أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا















المزيد.....


محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا


هدى توفيق

الحوار المتمدن-العدد: 4838 - 2015 / 6 / 15 - 08:11
المحور: الادب والفن
    


محفوظ كاتبًا مسرحيًا أيضًا
هدى توفيق
علاقة محفوظ بالأدب بدأتْ عن طريق الشعر الذى استوعب أول كتابانه الأدبية التى لم ينشرها وقتها ، لكنه وظف أشعاره وأسلوبه فيما بعد لخدمة إبداعاته الروائية.
بدأ محفوظ رحلته الإبداعية مترجمًا عن الإنجليزية وذلك عام 1932 بكتاب (مصر القديمة) ولم يعد بعدها للترجمة. وانتهج خطــًا خاصًا به فى مسيرته الإبداعية التى استمرتْ 74 عامًا من العطاء المتميز. فقد لنا باكورة إبداعه الأدبى تحت عنوان (همس الجنون) مجموعة قصصية وتوالت بعد ذلك الروايات التاريخية والاجتماعية ليعود إلى القصة القصيرة بعد 24سنة. بصدور مجموعته القصصية (دنيا الله) عام 1962.
نلاحظ بعد مرور 37 سنة من ولاة إبداعات نجيب محفوظ فإذا به يخوض الكتابة المسرحية فى مجموعته القصصية (تحت المظلة) عام 69 (خمس مسرحيات) ثم تكررت فى المجموعة القصصية (الجريمة) عام 73 (مسرحية واحدة) وأخيرًا (الشيطان يعظ) 79 (مسرحيتان)
لا شكّ أن تناول الدراسات الأدبية والرسائل الجامعية والمؤتمرات العربية لنجيب محفوظ الروائى والقاص ، فليس من السهل إحصاء عدد الكتب التى تناولت أدبه. ولكن اللافت للنظر أنّ قراءة نجيب محفوظ مسرحيًا كانت قليلة جدًا . والمتتبع للحركة المسرحية يجد أنّ المسرحيين قدموا أعمالا قصصية أو روائية لنجيب محفوظ على خشبة المسرح خلال 11سنة. من 1958- 69. كان أولها (زقاق المدق) وآخرها (تحت المظلة) وجميع تلك المسرحيات لم يقم محفوظ بمسرحيتها بل قام آخرون بإعداد المسرحيات عن أعماله الأدبية ، حيث قدم المسرح الحر خمس مسرحيات من مجموع ثماتى مسرحيات ، تم تنفيذها مسرحيًا. بينما لم يفكر أحد منهم فى تنفيذ مسرحية واحدة مما كتبه محفوظ بنفسه ، إلاّ تجربة واحدة للمخرج المسرحى أحمد إسماعيل .
وللذكر أيضًا أنه رغم أنّ محفوظ كتب العديد من سيناريوهات الأفلام ، فإنه لم يفكر ولم يحاول كتابة سيناريو لرواية واحدة من روياته اتلتى تم تنفيذها سينمائيًا. بل ترك المجال لغيره لكتابة السيناريو. والجدير بالذكر أنّ تلك التجارب سبقها عدد من العروض المسرحية المعدة عن رويات محفوظ ، وكان موقفه حياديًا للغاية معتبرًا أنّ المسرح جنس أدبى له سماته الخاصة ، أما هو فغير مسئول إلاّ عن الرواية التى كتبها. وهذا الرأى يعكس رؤية عميقة لماهية الاعداد المسرحى. فالمعد الدرامى يُعيد صياغة النص الروائى ويكتبه من جديد ، ومن روايات محفوظ التى تم إعدادها للمسرح أذكر بعضًا منها :
زقاق المدق : تم عرضها على خشبة المسرح الحر بدار الأوبرا عام 54. من إعداد أمينة الصاوى وإخراج كمال ياسين.
بين القصرين : أعدتها للمسرح أمينة الصاوى من إنتاج فرقة المسرح الحر ومن إخراج صلاح منصور فى أعقاب نجاح زقاق المدق .
بداية ونهاية تم عرضها من خلال المسرح القومى عام 60، من إعداد أنور فتح الله وإخراج عبد الرحيم الزرقانى . وتم إعادة عرضها من خلال المسرح القومى عام 76، بإعداد جديد بمعرفة أحمد عبد المعطى وإخراج فتحى عبد الحكيم. ثم تم عرضها للمرة الثالثة بميزانية متواضعة عام 86 من خلال فرقة فنانى وإعلامى الجيزة من إخراج عبد الغفار عودة ، اعتمادًا على الإعداد الأول لأنور فتح الله.
قصر الشوق : قدمها المسرح الحر سنة61، إعداد أحمد الصاوى وإخراج كمال ياسين.
اللص والكلاب : قدمها المسرح الحديث سنة 61 من إعداد أمينة الصاوى وإخراج حمدى غيث.
همس الجنون : قدمها المسرح الحديث من إعداد صلاح طنطاوى وتم عرضها فى الموسم المسرحى 1963 / 64.
ميرامار : قدمها المسرح الحر من إعداد نجيب سرور عام 69.
القاهرة 80 عن رواية (قتل الزعيم) التى نشرت عام85 وقدمها مسرح الطليعة فى نفس العام من إعداد السيد طلب وإخراج سمير العصفورى . واستطاع العرض أنْ يرصد رأى الناس فى الانفتاح الاقتصادى الذى حدث فى اواخر عهد السادات معتبرًا أنه أحد أخطائه.
حارة العشاق : إعداد أحمد هانى سنه 89 وقدمها مسرح الطليعة على قاعة صلاح عبد الصبور.
وغيبرها من المسرحيات المأخوذة عن روايات محفوظ مثل (خان الخليلى) و(بلاغ كاذب) الخ. قد تكون مببرت عزوف النقاد والمسرحيين عن الالتفات لمسرحيات محفوظ هو الاندفاع نحو مسرح توفيق الحكيم . علمًا بانّ إبداع محفوظ المسرحى لم يمثل ظاهرة أدبية كما هو الوضع عند الحكيم أو غيره ، لذلك لم يفكر محفوظ إطلاقــًا فى إصدار ما كتبه للمسرح بشكل خاص ، بل كان ضمن مجموعاته القصصية ، فتلك المسرحيات مجرد قصص حوارية ذات أبعاد درامية وأيضًا لم يكتب المسرح من أجل المسرح ، وهناك تفسير إلى حد ما يوضح إتجاه محفوظ لكتابة المسرح ، فقد تمّ هذا فى اعقاب هزيمة يونيو 1967 حيث تظهر فيها الهزيمة جلية دون أنْ يفصح عن ذلك ، او يحيل إليها بلغة مباشرة، إذْ تبدو بعض المسرحيات كحوارات داخلية وجدانية يُجريها الكاتب مع نفسه ، أى مجرد لوحات درامية على خشبة المسرح ، ولهذا جاءت جميعها من فصل واحد وإنْ تعددت المشاهد داخله. لذا لا يمكن التعامل مع تلك الأعمال خارج سياقها التاريخى ، حيث دفعته إليها حالة من الحزن سيطرت عليه وعلى أقرانه من المبدعين والمفكرين عقب هزيمة 67، بسبب تحطم صورة الوطن . وربما شعر محفوظ أنّ المسرح هو الملاذ وطوق النجاة الذى يناسب الوضع حيث من خلاله يستطيع ان يبث همومه ومشاعره تجاه الهزيمة. ولاشك أنّ محفوظ كتب للمسرح على استحياء فقد صرّح كثيرًا أنه ليس كاتبًا مسرحيًا والمرء أدرى بنفسه ، لكن المسرح جذاب ، كما قال أنّ يالكاتب يستطيع بواسطته قول ما لا يمكن قوله أو كتابته مع الأجناس الأدبية الأخرى . وقال أيضًا أنّ المسرح أكثر قدرة على التعبير عن غيره من الأشكال الأدبية الأخرى.
وأعتقد أنّ كاتبنا فى ذاك الوقت كان فى حاجة للجوء إليه تعبيرًا عن مرارة الهزيمة التى هزت الوجدان والطموحات والأحلام ، والدليل على ذلك أنه نشر تلك النصوص المسرحية ثلاث مرات فقط ضمن مجموعاته القصصية. ولا شك انّ محفوظ مرّ بلحظة معينة قرّر فيها أنْ يمسك القلم ويكتب للمسرح فى الفترة الواقعة بين أكتوبر وديسمبر بعد هزيمة 67. ورغم ندرة محاولاته امسرحية إلاّ أنّ أهميتها مكتسبة من قوة أصالة الكتابة المسرحية. ففقد أكد فى حواره المنشور فى مجلة المسرح المصرية عدد نوفمبر1979 ((لقد بدأتُ تثقيفى الأدبى وكان المسرح بطبيعة الحال فى طليعة قراءات ت فقراتُ ما استطعتُ من قديمة متمثلا فى الإغريغ وجوته وشكسبير وغيرهم . واستمرت قراءت مع ما اخترتُ من سلسلة المسرح العالمى مطلعًا على مختلف تياراته ، فقراءات للمسرح لا تقل عن متابعاتى للرواية والقصة القصيرة والشعر)) تلك الكلمات أكبر دليل على طبيعة دور المسرح فى بناء ثقافة محفوظ الأدبية.
قدم الباحث عبد الغنى داود دراسة حول تصريحات محفوظ فى مجلة الهلال عام 70، وفى هذه الدراسة قال أنّ محفوظ صرح أنه ليس كاتبًا مسرحيًا ، وانه لن يُعاود الكتابة للمسرح فى المستقبل ، وأنه كتب تلك النصوص المسرحية تحت إلحاح اللحظة التاريخية ليواكب الأحداث المتلاحقة بعد هزيمة يونيو67. وكتب عبد الغنى دواد فى دراسته أنّ انعطاف محفوظ إلى مسرح اللا معقول وتقنياته التى وظفها فى تلك النصوص هى فى الحقيقة تختلف عن هذا المسرح لاعتماد محفوظ كلية على الحوار، بينما هذا الحوار يُهمشه سرح العبث ، ويتقلص فيه إلى مجرد ثرثرة. أيضا تتعرض الدراسة إلى الاسقاطات السياسية التى تضمنها نص (يميت ويحى) حيث تشير إلى موقف محفوظ السياسى والظروف التى أبدع فيها نصه. ذلك أنّ القصة حوارية الطابع وسياسية المغزى ومليئة بالغموض. بينما تساءل الناقد المرحوم محمود أمين العالم حول قيمة تلك المسرحيات ، وهل مجرد حوارات ذهنية لمسرح متواضع للغاية ، لا يصلح إلاّ للقراءة ، لكنه فى النهاية يؤكد أنه مسرح خرج من عالم نجيب محفوظ .
إنّ تجارب محفوظ المسرحية تكمن أهميتها فى وجدانياتها وسياقها التاريخى ، وتظهر جانبًا آخر من إبداعات محفوظ الأدبية غير امعروفة للكثيرين ، والتى تؤكد اطلاع محفوظ على المسرح الأوروبى خاصة مسرحيات يوجين يونسكو وصموءيل بيكت ، لأننا نلمح تأثره بهذا المسرح كثيرًا. فى المسرحيات الست الواردة ضمن المجموعتين (تحت المظلة) و(الجريمة) نلاحظ أنّ أبطالها لم يحملوا أسماء محددة . وهذا أسلوب اتبعه يونسكو فى أكثر مسرحياته ، دلالة على اموضوع هو البطل ، فالمكان والزمان والشخوص موظفون من أجل صياغة الحدث . الملاحظة الثانية هى الحديث عن شىء مجهول دائمًا وهو ما اتبعه بيكت فى مسرحيته (فى انتظار جودو) فعند عالم محفوظ المسرحى يكون المجهول عنده الحدث ذاته. الملاحظة الثالثة قصر الجملة الحوارية مما يؤدى إلى السرعة فى إيقاع الأداء كما عند يونسكو فى مسرحية (الممثلة الصلعاء) إذن يمكن القول انّ مسرحيات محفوظ فى المجموع الأولى والثانية التى تمثل المسرح الطليعى ، هو ما عُرف فى أوروبا فى الأربعينات بمسرح العبث . ومفهوم العبث وموقف الكاتب المبدع مما يجده فى الوجود من عبث ، وليس كتابة (العبث) ذته ، هذا هو المغزى. أدرك المسرحيون المصريون تلك المعادلة ، كما يقول شفبق مقار فى مقاله (اللا معقول والعبث) حيث كتب ((إنهم قد أطلقوا على نماذج هذه المسرحيات (المسرح الطليعى) حيث لها طابع المأساة المتولدة من إدراك العبث ومواجهة السخرية القدرية من خلال الأحداث . إنها رحلة مسرحية للبحث عن معنى جديد يواجه من خلاله الإنسان إحساسه بالعزلة هو فى الأساس منه ، وبذلك يكون المسرح الطليعى هو صورة من صور التمرد على القديم وعلى الراهن معًا ، بمنظور جديد وقيم جديدة ، ثم إعادة انتاح هذه القيم بعد تقييم ما بقى منه صالحًا)) وقد ذكر محفوظ فى حوار له نشرته مجلة المسرح فى عدد نوفمبر79، حيث قال ((علاقتى بالمسرح كمشاهد علاقة قديمة جدًا ، ففى سن الطفولة حضرتُ بصحبة أبى بعض مسرحيات الريحانى وعلى الكسار. ومنذ عام 1925 عرفتُ الطريق إلى روض الفرج ، وكان حافلا من مقلدى الريحانى وعلى الكسار. وشاهدتُ كثيرًا من المسرحيات التى كانوا يقدمونها فى ازمنة سابقة أثناء الحرب العالمية الأولى عام 1914. وبعد ذلك عرفنا طريقنا إلى المسرح المصرى فى الثلاثينات))
يعود حديثا إلى المخرج امسرحى أحمد إسماعيل الذى قدم تجربة مهمة عن مسرح محفوظ إذْ أخج فى عام 89 نص (الشيطان يعظ) عن حكاية مدينة النحاس المستلهم من ألف ليلة وليلة. والعرض تم تقديمة فى فصل واحد واستغرق نحو الساعة. يحكى المخرج أحد إسماعيل فقال أنه ((وجد ضالته فى هذا النص المتكامل الذى يتمتع بكل أصول الكتابة المسرحية من شاعرية اللغة وكتابة الحوار وتنوع المشاهد وبناء اشخصيات والإيقاع المتدفق لسير الأحداث . ويدعو المخرج أحمد إسماعيل اتحاد الكتاب لتبنى مشروع انتاج أعمال محفوظ المسرحية باتعاون مع مسرح الدولة))
تلك المسرحيات جميعها من فصل واحد تدور حول الصراع الإنسانى بين الخير والشر. أو حدث مبهم يظل طوال الوقت هو العقدة فى المسرحية ، ويترك فى النهاية حلها للقراء. يلعب الرجل دور البطولة الرئيسية بينما يتجلى دور المرأة فى تحريك الأحداث ويعتمد فى حواره الجمل القصيرة الموجزة ففى المجموعة القصصية (تحت المظلة) قدم خمس مسرحيات هى (يميت ويحيى) و(التركة) و(النجاة) و(مشروع للمناقشة) و(المهمة) صدرت فى طبعتها الأولى من مكتبة مصر عام 1966. والقيقة أنّ تلك المسرحيات تباينت فى درجة الافصاح عن المعنى لكنها فى الغالب قدمت الرجل والمرأة محورصا للمضمون العام ونراهما على الدوام فى موقف عصيب. ويقومان بالدور التاريخى الذى لعبه كل منهما على مر العصور، فهى تفكر فى الحب والحياة ، وهو يبحث عن مجد الأسلاف ، ويفكر فى الكرامة والحرية والمغامرة ، فى إطار تحقق من خلاله جدلية العلاقة بينهما. وتأكد لمحفوظ آنذاك أنّ فن المسرح هو الأجدر على التعبير عن الواقع فى ظل الأزمات.
استكمالا لقراءة مسرح محفوظ نصل إلى المسرحيتين الأخيرتين الواردتين فى المجموعة القصصية (الشيطان يعظ) وهما (الجبل) و(الشيطان يعظ) فهاتان المسرحيتان تنتميان إلى مدرسة مختلفة عن المسرحيات الست السابقة.فمسرحية (الجبل) اجتماعية تعالج قضية اجتماعية محددة ، ملخصها وجود مجموعة من الشباب المتحمس ، يُشكلون اتحدًا بينهم ، معنى بتنفيذ حكم الإعدام على كل المنتفعين والمرابين والجشعين ، لتنتهى أحلامهم عند اكتشاف أمرهم ، من خلال خطيئة أحدهم ، فيبدأ الصراع بينهم وبالتالى يموت الكل . أما المسرحية الثانية فهى تتكىء على إحدى قصص ألف ليلة وليلة مع توظيف الحقيقة والواقع اخل الأسطورة ، وهوفيها عالج قضبة اجتماعية سياسية مهمة ، يصل بنا فى النهاية إلى أنّ العدل يحتاج إلى قوة الإيمان . والمسرحيتان ذات شخوص محددة ومعروفة وأسماءها معروفة وبعضها من التاريخ العربى . وهاتان المسرحيتان آخر ما كتب محفوظ عام 79. وعاش بعدها 27سنة لا يكتب للمسرح وكأنه قد اكتفى لأنْ يكون الأب الروحى للرواية المصرية.
وفيما يلى عرضًا موجزًا لتلك المسرحيات : أولا مجموعة (تت المظلة) تحتوى على ست قصص قصيرة وخمس مسرحيات من فصل واحد منها مسرحية (يميت ويحيى) وهو مسرحية رمزية عن فتى تعرّض لاعتداء أمام فتاة كانت تراقب الموقف والفتى يريد استعادة حقه. فيعرض عليه رجل عملاق أنْ يُساعده فى الثأر لنفسه لكن بشروط يرفضها الفتى . إنّ تأويل هذا النص وقراءة دلالاته السياسية تعكس العلاقة بن العرب وإسرائيل والقوى الاستعمارية الكبرى . والمسرحية تبدأ من مشهد واحد لحظة الصراع بين البطل وغريمه فى وجود الفتاة ثم كفاح الفنى لاستعادة حقه وقراره بالمواجهة.
ثانيا مسرحية (مشروع للمناقشة) مؤلف مسرحى يرض إجراء التغيير الذى طلبه المخرج الذى أصرّ بدوره على ممارسة حقه فى التعبير. فيتبارى كل مهما عرض حجته وأهميتها للتجربة المسرحية الى بداخلها كاية أخرى ، أبطالها رجل وامرأة يلتقيان فى غابة مليئة بالأخطار، وهما يبحثان عن مأوى يجمعهما ، ويواصلان البحث معًا ، حتى عثرا على مأوى آمن فعملا على تحصيبنه ، ثم امتزجا فى النهاية فى عناق حار.
ثالثا مسرحية (التركة) شيخ صالح له كرامات يستشعر قرب أجله فيخرج إلى الخلاء ليلقى ربه ، وفاءً لندر قطعه على نفسه ، ولكنه قبل مغادرة البيت يوصى بتركته لابنه الضال الفاسد ، الذى يصاحب ماجنة خليعة ، تاركــًا شرطــًا أساسيًا لتنفيذ الوصية : أنْ يقرأ الابن الكتب الصفراء القديمة ، جهزها له الشيخ ، وأنْ يستوعب جيدًا ما تحتويه تلك الكتب. وبينما الابن يتصفح الكتب يجد النقود ، فتلهيه عن قراءة الكتب . فيُذكره الحارس أنه لا حقّ له فى مليم من هذه النقود قبل استيعاب الكتب. يضرب الولد بوصية أبيه عرض الحائط ، مستمرًا فى لهوه ومجونه حتى يُداهمه رجل فى ثياب شرطى متهمًا إياه بقتل أبيه. ويتبين فيما بعد أنذ الهدف من هذه الزيارة هو ابتزاز الفتى وتهديده حتى يقتسم التركة معه ، ثمّ جرده منها ، فهمّ أنْ ينصرف فيستوقفه النى ويهجم عليه بمطواة ويطعنه. لكن الرجل الذى يتقع غدره يتفادى الطعنة ويقيض عليه، ويلكمه ويُسقطه أرضًا ويُكبله ويُكبل الفتاة ويأخذ التركة وينصرف . ييق التى ويصرخ مستغيثا إلى انْ يحل به الظلام ، ورغم ذلك يرف الشرطى مساعدتهما ، تطبيقــًا لوصية الشيخ : ((إذا لم تستفد من هذه الكتب فلا مساعدة لك)) عندما يخلو الفتى لنفسه ويتأمل حياته يكتشف أنّ الأسلم له أنْ يكون امتدادًا لأبيه الذى كان يبيع للناس الطمأنينة مقابل المال ، فيلجأ إلى الكتب الصفراء ليتعلم منها كيف يبيع الأوهام.
رابعًا مسرحية (النجاة) بينما رجل فى حجرة الجلوس على مقعد كبير بجوار المدفأة ، إذا بجرس باب الشقة يدق رننـًا متواصلا . فتح الرجل الباب فإذا به يرى امرأة جميلة ترتدى معطفـًا وبيدها حقيبة. اقتحمت السيدة شقة الرجل وخلوته وهو لا يمنعها عن ذلك ، منبهرًا بجمالها ولأنه أعزب. هذه المرأة اللغز عرف منها أنها مطاردة من الشرطة دون أنْ يعرف سبب ذلك . وعندما يطرق الباب ترتبك وتختبىء فى غرفة نومه بعد أنْ هددته بالانتحار إذا أرشد عن وجودها. ولما كان الطارق هو صديقه لذلك لم يخطر عنها رغم المعلومات الخطيرة التى نقله لها الصديق ، حيث قال عن وجود رجال يُمشطون الشارع ويفتشون كل مكان حول المنزل بحثا عن امرأة هاربة. وبعد أنْ يجلس الصديق يشم عطر امرأة ويخبره بذلك لكن الرل ينفى وجود امرأة فى شقته. ويستمر فى الانكار عندما تتفقد الشرطة شقته وتسأله عنها. وبعد مغادرة الشرطة يُغادر الصديق ويبقى الرجل والمرأة ، التى ترفض البوح بأسباب مطاردة الشرطة لها. ويسألها الرجل عما إذا كانت عزباء مثله أ مطلقة أم مجرمة ؟ وحين تستمر فى انكارها ، همّ بضربها ، ويشتبكان فى عنف يبنقلب إلى لقاء حميمى ينتهى به المشهد ليبدأ مشهد جديد وهما أكثر رضا عن تلك العلاقة الطارئة ثم يتبادلان شرابًا حتى السكر. ورغم ذلك نجد المرأة تختلس لحظات فتتحد فيها مع حبيبها الحقيقى ، وتؤكد له أنها عازمة على الرحيل وأنها ستستمر فى حبه حتى الموت. وتلك امسرحية تشير إلأى نظرة محفوظ الفلسفية تجاه العلاقات وأنه يجب الفصل بين الحب وبين العلاقات العابرة فى الحياة ، ففى المشهد الأخير تتناول المرأة سمًا من أنبوبة دواء دون علم الرجل ، الذى ظنّ أنها نامت من كثرة الشرب . عاد صديقه لزيارته ومعه الشرطة. ويسألون عن الحجرة المطلة على الطريق العمومى ويدخلونها . وبعد قلل نسمع طلقات نارية على إثرها يهرب الصديق من البيت . ثم يسود الصمت ويخرج الضابط مستفسرًا عن حالة المرأة ، فيخبره الرجل أنها بخير. ثم يتوجه الرجل للمرأة ويخبرها أنها نجت وهو نجى ويحملها ويخرج بها. إن تلك امسرحية استمرار لألغاز مسرحية تطوع محفوظ بتقديمها للمسرح دون أن يقدم أى مبرر رامى .
خامسا مسرحية (المهة) شاب ينظر شذرًا إلأى رجل فى مكان يجمعهما فى مكان بعيد عن العمران ، ثم يضيق به الحال فيقترب منه ويسأله عن السبب الذى دعاه إلى متابعته. فقد اكتشف انه يراقبه منذ الصباح . الرجل ينكر مؤكدًا أنّ ما حدث كان مجرد صدفة. ثم سأل الشاب عن وجهته التالية ليتأكد من براءته، فيخبره أنه سيتوجه إلى ملهى بوسط البلد ، ويقرر الشاب أن يُصاحبه إلى هذا المكان. وبينما هما يتفقان على ذلك ، إذا بالفتاة صديقة الشاب تأتى إلى الموقع لتتواصل مع حبيبها ، فيضطر الرجل أنْ ينصرف عنهما ، إلاّ أنه يُعاود اتلصص علهما ، حتى يضيقا به فيحاولان طرده ، ولكنه لا يستجيب ويُجبر الفتاة على الانصراف ، فتذهب تاركة الرجلين وحدهما. فيطلب الشاب من الرجل أنْ يدعه فى حاله. ولكن فجأة شعر الشاب بألم عارض وشديد فى قدمه لدرجة عدم قدرته على السير، وطلب من الرجل مساعته فرفض الرجل وتركه وحيدًا فى هذا المكان المهجور، حتى وصل رجلان يحملان مشعلين يرتدى كل منهما ملابس حمراء ، وكبلا الشاب بحبل وشرعا فى التحقيق معه فى حوار فلسفى حول الرحمة والعدل والموت. إنّ هذه المسرحية لا يستطيع القارىء أنْ يقف عند تأويل محدد . وأن الحوارات الطويلة أضعف النص. وهذا شىء مختلف تمامًا عن المسرحيات الأخرى.
إنّ مسرحيات محفوظ الخمس قوبلت بنقد سلبى ، كان له شديد الأثر فى تراجعه السريع عن الكتابة للمسرح ، وإعلانه فى أكثر من لقاء صحفى ومقال أنه ليس كاتبًا مسرحيًا ، تحسبًا لهجوم نقاد المسرح .
المجموعة القصصية الثانية (الجريمة) الطبعة الأولى عام 1973 وبها مسرحية (المطاردة) بطلاها شابان فى ريعان الصبا. يرتدى أحدهما قميصًا أحمر، ولذلك سماه الكاتب الأحمر. والثانى يرتدى قميصًا أبيض ولذلك سًمى الأبيض. يتحدثان عن المكان الذى يجمعهما وكيف أنه مناسب لما يحتاجانه، وهما فى تلك المرحلة المبكرة من العمر. وبينما هما يلعبان إذا بالأبيض يسمع وقع أقدام تقترب ، فيصيبهما شىؤ من التوجس والارتباك ، ويدخل علهما رجل أبيض الشعر متين البنيان ، يرتدى قميصًا أسود ويمسك بيده سوطــًا وينظر إلى الفضاء . وبعد أنْ يثبت ى موقع معين على خشبة المسرح ، يُشرح فى الحركة فى مكانه بأسلوب (محاك سر) بينما تتحرك شخصيات المسرحية عبر الزمان والمكان ، ورغم ذلك فإنّ الرجل العملاق أدنى أثر فى التغير، فهو مستر فى حركة السير (محرك سر) فقط تتغير سرعته بتغير عمر الأبطال ، حيث تزداد عندما يكبران ويتزوجان من امرأة واحدة . بالرغم مما فى تلك المسرحية من خيال إلاّ أنها مونولوج داخلى يحتاج إلى التأويل وهو انّ الأبيض والأحمر، ما هما إلاّ وجهان لشخصية درامية واحدة : فالأحمر هو الجانب الشرير. والأبيض هو الجانب المثالى. إلاّ أنّ الحوار فى تلك المسرحية خفيف الظل ويبعث على الضحك لاستخدام الكاتب لجمل حوارية ساخرة توضح رؤيته وفلسفته تجاه الحاجات الإنسانية ولا سما الغريزية فيها . أيضًا استخدم الاضاءة والاظلام كأسلوب لتغيير الزمان والمكان بطريقة روائية أكثر منها درامية.
لا شكّ أنّ مسرحية (المطاردة) التى تحوى تلك الشخصيات الخيالية ، ليس فى الحقيقة إلاّ الموت الذى يُطارد الإنسان فى أى زمان وأى مكان ، رغم انّ الكاتب لم يُصفح عن ذلك واعتمد على أسلوب الايحاء لا التصريح ، وعلى المتلقى فك شفرة اللغز.
ثالثا (الشيطان يعظ) الطبعة الأولى عام 1979 مسرحيتان الولى مسرحية (الجبل) عبارة عن مجموعة من الشباب يتبنون فكرة أنْ يقوموا بأنفسهم بتحقيق العدالة فى مجتمع رأوا أنه لا يقدر على تحقيق ذلك بطريقة صحيحة ، لذا حكموا بالموت على من وجدوا أنه مذنب ولا تطوله العدالة ، ولذلك تورطوا فى سلسلة من جرائم القتل ، مما اضطرهم فى النهاية إلى تصفية أنفسهم ، بعد أنْ استمرأوا القتل ، حتى حلت عليهم اللعنة.
المسرحية الثانية (الشيطان يعظ) تجرى أحداث هذا النص فى عهد أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان الذى سمع عن قمقم يسكنه جن ، وأنّ من يمتلك هذا القمقم يحصل على قوة بستطيع بها أنْ يفرض سيادته على العالم ، فيرسل الأمير خيرة رجاله وأخلصهم وأذكاهم للبحث عن القمقم ، فينتهى بهم الأمر عند مدينة مسحورة ، أنزل عليها الجن عقابه ، فتركهم متجمدين وهم على حالتهم منذ عشرين ألف سنة ، وبعد إلحاح منهم يُعيد الجن هذه المدينة للحياة ، ليعرف الرجال الذنب العظيم الذى جعل شعب هذه المدينة يستحق الموت ، وهو أنّ ملكتهم غرّتها قوتها السحرية ، فزعمتْ أنها إلهة وأنّ على الشعب عبادتها فكان التجمد هو العقاب . وتنتهى المسرحية بظة من العفريت قال فيها ((قل لمولاكَ من يحكم بالإيمان فلا حاجة له إلى السيطرة)) فيرد عليه عبد الصمد ((انطلق أيها العفريت فقد نطقتَ بالحق)) ولذلك سًميتء ب (الشيطان يعظ) وتلك امسرحية قدمها المسرح القومى فى حفلات الماتينيه عام 1979 من إعداد وإخراج شريف عب اللطيف .
هاتان السرحيتان تختلفان عن مسحيات محفوظ السابقة لخروجها ن أسلوب العبث الذى التزم به فى نصوصه السابقة محاكيًا يونسكو وغيره من كتاب المسرح العالمى. وبعد مروره بموقف عبثى هو هزيمة 67. لكن فى مسرحتىْ الجبل والشيطان يعظ ، بدأ يظهر للشخصيات أسماء واضحة وللأحداث خلفية معروفة من حكايات ألف ليلة وليلة ، وقصة القائد العربى الشهير موسى بن نصير، بينما المسرحيات الست التى جاءت ضمن مجموعتيه القصصيتين الأولى والثانية ، كانت جميعها ذات شخصيات مجهولة الهوية والملامح ولم تحمل أسماء ذات دلالة. مثل (الفتى والفتاة) و(الشاب) و(الرجل والمرأة) و(الحمر والأبيض) واخيرًا أنه بالتحليل الموضوعى الذى دفع محفوظ لكتابة هذه المسرحيات المتناثرة داخل مجموعاته القصصية وعدم الاعتراف بها رسميًا كعمل منفصل إزاء الشكل الهائل من عالمه الروائى قصصه القصيرة. وأنّ تلك الكتابة المسرحية مرتبطة فقط بالفترة الزمنية التى كتب فيها محفوظ هذه المسرحيات بعد هزيمة 67. وكتب محفوظ ((مرّتْ بى حالات فقدتُ فيها توازنى ، فكتبتُ أعمالا ظاهرها عبث ، ولكن حرى على الانتماء أفسد عبيتها... ويبدو أننى لم أستسلم للعبث ، بل صورته وكلى رغبة فى تجاوزه)) (المصدر: نجيب محفوظ – المسرحيات – دار الشروق – الطبعة الثانية 2008)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,554,375,744
- ازدواجية المتعة في عالم نجيب محفوظ الروائي بين القراءة والفر ...
- عداء بنى اسرائيل لمصر وفلسطين
- كارثة النشر الخاص
- جدل الواقع فى مجموعة مدينة طفولتى للكاتب طلعت رضوان
- عيسى الدباغ والثورة المضادة
- مجموعة أرنى الله لتوفيق الحكيم
- خلوة الكاتب النبيل
- حاذث النصف متر تجاوزكل الأمتار
- العداء العبرى لمصر وفلسطين
- مقال عن أكابيلا ايدا وماهى
- إلى زكي مراد


المزيد.....




- بالفيديو... أول تعليق للسيسي على فيلم -الممر-
- -أسرار رسمية- فيلم يروي قصة مخبرة حول -غزو العراق-
- بلاغ وزارة الخارجية واستقالة مزوار تربك أجواء الندوة الدولية ...
- واقع العلم الشرعي وتحديات الثقافة الرقمية
- سينمائي عراقي يهدي جائزة دولية لضحايا الاحتجاجات العراقية
- وسط مشاركة كبيرة.. انطلاق فعاليات جائزة كتارا للرواية العربي ...
- مهرجان لندن السينمائي: -قرود- المخرج الكولومبي إليخاندرو لان ...
- السيسي عن فيلم -الممر-: -محتاجين فيلم زي ده كل 6 شهور.. شوفت ...
- هذا هو بلاغ وزارة الخارجية الذي أطاح بمزوار من رئاسة الباط ...
- السيسي عن فيلم -الممر-: -محتاجين فيلم زي ده كل 6 شهور-


المزيد.....

- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي
- متلازمة بروين / حيدر عصام
- -مسرح المجتمع ومجتمع المسرح-، بحث حول علاقة السياق الاجتماعي ... / غوث زرقي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هدى توفيق - محفوظ كاتبا مسرحيا أيضا