أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - علاقة المشروع الأمبرطوري الأمريكي بمخطط لتفتيت دولنا المغاربية















المزيد.....


علاقة المشروع الأمبرطوري الأمريكي بمخطط لتفتيت دولنا المغاربية


رابح لونيسي

الحوار المتمدن-العدد: 4836 - 2015 / 6 / 13 - 14:08
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    




لايمكن لنا فهم الإستراتيجية الأمريكية في فضاءنا المغاربي بمعزل عن الإستراتيجية الأمبرطورية للولايات المتحدة الأمريكية وسعيها للتحول إلى زعيمة العالم المتفردة-حسب تعابير الكثير من مفكريها الإستراتيجيين-، بل لا نستبعد سعي الولايات المتحدة لتكوين دولة عالمية على شكل هرمي وتراتبي تقودها هي سواء بسيطرة مباشرة أو بتكوين دويلات صغيرة موالية لها وعلى شكل محميات.
فالنظام العالمي اليوم يسير في طريق إعادة التشكل بنفس طريقة إنشاء الدول القومية في الماضي في أوروبا على يد البرجوازيات الوطنية وفي خدمتها، لكن عالم القرن الواحد والعشرين يسير تجاه دولة عالمية على يد برجوازية عالمية وفي خدمتها ، فكما كان الأفراد والمجموعات ومراكز القوى واللوبيات هي المؤثرة في صناعة قرارت الدولة القومية، فإن في النظام العولمي القادم ستصبح الدول والكيانات السياسية شبيهة بالأفراد وهذه المجموعات في الدولة القومية، وتسعى الولايات المتحدة الأمريكية كي تكون على رأس هذه الدولة العالمية أو كما يسميه هننغتون بنظام عالمي وحيد ومتعدد الأقطاب في نفس الوقت ، أي أحادي القطبية من جهة وهي الولايات المتحدة الأمريكية وفي نفس الوقت متعدد الأقطاب لقوى بدرجة ثانية نسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي ستكون على رأس هذه الأمبرطورية العالمية، ويكون دورها نفس دور رأس السلطة في الدولة التقليدية المتحالفة مع قوى ومجموعات لها نفوذ جزئي داخل الدولة، وستتكون هذه القوى من التكتلات الكبرى كأوروبا والصين وروسيا وغيرها من القوى، ثم نجد إلى جانبها مجموعة كبيرة من الدول والإمارات والكيانات السياسية الخاضعة بشكل متفاوت، والتي ليس لها كلمة مسموعة في صناعة القرارات الدولية، والتي ستسعى لإرضاء سيد العالم والقريبين منه، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وهذه القوى، وتحدد مكانة كل دولة حسب دورها وقربها أو بعدها عن القمة العالمية في هذا الهرم التراتبي، وأقصى مايمكن أن تقوم به بعض الدول القوية عسكريا نوعا ما مثل الجزائر هو المساهمة بقدراتها العسكرية والمالية في حفظ الأمن العالمي في أقاليمها، لكن تحت وصاية الولايات المتحدة الأمريكية، ويبدو هذا ما تسعى إليه اليوم كلا من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا بالنسبة لدور الجزائر في الساحل.
ولايمكن لنا فهم هذه الإستراتيجية الأمريكية بمعزل عن مباديء فكرية صنعت هذه الدولة الأمريكية، وكذلك بمعزل عن التطور التدريجي لنطاق نفوذها منذ نشاتها وهي:
- مبدأ مونرو القائل بالعزلة والإكتفاء بالدفاع عن القارة الأمريكية والقول أن "أوروبا
للأوروبيين وأمريكا للأمريكيين" في 1822، ثم طوره ترومان عام 1949، بالخروج من الدفاع والتدخل في القارة الأمريكية فقط إلى التدخل دفاعا عن أي بقعة في العالم الحر الرأسمالي في مواجهة العالم الشيوعي، وليتطور اليوم مع العولمة إلى حق التدخل في أي مكان في العالم يهدد فيه الأمن وما تعتبره مصالح العالم، فهي ستصبح بذلك شرطية العالم تضمن الأمن والإستقرار في كل مكان من العالم، خاصة أمن الطاقة والمواد الأولية وطرق التجارة العالمية، ولهذا فهي تنفق 50% من الإنفاق العسكري العالمي، وقدر ب722مليار عام 2010 مقابل 98مليار للصين و59مليار لفرنسا ، ويدخل في هذا الإطار نشأة الأفريكوم والفوضى التي يعرفها فضاء الساحل والصحراء لتبرير التدخل العسكري والقيام بمهمة الحفاظ على أمن العالم في هذا الفضاء الأفريقي، وهو في الحقيقة تطبيق لفكرة هوبز القائلة بأن الفوضى الأمنية هي التي أنتجت الدولة عندما تنازل كل الأفراد لشخص واحد يقوم بضمان الأمن ، فالولايات المتحدة من خلال زرع الفوضى العالمية تريد تنازل العالم لها لضمان الأمن والسلم والحماية، وما يدعم مطالبها هو ظهور أخطار أمنية جديدة ليس بمقدور الأساليب التقليدية مواجهتها، بل حتى الولايات المتحدة الأمريكية تعاني عجزا لمواجهتها - حسب بريجنسكي-، لأنها تتطلب تكنولوجيات عالية جدا ليست متوفرة لدول متوسطة وما أدراك دول الساحل الضعيفة جدا، ويخوف بريجنسكي العالم بالقول أن أي ضعف أمريكي ليس معناه صعود الصين كما يعتقد البعض بل هي "فوضى أمنية عالمية"، ولايتحرج على إستخدام مصطلح "السلطة العالمية"، لكنها سلطة وسيطرة ناعمة من خلال توزيع السلطات والنفوذ على عدة دول في العالم، وهي التكتلات والقوى الكبرى، ومنها أوروبا والصين وروسيا على حساب الدويلات الضعيفة ، أي إقامة دولة عالمية بالرضا وتوزيع النفوذ والمهام والسلطات على بعض القوى والدول، أي قيادة أمريكية للعالم وليست سيطرة.
- مبدأ ويلسون عام 1914 الذي يقول بحق الشعوب في تقرير مصيرها، والذي طور في
ميثاق الأطلنطي عام 1941، ولهذا فككت الأمبرطويات النمساوية – المجرية والعثمانية تطبيقا لهذا المبدأ، وكان وراء ظهور دول مستقلة جديدة في أوروبا فقط غداة الحرب العالمية الأولى، لكن لم يطبق على المستعمرات بسبب رفض كل من بريطانيا وفرنسا تطبيقه آنذاك على مستعمراتها، لكن بإمكان الولايات المتحدة الأمريكية أن تعيد طرح نفس المبدأ بشكل آخر، وتستند عليه لإعادة تشكيل الخريطة السياسية لبعض الدول القائمة وتفكيكها اليوم على أسس طائفية وعرقية وثقافية، وهو ما يمكن أن يقع في فضاءنا المغاربي .
فلم تتخل الولايات المتحدة الأمريكية قط عن فكرة الزعامة على العالم، فإن سعت إلى ذلك مع المحافظين الجدد الذين أبرزوا أيديولوجيتهم وأهدافهم بوضوح، لكنهم أثروا سلبا على السياسة الأمريكية بفعل إستخدامهم العنف المباشر وغزو الدول تحت غطاء نشر الديمقراطية، خاصة في عهد جورج بوش، ويرى بريجنسكي أنهم أضروا كثيرا بالإستراتيجية الأمريكية ، لكن لم تتخل الولايات المتحدة الأمريكية عن عن هذا الهدف الإستراتيجي، بل غيرت فقط التكتيك وأساليب تحقيقه، وتسعى مع أوباما إلى إستبدال السيطرة بالقيادة السلسة للعالم ، ولا يمكن لها تحقيق ذلك إلا بزرع الفوضى الخلاقة في عدة مناطق تدفعها إلى البحث عن الأمن فقط لا أكثر ولا أقل لتأتي هي لتضمن ذلك، ولايجب أن يخفى عنا ذلك في فضاءنا المغاربي-خاصة الصحراء الكبرى- أين تستخدم الإرهاب تارة و"التوهمات العرقية" تارة أخرى لتحقيق ذلك، ثم إنشاء إمارات آمنة تحت نفوذها شبيهة بإمارات الخليج، وهي تتفق في جزء من ذلك مع أوروبا التي تخشى الهجرات إليها مما يهددها في تماسكها الثقافي والإجتماعي، خاصة وأن بعض الدراسات تقول بإمكانية هجرة 150 مليون مهاجر أفريقي إلى القارة الأوروبية في ظرف الأربعين سنة القادمة إن لم توقف هذه الهجرات ، ولوقف هذه الهجرات التي عجزت دول المنطقة كالجزائر والمغرب وليبيا وتونس إيقافها، فيمكن اللجوء إلى إنشاء تلك الإمارات في الصحراء الكبرى القليلة السكان، لكنها الغنية جدا بالطاقة ومختلف الثروات، مما يدفعها إلى جلب العمالة من أفريقيا مثلما تجلب دول الخليج العمالة من آسيا، مما يؤدي إلى إستقرار المهاجرين في هذه الدويلات المصطنعة.
ونشير إلى أن التحضير لذلك يتم اليوم على الصعيد الفكري والأيديولوجي بالتلاعب بالعقول، حيث تنتشر بقوة اليوم فكرة "دول صغيرة لكنها غنية"، وعادة ما أصبحت الإمارات الخليجية نموذجا للعديد من سكان الصحراء الكبرى الذين بدأت تنتشر في البعض منهم فكرة أن ثروات الصحراء هي لهم فقط ، ولهذا لو أنفصلت وأقامت دول صغيرة حول منابع النفط، لتحولوا مثل إمارات الخليج، فأختلط ذلك مع مصالح أمراء الإرهاب في الصحراء والساحل في إقامة دولة فيها تكون منطلقا للسيطرة على كل الفضاء المغاربي ثم الإسلامي بهدف تحقيق ما تعتقده "حلم إحياء الخلافة الإسلامية".
لايمكن لنا أن نستهين بذلك، ويجب أن نضع في أذهاننا أن أغلب الإنفصالات التي وقعت لم يكن سببها الفعلي ثقافي كما يعتقد البعض، بل إما رغبة من مجموعة لأخذ السلطة أو رغبة لدى مجموعة من السكان لتحسين وضعها الإقتصادي والإجتماعي معتقدة أن الآخرين يشاركونهم الثروة الموجودة على أرٍضهم أو أنهم عبء عليهم، أفلم تكن إمارات الخليج ألد أعداء الوحدة العربية، وينظرون إلى العرب الآخرين كأنهم يريدون مشاركتهم الثروة النفطية، وهناك أمثلة كثيرة حول هذه الإنفصالاتـ،، أفلم ينفصل جنوب السودان إلا لأنه يحتوي على منابع هامة للنفط، ويمكن أن تدخل فكرة الإنفصال حتى مناطق غنية بموارد أخرى كاليورانيوم أو الذهب للإستفادة منها لوحدهم، فمثلا قضية إستغلال اليورانيوم في النيجر وراء تمرد التوارق الذين رأوا أن مناجم آرليت يستفيد منها الهاوصة والجرماس على حساب التوارق ، وطبعا عادة مايستخدم لتحقيق ذلك غطاءات ثقافية ودينية وقبلية.
ولعل يستبعد البعض هذا الطرح، لكن لا يخفى علينا أن العولمة الرأسمالية اليوم تدفع إلى تمركز المركز الرأسمالي وظهور تكتلات كبرى فيه مقابل تفتت دول الأطراف، فلو نتتبع معدلات الدول الجديدة منذ الحرب العالمية الثانية حتى عام 1985 كانت2,47 في السنة الواحدة ، ومنذ 1991 حتى 2001 أصبحت بمعدل2,9، لتنتقل من2002 إلى 2011 إلى دولة واحدة في أقل من كل سنتين ، وهو ما يوحي بخطورة الإنفصالات في عالم اليوم، وإن كان في الظاهر أسبابها هي ثقافية ودينية، إلا أنها في الحقيقة يختفي وراءها السبب الإقتصادي والبحث عن الرخاء ، خاصة بعد ماتضاءل دور مساحة الأقليم كعنصر من عناصر القوة للدولة على عكس العقود السابقة ، فالصراعات اليوم داخل الدولة الواحدة هو حول الريوع، خاصة النفطية منها، فحسب تقرير للبنك العالمي يقول أن الدولة الغنية بالنفط تتضاعف فيها إحتمالات التحول إلى مسرح للصراعات المسلحة بتسع مرات مقارنة بالدول الأخرى .
لعل يستغرب البعض إن قلنا أن حتى الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت اليوم توظف العامل الثقافي من أجل تحقيق أهدافها الإستراتيجية في الوقت الذي يبدو أن فرنسا المعروفة بذلك قد تراجعت نوعا ما عن توظيف هذا العامل في إستراتيجياتها.
فمنذ أن برزت نظرية هننغتون حول صدام الحضارات، أصبحت الولايات المتحدة ة لا تهمل هذا الجانب، خاصة وأن الحركات الدينية التي توظفها الولايات المتحدة قد رحبت بهذه النظرية، وأخذتها كدليل إقناع الكثير من المسلمين بأن الغرب عامة هدفه الإسلام، وأن الصراعات هي صراعات دينية، وليس حول مصالح إقتصادية وسياسية وإستراتيجية، مما أعطى لهذه الحركات البعض من الشرعية لتجنيد الكثير من المسلمين على أساس الدفاع عن الإسلام وقيمه في مواجهة الحضارة الغربية وقيمها.
فقد عانت كل من دولنا المغاربية وجنوب الصحراء من تأثر الكثير من نخبها بالفكر السياسي الفرنسي اليعقوبي المبني على المركزية والأحادية، خاصة في مجال الهوية والثقافة، مما أدى إلى تهميش جزء كبير من شعوبها، مما أنتج ردود فعل ثقافية زادتها حدة التهميش الإقتصادي والإجتماعي كما حصل في المالي، وكذلك في بلدان مغاربية أخرى، ومنها ليبيا، مما أدى إلى بروز جماعات ثقافية وهويات تحتية كردود فعل على الإقصاء والإحتقار، وقد ثبت نفسيا أن أي محاولة لإقصاء ثقافة أو إحتقارها يؤدي إلى تقويتها أكثر، وأزداد بروزهذه الهويات الفرعية مع التوسع الرأسمالي والعولمة الثقافية التي دفعت إلى التعصب الهوياتي، وكل تعصب ينشأ ردود فعل وتعصبات أخرى، مما أصبح يهدد وحدة الدول، ويدفعها إلى صدامات ثقافية، خاصة الدول التي لا تعترف بالتعددية الثقافية أو عجزت عن إيجاد تنظيم سياسي وثقافي يسير هذه التعددية، أو عجزت عن تحقيق بناء وطني مبني على هوية وطنية مركبة تضم كل المكونات الثقافية للأمة دون أي إقصاء أو تهميش، وقد كان للنموذج الفرنسي اليعقوبي الممركز على الصعيد السياسي والثقافي مسؤولية كبرى في إنشاء هذا الوضع الذي يعد بالإنفجار والتفتت للعديد من الدول المغاربية وكذلك دول الساحل وجنوب الصحراء.
لكن في الوقت الذي بدأت تدرك بعض نخب هذه الدول أخطائها في عملية البناء الوطني، وترى ضرورة إعادة النظر في سياساتها الثقافية وبناء هويات جديدة مركبة تكون أساسا لبناء وطني جديد وسليم، يظهر أمامنا منظر صدام الحضارات هننغتون بنظرية جديدة تقوض هذه الحلول الجديدة في كتاب له عام2004 بعنوان"من نحن؟ّ-الهوية الوطنية وصدام الثقافات-" ، أين يريد إقناعنا أن التعدد الثقافي للولايات المتحدة الأمريكية خطر عليها وضرورة الدفاع عن ما يسميها الهوية الأمريكية المبنية على الثقافة الأنكلوساكسونية فقط دون الأخذ بمكوناتها الأخرى، وكأنه مرة أخرى يظهر أمامنا هننغتون في إطار مخطط إستراتيجي مدروس بدقة لإعطاء دفع جديد للبعض من المنغلقين ثقافيا عندنا بسلامة طروحاتهم الإقصائية لمختلف المكونات الثقافية لشعوبنا، أي إعطاء شرعية جديدة تحت غطاء أكاديمي مشبوه للمنهج اليعقوبي المركزي الفرنسي الذي أضر بوحدة دولنا، وكأن هناك حرب تدار في العقول والأفكار لخلق الفوضى في دولنا بهدف تحقيق الهدف الإستراتيجي الأمريكي، والمتمثل في الفوضى الخلاقة المبنية على صدامات ثقافية لتقبل الشعوب في الأخير بالتوفير الأمريكي للأمن والإستقرار ، ولما القبول بالدولة العالمية تحت السيطرة الأمريكية، خاصة وأن منشأ الدول والقبول بأي سلطة كان نتيجة الفوضى وإنعدام الأمن، وقد بدأ يبرز ذلك جليا بعد مطالبة بعض الليبيين بالتدخل الأجنبي للحفاظ على الأمن بعد ما عاثت الجماعات الإرهابية في البلاد وظهور بوادر حرب أهلية بين قبائل ومكونات ثقافية مختلفة لم يقبل بعضها بعضا، وكان تصادمها نتيجة للسياسة الأحادية ومبدأ فرق تسد الذي طبقه نظام القذافي من قبل للبقاء في السلطة، والذي أقصى العديد من الأبعاد الثقافية للهوية الليبية.
فمنذ أن قال بريجنسكي مقولته الشهيرة "من يسيطر على الإسلام سيسيطر على الشرق الأوسطّ"، أصبح توظيف وإستغلال الدين الإسلامي جزءا أساسيا في الإستراتيجيات الغربية خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ولو أنها قد أستخدمته من قبل ضد الشيوعية، إلا أنها أستخدمته بشكل فعال في أفغانستان لتقويض الإتحاد السوفياتي، بل حتى الثورة الإيرانية كان ينتظر منها البعض من واضعي السياسات الأمريكية التأثير في مسلمي الإتحاد السوفياتي، فلا ينفي بريجنسكي في العديد من حواراته دور الولايات المتحدة الأمريكية في إنشاء الإرهاب بإسم الإسلام، ومنها القاعدة لبن لادن ، ويبدو أن الجماعات الإرهابية التي كانت تعمل لإقامة دول إسلامية في بلدانها مثل الجزائر أو مصر أو أفغانستان وغيرها قد تأثرت اليوم بشكل غير مباشر لفكرة روجت بقوة على يد مخابر مشبوهة مفادها أن الخلافة الإسلامية وكل الدول الإسلامية التي ظهرت في التاريخ كان منطلقها الصحراء، ومنها حتى الدولة السعودية التي أنطلقت من الصحراء مستندة على العنف والوهابية وهي الأيديولوجية المنتجة للإرهاب بإسم الإسلام اليوم، وبنفس الأسلوب لجأت هذه الجماعات الإرهابية حتى هي إلى هذا الفضاء الصحراوي للسيطرة عليه تدريجيا معتقدة أنها بإمكانها إقلاق الدول كالجزائر بضرب المنشآت البترولية لإضعافها إقتصاديا، ثم الإعتماد على نشر فكرة أحقية السكان المحليين لوحدهم في النفط ، وبأن إقامة دولة لهم حول المنشآت النفطية والطاقوية سيدعم ويحسن حياتهم المعيشية مثل سكان الدويلات والإمارات الخليجية.
لكن هذه الفكرة هي في الحقيقة آتية من المخابر الإستراتيجية الأمريكية لتوظيفها فيما بعد لتحقيق الأهداف الأمريكية في إقامة دول شبيه بدول الخليج في فضاء الساحل والصحراء الكبرى، لأنها تعي جيدا أن الأيديولوجية الإسلامية لا يمكن لها تحقيق الوحدة على عكس ما تروجه هذه الحركات الدينية، بل تكرس التفتت أكثر بسبب الطائفية وتأويلات متباينة للنصوص الدينية عادة ما تؤدي إلى العنف فيما بينها بسبب إختلافات حول فتاوي وقضايا دينية عديدة، ولهذا ستتفكك هذه الجماعات الإرهابية أكثر على أساس مناطق وجماعات ثقافية متباينة، فتنشأ عدة دول متصارعة في الصحراء الكبرى، كما وقع في أفغانستان أين أنقسمت الجماعات والأحزاب الدينية على أساس قبلي وثقافي، ويمكن جدا أن تعتمد الولايات المتحدة في ذلك على إقامة دويلات إخوانية وسلفية غير جهادية، وتبقي على الحركات الإرهابية تستخدمها ضد هذه الإمارات والدويلات بهدف الإبقاء على إنتشارها العسكري وتحكمها في هذه الدويلات، وقد بدأ هذا المشروع يطبق في ليبيا، وأمام الفوضى وإنعدام الأمن ستلجأ الإمارات والدويلات الناشئة الجديدة على أساس ديني إلى الولايات المتحدة الأمريكية كما تفعل إمارات الخليج، فتصبح هذه الدويلات تابعة لأمريكا وتدور في فلكها مع تطبيق صارم للشريعة كما يحدث في الخليج العربي اليوم، وبذلك ستسيطر الولايات المتحدة على منطقة هامة في إطار صراعها العالمي من أجل الزعامة، وترضي أوروبا بإيقافها للهجرة وضمان تزويدها بالنفط مع التحكم فيه كما سبق أن أشارنا إلى ذلك.


الهوامش
- Jean Ziegler, Les nouveaux maitres du monde et ceux qui leur résistent, ed Fayard Paris2002
- Samuel.P Huntington, The lonely Super Power, Review Foreign Affairs, n°(March-April 1999)
-Buhler, La puissance au21°siecle-les nouvelles définitions du monde, CNRS ed Paris2011 pp420-421
-Thomas Hobbes, Leviathon, ed Essais Follio, Paris2000
- زبيغنيو بريجنسكي، رؤية إستراتيجية- أمريكا وأزمة السلطة العالمية-، ترجمة فاضل جتكر، دار الكتاب العربي بيروت2012
- زبيغنيو بريجنسكي، الفرصة الثانية- ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأمريكية، ترجمة عمر الأيوبي، دار الكتاب العربي بيروت2007 ص ص141-183
- Zbigniew Brizesnsky, Le Vrai choix- l’Amerique et le reste du monde, ed Odil Jacob Paris 2004
-Ali Besaad, Op-Cit
- E.Grégoire, Niger : un etat a forte teneur en uranium, Op-Cit
- وليد عبد الحي، آفاق التحولات الدولية المعاصرة، دار الشروق ، عمان 2012 ص 24
-Pascal Boniface, The proliferation of states, Washinton Quartely, Autun1998
- Bertrand Badie, la fin des territoires, ed Fayard Paris1995 p157
-Rapport de la banque mondial année2009
- Samuel.P Huntington, Qui sommes- nous ?-identité nationale et choc des cultures-, ed Odil Jacob Paris2004
- يمكن العودة حول إستراتيجيات الفوضى إلى كتاب:
T.Delpcht, Politique du chaos-l’autre face de la mondialisation-,ed Le Seuil paris2002
-Nouvel Observateur n°(15-21/01/1998)





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,560,453,808
- معوقات بناء دولة-الأمة الجزائرية بين القطيعة والإستمراية
- صرخة إلى الضمير الوطني-داعش كأداة لإعادة إنتاج الإستعمار الغ ...
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ...
- الجذور التاريخية للتوظيف السياسوي لمسائل الهوية في الجزائر
- مقاربة لفهم ومواجهة أخطار التفكك في دولنا المغاربية
- من غيب المغاربيون في التاريخ الحضاري؟
- هل نحن بحاجة اليوم إلى بروتستانتية إسلامية؟
- مقاربة للخروج من مأزق الإنتقال الديمقراطي في العالم العربي-د ...
- حركة التاريخ بين سدنة المعبد وورثة الأنبياء
- نقاش حول مسألة إعادة ترتيب سور القرآن الكريم
- من أجل مواجهة عالمية لبوادر تكرار الظاهرة الإستعمارية
- علاقة نشر -التوهمات العرقية- بمخطط تفجير الدول المغاربية
- التمهيد الأيديولوجي للقبول بالسيطرة الداعشية على أوطاننا
- التفكك في العالم العربي: هل هي إستراتيجية إسرائيلية أم نتاج ...
- من أجل إجتثاث الإرهاب والقلاقل الأمنية في الفضاء المغاربي
- أسس جديدة لدولة ديمقراطية وإجتماعية-من أجل نظام سياسي بديل-
- حل نهائي لمشكلة العلاقة بين الحداثة والإسلام في مباديء الثور ...
- محمد عابد الجابري وتنظيره اللاشعوري للقومية المغاربية
- ردا على طروحات عثمان سعدي-من أجل نقاش علمي وهاديء حول المسأل ...


المزيد.....




- هل أكد ترامب سرا مفتوحا؟.. وجود -50 سلاحا نوويا أمريكيا- في ...
- الملكة رانيا العبدالله -تخرج عن صمتها- وترد برسالة على -حملة ...
- احجز لقضاء عطلة في منزل باربي الشهير على Airbnb
- سوريا - تركيا: من يمسك بمفاتيح اللعبة؟
- لوال ماين.. من لاجئ إلى صاحب شركة ألعاب فيديو لنشر السلام
- إندبندنت: رجال حول ترامب يصطفون للشهادة ضده بالكونغرس
- مسؤول سعودي يكشف عن مكان سعود القحطاني
- موطنه دولة عربية... علماء يكتشفون أسرع نمل في العالم...فيديو ...
- عودة أكثر من ألف لاجئ سوري إلى أرض الوطن خلال الــ 24 الساعة ...
- مـد خط أنابيب -التيار التركي- عبر صربيا يجري وفقا للخطة وينج ...


المزيد.....

- معاهدة باريس / أفنان القاسم
- كانطية الجماهير / فتحي المسكيني
- مقتطفات من كتاب الثورات والنضال بوسائل اللاعنف / يقظان التقي
- يا أمريكا أريد أن أكون ملكًا للأردن وفلسطين! النص الكامل / أفنان القاسم
- ماينبغي تعلمه! / كورش مدرسي
- مصطفى الهود/ مشاء / مصطفى الهود
- قصة الصراع بين الحرية والاستبداد بجمهورية البندقية / المصطفى حميمو
- هل من حلول عملية لمحنة قوى التيار الديمقراطي في العراق؟ / كاظم حبيب
- اقتصاد قطاع غزة تحت الحصار والانقسام الحلقة الثامنة: القطاع ... / غازي الصوراني
- الدولة المدنية والدولة العلمانية والفرق بينهما / شابا أيوب شابا


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - علاقة المشروع الأمبرطوري الأمريكي بمخطط لتفتيت دولنا المغاربية