أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - معوقات بناء دولة-الأمة الجزائرية بين القطيعة والإستمراية















المزيد.....


معوقات بناء دولة-الأمة الجزائرية بين القطيعة والإستمراية


رابح لونيسي
الحوار المتمدن-العدد: 4810 - 2015 / 5 / 18 - 21:57
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


معوقات بناء دولة-الأمة الجزائرية
بين
القطيعة والإستمرارية

رابح لونيسي
- جامعة وهران-
البريد الإلكتروني:lounici.rabah2008@yahoo.fr


عادة ما يتكرر سؤال ماذا حققت الجزائر بعد أكثر من نصف قرن من إسترجاع إستقلالها، وكثيرا ماكانت الإجابة بعدم الإقتناع مما أنجز وتحقق، لكن لم نسأل أنفسنا لماذا؟، وعادة ما نحمل المجموعة التي أخذت السلطة عام 1962 المسؤولية الكاملة، ونهمل عوامل أخرى، لكن في حقيقة الأمر علينا أيضا أن ننظر إلى ذاتنا بنظرة نقدية وأكاديمية، كي نصحح الأوضاع، ونضع قطيعة مع الكثير من العيوب والمعوقات الكامنة في ذاتنا.

أولا- معوقات الأمة الجزائرية
قد كانت الأمة الجزائرية دائما حريصة على إستقلالها عبر تاريخها الطويل، فهي تقاوم كل الغزاة وتطردهم، وذلك منذ الغزو الروماني في القديم الذي عرف مقاومة عنيفة لامثيل لها، وهي تشبه تقريبا نفس المقاومة التي عرفتها ضد الإستعمار الفرنسي، وحتى عندما أعتنق أجدادنا الأمازيغ الإسلام مئة بالمئة -وهي الظاهرة الوحيدة في تاريخ الشعوب الإسلامية-، فإنهم رفضوا أن يكونوا تابعين للدولة الأموية في دمشق آنذاك، بل أسسوا أول دولة مسلمة جزائرية مستقلة عن دولة الخلافة سميت ب"الدولة الرستمية"، فكلما تعرضنا لغزو نتوحد ونقاوم ونطرد المستعمر الدخيل، لكن من عيوب الأمة الجزائرية عبر هذا التاريخ وسلبياتها هو أنه بمجرد مانطرد الغازي نعود مرة أخرى إلى صراعاتنا الداخلية بفعل التقاتل حول السلطة والقبلية والجهوية، كما يقل بذل المجهود في العمل من أجل البناء، ولهذا يمكن أن نوصف بأننا محاربين وحريصين على إستقلالنا، لكننا لا نعمل من أجل الحفاظ على إستقلالنا بتقوية الأمة ودولتها، ولهذا لم نحقق الكثير في ظرف نصف قرن مقارنة بتضحيات شعبنا التي تجاوزت ملايين الشهداء، ونتعجب كيف أن الجزائري يضحي بدمه من أجل إسترجاع إستقلاله، ثم يصبح عاجزا عن التضحية بعرقه لبناء الجزائر، وبقينا بعد نصف قرن تابعين إقتصاديا لا أقول للغرب، بل للنفط، لأننا أبقينا هذه الثروة ريعا تتحكم في أسعاره الإقتصاد الغربي، وأصبحنا تحت رحمته بدل التفكير في إستثمار أموال النفط لخلق إقتصاد منتج، وعلى رأسها الإستثمار في البحث العلمي والصناعة والزراعة، فنخلق ثروة مستقلة عن النفط أي صناعة وزراعة وطنية، وبتعبير آخر الإنتقال من إقتصاد ريعي مدمر وتابع إلى إقتصاد منتج ومستقل .
أما ثقافيا فيجب أن نشير أيضا إلى عيوب وسلبيات أمتنا عبر التاريخ وهي خدمة ثقافة الآخرين بدل خدمة ثقافتنا، فبدل أن ننمي ثقافتنا الوطنية المعبرة عن هويتنا الحقيقية بكل مكوناتها وأبعادها، نجد التبعية الثقافية للخارج، فجزء من الجزائريين يمدون عيونهم إلى الضفة الشمالية للمتوسط أي أوروبا وجزء آخر يمدها إلى المشرق العربي، فيعمل كلاهما على تدمير الثقافة الجزائرية وطمسها، فأحدهما يعمل على تغريب المجتمع الجزائري والآخر يشرقنه نسبة إلى المشرق العربي، ويحتقر كلاهما الهوبة الثقافية الجزائرية الحقيقية والواقعية، وليست المستوردة، وما يؤسف له هو أن كلاهما يدخلان في صراعات ثقافية قاتلة، وتصل في بعض الأحيان إلى العنف دون أي إعتبار لثقافتنا الحقيقية، وهي ظاهرة تتكرر عبر تاريخنا الطويل أي منذ القدم إلى حد اليوم .
أن هذا الخلل المدمر يجب أن يدفعنا إلى التفكير الجدي لوضع حد وقطيعة نهائية مع هذه المعوقات، فيجب على كل الأكاديميين في مواقعهم العمل من اجل فهم أسباب هذه الظواهر السلبية في أمتنا وإقامة قطيعة معها، لأنها تبدو لنا بأنها من إحدى العوامل التي تعرقل وعرقلت مسيرة الأمة الجزائرية عبر تاريخها الطويل.
فعلى كل الأكاديميين والمثقفين ومراكز البحث أن تفكر في أساليب القطيعة مع هذه السلبيات والمعوقات، وكيف نحول الإنسان الجزائري إلى الكد والعمل والإنضباط؟، وكيف نلغي عقدته تجاه الغرب والمشرق على حد سواء، فيتحول إلى إنسان متجذر في ثقافته ومتفتح على الأخرين؟ وكيف نقضي على نزعته القبلية والجهوية، ونغرس فيه روح الإنتماء إلى الأمة والمواطنة وقبول الآخر وعدم التعصب إلى درجة الكراهية؟، وبتعبير آخر كيف نضع قطيعة نهائية وإلى الأبد مع هذه المعوقات والسلبيات الأنتروبولوجية التي كانت تتكرر في الماضي، وكررناها بعد إسترجاع الإستقلال عام1962، وهو ما يجب معالجته وإيجاد الحلول لذلك.
وبإمكاننا أن نقترح بعض الحلول المبدئية، ونعتقد أن بالنسبة للعمل لا بد من تثمينه وترك حرية المبادرة الإقتصادية وفرض روح الإنضباط في المجتمع بالتطبيق الصارم للنصوص المنظمة للعمل، أما بالنسبة للمجال الثقافي لا بد من العودة لبناء الأمة الجزائرية بدون أي إقصاء لأي من مكوناتها خاصة الأساسية منها المتمثلة في الإسلام والعربية والأمازيغية، والذي يشكل المثلث الذهبي، وأي إبعاد لأي ضلع فيه تتكسر الأمة ويسود اللاإستقرار، أما الصراع حول السلطة فقد جاءنا الحل من الغرب، وبإمكاننا تطويره بشكل أحسن، ويتمثل في الحل الديمقراطي الحقيقي بالتداول السلمي على السلطة بواسطة الإنتخابات الحرة والنزيهة والمعبرة فعلا عن إرادة الأمة وإحترام الحريات الأساسية دون أي إقصاء لأي طرف كان، فيتحول بذلك الصراع إلى صراع سلمي بدل ما نكرر تجربتنا التاريخية المدمرة وهو الوصول إلى السلطة بالعنف، والذي يتطلب إنفاق أمني باهظ للحفاظ عليها، ويهدد كيان دولتنا ويجعلنا ندور في حلقة مغلقة.

ثانيا- مشكلة إقامة دولة-الأمة الجزائرية
أن الأمة الجزائرية موجودة منذ القدم، ولازالت مستمرة، لكن ما لم يوجد عبر إمتداد التاريخ كله هو دولة تجسد هذه الأمة بكاملها أي دولة-الأمة الجزائرية، وهذا ما سنحاول تتبعه من خلال المسار التاريخي للدول التي عرفتها هذه الأمة .
لو عدنا إلى تاريخ الأمة الجزائرية منذ القدم إلى اليوم نجد أنها لم تنجح قط على إقامة دولة تضم الأمة كلها، فعادة ما نجد دولة تسيطر عليها إما أسرة بعينها أو قبيلة أو مذهب ديني معين أو مجموعة أو حزب أو طبقة كما هو في الفترة المعاصرة، وهذا الأمر ينتج عنه في غالب الأحيان صراع مميت وقاتل يعرقل الأمة عن الإستقرار الذي هو شرط أساسي لعملية التقدم والبناء الحضاري، ويؤدي هذا العجز في بناء دولة-الأمة الجزائرية كاملة دون إقصاء إلى حروب وإنفاق أمني لحماية والدفاع عن السلطة التي أحتكرت الدولة، وحولتها إلى أداة لخدمة مصالح أسرة أو قبيلة أو جهة أو طبقة أو حزب أو بعبارة أدق مجموعة أو مجموعات على حساب آخرين ينتمون إلى هذه الأمة، لكنهم يشعرون أن الدولة ليست دولتهم .
وإضافة إلى ذلك عرفت الأمة الجزائرية سيطرة أمم أخرى عليها، وعادة ماتهب الأمة في هذه الحالة لطرد المستعمر والأجنبي، وعادة ما تتحد الأمة كاملة في ذلك، وهو ما يدل على مدى وجود هذا الشعور بالإنتماء لأمة واحدة، لكن مباشرة بعد طرد الغزاة نعود إلى الصراعات الداخلية بدل البناء لدرجة أن هذه الأمة الجزائرية يعبر عنها عادة بأمة محاربة، لكن لم توصف قط بعملية البناء والتشييد، ويعود السبب الرئيس في ذلك إلى العجز في بناء دولة-أمة لا تقصي أطرافا منها وتجعلهم يشعرون بأن الدولة هي دولتهم وليست دولة-المجموعة المسيطرة .
ونعتقد أن مشكلة الأمة الجزائرية تكمن بالأساس في هذه النقطة، مما يتطلب التفكير بجد في أسلوب أو طريقة بناء دولة معاصرة في خدمة الأمة بكاملها دون إي إقصاء لأي جزء منها أو مقوم أو مكون من مكوناتها .
وللتاريخ علينا أن نذكر أنه بعد الغزو الإستعماري الفرنسي للجزائر وجدت بعض المحاولات لإقامة دولة تقوم بمهمة بناء الأمة وتمتينها مما سيؤدي في الأخير إلى بناء دولة-الأمة الجزائرية، ويبدو دون أن نبالغ أن الأمير عبد القادر كان يحمل في عمقه هذه الفكرة، لكنها فشلت بسبب تركيزه على المجال العسكري بسبب الظغوط الإستعمارية، وذهبت هذه الفكرة، وأصبحت المقاومات مجرد مقاومات مناطقية إو في جهات محددة دون أن تتمكن من أن تعم كل التراب الجزائري وكل مكونات الأمة الجزائرية، لكن بمرور الوقت ظهر شعور بالإنتماء للأمة الجزائرية وضرورة توحيدها كاملة في عملية إعادة تحرير الأرض الجزائرية، لكن رغم ذلك كانت دائما مجموعة تقصي أخرى، وإلا فكيف نفسر محاولات مصالي الحاج إعتبار نفسه هو الشعب الجزائري بإقصاء مكونات أخرى في هذه الأمة، بل وصل في الأربعينيات إلى درجة إقصاء أبعاد ثقافية مهمة للأمة الجزائرية تحت تأثير مشرقي عليه، وكان ذلك أحد أسباب تحول البعد الأمازيغي إلى مشكلة في الجزائر لفترة طويلة .
ووجدت محاولة أخرى لإعادة بناء الأمة، ونجحت نوعا ما على المستوى الشعبي عندما هبت الأمة الجزائرية كلها لمواجهة الإستعمار الفرنسي أثناء الثورة المسلحة، لكن عجزت القيادة على وضع أسس أو نواة لبناء دولة-الأمة مما أدى إلى ضياع كل تلك الحركية التي كانت سائدة أثناء الثورة المسلحة بعد إسترجاع الجزائر إستقلالها أين عدنا من جديد لسيطرة مجموعة تحت غطاء حزب جبهة التحرير الوطني على مقدرات الأمة، وتقصي قطاع كبير من الأمة مما جعل الجزائر في أزمة مزمنة إلى حد الساعة .
لكن علينا الإشارة إلى محاولة جادة قام بها عبان رمضان من خلال مؤتمر الصومام عام 1956، عندما سعى بكل ما يملكه من طاقات وقدرات فكرية وثقافة سياسية معاصرة عالية من أجل وضع نواة مؤسساتية لدولة-الأمة الجزائرية كاملة، وذلك من خلال نجاحه في إقناع أغلب التيارات السياسية الموجودة آنذاك في الإنضمام إلى جبهة التحرير الوطني، وأن يكونوا كلهم ممثلين في المجلس الوطني للثورة الجزائرية بصفته المجلس الذي سيجسد كل مكونات الأمة الجزائرية التي يعود إليها من خلال هذا المجلس القرارات العليا التي تمس مصالح الأمة الجزائرية، ولهذا نجد كل الأطياف السياسية والأيديولوجية وكل مكونات الأمة ومقوماتها وجهاتها ممثلة في هذا المجلس، لكن للأسف الشديد تم الإنحراف من جديد في قمة قيادة الثورة عن هذا العمل الجدير بالإحترام، وتم ذلك في مؤتمر القاهرة تحت ضغط بعض القيادات التي لم تكن تمتلك تصورات معاصرة لدولة-الأمة، وأراد بعضهم تحرير الجزائر من الإستعمار الفرنسي، لكن ليس ليسلموها إلى الأمة الجزائرية قاطبة، بل لتعويض وأخذ مكان تلك السلطة الإستعمارية التي طردت، وهذا ماو قع في عام 1962 من خلال ما يعرف في تاريخ الجزائر المعاصرة بأزمة صيف 1962، والذي هو في الحقيقة صراع بين ثوار الأمس من أجل السيطرة على دواليب الدولة لخدمة مصالح مجموعات ضيقة من الأمة، وهذا ما وقع بسيطرة مجموعة بن بلة-بومدين على دواليب الدولة بدل العودة إلى الأمة الجزائرية كاملة صاحبة الشأن في ذلك، وأصبحت هذه المجموعة كأنها وصية على هذه الأمة، فقامت بإقصاء كل من يعارضها، ومنهم قادة كبار ضحوا بالنفس والنفيس من أجل تحرير الأمة من الإستعمار الغاشم .
لكن السؤال المطروح اليوم هو ماهي الآليات العملية والسياسية التي بإمكانها أن تحول الدولة الجزائرية اليوم إلى دولة –الأمة الجزائرية قاطبة دون أي إقصاء ثقافي أو سياسي أو إجتماعي أو إيديولوجي لأي كان من عناصر هذه الأمة، ويشعر الإنسان أن الدولة هي دولته وليست دولة مجموعة معينة فقط غريبة عنه ؟ .

ثالثا- الإنعكاسات الكارثية لأزمة صيف1962 على جزائر اليوم
يجهل البعض أن ما يسمى بأزمة صيف 1962 هو في الحقيقة إنقلابا على المؤسسات الشرعية للثورة من طرف بن بلة وبومدين وآخرين كانوا في الخارج مدعومين من مصر عبدالناصر، وقد أنعكس ذلك على مسار الجزائر إلى حد اليوم، وضيع على الجزائريين نضالات وتضحيات، وأختطفت منهم ثورة عظيمة في بطولاتها وتضحياتها وأخلاقها ومبادئها الكبرى ومؤسساتها التي وضعت في مؤتمر الصومام 1956، ومن أهم إنعكاسات هذا الإنقلاب على جزائر اليوم نذكر غلبة شرعية القوة والعنف بدل الشرعية الشعبية، وإقامة دولة-مجموعة بدل دولة-الأمة الجزائرية كلها كما أصر على ذلك مؤتمر الصومام، وإضعاف السيادة الوطنية بفعل الإستناد على الخارج للوصول إلى السلطة والحفاظ عليها، وإفراغ الجزائر من نخبها السياسية، وغلبة الإنتهازية والزبائنية والرداءة، وضرب وحدة الأمة وتماسكها بتكريس الجهوية وتحريض مناطق ضد مناطق وجزائريين ضد جزائريين تطبيقا لمبدأ فرق تسد للحفاظ على السلطة، وقد أخذت المناطق التي وقفت إلى جانب المؤسسات الشرعية للثورة حصة الأسد من التشويه، ولازالت تعاني منها إلى حد اليوم، ومن يتتبع ذلك بدقة يلاحظ أنها إستمرارية لنفس السياسة الإستعمارية في هذا المجال، ولاننسى ما لحق بالكثير من المجاهدين من تهميش بسبب إنعدام الحريات.
لايكمن لنا أن نفصل في هذه القضايا كلها، لكن بإمكان أن نسأل أنفسنا لو لم يقع هذا الإنقلاب ماذا كان سيحدث؟
إن الثورة الجزائرية في الحقيقة منذ مؤتمر الصومام قد شرعت في إقامة نواة دولة-الأمة الجزائرية كلها من خلال المجلس الوطني للثورة الجزائرية التي مثلت فيه كل التوجهات الأيديولوجية والشرائح الإجتماعية ومناطق البلاد، وهو بمثابة مؤسسة تجسد السلطة العليا للأمة كلها وسيادتها، وقد أنبثق عنها لجنة تنسيق وتنفيذ، وهي بمثابة حكومة مصغرة، والتي تحولت فيما بعد إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وهي مسؤولة أمام المجلس الوطني للثورة الذي يعينها، وكان بإمكان الجزائر عند إسترجاع الإستقلال أن تواصل بنفس المؤسسات تقريبا بتحويل هذا المجلس إلى برلمان منتخب شعبيا بواسطة إنتخابات تعددية تشارك فيها كل الأطياف، ومنها تنبثق الحكومة التي تكون مسؤولة أمامه، وبشكل آخر نظام برلماني وتعددي، وبإمكان تمثيل شرائح المجتمع فيه أيضا إضافة إلى مختلف الأحزاب المنتخبة شعبيا.
لكن ذهب ذلك كله سدى بسبب حب السلطة وثقافة سياسية متأثرة بالجانب السلبي للفكر السياسي الفرنسي، وهذا ما ينطبق على كل البلاد العربية التي تأثرت بالبعض من هذا الفكر، لكنها أخذت عنه فقط النظام الشبه الرئاسي وفكرة اليعقوبية التي تقصي أطرافا من المجتمع وتريد أن تصنع أمة على نمط واحد.
أما الكارثة الأخرى فكانت في المجال الإداري وتنظيمه، ونعتقد أن لهذا التنظيم الإداري
الموروث عن العهد الإستعماري تأثير سلبي كبير على الجزائر لعدة أسباب، ومنها: أنه لم تضعه السلطات الإستعمارية إلا بهدف خدمة المعمرين والتحكم في العملية الإستغلالية للشعب الجزائري، ثم حوله نظام بن بلة أكثر رداءة وضعفا بسبب ضعف كفاءة المسؤولين الإداريين، حيث كان التعيين يتم على أساس الولاء للنظام والأشخاص، وليس على أساس الكفاءة والإلتزام والولاء للأمة والدولة فقط.
ونعتقد أنه كان من المفروض إقامة نظام إداري آخر أكثر فعالية وأثبتها في الميدان، ويتمثل في التنظيم الذي وضعته الثورة بعد مؤتمر الصومام 1956 بتقسيم البلاد إلى ولايات ومناطق ونواحي لمواجهة الإستعمار، وأخذ في هذا التقسيم بعين الإعتبار الخصوصيات الجغرافية والطبيعية والثقافية والسكانية والإجتماعية للجزائر .
وكان بالإمكان الإستعانة بنفس التنظيم لمواجهة التخلف والتكفل بعملية البناء الوطني مع إدخال تعديلات تقنية عليه تقتضيها عملية البناء، خاصة وأن هذا التنظيم قد أثبت فعاليته أثناء حرب التحرير، لكن عند الإستقلال تضاربت الصلاحيات بين هذين النظامين، مما أدى إلى نوع من الفوضى، ففي الوقت الذي كان فيه من المفروض إستبدال التنظيم الإداري الإستعماري بتنظم إداري أثبت نجاعته أثناء الثورة المسلحة، لأنه كان يأخذ بعين الإعتبار خصوصيات الشعب الجزائري، إلا أن إنقلابيو صيف1962 فضلوا التنظيم الإداري الإستعماري على التنظيم الإداري للثورة.
وتعود اسباب تفضيلهم لهذا النظام الإداري الذي يعد أحد أسباب مأساة الجزائر هي دوافع سلطوية لا أكثر، لأن الولايات التاريخية كان يسيطر عليها مجاهدو الداخل الذين طردوا الإستعمار، ورفضوا إنقلاب بن بلة وبومدين على المؤسسات الشرعية للثورة، فلجأ بن بلة إلى التخلص من هؤلاء وتفضيله إدارة إستعمارية مستعدة للتعاون مع النظام الذي أستولى على الحكم بالقوة، وأختفت الرغبة في التسلط على خطاب أيديولوجي وسياسي متحامل على الولايات التاريخية ملصقا بها أوصافا ونعوتا ليست صحيحة على الإطلاق، ومنها إتهام قادتها بالنزعة الولائية والإقطاعية بهدف تبرير القضاء عليها، لكن لو عدنا إلى الحقيقة والواقع، فإن مجاهدي هذه الولايات التاريخية وقادتها كانوا أكثر إرتباطا بالطبقات الشعبية، لأنهم كانوا يعيشون في صفوفها وأنبثقت عنها، على عكس الذين كانوا في الخارج وعلى الحدود، والذين كانوا بعيدين عن الشعب وحقائق الثورة ومنفصلين عن طموحاته، بل كان بعضهم يعيش حياة الرفاهية، ولهذا أستخدموا خطابا شعبويا يخفي رغبة في أخذ مكان المعمر عكس مجاهدي الداخل، ونعتقد أنه هنا تكمن بذور الإنفصال بين الدولة والمجتمع في جزائر ما بعد إسترجاع الإستقلال، وها هو بعد أكثر من نصف قرن، يكتشف الكثير من الجزائريين، بأن هذا النظام العسكري والإداري والسياسي الذي وضعته الثورة التحريرية كان الأنجع، ولو واصلت الجزائر تطبيقه لتحررت مما يسمى اليوم بإستمرارية الإدارة الإستعمارية وبيروقراطياتها وإحتقارها للمواطن الذي كان تحالف بن بلة- بومدين وراء بقائها لأهداف سلطوية بحتة لا غير.


رابعا- ضرورة القطيعة مع العصر الخلدوني
لا يمكن للباحث في تاريخ الثورة الجزائرية أن ينكر بأن قاعدة الثورة كانت في أغلبها ريفية وفلاحية، وهذا يعود إلى قلة سكان المدن التي سيطر عليها المعمرون، لكن لاننفي دور المدنيين في الثورة أيضا، وقد كانت مثلا مظاهرات 11ديسمبر في المدن عاملا حاسما في الرضوخ الإستعماري ودخوله في مفاوضات مع جبهة التحرير الوطني التاريخية.
وقد أبرز فرانز فانون غلبة الطابع الريفي أثناء الثورة بوضوح في كتابه" المعذبون في الأرض"، وتوصل إلى تنظير جديد للثورة الماركسية التي يجب أن تستند على الفلاحين في العالم الثالث مثل الجزائر، وليس البروليتاريا الغير الموجودة في هذه البلدان بحكم إنعدام الصناعة، ولو أنه قد سبقه إلى ذلك ماوتسي تونغ في الصين، وذهب مصطفى لشرف أبعد من ذلك عندما سمى مقاومات القرن 19 ب"ّثورات الفلاحين".
لا يمكن أن ننكر أن الريفيون قد لعبوا دورا رئيسيا في طرد الإستعمار، لكن هناك سؤالا مشروعا يجب طرحه وهو هل تحول هذا الدور الإيجابي في عملية التحرير إلى دور سلبي عند القيام بعملية بناء الدولة الوطنية؟.
لقد تكرس نفوذ نخبة سياسية ذات جذور ريفية بحتة بعد إسترجاع الجزائر إستقلالها، لكن غالبا ما يسيطر عموما على النخب ذات الجذور الريفية والتي لم تتمدن بعد طابع العنف والتعصب والإنغلاق والإستبداد وإستغلال الدين والإستمتاع بأكبر قدر من ملذات الحياة بعد ما تصبح في يديه بعد سنوات الحرمان وغيرها من الصفات السلبية، لكن هذا ليس معناه أننا ننفي عنهم صفات إيجابية عديدة أيضا، فهم لهم سلبياتهم وإيجابياتهم، ونفس الأمر ينطبق على سكان الحضر والمدينيين، الذين أيضا لهم سلبياتهم وإيجابياتهم، وننطلق في ذلك كله من ابن خلدون الذي حلل طبيعة الصراع بين الحضر والبدو الذين ما هم إلا مدينيين مقابل ريفيين في الجزائر المعاصرة.
يبدو لنا أن ابن خلدون لازال صالحا لتفسير الكثير من قضايا ومسارات بلاد المغرب الكبير ومظاهره وقضاياه، ومنها الجزائر، لأننا لم نضع قطيعة ذهنية وسلوكية لحد اليوم مع الفترة التي عاشها ابن خلدون، ونريد أن نطرح سؤالا وهو كيف سيكون مصير جزائر ما بعد الإستقلال لو آلت السلطة إلى نخب ذات جذور مدينية أو ريفية لكنها تمدنت ؟ كما يمكننا أن نطرح سؤالا آخر وهو هل لعب الريفيون دورا إيجابيا في إسترجاع الجزائر إستقلالها، لكن تحول هذا الدور إلى سلبي بعد تحقيق هذا الهدف؟ وهو مايطرح نقاشا علميا عميقا وجديا في جزائر اليوم دون أي عقد أو طابوهات، خاصة وأن تاريخ الجزائر منذ إعتناق شعبها الإسلام عرف ظاهرة تتكرر دائما، وتتمثل في ثورة البدو أو الريفيين على الدولة القائمة وإستغلال الدين في ذلك، لكن بعد إقامة هؤلاء دولة جديدة ينغمسون في ملذات الحياة ويقومون بنفس ما كانوا يتهمون به أصحاب الدولة السابقة من إنحراف عن الدين والعقيدة، فتتكرر ثورة أخرى بنفس الشكل، وتعاد الكرة من جديد بعد تحطيم كل ما سبق، مما جعل الجزائر في دائرة مغلقة تسودها الإضطرابات وعدم الإستقرار، وقد فسر ابن خلدون جيدا هذه الظاهرة بالنسبة لكل بلاد المغرب الكبير، أفلم يحن لنا اليوم أن نقوم بقطيعة مع هذه الظاهرة بإقامة دولة-الأمة الجزائرية كلها دون أي إقصاء كان، مع الحسم النهائي في عملية إبعاد الدين عن الإستغلال لأغراض سياسية وسلطوية، ليسود الإستقرار التام، ونحول الصراع السياسي من صراع عنيف إلى صراع سلمي ديمقراطي، ويوجه الإنسان الجزائري طاقاته كلها إلى عملية البناء والتنمية بدل العنف والحروب، خاصة أنه بذلك سيشعر أن الدولة هي دولته، وليست بايلك غريبة عنه، لأنه يرى أن المستفيد والمتحكم فيها مجموعة فقط وينظر إليهم كغرباء عنه.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,005,453,215
- صرخة إلى الضمير الوطني-داعش كأداة لإعادة إنتاج الإستعمار الغ ...
- فرانز فانون-مفاتيح لفهم الإضطهاد العنصري والثقافي عبر التاري ...
- الجذور التاريخية للتوظيف السياسوي لمسائل الهوية في الجزائر
- مقاربة لفهم ومواجهة أخطار التفكك في دولنا المغاربية
- من غيب المغاربيون في التاريخ الحضاري؟
- هل نحن بحاجة اليوم إلى بروتستانتية إسلامية؟
- مقاربة للخروج من مأزق الإنتقال الديمقراطي في العالم العربي-د ...
- حركة التاريخ بين سدنة المعبد وورثة الأنبياء
- نقاش حول مسألة إعادة ترتيب سور القرآن الكريم
- من أجل مواجهة عالمية لبوادر تكرار الظاهرة الإستعمارية
- علاقة نشر -التوهمات العرقية- بمخطط تفجير الدول المغاربية
- التمهيد الأيديولوجي للقبول بالسيطرة الداعشية على أوطاننا
- التفكك في العالم العربي: هل هي إستراتيجية إسرائيلية أم نتاج ...
- من أجل إجتثاث الإرهاب والقلاقل الأمنية في الفضاء المغاربي
- أسس جديدة لدولة ديمقراطية وإجتماعية-من أجل نظام سياسي بديل-
- حل نهائي لمشكلة العلاقة بين الحداثة والإسلام في مباديء الثور ...
- محمد عابد الجابري وتنظيره اللاشعوري للقومية المغاربية
- ردا على طروحات عثمان سعدي-من أجل نقاش علمي وهاديء حول المسأل ...


المزيد.....




- مشادة بين السفيران السوري والسعودي بمجلس الأمن على خلفية قضي ...
- هل يجب أن نتوقف عن تناول السكَّر حفاظا على صحتنا؟
- بومبيو لولي العهد السعودي: مستقبلك كملك على المحك
- تغيير لون العين بالليزر.. هل هو آمن؟
- كيف نكسب المعركة ضد داء السل؟
- الخان الأحمر.. قصة صمود بصفحاتها الأخيرة
- لماذا تسعى مصر لتحويل القصور الأثرية إلى فنادق؟
- قافلة مساعدات إنسانية ستصل مخيم الركبان في سوريا خلال أيام
- الخارجية التشيكية تعرب عن تعازيها في ضحايا مأساة كيرتش
- اختفاء جمال خاشقجي: ترامب يطالب تركيا بتقديم -تسجيلات قتل- ا ...


المزيد.....

- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الإخفاقات الذريعة ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم
- الضعف الاستراتيجي لقطاع السياحة في مصر / مجدى عبد الهادى
- الفيدرالية في اليمن.. ماضياً وحاضراً (ورقة بحثية) (الحلقة ال ... / عيبان محمد السامعي
- Dialog oder Crash der Kulturen in Deutschland? / كاظم حبيب
- مدخل إلى الفلسفة الماركسية 6-12 قوانين الديالكتيك.. / غازي الصوراني


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رابح لونيسي - معوقات بناء دولة-الأمة الجزائرية بين القطيعة والإستمراية