية في الشام خير معين لسليم أثناء حربه مع طومان باي في مصر. يقول ابن طولون ( وردت مطالعة من نقيب الجيش إلى الشيخ عبد النبي بالإنكار عليه لمساعدة العثمانيين وتأييد ملكهم مع كونه خارجيا ) ..
وفى هذا الوقت بدأت منامتهم الصوفية تأخذ مكانها كسلاح دعائي مع العثمانيين ، فأخبر ثلاثة منهم بأنهم رأوا النبي عليه السلام في المنام يأمرهم أن يذهبوا إلى ابن الكيال الواعظ ليجمع الناس ويدعوا للسلطان المظفر سليم بن عثمان ، ثم يتوجهوا بعد ذلك الواعظ ابن عراق و يفعلوا نفس الشيء: ( وغلب على رأى العقلاء أن هذه الرؤية مصطنعة من ابن الكيال وأنه بذل للرائين دراهم في مقابلة ذلك ) على حد قول ابن طولون .. . والمهم أن الرؤيا المزعومة تحبذ جمع الناس أي تعقد اجتماعا عاما في مكانين مختلفين لتأييد العثمانيين بحجة أن النبي يأمر بذلك ..
وفى منام آخر يصف الصوفي سليما بأنه ( هذا الملك قد نُصر بالرعب مسيرة شهر، فأخذ الرائى العجب ، وقال أن هذا مخصوص بسيد العرب والعجم فلولا أنه على قدم الرسول ما أعطى هذا الأمر المهول ولا مانع من ذلك ، إذ الكرامة في حق الأولياء معجزة للأنبياء كما حققه الرائي في منامه ) أي جعلوا من سليم وليا على قدم الرسول عليه السلام ينصر بالرعب مسيرة شهر حسب الحديث المشهور فى البخارى.
هـ ـ وأشيع في الشام هزيمة العثمانيين في مصر ، فتشجع أتباع المماليك في الشام ، فتصدى لهم الصوفية بالدعوات في المساجد والمنامات ( وتضرعوا أوقات الخلاوات...ثم في غضون ذلك قام رجل صالح بصالحية دمشق خطيبا وأعلن القول بما رآه في سنة الكرى ( أى المنام )ممتثلا أمر المصطفى صلى الله عليه وسلم ومجيب وهو ( أنه قال يا رسول الله الناس في أمر مريج واختلاق باطل وضجيج، فأجابه عليه الصلاة والسلام بأن السلطان ابن عثمان ملك مصر والقاهرة، وأمره أن يشهر هذا في الخطبة على رءوس الأشهاد ويذكره . فلما قرر الخطيب ما أمره به كثر اللغط من الشياطين عليه .. ) ( .. وكانت الرؤيا الصالحة ردعا للمفسدين . ثم في الليلة الثالثة رأى رجلا آخر موسوما بالصلاح ... النبي المختار فقال له مثل ما قال للرائي الأول وسأله أحقا ما يقول الخطيب عنك يا نبي الله قال نعم وعليه المعول ...
وما نطق به بعض المجاذيب والأولياء أبلغ نهاية من أن تستقصى ) ..
هذا ما أورده اللخمي في سيرة سليم مؤيدا له ولأتباعه. ونستشف مما قاله أن الصوفية في الشام في هذه المرحلة أظهروا تأييدهم علنا للسلطان سليم في وقت لم يتأكدوا من نتيجة معاركه في مصر. وتلك ظاهرة غير عادية في التحرك الصوفي . كما يظهر من كتابات اللخمي وجود أنصار للمماليك في الشام يصفهم بقوله الشياطين ـ إلا أن جهدهم لم يثمر في مواجهة تلك الدعاية المنظمة من الصوفية والتي تبدوا واضحة بتأييد المنامات بعضها للبعض ..
( ب ) طومان باي واستمالة الصوفية : ـ
1ـ ( في مصر ) راحت جهود طومان باى عبثا في استمالة الصوفية مذ كان أميرا للغيبة والغوري في مرج دابق( فتصدق الأمير الداودار طومان باى في مصر على الفقراء بمبلغ له صورة ، ورسم بقراءة ختمات في جميع الأسواق للدعاء للسلطان بالنصر ) وبعد توليه السلطنة جعل للصوفية في مصر النفوذ الأكبر في أيامه القليلة ـ ومع ذلك رتبوا أمورهم للتعامل مع العثمانيين ..
2 ـ بعد مقتل الغوري ( ظلت البلاد بدون سلطان نحو خمسين يوما، فلما دخل الأمراء للقاهرة اجتمعوا على تولية طومان باى ،فامتنع ،فاستعانوا بالشيخ أبى السعود الجارحى ، فحلفهم على المصحف بألا يخونوه ويرضون بقوله وفعله ، ثم حلفهم على ألا يظلموا الرعية .. فحلفوا على ذلك ) يقول باحث : ( ولهذا الحادث دلالاته من حيث إيثار الجارحى على شيخ الإسلام ومفتى الديار وفقهاء المذاهب وسائر العلماء) ..
3ـ ولقد مارس الصوفي أبو السعود الجارحى نفوذه كما يتمنى ؛ فقد وقع خلاف بين الزيني بركات المحتسب وبين أحد الدلالين ، واستجار الأخير بالشيخ الجارحى، فشفع فيه، فلم يقبل شفاعته، فأرسل الشيخ للمحتسب فحضر ووبخه وقال له :( يا كلب.!.. كم تظلم المسلمين، فحنق منه المحتسب، فقام . فأمر الشيخ بكشف رأسه وضربه بالنعال حتى كاد يهلك ، ثم أرسل للأمير علان الداودار الكبير ، وأمره بأن يضعه في الحديد ويشاور السلطان عليه .. فأشار السلطان بأن يعمل فيه الشيخ ما يرى .. فأمر الشيخ بإشهاره في القاهرة ثم بشنقه على باب زويلة فأخرجوه من زاوية الشيخ وهو ماش مكشوف الرأس وهو في الحديد وهم ينادون عليه . ثم عاود الشيخ في أمره بأن عليه مالا للسلطان ومتى شنق ضاع على السلطان ماله ، فعفا الشيخ عنه من القتل )
وقد تعجب ابن إياس من فعل الشيخ مع ابن موسى المحتسب. وأنكروا على الشيخ الجارحى فأطلق المحتسب من الاعتقال ( وأظهر أنه قد رضي عليه ) وصار الشيخ ( يتصرف في أمور المملكة عزل وولاية )
4 ـ ولم يترك طومان باى وسيلة لإرضاء المتصوفة إلا وبذلها ، وقد رأى الشعراني بعينه السلطان طومان باى يقبل بفمه رجل الشيخ محمد عنان والشيخ ( ماد رجله لم يضمها ) وعندما غرق الشيخ ابن الكركى تردد طومان باى إلى بيته وذهب ماشيا إلى جنازته ، واخلع طومان باى على ابن خليفة احمد البدوي الذي قتله سليم ( فقرره عوضا عن أبيه في الخلافة، فنزل من القلعة في موكب حافل وعلى رأسه الأعلام وقدامه سائر الفقراء في الزوايا والمزارات بالقرافة وغيرها ،وفرّق عليهم القمح، لكل زاوية خمسة أرادب ، وقرأ عدة ختمات في المزارات ) .
واستجداء معونة المتصوفة لم يقتصر على السلطان بل تعده إلى أعيان الناس ( وقد نقل أعيان الناس قماشهم إلى التراب وإلى المدارس والزوايا والمزارات وإلى بيوت العوام ) .
5 ـ وكانت المؤسسات الصوفية مسرح العمليات العسكرية بين المماليك والعثمانيين حيث لجأ إليها جند المماليك كمستجيرين. وقد هجم العثمانيون على زاوية الشيخ عماد الدين وقبضوا على المماليك المختبئين فيها ، واحرق العثمانيون البيوت التي حول الزاوية، ونهبوا قناديلها ، والحصر التي فيها. وبعد هزيمة طومان باى فى الريدانية( مكانها الآن مدينة نصر ): ( شرعت العثمانية تقبض على المماليك الجراكسة من الترب ) أما طومان باى فقد( نزل في جامع شيخو وصار يكرُّ من الصليبية إلى قناطر السباع .. في ذلك الوقت طلعت طائفة من العثمانيين من على القرافة الكبيرة وملكوا من باب القرافة إلى مشهد السيدة نفيسة، فدخلوا إلى ضريحها، وداسوا على قبرها، واخذوا قناديلها الفضية والشمع الذي كان عندها وبسط الزاوية، وقتلوا في مقامها جماعة من المماليك ) . ثم هاجم العثمانيون الصليبة واحرقوا جامع شيخو الذي احتمى به طومان باى .. ثم صاروا يهاجمون الجوامع ليأخذوا منها المماليك ( فهجموا على جامع الأزهر وجامع الحاكم وجامع ابن طولون وغير ذلك من الجوامع والمدارس والمزارات ويقتلون من فيها من المماليك )
واستعذب العثمانيون نهب الأضرحة: ( وبعد الأمان هجم العثمانيون على مقام الإمام الشافعي ونهبوا ما فيه من البسط ومن القناديل في حجة (قتل) المماليك الجراكسة، وكذلك مقام الإمام الليث )
ومن الطبيعي أن تكون هزيمة المماليك هزيمة للمتصوفة المصريين فالمولد النبوي ( لم يشعر به أحدا من الناس وبطل ما كان يعمل في ذلك اليوم ،وما كان يحصل من الشقق ( القماش ) والأنعام في تلك الليلة فبطل ذلك جميعه ، وأشيع أن ابن عثمان لما طلع إلى القلعة وعرض الحواصل التي بها فرأى خيمة المولد فأباعها للمغاربة بأربعمائة دينار ) .. ومن الطبيعي أن يتدارك الصوفية في مصر وضعهم فيعملوا على خطب ود السلطة الجديدة حتى لا تعتبرهم أعداء لها . وذلك يستحق وقفة فيما بعد .
6ـ وهناك أثر صوفي غير مباشر في انهيار قوة المماليك أمام العثمانيين ، ونعنى به ضعف مدفعية المماليك بالمقارنة بالمدفعية العثمانية التي حسمت المعركة لصالح العثمانيين ، فقد زرع سليم مقدمة جيشه بالمدفعية وحماها بمتاريس من العربات . ولعبت هذه المدفعية دورها حين اجبر المماليك العثمانيين على الفرار مخلفين ورائهم الغنائم فانشغل المماليك بجمع الأسلاب، فحصدتهم المدفعية العثمانية وأحدثت ارتباكا في صفوفهم مكن العثمانيين من إعادة تنظيم صفوفهم . ولقد عزا معظم المؤرخين النصر العثماني إلى المدفعية التي كانوا يمتلكونها ، فقد بلغت ما بين ( 300: 500) مدفع بينما كان المماليك لا يقتنون منها شيئا ، ولم يحاول المماليك الاستفادة من استعمال العثمانيين للمدافع بمهارة في حربهم مع حسن الطويل ومع الصفويين مع ما أسفرت عنه من نتائج حاسمة ، وكان لدى المماليك الوقت الكافي للاستفادة منها بتطوير جيوشهم وتنظيمها .
ولم يكن الجيش المملوكي ضعيفا وإلا ما كان سعيه إلى حلب مهددا للعثمانيين. وقد سبق لهذا الجيش أن هزم العثمانيين ـ إلا أن الظروف الحربية تغيرت بظهور المدفعية كاتجاهات متطورة ادخلها العثمانيون بينما تمسك المماليك ـــــ بدافع التقليد الذي أشاعه التصوف ــــــــ بالأسلحة التقليدية واعرضوا عن التطوير الحربي .. وعندما اسر سليم طومان باى قال له الأخير محتجا ( لما أن عجزوا عن ملاقاة عساكر الإسلام جيت بهذه الحيلة التي تحيلت بها الإفرنج التي لو رمت بها المرأة قتلت .. وكذلك نحن قوم لا نترك سنة نبينا وهو الجهاد في سبيل الله تعالى بالسيف ، وقد جانا بهذه البندقية واحد مغربي للسلطان الغوري وأخبره بأن هذه البندقية ظهرت من بلاد البندقية فجربها وقال للمغربي نحن لا نترك سنة نبينا ونتبع سنة النصارى ) ..فالغورى وطومان باى يعبران عن الحياة العقلية في العصر المملوكي والتي أرهقها التصوف بالتقليد والجمود بدعوة التمسح بالدين .
جـ ـ سياسة المتصوفة مع العثمانيين بعد انهيار الحكم المملوكي
وضح من تتبع علاقة العثمانيين بصوفية حلب أن العثمانيين احتاجوا وقتا ليتأكدوا من إخلاص الصوفية في حلب لهم مع ما قدمه أولئك لهم من خدمات ، وحتى جاء الوقت الذي اقتنع فيه العثمانيون بصدق إخلاص أولئك الصوفية قاسى الكثيرون من غلظة العثمانيين الفاتحين الذين لم يوقروا صغيرا ولا كبيرا ولا أهل العلم ولا الصوفية ) كما قال ابن طولون سابقا .
والأمر هنا في مصر سيكون أصعب بالنسبة لصوفيتها ، فهم أكثر التصاقا بالحكم المملوكي البائد، وما مرأى الغوري والصوفية حوله عن السلطان العثماني ببعيد ودماؤهم في مرج دابق لم تجف بعد . والمنتظر أن يعامل الفاتحون الجدد الصوفية بإرهاب يعبر عنه الشعراني :ـ بقوله ( اخذ علينا العهود إذا عملنا مشايخ على فقراء في زاوية أو على خرقة من الخرق المشهورة أن نفرّ من طريق الناموس جهدنا، ولا نمكن أحدا من الفقراء يقف بين أيدينا غاضا طرفه كما يقف في الصلاة ، ولو أن ذلك كان من عادة ذلك الفقير مع شيخ قبلنا فنأمره بأن يخالف عادته إذا حضر ، لأن هذه الأمور لا تناسب فقيرا ، وربما جره ذلك إلى النفي من بلده كما وقع للشيخ أويس بالشام والشيخ على الكارزوني بحلب ... والقانون العثماني أن كل من تظاهر بصفات الملوك وعارض أركان الدولة فيما يفعلونه يحبسونه أو ينفونه لخوفهم أن تكثر أشياعه فينازع السلطان في مملكته. نسأل الله اللطف..!! )
ولم يكن منتظرا في جو الإرهاب هذا أن يخالف شيخ صوفي القانون العثماني فيكثر أتباعه ويعظم نفوذه كما حدث في الدولة المملوكية ، وإنما انحصر جهد الصوفية المخضرمين ـــــ ممن حضروا الدولتين ــــ في التقرب للعثمانيين بادعاء كراهيتهم للغوري ودولته وأن إزالة ملكه كان بتأثير دعواتهم وكرامتهم التي صوروا فيها الغوري ظالما تاركا للجهاد ، فالشعراني نسب كرامة لابن عنان أنقذ بها الشريف بركات من انتقام الغوري وأن الغوري حين سافر لحرب سليم جاء الشيخ الزواوي القاهرة ليرد ابن عثمان عن مصر ( فعارضه الأولياء وأخذه البطن ومات في الطريق ) ، ونقلت المراجع العثمانية هذه الأسطورة دليلا على تصديقها وما توحي به من ميل صوفية مصر للعثمانيين وما فيها من توافق بين موت الزواوي وتاريخ الفتح لمصر .
ونسبوا للشيخ الديروطي أنه (حطّ على الغوري في ترك الجهاد وعنفه ، وما رؤى أعزمن الشيخ في هذا المجلس ولا أذلّ من السلطان فيه )
ونسب للصوفي ابن أبى شريف أنه ( عارض الغوري في واقعة فما أفلح الغوري بعده، وسُلب ملكة، وكان الناس يقولون جميع ما وقع للغوري ببركته ) .
وادعى آخرون منامات رأوا فيها الملائكة يكنسون بأيديهم الجراكسة من ارض مصر ، وتناقلت المراجع العثمانية المخضرمة حكاية الصوفي الذي ظلمه جندي من جنود الغوري فدعا على الجندي وعلى سلطانه وأن تلك الدعوة كانت سبب انهيار ملك الغوري بعد قليل .
ولم يتورع بعضهم عن إسناد علم الغيب لنفسه أو لأشياخه خاصة أولئك الذين ماتوا إبان الفتح العثماني أثناء المعارك وأكثرهم من المجاذيب نسبوا إليهم الأخبار مسبقا بأخذ سليم لمصر مع أن الغيب لا يعلمه إلا الله جل وعلا ..
وتزلف آخرون للعثمانيين بشتى الطرق فيقول الشعراني مثلا ( وما رأيت أحدا من علماء الشرع يفتش على ما أندرس من معالم أخلاق الشريعة المحمدية نصرة لرسول الله عليه السلام كما فعل جماعة مولانا السلطان نصرة الله ) .
واستجاب العثمانيين له بعدئذ خاصة وقد استتب لهم الأمر ، وإن اخذوا منهم حذرهم. ويذكر أن السلطان سليم قد اصطحب معه إلى استانبول كثيرا من الطوائف قضاة وعلماء وحرفيين وغيرهم دون الصوفية وأشياخ الطرق.
ومع ذلك بدأت أواصر التعاون بين الفريقين تأخذ مجراها تمشيا مع السياسة العثمانية في الاعتماد على نفوذ العصبيات المحلية وعدم التأثير والتأثر بالظروف الداخلية للدول المفتوحة، فسار دولاب الحكم المصري فى ( مصر العثمانية ) بدون تغيير هام يذكر في الشئون الداخلية، سوى وجود الوالى العثمانى ودفع الجزية والحامية العثمانية ، وظل المماليك يحكمون مصر داخليا تحت السيطرة العثمانية. وفى هذا ..واستمر نفوذ بعض الصوفية كالشيخ ابن الصعيدي ( شيخ إشارة الأحمدية الذي كان مقبول الشفاعة في الدولتين مسموع الكلمة عند ملك الأمراء ( خايربك ) فمن دونه ) .
ووضع سليم حجر الأساس لهذه السياسة حين أمر قبل سفره ( بإحضار ألف رأس من الغنم ومائة جمل ومائة بقرة وأمر بها أن تفرق على مجاوري الجوامع والمساجد والزوايا ومزارات الصالحين التي بالقرافة وغيرها من المزارات المشهورة حتى على أبواب ترب السلاطين ) ...





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,556,864,739
- ف 3 : دور الصوفية في انهيار الدولة المملوكية من الخارج
- : المماليك يقيمون للصوفية العمائر الدينية
- إسلاميا : لا يجوز عقاب من يفطر علنا فى رمضان
- ف 2 : استغلال الصوفية نفوذهم السياسي ضد النصارى
- ف2 استغلال الصوفية نفوذهم السياسي في إضطهاد الفقهاء السنيين
- انغماس الصوفية في الفتن السياسية
- ف 2 : التصوف طريق للوصول للمناصب والنفوذ في السياسة المملوكي ...
- هل ( ينسى ) رب العزة ؟.. جلّ وعلا .!!
- الزبالة
- هذا الأب السلفى ..( ... ) .. !!
- رشاد خليفة رسول الميثاق ... الأمريكى
- القاموس القرآنى : حصر ( من الحصار )
- ف 1: استفادة المماليك من تأييد الصوفية لظلمهم : الصوفية حُما ...
- ف 1 إستغلال المماليك للصوفية ومؤسساتهم سياسيا
- ف1 : استغلال التكفير كسلاح سياسي وتصوف المماليك عند الشدّة
- ف 1 : دور الصوفية في قيام الدولة المملوكية البحرية ثم البرجي ...
- رأيت هذا المنام .. فهل هو أضغاث أحلام ؟؟!! هل إقترب سقوط آل ...
- تمهيد : كتاب (أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية )
- الخازوق الذى يجلس عليه المحمديون : حديث ( إنما الأعمال بالني ...
- كتاب (أثر التصوف السياسي في الدولة المملوكية ) فكرة عن الكتا ...


المزيد.....




- وزير الخارجية القطري: لا ندعم الإخوان المسلمين ولا جبهة النص ...
- كاميرا للتعرف على الوجوه عند مداخل المساجد في الصين
- أحكام بالسجن بين 20 و30 عاما بحق المتهمات في قضية السيارة ال ...
- -لا أعلم أين هو-... حفتر يكشف موقفه من ترشح سيف الإسلام القذ ...
- فرنسا.. أحكام مطوّلة ومؤبد لأربع مدانات ومدان بالشروع في تفج ...
- عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى بحجة الأعياد اليهودية
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- إنقاذ مئات الطلاب بعد تعرضهم للتعذيب والاعتداء الجنسي بمدرسة ...
- نيجيريا: إنقاذ 300 شاب تعرضوا للتعذيب في مدرسة إسلامية
- نيجيريا.. إنقاذ مئات الطلاب من مدرسة إسلامية تحولت لسجن تعذي ...


المزيد.....

- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي
- ديكارت في مواجهة الإخوان / سامح عسكر
- الاسلام الوهابى وتراث العفاريت / هشام حتاته
- قراءات في كتاب رأس المال. اطلالة على مفهوم القيمة / عيسى ربضي
- ما هي السلفية الوهابية ؟ وما الفرق بينها وبين الإسلام ؟ عرض ... / إسلام بحيري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - أحمد صبحى منصور - دور المتصوفة في الداخل وقت انهيار الدولة المملوكية