أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هل قرأ وزيرُ العدل -أفلاطون-؟















المزيد.....

هل قرأ وزيرُ العدل -أفلاطون-؟


فاطمة ناعوت
الحوار المتمدن-العدد: 4809 - 2015 / 5 / 17 - 13:07
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


[انتفض المصريون جميعًا ضد وزير العدل السابق حين قال كيف يصبحُ نجلُ عامل النظافة قاضيًا؟! وحين تسألهم لماذا غضبوا، يجيبون باطمئنان: “لأننا نكره الظلم ونعشق المساواة". لكن أولئك الكارهين للظلم عشّاق المساواة، لم ينتفض منهم منتفضٌ حين مرّت عقود طوالٌ لم نر خلالها امرأة في ذات المنصب، أو مسيحيًّ]

-----
قامتِ الدنيا على وزير العدل المستقيل، المستشار محفوظ صابر، بعد تصريحه العنصري الذي أقرَّ بصعوبة أن يحظى نجلُ عامل النظافة بوظيفة القاضي. ولستُ أدرى إن كان هذا رأيه الشخصي ومطلبه، أم هو مجرد إقرارٍ منه بواقع الحال القبيح الذي نعيشه؟
وأتساءلُ: هل قرأ وزير العدل "جمهورية أفلاطون" الطوباوية، أي المثالية، التي وضع أُسُسَها أفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد، على هيئة حوار على لسان سقراط، وتلامذته؟
يرتبط أفلاطون في أذهان العامة بالمثالية والتحضّر، وعند الصبايا، يقترن اسمه بالحب العُذري غير المُدنّس بالشهوات. لكن أفلاطون في واقع الحال هو أول من وضع أسس التمييز العنصري بين طبقات المجتمع، إن أراد أبناءُ ذلك المجتمع خلق دولة مثالية وتحسين النسل القادم، وصولاً إلى اليوتوبيا، أو المدينة الفاضلة. على أن العنصرية التي أسّسها أفلاطون قبل خمسة وعشرين قرنًا، تقوم على تمايز "العقل" ودرجات "المعرفة" ومستويات "الذكاء"، وتباين القدرات الجسمانية، بين الناس. وليس على أساس الطبقات الاجتماعية من حيث الثراء والفقر، والحسب والنسب، والميراث ونقاء السلالة.
يبدأ أفلاطون محاورة "الجمهورية"، التي تناقش مفهوم "العدالة" في الدولة الطوباوية، بمحاولة تعريف العدالة وفق تعريف "سيمونيدِس": "قول الحقيقة وإعطاء كلِّ شخص حقه"، ثم يستبعد تعريف السُّفسطائي "ثراسيماخوس" الذي قال: "إن العدل هو ما ينفع الأقوى"، حتى نصل إلى تعريف أفلاطون الذي ذهب إلى أن الدولة القائمة على التناغم والعدالة، لابد أن تمارس فصلا صارمًا بين طبقاتها الأساسية الثلاث: 1- طبقة الفلاسفة والقادة، 2- طبقة الجنود والحراس، ثم 3- طبقة الصنَّاع والعوام. وهي صورة التوازن القائم بين المكونات الثلاثة للنفس الإنسانية.
وتفترض الجمهورية أن على رأس هذه الدولة يجب وضع أفضل البشر. من هنا تأتي ضرورة تأهيلهم الطويل للوصول بهم إلى الفهم الفلسفي الحق، لمفهوم الفضيلة والعدالة والخير؛ الذي يعكس نور الحقيقة وينير النفس، كما تنير الشمسُ أشياءَ عالمنا، حسبما ورد في حكاية "الكهف"، وانعكاس الصور على جدرانه المعتمة.
فالدولة المثالية، عند أفلاطون، تنقسم إلى طبقات ثلاث: طبقة الملوك؛ الذين يجب أن يكونوا فلاسفةً أذكياء من أرباب المعرفة والعلم، تليها طبقة الحراس والسلطة العسكرية والجند؛ الذين يجب أن يتمتعوا بقدرات جسمانية فائقة، ثم طبقة التجار ورجال الاقتصاد والزُّراع والحرفيين الذين يقبضون على زمام الاقتصاد والتنمية في الدولة.
يخضع الأطفال منذ مولدهم في جمهورية أفلاطون المُتخيلة إلى سلسلة طويلة من مناهج التعليم والتثقيف العلمية والأخلاقية والجسمانية، تمتد إلى عشرين عامًا. بعدها تُجرى اختبارات صعبة، مَن يخفق فيها يدخل تلقائيًّا في الطبقة الثالثة، طبقة العمال والحرفيين والزرّاع، ثم ينتظم الناجحون في منهاج تعليمي آخر يمتد عشر سنوات، تُجرى بعدها اختباراتٌ جديدة للطلاب وقد بلغوا الثلاثين من أعمارهم. مَن يخفق في اجتيازها، ينضم إلى الطبقة الثانية، الجند الحراس، ومن يجتازها ينتظم سنواتٍ خمسًا في مرحلة التعليم الثالثة وهي دراسة "الفلسفة الإلهية"، حيث جميع فروع الفلسفة والرياضيات والمنطق والقانون والسياسة، فإذا ما أتموها، عند الخامسة والثلاثين، انطلقوا في الحياة يشقون طريقهم. فمن بلغ منهم الخمسين من عمره، انضم تلقائيًّا إلى طبقة الحُكام المهيمنة على المدينة، دون انتخاب أو غيره.
تلك هي "وصفة" صناعة طبقة القادة والحكام الفلاسفة، وفق أفلاطون، إذ يخضعون لعمليات تعليمية وتربوية قاسية ليستخلصوا الحكمة والعدالة والمُثُل العليا عبر عقود من التأمل والدراسة، بينما حرمهم من الامتلاك إذ يجب نزع ثرواتهم، وحرمانهم من الزواج لكيلا تُفسدهم الشهوات ومصالحُ الأبناء، لأنهم سيكوّنون المرجعية الوحيدة للتشريع والقضاء. في حين ترتبط طبقة التجار والصناع والحرفيين بفضيلة الأمانة وضبط النفس، في مقابل طبقة الحراس التي ترتبط بالشجاعة والجسارة ومواجهة المخاطر.
هكذا بدأت أولى ملامح العنصرية في تاريخ الجنس البشري، في أثينا، على يد أفلاطون، وإن كانت عنصرية مبنية على العقل لا المال ولا الطبقة الاجتماعية ولا العقيدة، بطبيعة الحال.
لكن أفلاطون لم يعش ليشهد ألوانًا مبتكرة من العنصرية ترزح تحت نيرها مصرُ العريقة. عنصرية النوع، حيث لم نشهد في تاريخنا وزيرة للعدل، رغم أن مصر ذاتها جعلت في الميثولوچيا امرأةً جميلة معصوبة العينين اسمها "ماعت" ربّةً للعدالة والدينونة على برزخ الموت والحياة الأبدية، ولدينا في عصرنا “ماعت” معاصرة اسمها المستشارة تهاني الجبالي، يتساءل الناسُ في بلادي متى نشهدها وزيرة للعدل؟!
كما لم يشهد أفلاطون عنصريةَ العقيدة في مصر. حيث لم نشهد مسيحيًّا مسموحًا له أن "يحلم" بأن يصبح رئيسًا للجمهورية، أو رئيسًا للوزراء، مهما كانت كفاءته، رغم أن مصر ذاتها شهدت عبر تاريخها رموزًا مسيحية نَيّرة فكريًّا وتنويريًّا وعلميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، لم تحظَ بها دولةٌ أخرى.
انتفض المصريون جميعًا ضد وزير العدل السابق حين قال كيف يصبحُ نجلُ عامل النظافة قاضيًا؟! وحين تسألهم لماذا غضبوا، يجيبون باطمئنان: “لأننا نكره الظلم ونعشق المساواة". لكن أولئك الكارهين للظلم عشّاق المساواة، لم ينتفض منهم منتفضٌ حين مرّت عقود طوالٌ لم نر خلالها امرأة في ذات المنصب، أو مسيحيًّا.
مثلهم مقتَ أفلاطون الظلمَ فقال على لسان "تراسيماخوس": البشر يذمّون الظلم، خوفًا من أن يصبحوا من ضحاياه، لا اشمئزازًا من ارتكابه.” فهل نحن مشمئزون من الظلم، أم خائفون أن نضحي من ضحاياه؟
لكنه قال أيضًا: "نحن مجانين... إن لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون... إن لم نُرد أن نفكّر، وعبيدٌ... إن لم نجرؤ أن نفكّر.
فأين يا تُرى نقع من الخانات الثلاث؟ مجانين، أم متعصبون، أم عبيد؟





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,045,296,998
- ميكي يجيدُ العربية
- والله وبكّيت فاطنة يا عبدُ الرُحمن
- سَحَرةُ الكُرة … وفرسانُها
- النسخةُ الأجمل منك... في المرآة
- المايسترو صالح سليم
- لستُ يهوديًّا ولا مسيحيًّا ولا مسلمًا
- هل جئتَ في الزمن الخطأ؟
- أصول داعش في جذور مصر
- هاني شاكر، الطائر الحزين
- الراقدةُ في غفوتِه
- أيام الإرهاب الوسطي الجميل
- غدًا تتحرر سيناء
- الذهبُ الزائفُ على قمم التلال
- العروس
- هل أنت واحد أم كثير؟!
- هل تذكرون راتشيل كوري؟
- درسُ الثراء للصغار
- نحنُ أبناءُ الحياة
- نحن العدوّ الخطأ، أيها الأشاوس
- الزبون دائما على حق


المزيد.....




- قصة صورة -صديقة هتلر- اليهودية
- الكنيسة الأوكرانية التابعة لبطريركية موسكو تقطع علاقاتها مع ...
- لماذا تغير الهند أسماء المدن المسلمة إلى "هندوسية" ...
- وزير يهودي في تونس يواجه تحديا مزدوجا للنجاح وكسب الثقة
- لماذا تغير الهند أسماء المدن المسلمة إلى "هندوسية" ...
- قادة بالجماعة الاسلامية المصرية: لن نحيد عن نبذ العنف
- -آخر المسيحيين- : ماض أليم ومستقبل مجهول ... وثائقي يرصد مصي ...
- إجراء سعودي جديد لتطوير مراقبة المساجد
- موسكو: نتواصل مع سيف الإسلام القذافي... نعتقد أنه سيكون له د ...
- وزير داخلية فرنسا: اكتشفنا وجود إسلاميين متطرفين ضمن صفوف ال ...


المزيد.....

- لماذا الدولة العلمانية؟ / شاهر أحمد نصر
- الإصلاح في الفكر الإسلامي وعوامل الفشل / الحجاري عادل
- سورة الفيل والتّفسير المستحيل! / ناصر بن رجب
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(2) / ناصر بن رجب
- في صيرورة العلمانية... محاولة في الفهم / هاشم نعمة
- البروتستانتية في الغرب والإسلام في الشرق.. كيف يؤثران على ق ... / مولود مدي
- مَكّابِيُّون وليسَ مكّة: الخلفيّة التوراتيّة لسورة الفيل(1) / ناصر بن رجب
- فلسفة عاشوراء..دراسة نقدية / سامح عسكر
- عودة الديني أم توظيف الدين؟ المستفيدون والمتضررون / خميس بن محمد عرفاوي
- لكل نفس بشرية جسدان : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - هل قرأ وزيرُ العدل -أفلاطون-؟