أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية















المزيد.....


الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية


هدى توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4838 - 2015 / 6 / 15 - 17:01
المحور: الادب والفن
    


الماضي والراهن : حول كتابات محفوظ التاريخية
هدى توفيق
هناك الكثير مما يمكن التوقف عنده خلال نتاج نجيب محفوظ الروائى العظيم والزاخر والمعروف تحت مسمى الأدب الواقعى ، ولكن سأخص بالذكر فى هذا المقال رواياته التاريخية التى تطرح نقط محددة .
أولا : البعد الفرعونى عند محفوظ من خلال التجول فى هذا العالم التاريخى الذى بدأه أديبنا بترجمة كتاب (مصر القديمة) للمؤلف جيمس بيكى ، وهو لايزال طالبًا فى الثانوية العامة ، فقد قام فى صيف مرحلته الدراسية الثانوية بذلك ، لكى يُحسن به لغته الإنجلييزية ، وإنْ كان بالتأكيد هناك أسباب أخرى دفعته لهذه الترجمة. ثم أرسلها للأستاذ سلامة موسى الذى أصدرها فى دار نشر خاصة به ، وأرسل منها نسخة بالبريد إلى الطالب نجيب محفوظ حتى تم نشرها فى عام 1932.
ثانيا : ما الأسباب الحقيقية وراء ولع محفوظ بالتاريخ المصرى القديم ؟ وما المغزى من الانصات لرواية (العائش فى الحقيقة) بالذات ؟ ومدى ارتباطها بما يحدث فى مصر فى زمننا الراهن؟ لابد من التنويه بأنّ أعمال نجيب محفوظ التى تناولت التاريخ المصرىالقديم (عبث الأقدار، رادوبيس ، كفاح طيبه والعائش فى الحقيقة) كانت مرتبطة بزمن كتابتها لا بالزمن الذى تعود إليه. وقد صورت هذه الروايات الأولى أمجاد مصر القديمة وهى ما تسمى بالمرحلة التاريخية من عام 1939- 44. ثم أتتْ المرحلة الاجتماعية ، أى الواقيعية من عام 1945- 52. ونشر فيها على سبيل المثال لا الحصر (القاهرة الجديدة) و(بداية ونهاية) و(زقاق المدق) و(الثلاثية) ثم المرحلة التأملية التى بدأتْ بعد عام 1957. وكان من بين تلك الروايات الرائعة والمتعددة (اللص والكلاب) و(ملحمة الحرافيش) وفى الحديث عن بعض معالم تجربة محفوظ مع التاريخ المصرى القديم ، يمكن الوقف عند ترجمته لكتاب (مصر القديمة) ويمكن البدء بسؤال حول : لماذا ترجم محفوظ هذا الكتاب ؟ لا شك أنّ الإجابة لا تؤكد غير معلومة واحدة وهى شغف وانبهار محفوظ بتاريخ مصر القديمة وأنّ ذلك الكتاب كان بمثابة فاتحة شهية أدتْ إلى انتاج روائى تاريخى رائع وممتع ، لازالنا نتذكره ونتداوله كأدب عظيم يستحق القراءة والاهتمام ، خاصة أنّ جيمس بيكى حاول صياغة التاريخ المصرى القديم صياغة قصصية ، تأثر بها محفوظ إلى حد كبير، بالاضافة إلى تأثره الواضح بالروايات التاريخية المترجمة التى كانت نتشرة فى ذلك الوقت ، وتلك الحقائق لم تكن مجرد صدفة ، فيُحدثنا محفوظ نفسه عن مشروعه الذى وضعه وللأسف لم يتمه ، ويتمثل ذلك المشروع فى محاولة كتابة تاريخ مصر القديم كله على شكل روائى ، على نحو ما فعل (والتر سكوت) بتاريخ بلاده. وقد أعدّ محفوظ بالفعل أربعين موضوعًا لروايات تاريخية ، ولكنه لم يكتب إلاّ ثلاث روايات . لذا أظن أنّ كتاب (مصر القديمة) لم يكن مجرد كتاب ترجمة بل عبّر عن مشرع وطموح ملأ عقل محفوظ.
ترجم محفوظ الكتاب ترجمة سهلة وشيقة وممتعة إلى أقصى حد : ينقسم الكتاب إلى ثلاثة عشر فصلا ، فى البداية يتحدث مؤلف الكتاب عن عظمة أرض مصر، حيث نمتْ فيها سلسلة القصص التى بدأت على أرض فلسطين والمذكورة فى العهد القديم ، ويتجه الكاتب بعد ذلك لسرد بعض الجوانب عن الحياة المصرية القديمة ، فيتحدث تارة عن (فرعون) وعن حياة الجندى وبعض الحكم وعن رحلات استكشافية هامة الخ . فى الفصل الأول وهو بعنوان (أرض ذات شهرة) ذكر فيه عظمة مصر بالمعابد والمقابر الهائلة الموجودة الآن فى مصر قبل أنْ يبدأ الكتاب المقدس فى الكتابة عنها بمئات السنين ، مثال ذلك الأهرام . وكان الكهنة المصريون يضعون الكتب التى نقرأها الآن فى الوقت الذى كانت فيه بريطانيا جزيرة مجهولة مدفونة بالمتوحشين والهمج . وهذا الكتاب يروى لنا نتفـًا من هذه الأمة العجيبة ونوع الحياة التى كان يحياها الناس فى تلك الأيام الغابرة قبل أن تبدأ الأمم الأخرى فى اليقظة ويكون لها تاريخ. ويؤكد مؤرخ إغريقى قدديم أهمية مصر التى تأتى من مقولة (مصر هبة النيل) وهو أنّ النيل لم يخلقها فقط بل هو يحفظ لها حياة مستتقرة مستديمة. وقد شبه بعضهم وادى النيل بزنبقة ذات ساق ملتوية والمؤلف يجعلنا نتخيل معه قائلا على لسانه ((افرض أننا نعد من سكان بريطانيا وأننا لسنا من أبناء القرن العشرين ، بل رجعنا إلى الماضى البعيد ، وأننا من أحياء 1300 قبل الميلاد أى قبل مولد المسيح ، وقبل عهد موسى))
فى الفصل الثانى والثالث بعنوان واجد (يوم فى طيبه) فيخبرنا بمثال بذلك من مشهد اضراب العمال المصريين (( فكانت جماعة من العمال تصخب وتصرخ وتدافع بعنف فى شكل مظاهرة وقد أخذ الغضب منهم كل مأخذ . وأخذوا يهزون قبضاتهم فى الهواء مهددين مزمجرين وبعد فوات فترة قصيرة فتح الباب وخرج منه رجل جميل الطلعة ، بادى النعمة والجاه ، يتبعه سته من المساعدين مدججين بالسلاح ثم سمع هذا الرجل طلبات العمال ووعدهم بتنفيذها . وهذا يؤكد أن الاضراب لم يكن مجهولا فى تلك الأيام)) يلى ذلك فى الفصل الثالث وصفه لمساكن العمال فكتب ((لقد مررنا بأحياء مكدسة بالأكواخ ومزدحمة بالمارين حتى أن صعب على المار أن يشق لنفسه طريقــًا . هذه هى أحياء العمال)) ثم أظهر الكتاب مظهرًا من مظاهر الاحتفال الدينى عند القدماء المصريين ((وقد رأينا عن بعد جماعات من الناس مقبلة نحونا فى مظاهرة كبيرة. وسمعنا أصوات الطبول والناى. وسألنا بعض المارين مستفسرين عن هذا الموكب ، فأخبرونا بأنه احتفال دينى)) أيضًا تناول الكاتب بعض الحكم القديمة وقد استدعى لنا حكاية مصرية عن شخص يُدعى (بتنوير) عندما رآه أحد المارة يتأرجح قال لزميل ((إنّ بتنوير ذاهب مرة أخرى ليمضى يومًا فى سرور.. وسوف تكون نهاية هذا الشاب سيئة)) وحدث أنّ مرّ به فى السوق رجل وابنه ولما تأمل بتنوير وهو يتمايل ذات اليمين وذات السار، سقط على الأرض لا حراك به كمن فقد الحياة)) فقال الرجل لابنه ((انظر هذا الشاب يا بنى واتعظ بمصيره وعاهد نفسك ألاّ تشرب الخمر، فإنها تتلف صحتك وتلوث نفسك بالأوحال . فإنْ صرعتْ يسخر منك الناس ، ولا يمد أحد لك يد المعونة ، حتى رفاؤك يسرقونك ويذهبون ولا ترى إلاّ راقدًا فى الطين وغائبًا عن الوجود))
الفصل الربع بعنوان (فرعون فى القصر) كان المصريون يُطلقون لفظ الفرعون على ملكهم العظيم ومعناه (البيت العظيم) وكان الملك يطلق على نفسه (ابن الشمس) ولكن وجدنا فارقــًا واحدًا بين فرعون وبفية الآلهة. فالأرباب أمثال (آمون) فى (طيبه) و(بتاح) فى (ممفيس) وغيرها تـُدعى الآلهة العظام . أما لقب فرعون فيختلف عن ذلك ويُدعى الإله الطيب .
فى الفصل الخامس (حياة الجندى) أنّ المصريين ((كانوا شعبًا مسالمًا رحيمًا ميالا للسرور والأخذ بأسباب المسرات ، ولا نجد فهيم فظــًا غليظــًا كما نجد بين الآسويين)) وحكى المؤلف عن كتاب قديم كان كاتبه جنديًا ترقى إلى رتبة الضابط كتبه لشاب صغير، مبينـًا له آراءه فى الجندية ومحذرًا إياه أنْ يتخذها مهنة مستقلة. وأكد الكاتب قائلا ((وأستطيع أن أقول أنّ كلام هذا الكاتب (القديم) صحيح وهذه الحالة التى كانوا يشكون منها قديمة ، لا تزال على ما كانت عليه إلى الآن ، ولكن بالرغم من كل ذلك فقد استطاع الفرعون أنْ يجمع الجيوش الجرارة فى وقت الخطر، مثال ذلك تلك الشجاعة الفائقة والاخلاص والحماسة الوطنية التى حكاها الكاتب عن (مينا) الذى كان أمهر راكبى العربات فى الجيش المصرى القديم ، وقد ساعده نبوغه على الترقى والتقدم رغم حداثة سنه ، حتى تم اختياره ليكون سائق عربة فرعون نفسه. فلما خرج الجيش على الحدود لمحاربة جيوش الحيثيين فى شمال سوريا كان (مينا) هو الفارس المغوار، الذى وقف بجانب سيده فى أشد حالات الخطر، وأنقذه من الهزيمة أمام الحيثيين))
الفصل السادس بعنوان (حياة الطفل) يحكى عن الطفلة (تاهوتى) والطفل (رسن سب) فى طيبه قبل الميلاد بلآلاف السنين وأنهم مثل أطفالنا مغرمون بالقصص التى تبدأ بتعبير (يُحكى أنّ) وهى أقدم قصص خرافية ، وقد أخترعتْ قبل أنْ يفكر أحد فى كتابة قصة (جاك ربنبستوك) بقرون عديدة.
الفصل السابع والثامن بعنوان (بعض الأساطير) فمثلا يحكى لنا عن قصة ملاح السفينة المكسورة وهى توازى قصة السندباد البحرى التى يستمتع بها أطفالنا ، ويسعرون بلذة فى أثناء تلاوتها . وفى القصة المصرية القديمة فإنّ الملاح نفسه يحكيها لنبيل مثله.
الفصل التاسع بعنوان (استكشاف السودان) فى الأزمنة القدينة كانت حدود مصر الجنونبية تقف عند الشلال الأول ، حيث تنصب مياه النيل فى سيول عظيمة. وقبل خمسة آلاف سنة كان المصريون يرسلون بين آن وآخر حملات استكشافية إلى الأراضى شبه الصحراوية التى نعرفها الآن باسم (السودان) على مقربة من الشلال الأول فى الجزء الجنوبى من مصر، وتوجد على جدران المقابر فى مكان يسمى (إليفانتين) أخبار تلك الرحلات ، وهى أول مجهود إنسانى بّـذل فى سبيل الاستكشاف . وقد أخبرنا أحد الأمراء المدعو (هيركوف) عن أربع رحلات قام بها إلى السودان. وكان أمراء جزيرة إليفانتين يحملون لقب حرس الباب الجنوبى ، أو قواد القوافل منذ غزو القبائل النوبية الكائنة خلف الشلال.
الفصل العاشر (رحلة استكشافية) منذ 3500سنة. حكمت مصر ملكة عظيمة هى (حتشبثوت) التى حكمت بمفردها ما لا يقل عن عشرن عامًا ، ساستْ فيها الرعية بحذق وحكمة. وأهم ما يلفت النظر فى قراءة تاريخها هو تلك الرحلة التى أمرت جزءًا من أسطولها للقيام بها ، بعد أن جاءها الوحى وهى تصلى بمعبد آمون ، بأن الطريق المؤدية إلى (بونت) ينبغى استكشافها ثم شيدت معبدًا ليكون جنة آمون ، وهو الرب الذى أوحى إلها بإرسال الأسطول للاستكشاف ، وغرست حول المكان شجر البخور الذى أحضرته من بلاد (بونت) وأمرت بنقش قصة الرحلة على جدارن المعبد على شكل صور مختلفة تمثل الرحلة من مبتداها إلى نهاتها .
الفصل الحادى عشر (الكتب المصرية) كان المصريون بلا ريب من بين أوائل من اخترعوا هذا الفن ، وأن أحد كتبهم المملوءة بالحك والنصائح يسردها أب لابنه ، وهو أقدم كتب الدنيا جميعها ، ولكن الأغرب من الكتاب نفسه هو ما يتضمنه من الكتابة التى تعد بحق أغرب الكتابات كلها وربما أجملها أيضًا ، ونحن نسميها الكتابة الهيروغليفية ومعناها النقش المقدس وهو عبارة عن صورة صغيرة ، فمثلا الحرف (أ) وجه نسر. وحرف (م) أسد ، فإذا تصفحت كتابًا مصريًا مكتوبًا بالهيروغليفية رأيتَ سطورًا من الحيوانات والزواحف والرجال والنساء والقوارض ، وجميع الأشياء الأخرى تسير فى البردية ، ولكن مع مرور الوقت تطورت الكتابة وأخذت فى النقصان والصغر، وسميت اللغة الكهنوتية أو (الهيراطيقية) وأهم كتاب هو كتاب الموتى وقد أسماه المصريون (فصول عن البعث) والسبب فى وضعه هو اعتقاد المصريين بأن من يقرأ نصائحهم يأمن أخطار الدنيا الآخرة . ونحن نستعمل كلمتين جديرتين بأن تذكرنا بفضل المصريين القدماء أولهما the bible ومعناها الكتاب والثانية Parer الأولى كلمة من الكلمات الإغريقية التى أطلقت قديمًا عن النبات الذى يستخدمه المصريون عن ورق البردى . أما الثانية فهو اسم آخر لنفس النبات لأن المصريين أول من صنعوا الورق واستخدموه قبل أن يعرفه أى شعب آخر.
الفصل الثانى عشر (المعابد والقبور) إذا كان لسائح يجوب أرض مصر لابد وان يعترف أن مصر بلد المقابر والمعابد والسبب فى ذلك أنه لم يوجد شعب آثر الحياة الأخرى على الحياة الدنيا مالشعب المصرى القديم. فقد كان المصريون يعتقدون أنه إذا مات إنسان تنتقل روحه إلى حياة أخرى ، وهى تحب أن ترجع إلى جثمان أرضى ويسرها أن يستقر فى نفس الجسم الذى مانت فيه قبل طلوعها إلى العالم الآخر. وأن هدوء الروح واستقرارها يتوقفان بطريقة ما على حفظ الجسم سليمًا .
الفصل الثالث عشر (قدماء الصريين والسماء) ماذا كان يظن المصريون القدماء عن السماء؟ ما هى السماء؟ وأين توجد ؟ وكيف يسكنها الناس بعد الموت ؟ وأى نوع من الحياة يعيشون منها ؟ ولهم من هنا أفكار غريبة مثل أسطورة بدء تكوين الخليقة : لما كانت الأرض صغيرة كان يحكم مصر ملك نبيل يُدعى أوزوريس وكان محبًا للرعية وله أخ شرير الذى ألقاه فى النيل حتى وجدته زوجته المخلصة إيزيس ، وجمعت أشلاء جثته بعد أن فرقها أخوه إربا حتى لا تحتفظ بجثته ثم كبر ابنه حورس وانتقم من عمه القاتل الغادر انتقامًا لوالده . ثم رفع المصريون أوزير إلى مصاف الآلهة وعينوه قاضيًا يحاسب الناس بعد الموت.
لم يقصد نجيب محفوظ بالكتابة عن التاريخ المصرى القديم الذى عرف بعض جوانبه خلال ترجمته لكتاب بيكى ، مجرد الحكى عن أحداث تاريخية قديمة ، وإنما قد كان نوعًا من الاسقاط على الواقع المعاصر بما يدفع القارىء للحماسة الوطنية الثورة على الأوضاع الفاسدة ، التى ارتبطت بمصر المعاصرة فى ذلك الوقت ، حيث فيها حكام أجانب ينهبون خيرات مصر، ويستعبدون شعبها. مثال ذلك الارتباط الوثيق الذى يربط بين كفاح طيبه ورواية توفيق الحكيم (عودة الروح) التى صدرت عام 1933. كلتاهما تدلان على وجوب وحدة الأمة تحت لواء قائد وزعيم قوى يجمع شملها ويقودها إلى النصر، على أعدائها ، فالصلة بين الروايتين نابعة من التأثر بثورة 1919 التى أشار إليها الحكيم مباشرة فى (عودة الروح) والتى استلهمها نجيب فى أكثر من معنى فى انتاجه الروائى عن نماذج الانتصار الثورى على الاستعمار فى التاريخ المصرى القديم . وبهذا المعنى فى مصر الفرعونية هى تعبير واضح لمصر المعاصرة ، التى يجب أن تقاوم وتكافح من أجل ضرب الاحتلال البريطانى ، حيث يرمز فى رواية (كفاح طيبه) للهكسوس فى الغزو الأجنبى . أما رواية (عبث الأقدار) 1938 ثحكى عن نبوءة يتنبأ بها أحد الكهنة للفرعون بان هناك ولدًا سيولد فى مكان ما من مصر ، ويصبح فرعونـًا للبلاد فيأمر الفرعون بقتل جميع الأطفال الذكور ,ويشاء القدر أن زوجة أحد الكهنة تلد ولدا فتهرب به مع الخادمة خوفا من الفرعون الى مكان بعيد الى أن يكبر هذا الولد ويصبح محاربا وقائدا كبيرا فى جيش الفرعون ويأمره أن يجهز حملة للقضاء على الغجر وينتصر عليهم ويلتقى بأمه التى أسرها الغجر من قبل ويحدث أن ابن فرعون وولى عهده يدبر لقتله فينقذه هذا الطفل {القائد الأن دوق الذى أيضا تقع ابنة الفرعون فى حبه فيتزوجاويصبح وريث الفرعون من بعده .
فى هذه الرواية يطرح نجيب محفوظ مسألة العلاقة بين الراعى والرعية عبر التلاحم بين الفرعون وشعبه وهو نقيض الواقع القائم فى مصر ابان كتابة هذه الرواية حيث أن السلطة غريبة عن الشعب والأرض وسلوكها يمثل سيفا مسلطا عليه أيضا تعبر الرواية عن مدى حكمة الفرعون عندما شرع فى تأليف كتاب حول الحكمة التى يود تركها للشعب ، فيقرر الاعتكاف فى الهرم للتفرغ للكتابة والتأمل.
أما عن رواية (رادوبيس) 1942 فقد طرح محفوظ فكرة الحكم من الداخل فقد ملكــًا يستغل عرشه لتخقيق رغباته على حساب تطلعات شعبه ونقل فكرة قدرة الفعل البشرى على تحريك التاريخ وقد وقف بفضل هذه الرواية موقفا واقعيا بعيدا عن المثالية التى ميزت {عبث الأقدار }التى تعبر عن ميل نجيب محفوظ للايمان بالدور المطلق للقدر فى تحريك التاريخ والبشر حيث فى تلك الرواية نرى شتى الصراعات التى أدت الى اشتعال ثورة عارمة وانهيار الملك وعندما نطرح الآسماء الفرعونية جانبا سنجد قصة مصر فى السنوات الخيرة من مصر الملكية كانت مصر ابان تلك الرواية تخوض معركتها ضد الأستعمار والقصر من خلال المعارضة والألتفات حول ممثلى الوطنية وهذه القصة تسير فى نفس الخط حيث نجد الشعب يقف وراء الكهنة ضد الملك الذى باع كل شئ فى سبيل رغبته .
رواية (كفاح طيبه) عام 1944 تتناول مسألة التحرير كهدف أسمى للجوء إلى الثورة ، حيث كافح المصريون احتلال الهكسوس ، كما هو فى التاريخ المعاصر، انهزمت الثورة العرابية. وفى الرواية انهزم ((سقنن رع) أما الهكسوس وفى الرواية ينهوم سقنن رع الذى ترك وصية لابنيه كاموس وأحمس لحثهما على استمرار الكفاح ضد الهكسوس ، وهى ذات الوصية التى تركها عرابى للنضال ضد الاحتلال الإنجليزى . رواية كفاح طيبة تبدأ من نقطة استأنفت الصدام الذى تجمد بين الهكسوس والمصريين بعد أم احتلوا الشمال وفرضوا الجوية على الجنوب. وقدم الكفاح على ثلاث مراحل : المرحلة الأولى تصور هزيمة (سقنن رع ) أمام الهكسوس لعدم تسلحه الكافى . والمرحلة الثانية تصور كفاح أسرته التى هربت الى بلاد النوبة لتعد العدة للثأر وتحرير أرض مصر. أما المرحلة الثالثة فقد صور النضال المسلح لشعب مصر. وتبرز فيه شخصية المخلص الوطنى (أحمس) الذى تجسدتْ بحضوره وحدة الأمة. واستطاع بحفاظه على هذه الوحدة أنْ يحقق الحرية والاستقلال ، فمصر الفرعونية مثل مصر الحديثة فى فترة كتابة تلك الرواية. فالهكسوس فى كفاح طيبه يرمزن للاحتلال الأجنبى فى مصر، وما يعانيه المصريون من ذوى الأصول التركية. نلك الروايات تؤكد حقيقة واحدة : أنّ روايات نجيب محفوظ ليست فقط لعرض أحداث تاريخية قديمة ، أى ليست مقصودة بذاتها ، وإنما حالة استبطان لتاريخ قديم يهدينا إلى الطريق السليم للمستقبل ، فإذا كان الماضى مزدهرًا ، مليئــًا بالعظم والمجد ، فلماذا إذن لا نغير صورة الحاضر الآثمة؟ ونعيد صورة الماضى العظيم ؟ ولن يتحقق ذلك إلاّ بالثورة والكفاح .
قبل الإجابة عن نبوءة (العائش فى الحقيقة) لما يحدث فى مصر الآن ، لينا سؤال مهم : طرحته فى بداية المقال : ما الأسباب الحقيقية وراء ولع نجيب محفوظ بلتاريخ المصرى القديم؟ وأيضًا لماذا استخدمه فى رواياته الأولى ؟ إنّ احتفاء محفوظ بالتاريخ المصرى القديم جاء فى خضم تيار فكرى كان سائدًا فى تلك الفترة ، يبحث عن هويته الوطنية والثقافية أمام الاحتلال البريطانى. بالعودة إلى الجذور المصرية القديمة مثال احسان عبد القدوس ، يوسف السباعى فى رائعته (السقا مات) وأيضًا نجيب محفوظ كان واقعًا تحت تأثير جورجى زيدان ، حيث يستخدم التاريخ ليؤكد الشعور الوطنى لمقاومة الاستعمار. لذا باتت مصر الفرعونية من عناصر الرؤية الرومانسية لذلك العصر، وهو يكافح الوجود الأجنبى بإبراز الأمجاد القديمة لمصر. وقد أخذت محفوظ كل ما هو أساس عن التاريخ المصرى القديم فى تلك الروايات ، فكان فى معالجته الروائية أقرب إلى العمل الحقيقى للروائى ، وهو ما يُسمى الاستلهام وليس إعادة الصياغة ، المؤسسة على رؤية فكرية محددة ، ظهرت بوضوح فى رواياته الثلاث الأولى فهو يلجأ إلى التاري ليقدم حكمًا نهائيا عن الحاضر، استخلصه من تجربة ماضية مكتملة منتهية يسهل استخلاص العبرة منها. والانتفاع منها لتوجيه الحاضر وجهة سليمة وواعية. ولا شك أيضًا أنه عبّر فى تلك الأعمال عن خيبة آماله فى ثورة 1919 التى آمن بها بشدة ، حيث كان ينتمى إلى حزب الوفد بإيمان وإصرار، إنه القادر على النجاح والإستمار، بينما حزب الوفد يسجل مواقف سلبية. عندما مضى على معاهدة التهادن مع الإنجليز سنة 1936. كما تجلى اخفاقه عندما لم يحكم مصر سوى مدة سبع سنوات خلال الفترة الممتدة من 1919- 1952. لقد حملت الرواية التاريخية عند محفوظ هموم عصره ، ليحدث نقلة نحو مرحلة اجتماعية مهمة لمواجهة عصره، وقد بدأها برواية (القاهرة الجديدة) عام 1945. ومع هذا لم ينقطع محفوظ عن ولعه بالكتابة عن التاريخ المصرى القديم ، ففى عام 1985 نشر رواية (العائش فى الحقيقة) وهى بنيتها مختلفة ، أخذنا فيها محفوظ من جديد إلى مصر الفرعونية التى بع فى استخدامها ليعرض أفكاره ، فكان كأنه (دون كيشوت) حياتنا المعاصرة ، إذْ لا يمكن تخيل كتابة تاريخ مصر دون الحديث عن الفرعون الشهير (أخناتون) ودعوته الدينة المثيرة من خلال إعادة سرد قصة حياته وفترة حكمه من منظور من عايشه فرعون مصر الأشهر (أخناتون) لتلك الفترة المثيرة والحرجة من تاريخ مصر القديم ، ورغم تعدد وتنوع وكثرة الأعمال الأدبية عن أخناتون ، تبقى رواية محفوظ عن فوعون اتوحيد من أبدع الأعمال الفنية.
تدور أحداث رواية (العائش فى الحقيقة) فى أواخر سنوات الأسرة الثامنة عشرة إبان حكم أخناتون ، الذى حكم لمدة سبعة عشر عامًا فى القرن الرابع عشر قبل الميلاد . ورث أمنختب الرابع (أخناتون) عرش امبراطورية مصرية قوية لكنه انصرف عن شئون الدولة واستغرق فى أمور الدين الجديد والدعوة إليه. أدى ذلك إلى اضطهاد الكهنة وأعداء دعوته ، فتدهورت أوضاع البلاد وساءت للغاية وانتهى حكم عائلته وعاد الحكم للقادة العسكريين ، بسبب تصرفات أخناتون الطائشة وعناده .
تبدأ الرواية تحت عنوان (أصل الحكاية) : ((بدأت الرحلة من مدينتى سايس ماضية جنوبًا إلى (بانوبوليس) لزيارة أختى التى استقر بها الزواج هناك ، وذات أصيل مررنا بمدينة غريبة.. مدينة نطل من أركانها عظمة غابرة ، ويزحف الفناء بنهم على جنباتها وأشيائها ، يجثم فوقها الصمت ويُخيم عليها الكآبة. وتلوح فى قسماتها إمارات الموت ، وهرعتُ إلى أبى وسألته : ما شأن هذه المدينة يا أبى ؟ فأجاب دون تأثر: مدينة المارق.. المدينة الكافرة الملعونة يا مرى – آمون.))
ومن ثم يقوم مرى – آمون بالبحث وراء حقيقة ما حدث بالضبط ، واهبًا نفسه لمعرفة كل شىء وكل الحقيقة الكامنة وراء أسطورة تلك المدينة ((استعدتُ ذكريات صبايا فى قصر أبى بسايس وحوار الكبار المحموم حول الاعصار الذى أطاح بأرض مصر والامبراطورية وما يُسمونه حرب الآلهة والفرعون الشاب اذى مزق التراث والتقاليد وتحدى الكهنة والقدر)) وتتوالى الحكاية التى هزت عرش مصر على لسان كل من عابشوا تلك الفترة المتمثلة فى حوالىْ خمس عشرة شخصية. تبدأ بشخصية الكاهن الأكبر للإله آمون (حور – محب) قائد حرس أخناتون وكذلك المثال (بك) ، (تادوخيبا) ابنة (توشرانا) ملك ميثانى أصدق صديق للعرش المصرى ، (توتو) وزير الرسائل فى عهد أخناتون ، (تى) زوجة الحكيم (آى) معلم أخناتون ووالد نفرتيتى ، و(موت – نجمت) ابنة (تى) واخت نفرتيتى ، (مرى – رع) الكاهن الأكبر للاله الواحد فى مدينة النور، (آخت آتون) قائد جيش الحدود ، (محو) رئيس الشرطة ، (ناخت) وزير أخناتون ، (نيبو) طبيب أخناتون وأخيرًا نفرتيتى زوجته ومحبوبته وشريكته وأول من آمنت به وآزرته فى دعوته للتوحيد .
بغض النظر عما فعله أخناتون صحيحًا عقائديًا أو خطأ ، فإن التأمل والقراءة المتأنية لرواية (العائش فى الحقيقة) تطل برأسها لتخبرنا عن وجهة نظر أكثر عمقــًا وأهمية ، مادامت صادرة عن كاتبنا العظيم نجيب محفوظ ، فكما علمنا من سابق رواياته التاريخية أنه يستدعى الماضى كى يستحضر الحاضر المعاصر الذى نعيشه. ويجب أن نكون حذرين ونتعظ بما حدث فى الماضى لذا أرى أن رواية (العائش فى الحقيقة) هى أيضًا رسالة محفوظ للتيارات الدينية المتعصبة ، كما حدث فى مصر، وما زال يحدث حتى اللحظة الراهنة. فقد ظلّ الإخوان المسلمون يكافحون من أجل الوصول إلى زمام الحكم ، وكان لهم هذا فى عام 2012 ثم كان ما كان من أمرهم خلال فترة حكمهم وما تلاها.
إن رواية (العائش فى الحقيقة) هى أوضح رسالة قدمها محفوظ بشواهد من التاريخ الفرعونى عن الانحراف فى تيار متشدد فى الآراء كما حدث مع أخناتون وتعصبه لديانته ، حتى خربت البلاد وتدهورت أوضاعها الساسية والاقتصادية والعسكرية للغاية. وهذه الرواية هى بمثابة تحذير لكا تيار متعص معلوم المصير، كما يحدث بالضبط فى مصر الآن.
فى أعمال نجيب محفوظ عن التاريخ المصرى القديم هو ما يصل بين هذا التاريخ وأزمنة كتابة هذه الأعمال ، بل وما يصل ذاك التاريخ بزمننا الراهن ، فى هذا العقد الثانى فى هذه الألفية . إن كاتب (العائش فى الحقيقة) هو الحقيقة التى لا يغيبها موت أبدًا ، بل ستبقى على مر الزمن متجلية وساطعة ، سطوع شمس الأله (آتون) مع (أخناتون) وأيضًا مع نجيب محفوظ .
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,555,202,746
- محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا
- ازدواجية المتعة في عالم نجيب محفوظ الروائي بين القراءة والفر ...
- عداء بنى اسرائيل لمصر وفلسطين
- كارثة النشر الخاص
- جدل الواقع فى مجموعة مدينة طفولتى للكاتب طلعت رضوان
- عيسى الدباغ والثورة المضادة
- مجموعة أرنى الله لتوفيق الحكيم
- خلوة الكاتب النبيل
- حاذث النصف متر تجاوزكل الأمتار
- العداء العبرى لمصر وفلسطين
- مقال عن أكابيلا ايدا وماهى
- إلى زكي مراد


المزيد.....




- الجزائر تشارك في الاجتماع المشترك لوزراء السياحة والثقافة ال ...
- وزير الصحة الجديد يلتقي النقابات.. ويتخد هذه القرارات لانقاذ ...
- من هي سولي نجمة موسيقى ال -كي بوب- التي سببت وفاتها ضجة عبر ...
- لدعم الروائيين في قطر.. كتارا تدشن مختبرا للرواية
- الأربعاء.. انطلاق فعاليات المؤتمر المشترك الثاني لوزراء السي ...
- لوحة -الصرخة- ليست كل ما رسم مونك
- رانيا يوسف: لا أفكر بالزواج فكل الرجالة مصطفى أبو تورتة
- العنف في الثقافة العربية
- الداخلية تستعد لإعلان شغور منصب إلياس العماري بجهة الشمال
- مظاهرات العراق.. لماذا لاذ المثقفون بالصمت؟


المزيد.....

- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - الماضي والراهن :حول كتابات محفوظ التاريخية