أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام روحانا - كيف يتكلم التابع؟؛ مقابلة مع فيفك تشيبر















المزيد.....

كيف يتكلم التابع؟؛ مقابلة مع فيفك تشيبر


هشام روحانا
الحوار المتمدن-العدد: 4843 - 2015 / 6 / 20 - 10:30
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    



ترجمة واعداد هشام روحانا


تشيبر: المنهجية الاكثر قابلية لفهم خصوصيات الشرق تستند الى الماركسية وتقاليد عصر الانوار وليس الى النظرية الما بعد كولونيالية



•هذا الجزء الثاني من ترجمة المقابلة التي اجرتها الدورية اليسارية الامريكية "Jacobin " في عدد نيسان 2013 مع استاذ العلوم الاجتماعية فيفيك تشيبر (VivekChibber) حول كتابه "النظرية الما بعد كولونيالية وشبح رأس المال" الصادر عام 2013 من دار النشر "Verso". والذي خصصه لنقد دراسات التابع، كتيار داخل ما بات يعرف بالنظرية الما بعد كولونيالية. ولقد اثار الكتاب الكثير من النقد والتقريظ وردود الفعل والردود عليها في الاكاديميا وداخل حركات اليسار الناطقة بالإنجليزية (هشام روحانا).



•منذ مطلع القرن العشرين فإن الماركسية كنظرية ذات منشأ اوروبي هي نظرية التغيير الاجتماعي الوحيدة التي تعاملت بشكل منهجي مع الخصوصيات المُمَيِّزة للشرق. ومن أكثر الحقائق المثيرة للدهشة أن النظرية الما بعد كولونيالية تتجاهل هذا الامر. فبدءًا من الثورة الروسية عام 1905 ومرورا بثورة 1917 (ثورة أكتوبر الاشتراكية) ومن ثم الثورة الصينية وحركات التحرر من الاستعمار الافريقية ومنظمات حرب الانصار في امريكا اللاتينية - فجميع هذه الثورات والانتفاضات اجتهدت محاولة التعامل بما يستند على خصوصيات النظام الرأسمالي خارج أوروبا





*أليس بمقدور البعض أن يرد عليك بالقول انك تصادق على شكل من اشكال الجوهرانية عندما تعزو منطقا مشتركا لفاعلين مختلفين في سياقات مختلفة؟


- فيفك تشيبر: حسنًا، إنها ليست جوهرانية، فأنا أُقِر رؤيةً تدعي وجودَ مصالح واحتياجات مشتركة عابرة للحضارات. هنالك بعض النواحي في الطبيعة الانسانية التي ليست الحضارة هي منشأها، الحضارة تقوم بصياغتها وقولبتها لكنها لا تخلقها. انني أرى أنه وبالرغم من الاختلافات الحضارية العظيمة ما بين الشرق والغرب فإن مجموعة اساسية من القضايا هي مشتركة لدى جميع الناس، سواء في مصر أو الهند أو مانشستر او نيويورك. انها ليست كثيرة العدد لكننا نستطيع تعداد بعضها؛ هنالك الانشغال بالصحة الجسدية، وهنالك على الارجح أيضا الانشغال بالتمتع بحد مقبول من الاستقلال الذاتي وتقرير المصير، وهنالك الانشغال بتلك الممارسات التي تؤثر بشكل مباشر على الرفاهية الشخصية. ليس هذا بالكثير ولكنك ستذهل عندما تجد أن هذه الامور ستساعدك على تفسير تحولات تاريخية مهمة.
على مدار القرنين الماضيين قام كل من يسمي نفسه تقدميا بضم هذه الامور ضمن القيم العامة المشتركة. وكان من المفهوم ضمنا أن ما يوحد العمال أو الفلاحين من مختلف القوميات هو أنهم يتشاركون مصالح مادية محددة. الا أن هذا الامر بات موضع مساءلة من قبل "دراسات التابع"، ومن اللافت للنظر حقا كثرة الاشخاص في اليسار، الذين قبلوا هذا. وما يستدعي المزيد من الدهشة هو أن هذا الامر ما زال مقبولا في حين اننا نشاهد في العقدين الاخيرين نشوء حركات عالمية عابرة للحضارات والقوميات ضد الليبرالية الجديدة (Neoliberalism)، ضد الرأسمالية. ولكن أن تجرؤ في الجامعات على القول بأن الناس من حضارات مختلفة يتشاركون نفس الهموم فإنك سوف توصم بأنك أوروبي التمركز. هذا أمر يظهر لأي مستوى انحدرت الثقافة السياسية والفكرية في العقود الاخيرة.

* بما أنك تدعي بأن النظام الرأسمالي لا يتطلب بالضرورة وجود ليبرالية برجوازية، وبأن الطبقة البرجوازية لم تقم بدور تاريخي في قيادة النضال الشعبي من أجل الديمقراطية في العالم الغربي، فكيف تفسر إذًا وجود الديمقراطية والليبرالية في الغرب بينما لم تسر الامور على هذا النحو في عدد كبير من بلدان ما بعد الاستعمار؟


- فيفك تشيبر:هذا سؤال على جانب عظيم من الاهمية. من اللافت للنظر أن "جوها" عندما كتب نصه الاصلي فيما يخص برنامج عمل "دراسات التابع" فإنه عزا فشل لبرلة الشرق الى فشل برجوازياته. لكنه اشار الى امكانية تاريخية أخرى، وتحديدا الى حركات استقلال، في الهند أو في بلاد أخرى، كان من الممكن أن تقودها طبقات شعبية كانت لربما تستطيع دفع الامور في اتجاه مختلف ولربما كانت قد انتجت نظاما سياسيا مختلفا. انه يقوم بطرح هذا الموضوع الى المقدمة ثم ينساه تماما على مدار اعماله فيما بعد.
إنه طريق لو كان سلكه"جوها"- ولو كان سار فيه بشكل جدي- لكان قد قاده الى فهم أكثر دقة لما قد جرى حقا في الغرب وليس فقط في الشرق. ووقائع ما حدث في الغرب تدل على أنه عندما تكوّن في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين هذا النظام الديمقراطي، التوافقي والذي يشمل الجميع فإنه تكوّن ببطء ولم يكن هبة منحتها الطبقة الرأسمالية. بل كان هذا محصلة نضالات عينية طويلة جدا لفئات من العمال والمزارعين والفلاحين، وبكلمات أخرى تم تحصيله بالنضال من الاسفل.
لقد فات "جوها" وأترابه هذا الامر بالكامل، فاتهم هذا لأنهم أصروا على النظر الى النظام الليبرالي بوصفه انجازا يخص الطبقة الرأسمالية. ولأنهم صوروا الامر بشكل مغلوط في الغرب فإنهم أساؤوا تشخيص فشله في الشرق. لقد عزوا فشله في الشرق الى خلل في الطبقة البرجوازية.
والآن فيما اذا رغبت بإجراء دراسة تاريخية دقيقة لتفسير وهن الديمقراطية في مؤسسات الشرق وميلها نحو الاستبداد، فالجواب ليست له علاقة بخلل ما في البرجوازية، بل له علاقة بضعف الحركة العمالية ووهن تنظيمات الفلاحين وبالأحزاب التي تمثل هذه الطبقات. وضعف هذه القوى السياسية وقصورها دون أن تستطيع تهذيب الطبقة الرأسمالية هو الجواب على السؤال الذي تطرحه "دراسات التابع". والسؤال هو: "لماذا تختلف الثقافة السياسية في الجنوب اختلافا كبيرا عن الثقافة السياسية في الغرب؟" علينا أن نبحث عن الاجابة هنا؛ في حركية التنظيمات والمنظمات الشعبية وأحزابها وليس في قصور متوهم للطبقة الرأسمالية التي لم تكن في الشرق أكثر استبدادا وأوليجاركية مما كانت في الغرب.

* من الواضح أنك لاذع تماما في نقدك للنظرية الما بعد كولونيالية. ولكن أليس هنالك أمر ما شرعي وذو قيمة في انتقاداتك التي توجهها للنظام الما بعد كولونيالي؟


فيفك تشيبر: نعم هنالك أهمية ما، وخصوصا أعمال"جوها". ففي جميع أعماله وخصوصا في "سيطرة بلا هيمنة" (Dominance Without Hegemony)، هنالك كما اعتقد نقد مرحب به وإدانة عامة للقوى المسيطرة في الهند. وهذا يشكل بديلا ايجابيا هائلا للكتابة التاريخية القومية التي احتلت مقدمة المسرح لعقود من الزمن في بلد كالهند، حيث تم النظر الى قادة حركة الاستقلال لا أقل من النظر الى مخلص منتظر. إن ما يصر عليه "جوها" بأن هذه القيادة لم تشكل الخلاص بل كانت في حقيقة الامر مسؤولة عن العديد من مواطن ضعف النظام الما بعد كولونيالي، هو أمر يجب المصادقة عليه والترحاب به. الا أن المسألة ليست في توصيفه للنظام الما بعد كولونيالي بل في تشخيصه لمصادر القصور والخلل ولكيفية معالجتها. وأنا في نفس المركب مع "جوها" في النقد الذي يوجهه للنخبة وأتباعها. لكن المشكلة هي في أن تحليلاته المغلوطة تقف في وجه النقد والفعل الملائم إزاء هذا النظام.

* ماذا بشأن بارثا تشترجي؟ ألا تقدم أعماله نقدا جديا للوضع الما بعد كولونيالي في الهند؟


- فيفك تشيبر: نعم، في بعض جوانبها. في جانبها الوصفي بالتأكيد، فأعمال"تشترجي" كأعمال "جوها" تُظهر ضيق أفق القيادة القومية و إخلاصها لمصالح النخبة وريبتها من الحراك الشعبي، يجب الجهر بهذا. لكن الاشكالية ليست هنا، بل في التشخيص. في حالة "تشترجي" فإن فشل حركة التحرر الهندية يُعزى لقيادتها التي ذوتت روحية محددة، هذه الروحية والتوجه اللذان أتيا مع التحديث والحداثة (Modernization and Modernism). فبالنسبة لـ "تشترجي" تكمن المشكلة لدى نهرو أنه تبنى بسرعة موقفا تحديثيا تجاه الاقتصاد السياسي. وبكلمات أخرى، في أنَّ نهرو وضع جُل الاهتمام على التوجه العلمي والتخطيط العقلاني والتنظيم وهذا هو من وجهة نظره السبب الرئيس "لحالة الخضوع" التي تعاني منها الهند على مستوى النظام العالمي.
من المقبول الادعاء بأن نهرو كان مَقودا بمجموعة ضيقة من الاهتمامات، لكن أن يحدد السبب الاعمق لنزعاته المحافظة لكونه قد تبنى التحديث ووجهة النظر العلمية فإنَّ هذا هو فهم مغلوط لمصدر المشكلة. وفيما اذا كانت المشكلة مع النخبة الما بعد كولونيالية هي أنها تبنت وجهة النظر العلمية والتحديثية فإن السؤال هو: ما هي خطط المنظرين الما بعد كولونياليين للخروج من الأزمة الراهنة- وهي ليست اقتصادية وسياسية فحسب بل ايضا أزمة بيئية- وهل يقولون لنا بأنه يجب ترك العلم، الموضوعية، الوقائع والاهتمام بالتطوير، جانبا؟
لا وجود لمخرج من هذا لدى "تشترجي". لكن ومن وجهة نظري فإن المشكلة لدى نهرو والمؤتمر القومي الهندي ليست انهم تبنوا خطا تحديثيا وعلميا، بل في أنهم ربطوا برامجهم هذه بالنخب الهندية- بطبقة رأس المال وملاك الأراضي- وتركوا جانبا التزاماتهم حيال الحراك الشعبي وفي سعيهم لضبط الطبقات الشعبية وابقائها تحت السيطرة.
وبالرغم من أن خطاب"تشترجي" مزخرف بالنقد الجذري الا أنه في واقع الامر خطاب محافظ جدا، ذلك لأنه يحدد مصدر العلم والموضوعية في الغرب وعندما يقوم بهذا فإنه يصف الشرق بشكل مشابه لما فعلته الأيديولوجيا الاستعمارية. وهو خطاب محافظ لأنه لا يترك لنا وسيلة نستطيع من خلالها بناء نظام أكثر انسانية وعقلانية، لأنك كيفما اردت التوجه- سواء اردت الانتقال من الرأسمالية الى الاشتراكية أو أردت اسباغ طابع أكثر انسانية على النظام الرأسمالي من خلال نوع ما من الديمقراطية الاجتماعية أو أنك اردت معالجة المخاطر البيئية من خلال استخدام مصادر الطبيعة بشكل أكثر عقلانية - ستحتاج ما يطعن به "تشترجي"، ستحتاج الى العلم والعقلانية والى التخطيط وما شابه. وأن تصور هذه الامور على أنها مصدر تهميش الشرق عندها ستكون هذه الرؤية ليست خاطئة فحسب بل محافظة تماما.

* لكن، أليست جذور الماركسية وأفكار عصر النهضة أوروبية التمركز، كما يدعي النقد الما بعد كولونيالي؟


- فيفك تشيبر: حسنا، علينا أن نميز بين شكلين من أشكال التمركز الاوروبي، الأول هو محايد وغير مؤذٍ، ويقول بأن نظرية ما هي أوروبية التمركز لأن قاعدة بياناتها تتأسس على دراسة الوضع في أوروبا. وبهذا المعنى فإن جميع النظريات الغربية التي نعرفها والتي ظهرت لغاية أواخر القرن التاسع عشر استقت معطياتها و معلوماتها بالأساس الاعم من أوروبا، وسبب هذا هو تخلف الدراسات العلمية والأنثروبولوجية والدراسات التاريخية في الشرق. بهذا المعنى نعم هي أوروبية التمركز.
وهذا الشكل من التمركز الاوروبي هو محايد مع أنه يُحضِر العديد من الاشكاليات معه، لكن لا يمكننا ادانته على هذا. لكن الشكل الضار من التمركز الاوروبي – هذا الذي يلاحقه منظرو الما بعد كولونيالية- هو عندما يتم اسقاط أحكام المعرفة المتكونة من معطيات وحقائق أوروبية على الشرق، الأمر الذي قد يكون مُضللا. وبالفعل، تدين النظريات الما بعد كولونيالية المنظرين الغربيين ليس فقط لأنهم قاموا بإحلال مفاهيم ومقولات غربية على الشرق بالرغم من أنها قد تكون غير قابلة للتطبيق هنا، بل لأنهم تجاهلوا بانتظام استخدام معطيات متواجدة في متناول اليد لإنتاج نظريات قد تكون أفضل.
واذا ما كنا نتحدث عن الشكل الثاني من التمركز الاوروبي، فنعم، كانت هنالك بعض مكونات النظرية الماركسية التي سقطت ضحية لهذا الشكل من التمركز الاوروبي، لكنك اذا ما درست التاريخ الفعلي لتطور النظرية الماركسية لوجدت أن هذه الحالات نادرة جدا.
ومن الدقة القول إنه ومنذ مطلع القرن العشرين فإن الماركسية كنظرية ذات منشأ اوروبي هي نظرية التغيير الاجتماعي الوحيدة التي تعاملت بشكل منهجي مع الخصوصيات المُمَيِّزة للشرق. وأنه لمن أكثر الحقائق المثيرة للدهشة أن "دراسات التابع" والنظرية الما بعد كولونيالية تتجاهل هذا الامر. فبدءًا من الثورة الروسية عام 1905 ومرورا بثورة 1917 (ثورة أكتوبر الاشتراكية) ومن ثم الثورة الصينية وحركات التحرر من الاستعمار الافريقية ومنظمات حرب الانصار في امريكا اللاتينية - فجميع هذه الثورات والانتفاضات اجتهدت محاولة التعامل بما يستند على خصوصيات النظام الرأسمالي خارج أوروبا.
ونستطيع جرد قائمة بنظريات محددة تفرعت اعتمادا على الماركسية وليس فقط أنها تعاملت تحديدا مع خصوصيات الشرق بل تمثل نقضا للغائية والحتمية التي تُتهم الماركسية بهما من قبل "دراسات التابع": نظرية تروتسكي حول التطور المركب واللامتكافئ ، نظرية لينين حول الامبريالية، نظرية نمط الانتاج الآسيوي والخ الخ. كل واحدة من هذه النظريات هي اعتراف بأن مجتمعات العالم النامي مختلفة عن المجتمعات الاوروبية.
واذا ما كان الهدف هو تسجيل النقاط فإنك تستطيع ان تجد هنا أو هناك نوعا ما من تلكؤ أوروبي التمركز في الماركسية. لكن اذا ما اجريت جردة للحساب فإنك ستجد ان المحصلة هي لصالح الماركسية بشكل كبير جدا، ليس هذا فحسب بل عندما تقارنها مع الاستشراق الذي قامت دراسات التابع بإحيائه، فإن المنهجية الاكثر قابلية لفهم خصوصيات الشرق تستند الى الماركسية وتقاليد عصر الانوار وليس الى النظرية الما بعد كولونيالية.
والمساهمة طويلة الامد لهذه النظرية- أي ما سوف سيتم التعرف به عليها، من وجهة نظري، بعد خمسين عاما من الآن- ستكون انعاشها للثقافة الجوهرانية، وقيامها بدور تصادق من خلاله على الاستشراق، بدل أن تشكل علاجا له.

* كل هذا يستدعي طرح السؤال التالي: لماذا اكتسبت النظرية الما بعد كولونيالية كل هذا الحضور البارز في العقود القليلة الماضية؟ وكيف كان لها أن تحل محل هذه الافكار التي تدافع انت عنها في كتابك؟ فمن الواضح ان النظرية الما بعد كولونيالية احتلت المكان الذي كانت تحتله النظرية الماركسية ونظريات تأثرت بالماركسية، ومن أنها أثرت بشكل واسع على المفكرين اليساريين الناطقين بالانجليزية.


- فيفك تشيبر: من وجهة نظري فإن هذا البروز هو نتيجة لأسباب اجتماعية وتاريخية بحتة؛ ولا يعبر عن قيمة النظرية أو جدارتها، ولهذا قررت كتابة هذا الكتاب. في رأيي أن النظرية الما بعد كولونيالية اشتهرت لأسباب عدة. فبعد هبوط تأثير الحركة العمالية وتحطم اليسار في السبعينيات لم يعد هنالك أيُ مجال في الجامعات لبروز نظرية تركز اهتمامها بالنظام الرأسمالي وبالطبقة العاملة أو بالنضال الطبقي. لقد اشار العديد من الناس الى هذا؛ انه من غير الواقعي، في حالة الجامعات، تصور ظهور أي نقد للنظام الرأسمالي من وجهة نظر طبقية، فيما عدا عن تلك الفترات الزمنية التي يصاحبها اضطراب اجتماعي واسع وانتفاضة اجتماعية.
والسؤال المثير هو ما هو السبب في وجود مثل هذه النظرية التي تُسمي نفسها جذرية في نفس الوقت الذي هي ليست فيه نظرية مناهضة للرأسمالية. باعتقادي ان الامر يعود لسببين: الاول هو التغييرات التي حدثت في الجامعات في العقود الثلاثة الاخيرة إذ لم تعد الجامعات ابراجا عاجية كما اعتادت ان تكون. لقد غدت مؤسسات مفتوحة لجمهور واسع ولمجموعات وفئات كانت مستثناة في الماضي: الاقليات القومية، النساء، مهاجرو دول العالم النامي. هؤلاء اناس عانوا مختلف انواع الاضطهاد ولكنه لم يكن بالضرورة استغلالا على اساس طبقي. ولهذا وجدت وتوجد الآن ايضا قاعدة واسعة لما قد نسميه دراسات المضطهدين وهذا هو نوع من أنواع الراديكالية – وهذا أمر مهم وحقيقي. إنها راديكالية ولكنها في نفس الوقت غير مهتمة بقضايا الصراع الطبقي والبنية الطبقية للمجتمع، أي ما تتعامل معه النظرية الماركسية بالذات.
بالإضافة الى هذا هنالك المسار الذي سارته الانتلجنسيا. فجيل ثورة عام 1968 لم يغد اتجاها سائدا مع تقدمه في السن. البعض استمر بالحفاظ على التزامه بالرديكالية الاخلاقية . لكنهم كالكثيرين توجهوا بعيدا عن الرديكالية الطبقية. وهكذا صار لدينا حراك من الأسفل شكل نوعا من المطالبة بنظرية تتناول الاضطهاد، وحراك من الاعلى يدور بين اساتذة الجامعات الجاهزين لعرض نظريات تخص الاضطهاد. وما ساعدهم على الانتشار ليس تركيزهم على الاضطهاد بل استثناءهم التعامل مع الاضطهاد والاستغلال الطبقي. والنظرية الما بعد كولونيالية ولأنها تستثني النظام الرأسمالي ولأنها تستثني الصراع الطبقي – أي لأنها تقلل من قيمة هذا النوع من الاضطهاد- فإنها كانت ملائمة للعب هذا الدور.

* ماذا سيكون مآل النظرية الما بعد كولونيالية؟ ها تعتقد أنَّها سوف تتلاشى في الاكديميا وداخل اليسار في وقت قريب؟


- فيفك تشيبر: لا، لا اعتقد هذا. لا اعتقد ان النظرية الما بعد كولونيالية مهددة بالإقصاء جانبا، على الاقل ليس في المدى القريب. تظهر النزعات الاكاديمية وتختفي كالموضة، ليس اعتمادا على صلاحية ادعاءاتها، ولا على قيمة مقترحاتها، بل لعلاقات تربطها مع البيئة الاجتماعية والسياسية. وحالة الفوضى السائدة في اليسار وفي الطبقة العاملة والتي هيأت الظروف لازدهار النظرية الما بعد كولونيالية ما زالت قائمة كما كانت. أضف الى هذا أن لهذه النظرية هنالك الآن على الاقل جيلان من الاكاديميين الذين بنوا مستقبلهم المهني بالكامل حولها، وهي تمتلك مجموعة من المجلات والدوريات المخصصة لها، وهنالك جيش من الخريجين الذين يواصلون العمل على برامج ابحاث تتفرع عنها. ومصالحهم المادية مرتبطة بشكل مباشر بنجاح هذه النظرية. وأنك تستطيع أن تستمر بانتقادها ليلا ونهارا، الا اننا لن نرى أي تغير ما لم ينشأ نوع شبيه ما لهذه الحركات التي ظهرت اثناء الحرب العالمية الاولى أو منتصف ستينيات واوائل سبعينيات القرن الماضي والتي واصلت مسيرة الماركسية. وفي حقيقة الامر فإنك لن تشاهد سوى نوع من الانتقادات الرقيقة الناعمة ولكن الرديئة، وكلما تطلب الامر ذلك. ان هذا التكهن بمستقبله هو محزن لكنه- كما اعتقد- واقعي، فإنها ستواصل وجودها الى فترة طويلة.
(الكرمل- حزيران 2015)





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,004,079,751
- دراكولا: -عاجلا أم آجلا سينتصر العطش-
- Viva la FIFA
- أفكار نحو علم جمال للسينما - جورج لوكاتش
- أحمد فؤاد نجم، ماركسيا
- مدخل لبعض مفاهيم التحليل النفسي في النقد السينمائي
- التأويل مقابل الشكلانية - سلافوي جيجيك
- عظمة لينين - ليبقى الأمر فيما بيننا: إذا ما اغتالوني...
- إقتنص النهار: ميراث لينين - سلافوي جيجيك
- خيار لينين - سلافوي جيجيك
- أفكار نحو علم جمال للسينما (*) - جورج لوكاتش
- مقاربة جدلية للشكل السينمائي- سيرجي أيزينشتاين (2-2)
- مقاربة جدلية للشكل السينمائي (1)سيرجي أيزينشتاين


المزيد.....




- الأمم المتحدة تحذر من -مجاعة- في أفغانستان
- الشعبية: كل من تورط في بيع عقارات مقدسية للصهاينة سيدفع الثم ...
- أردنيون يطالبون بوقف تأجير أراضي الباقورة والغمر لـ -إسرائيل ...
- #كاريكاتير الفنان البرازيلي كارلوس لاطوف
- بيان سياسي بمناسبة عيد ثورة أكتوبر وذكرى تأسيس الحزب الاشترا ...
- البيان العام للمؤتمر الجهوي الأول للنهج الديمقراطي بالجهة ال ...
- بلاغ عن أشغال المؤتمر الأول للنهج الديمقراطي بالجهة الشرقية ...
- السفير المصري لدى المغرب: ممثل -البوليساريو- تسلل إلى الحفل ...
- البصرة.. تقرير حكومي يُبرئ الأجهزة الأمنية من قتل وجرح متظاه ...
- العراق يتقدم بين الدول الأكثر جوعاً


المزيد.....

- العولمة الرأسمالية والدولة الوطنية / لطفي حاتم
- ماذا يقول التاريخ عن الربيع العربي ؟ / فؤاد النمري
- البيان الشيوعي، بعد 170 عامًا - د.سمير أمين / أحمد البلتاجي
- مهمّة الانتخابات هي إصباغ الشرعيّة على النظام - / شادي الشماوي
- المنافسة الاشتراكية والمنافسة الرأسمالية / ارام محاميد
- العولمة الرأسمالية ومناهضة التبعية والتهميش / لطفي حاتم
- نقاش في الحتميات مع مهدي عامل: أحزاب الله اليسارية / محمد علي مقلد
- الفقر العالمي: جريمة الرأسمالية ضد الإنسانية / جوش هولرويد
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (2) / غازي الصوراني
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية (1) / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - هشام روحانا - كيف يتكلم التابع؟؛ مقابلة مع فيفك تشيبر