أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الشعر والصدق الفنى : قراءة فى ديوان (إسكندريه يوم واحد)















المزيد.....

الشعر والصدق الفنى : قراءة فى ديوان (إسكندريه يوم واحد)


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 4823 - 2015 / 5 / 31 - 15:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الشعر والصدق الفنى
قراءة فى ديوان (إسكندريه يوم واحد)
طلعت رضوان
ينقسم الشعر إلى قسميْن رئيسييْن : المناسبات والهجاء والمديح كما هو سائد فى الشعر العربى ، وهو لا يعيش بعد ولادته مثل الجنين الذى يخرج للحياة ولم يكتمل نموه. ولهذا كان التحفظ على تصنيفه ضمن فنون الأدب ، لأنه يفتقد خصائص فن الشعر. القسم الثانى هو الشعر الذى يتعامل مع قضايا الإنسان ، من رحلة الميلاد إلى الموت إلى القضايا الاجتماعية والثقافية ، وقضايا المصير الفلسفية.
وعندما قرأتُ ديوان (إسكندريه يوم واحد) للشاعر طارق هاشم الصادر عن هيئة قصور الثقافة عام 2014 لمستُ هذه المعانى (الكلية) والتى صاغها بأقل الكلمات وبلغة مصرية ، أى اللغة التى أطلق عليها المُـتعلمون المحسوبون على الثقافة المصرية السائدة (عامية اللغة العربية) فى حين أنها لغة مستقلة عن اللغة العربية، لأنّ العبرة بالبنية Structure وليس بالكلمات.
فى قصيدة (هىّ بس) عبّر عن الإنسان الأحادى والذى لا يرى غير ذاته، وبالتالى لا يرى ولا يعترف بغيره فكتب ((ما بتحبش حاجه/ ما بتحبش حد/ ولا نفسها / هىّ بس/ موهومه بذاتها)) ولذلك فإنّ مثل هذه الإنسانة لا تعرف الحب ، لا حب الآخرين ولا حب نفسها. وعكس هذه الإنسانة فإنّ الراوى فى قصيدة (مخنوق) لديه الرغبة فى العطاء والتواصل الإنسانى ولكنه عاجز عن الفعل فقال ((مخنوق من حاجات كتير/ أولها / باختصار/ إنى بحبك/ ومش قادر أعمل لك حاجه/ أى حاجه)) ومن هنا كانت دلالة العنوان (مخنوق) وفى قصيدة (زهق) إسقاط بديع على الوضع الاجتماعى لكل إنسان فقير وشريف فقال ((ح أكمل الشتا بالجاكت القديم/ مش معترض/ بس زهقت)) وفى قصيدة (من حقى) معالجة فنية للحق فى التواصل الإنسانى ، ورغم ذلك فإنّ هذا الحق موؤود لأسباب تركها الشاعر لتخمين القارىء فكتب ((من حقها تشوفنى/ من حقى أبوسها / طيب ليه ما بيحصلش؟)) وفى قصيدة (قد إيه) المكونة من 8 كلمات معالجة فنية للعلاقة بين الأسئلة والإجابات فقال ((قد إيه الأسئله بتعذب/ قد إيه الإجابات غبيه)) وكان موفقــًا عندما ترك مساحة بيضاء بين البيتين ، فترك للقارىء تخيل أسباب العذاب الذى تـُحدثه الأسئلة ، ولماذا تكون الإجابات غبية. وفى قصيدة (سفر) منح الراوى البحرَ صفة من صفات البشر عندما قال ((والبحر مش مبسوط)) ولأنّ القصيدة فيها شجن وحزن وبدأها بوصف صديقته ((لونها مخطوف)) لذلك عـَكــَسَ حالته النفسية على البحر. ولأنّ البحر لا يكون إلاّ فى المدن الساحلية ، فقد أنهى القصيدة ببلاغة عندما قال ((وأنا واقف أعد البلاط اللى بينى وبين القاهره))
وامتلك الشاعر شجاعة التعبير عن ظاهرة انتشرتْ فى مصر فى السنوات الأخيرة ، أى ظاهرة الفتيات اللائى يكتبنَ القصة والشعر والنقد الأدبى ، ويجلسنَ على المقاهى يدخنّ السجائر والشيشة ، ومع ذلك صدّقنَ أكذوبة أنّ شعر المرأة (عورة) فوضعنَ قطعة قماش على رؤوسهن لإخفاء تلك (العورة) فعالج الشاعر تلك الظاهرة بشكل فنى وبدون أية مباشرة فكتب ((طيبه.. بس غبيه.. بتحب الشعر.. بس غبيه.. وأصعب شىء إنْ الإنسان يحصل على التعاطف والاحترام.. لمجرد إنه طيب.. الطيبه مش مؤهلات)) وأعتقد أنّ هذه القصيدة صرخة شعرية عبّر فيها الشاعر عن حالة التناقض التى تمر بها أى إنسانة تتعامل مع الأدب والفن وفى نفس الوقت تتبنى التراث العربى/ الإسلامى الذى احتقر المرأة.
والديوان به العديد من القصائد التى عالجتْ أهمية التواصل الإنسانى بين البشر، من بينها قصيدة بعنوان (ذكرى) عن علاقة بين شخصيْن لا نعرف أية تفاصيل عنهما ومع ذلك فإنّ الشاعر أوحى بالكثير الذى تركه لخيال للقارىء فكتب ((بتجيلى كل يوم فى المنام/ تبوسنى من خدى/ وتسيب لى باكو شكولاته/ وصوره لجناين/ ومنديل عليه بوسه مطبوعه بروج قديم)) وعلى القارىء أنْ يُخمّن من هى هذه الإنسانة؟ هل هى أمه (فى رمز الشكولاته) أم زوجة أو حبيبة فى رمز المنديل الذى عليه (بوسه مطبوعه بروج قديم) ؟ وهكذا فى معظم فصائده يترك مساحة لتفاعل القارىء معه.
ولأنّ التواصل الإنسانى محكوم بالظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بل والنفسية ، لذلك كثيرًا ما ينقطع هذا التواصل الإنسانى ، ويظل الإنسان المُـقبل على الحياة ، ولديه (جينات) المقاومة لكل مُـعوّقات هذا التواصل ، حائرًا عندما يأخذ الطرف الثانى فى العلاقة قرار الانفصال ، وهو ما عبّر عنه الشاعر فى قصيدة (تعاسة) فكتب ((نفسى أعرف إيه مخوفها / إيه اللى خلاها فجأة/ تقطع كل الجوابات اللى بعتها لها / وترمى لى الدبله/ وتسيبنى أدور على تاريخ جديد م التعاسه)) وتأتى الكلمة الأخيرة (التعاسة) لتؤكد أنّ (قطع) العلاقات الإنسانية ، أو عدم وجود (علاقات إنسانية) لابد أنْ يؤدى إلى (التعاسة) أو كما قال الشاعر ((تسيبنى أدور على تاريخ جديد م التعاسه)) وفى قصيدة (كــُره) يختتمها بالحديث عن البنت ((اللى سابتنى بين أربع حيطان / أكمل عشايا دموع))
ورغم أنه لا يمكن التنبؤ أو التأكد من أنّ الشاعر يُخاطب فتاة واحدة بعينها أم عدة فتيات فى قصائده ، فإنّ الحالة الوجدانية واحدة ، وكأننا إزاء معزوفة موسيقية مُـتعدّدة النغمات ، فيقول فى قصيدة (أثر) ((الأغنيه اللى عاشت معايا / بعد 3 سنين من فراقها / ما بقا لهاش أثر على شفايفى / راحت / زى كل الحاجات اللى راحت / وخدتها وياها / فى دولاب الحياه الجديده)) ونفس الإحساس عالجه فى قصيدة (نظره) حيث ((نفس الوش/ نفس الإيدين / نفس النظره / والحاجات اللى سابتنا / لحد ما انحنى كل شىء فينا)) وفى قصيدة (لوحدك) فإنّ الشاعر يُخاطب نفسه قائلا ((لوحدك ع البحر/ ما فيش مراكب/ ولا صيادين/ ولا طيور هربانه من فخاخ الحياه / ما فيش قهاوى فاتحه / ولا أى شىء يستاهل / إنك تسيب نفسك ضحية هواجس / فى سبيل إنك ترضيهم / وتخسر حياتك)) ورغم أنّ الشاعر فى هذه القصيدة يُخاطب ذاته – غالبًا – عندما بدأها قائلا ((لوحدك ع البحر)) فقد أحسستُ أنه يُخاطبنى ، وربما هذا الإحساس يكون لدى آخرين، ممن يشعرون بالوحدة القاتلة حيث لا مراكب ولا صيادين ، بينما (الهواجس) تفرض نفسها على النفس البشرية ، لذلك يُخاطب ذاته - أو يُخاطبنا – بأنه (( لا شىء يستاهل إنك تسيب نفسك ضحية هواجس/ فى سبيل إنك ترضيهم/ وتخسر حياتك)) وهنا يترك للقارىء حرية تخيل من هم الذين كان يسعى لإرضائهم ثمّ تمرّد على ذاته ورفض هذا السلوك.
وفى القصيدة التى أخذتْ عنوان الديوان (إسكندريه يوم واحد) ينتقل الشاعر- فى أبيات قليلة – من القاهرة إلى الإسكندرية. ومن (البارات) الموجودة فى شارع طلعت حرب وأغلقتْ أبوابها ، والتوقيت هو بداية الفجر مع خيوط الشبورة ((اللى حاضنه القزاز)) وفى البيت التالى مباشرة يكون التوقيت الساعة 7 الصبح ((والصيادين بيفردوا السنين ع الميه)) ورغم أنه كتب عبارة (أقصد شِباكهم) بين قوسين ، فإنّ البلاغة الشعرية فى صياغة ((الصيادين بيفردوا السنين ع الميه)) أوحتْ بحركة الحياة فى مدها وجذرها ، كإنعكاس لحالة الشاعر النفسية الذى قضى يومًا واحدًا فى الإسكندرية. ولم يذكر لماذا ذهب وترك الإجابة لخيال القارىء.
000
أهم ما يُميّز شعر الشاعر طارق هاشم ، القصائد القصيرة جدًا.. وبالتالى فهو يعتمد على درجة عالية من (الكثافة الفنية) التى – بدورها – تحمى المُـبدع من الترهل والتكرار- كما يفعل البعض – وتكون النتيجة أننا إزاء (زوائد دودية) يجب استئصالها. الخاصية الثانية أنّ طارق هاشم يكتب الشعر وكأنه يُخاطب صديقــًا ، لذلك تخلو قصائده من أى تكلف أو تعقيد أو تزيد. الخاصية الثالثة أنه التزم فى الكتابة بالمصرى بقاعدة (المنطوق) وليس (المكتوب) فشعبنا ينطق كلمة (الميه) بالهاء وليس بالتاء المربوطة ، وهكذا فعل الشاعر، بينما آخرون يزعمون أنهم يكتبون ب (العامية) ومع ذلك يقعون فى الخطأ عندما يضعون نقطتيْن فوق الهاء. والأمثلة عديدة فى التزامه بالكتابة وفق النطق، ولا أعرف من السبب فى وضع نقطتيْن فوق هاء (الإسكندريه) هل هو الشاعر أم مُصمّم الغلاف؟ كذلك عندما كتب وفق الكتابة السائدة (هاقول) بينما الأصح – وفق قواعد اللغة المصرية أنْ تكون (ح أقول) أو (ح يمشى) إلخ لأنّ حرف الحاء حرف مستقبلى فى اللغة القبطية. كذلك كتب ((طب أنا ليه عاملهم حساب بالشكل ده)) والأدق هو فصل الفعل عن المُـخاطب فتكون (عامل لهم) وأداة الإشارة (ده) يجب أنْ تـُكتب بالألف (دا) لأنّ أصلها (هذا) فى العربى ، فحوّرها شعبنا وفق لغته القومية التى لا تعرف الحروف بين اللسانية. وهذا الموضوع يحتاج إلى فريق عمل لوضع القاموس العصرى لطريقة الكتابة باللغة المصرية، حتى تنتهى (فوضى) تعدد الكتابات كما هو ملحوظ على من يكتبون بالمصرى، ويُردّدون كلام الثقافة السائدة بأنهم يكتبون ب (العامية) ويقصدون (عامية العربية) وهذا غير صحيح وفق قواعد علم اللغويات.
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,686,412,569
- التعليم والوطن
- مخطط العداء للنوبيين
- الرياضيات والألعاب فى مصر القديمة
- فلسفة إلغاء العقوبات البدنية
- المرأة فى التراث العربى / الإسلامى
- تحولات المثقفين وتنازلاتهم
- الإنسان ال Dogma والكائنات غير العاقلة
- تناقضات الأصوليين ومرجعيتهم الدينية
- ثالوث الخرافة والأسطورة والدين
- الأساطير المصرية : معبد إدفو نموذجًا
- التعصب الدينى والمذهبى والعداء للتحضر
- العلاقة بين التحضر والتراث الإنسانى
- نبذ التعصب فى موسوعة للشباب
- فصل فى التحريم : قصة قصيرة
- اليسار المصرى والعروبة
- الغزالى وابن رشد
- نصر أبو زيد : الواقع والأسطورة
- نوبار الأرمنى : عاشق مصر
- الأرمن : صراع الإبادة والبقاء
- شركات السلاح والمؤسسات الدينية


المزيد.....




- فقدان ثلاثة فرنسيين وعراقي يعملون بمنظمة فرنسية مسيحية منذ أ ...
- فقدان ثلاثة فرنسيين وعراقي يعملون بمنظمة فرنسية مسيحية منذ أ ...
- الاحتلال الإسرائيلي يبعد الشيخ عكرمة صبري عن المسجد الأقصى 4 ...
- قائد الثورة الاسلامية يعلق على مليونية العراق
- شاهد: مسؤولون مسلمون ويهود يزورون معسكر أوشفيتز
- ذكرى 25 يناير.. افتاء مصر تُذكر بفتوى القرضاوي ومراحل حشد ال ...
- تدهور صحة زعيم الحركة الاسلامية بنيجيريا الشيخ الزكزاكي
- السفارة الأمريكية بالقاهرة تمول مشروعا للحفاظ على تراث مقابر ...
- الرئيس العراقي يتوجه إلى الفاتيكان للقاء البابا فرانسيس
- موقف تحد .. خطيب المسجد الأقصى يدخله على أكتاف المصلين


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - الشعر والصدق الفنى : قراءة فى ديوان (إسكندريه يوم واحد)