أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل دويكات - إبراهيم طوقان:طائر الشِّعرِ المغردِّ بالنور.. والنار















المزيد.....

إبراهيم طوقان:طائر الشِّعرِ المغردِّ بالنور.. والنار


جميل دويكات
الحوار المتمدن-العدد: 1334 - 2005 / 10 / 1 - 11:18
المحور: الادب والفن
    


تقديم.
وفي المئوية الأولى
إليك أزفّ فاتحة البيان.
رحيق السوس البري.. زهر اللوز والنارنج والجُنَّار
أزفّ إليك ريحَ المسك والكافور..عيونَ شقائقِ النعمان.
وخضرة مرجنا المسلوب…توشوشه دموع الظل في الأبكار.
حقول الشوق تورق في الدجى القاً
تغسلها مياه قصائد الأشعار
***
لثمت الثكل في"ساعاتك الحمراء"
تثمر في هزيع الموت أياتٍ من الأصرار.
أولاها: بطعم الدم والشهداء.. وشعباً صابراً وقرار
"فؤادُ" يذدهي بالموت
يلبس من ثرى الأوطان.. عليل الريح في الأسحار
وثانيها "محمدُ" يَحْطُمُ الأقياد
تُحَمِّمُهُ رياحُ البحرِ… ويلبس ثوبَه إذار
وثالثها "عطاءُ" كرومنا الخضراء..
تغرق في بحور الظلم.. فوق قطوفها السمراء
وتستلقي على جثمانك الأطيار
فعذراً سيدي المشتاق
ملأت الكأس بالأحزان.. نشربها
مراراً نشرب الأحزان في أيار
وصورة خنجر المحتل ما فتئت..تُسَلُّ.. وتطعنُ الأعمار
وأحزان على مضضٍ ورثناها.. من الأبكار للأسحار
فديك سيدي المشتاق/ بصدري نصلهم غُمِدَت
وأزلام من "الأعراب" مد خُرست
فتحتَ الجرحَ سيالاً.. ولا أدى
أتذبحني رماح الأهل؟! أم بغوائل الأشرار؟! أم بغوائل الأشرار؟!.
البيئة تفرض نفسها
• قبل الولوج في بحر إبراهيم، لا بدّ أن نستذكر مقولة د.طه حسين التي تقول: "عند دراسة أي شاعر لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالبيئة والجنس الأدبي. واللحظة التاريخية".
• فبوادر الذكاء ظهرت على الطفل النحيل حتى قالت عنه نساء العائلة "مش ابن امعيشه" لاعتقادهم بأن الأذكياء يموتون.. و هي مقولة تكشف عن جانبٍ من نفسيه الفلسطيني التي ترى أن كلّ شيء يجري لغير صالحها.
أما العمة "كريمه" فكانت لفرط حبها له تقول "إبراهيم كل شيء بطلعلو"، فكانت سخريته الطفوليه مع "الجدة التركية" بتقليده الذكي لـ"رطانتها" بالعربية.. تلاحقه حتى يتسلق شجرة "النارنج".. فهل كان يدرك أنه مع تسلق النارنج.. تسلق شجرة الشعر؟! أم أن شجرة الشعر هي التي تسلقتهُ… أنها شجرة أصحاب الأرواح الشفافة.. والنفوس العظيمة والأخيلة المحُلِّقَة…
• أما إبراهيم الطفل ابن العائلة الأرستقراطية.. فقد كان مدللاً.. عرضه أولاً.. ولذكائه ثانياً.. ولذكوريته أخيراً.. فكان في طفولته المبكرة متعلقاً بأذيال أمه.. ولأن "الحِّمام العام" كان محاذياً لبيتهم.. فكان يصر على مرافقهّ الأم إليه.. وهناك تعرّف على المرأة كجسد ومن ثم كأنثى.ز لقد طبع جسد المرأة وأنوثتها في مخيلةٍ متميزة.. وعقليةٍ بيضاء حادة فاختزن هذه الصور.. حيث استخدم هذا المخزون الطفولي في شعره عن المرأة كثيراً.. وهذا ما يفسر صوره الشعرية الحسيّه في المرأة.
• لقد استخدم إبراهيم الصغير صاحب الجسد النحيل "ذكاءه" في الدفاع عن نفسه طفلاً وفتى.. فالطفل العنيد الذي كان أقوى منه جسداً، عندما رآه إبراهيم مع أمه في السوق.. ولتي كان قدراها في الحمام، قال له إذا اعتديت عليَّ "بقول اللي شفتُه في الحمام" فخنس ذلك الولد.. أما أقرانه في المدرسة فكانوا يخشون على أنفسهم من فيبح شعره.
• لقد اولع إبراهيم "الطالب في مدرسة النجاح بما عرف بـ"القافية" وهي كلمه مشهورة لدى سكان نابلس المدنية والريف.. باستخدام "بلا آفيه" للتدليل على أنك تستخدم الجانب الإيجابي للكلمة التي تحتمل جانباً أخر سلبياً.. كما احب قواعد العربية حيث استقاها من الشيخ "أحمد البسطامي" الذي استحضره الوالد عندما شعر بنبوغ الطفل.
• لقد كسرت الموهبة قشرتها لدى إبراهيم في مرحلة مبكرة.. على شكل لغةٍ مسجوعة. ونغمةٍ من الأغاني الشعبية قأرضها جده.. قبل أن يبلغ سن العاشرة.. كما أن إدمانه على سماع القرآن من ذويه مرتلاً.. قد فرش أرضية الطفل كي يكون شاعراً.
• لقد أنتجت النشأة الأرستقراطية نمطين متضادين في سلوك إبراهيم الأول ترفعاً واستعلاءً والثاني تربيةً وحسن خلق.. لكن إبراهيم بفطرته الملهمة تخلص من الأولى.. "الاستعلائية" وكأنه أدرك مبكراً زيف هذه النظرة.. وحاجة الشاعر الدائمة إلى امتلاك نبض البسطاء.. ومشاركة الناس لأحوالهم الإنسانية بعيداً عن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
لكن إبراهيم الذي ادواه المرض.. سكنته روحاً عظيمة فزادته إجهاداً ثم تفتقت الموهبة الشعرية بتناقضاتها وتأملاتها.. وحيرتها فكانت "ثالثة الأثافي" فصبت الزيت فوق لهيب الجسد.
• امتلك إبراهيم حساً مرهفاً وخيالاً محلقاً وبصيرة نفّاذة إفرازاً لموهبةٍ أصيلة ألحت عليه، نّمتها بيئته الخاصة المحافظة..
• لقد طار إبراهيم إلى القدس إلى "مدرسة الطيران" الأقل محافظة.. لكنّ سكنه الداخلي لم يتح له تواصلاً مع الحياة الاجتماعية المقدسية.. وهناك مثل له "نخله زريق" الذي رماه برطبه القومية.. ثقافةً وفناً في الدراسة.. ليتسلل الفتى مع أخيه أحمد ليعلَّ نبع مجلسه الخاص في بيته مع خيرة المثقفين… لقد انفتحت أفاق ثقافية.. عروبية أدبية وفكرية لذلك الفتى القادم من سفوح جبل النار.
• أنتقل طوقان بعد دراسته الثانوية إلى بيروت.. تلك المدينة المنطلقة من حبال التقاليد.. غمرته بجمال جسدها الأنثوي الغض، تلك المدينة المدلهة التي أثرت فيه حدَّ الإغواء.. فحلت عقدةَ شاعريته..
• بقد مثلت ثلة "دار الندوة" البيروتيه.. التي تألفت من مجموعة من الشعراء والأدباء والمفكرين الشباب.. لقد أخرجت طائر الشعر نهائياً من قشرتها.. وغدا طائر الشعر يحلق في سماء العروبة من أقصاها إلى أقصاها.. لقد فجرت بيروت "البيئة والإنسان" مكامن الجمال المختزن لدى ذلك الشاب القادم من "نابلس" العراقة.. والقوة متسللاً من حواريها وأزقتها العتيقة.
سأتناول في هذه الدراسة جانبين مهمين لدى إبراهيم.. وهما وجدانياتة.. وطنياتة لأنها تشكل العمود الفقري لشعره.. منها يطل علينا إبراهيم الشاعر الإنسان و,إبراهيم الشاعر الوطني والقوميّ.
وجدانياتة:
كما أسلفنا.. اختزن خيال إبراهيم "الطفل" جسد المرأة وأنوثتها.. منذ الطفولة فكان لتلك الصور المخزونة في الذاكرة الأثر الأكبر في صوره الحسيه للمرأة فهل احتذى شاعرنا حذوَ ابن أبي ربيعه؟
يقول "وليد صادق جرار" في كتابه" شاعران من جبل النار" "لقد اولع إبراهيم بالجمال.. ومشى في دروبه.. وأرسل غزله الرفيق بكل كاعب وغانيةٍ رأها وأحبها، حتى بات من العسير أن تٌعدَّ صواحبه، وأن تحصي كواعبه".
كما يقول "المتوكل طه في كتابه "الساخر والجسد" ما مضمونه "لقد وضع إبراهيم صورة المرأة تحت المجهر، فهل وضع رجولته أيضاً ليكبرها معها؟! وذلك كي تعترف المرأة برجولوته، وهو صاحب الجسد القصير النحيل الذي هدّه المرض".
أذن نحن أمام رأيين مختلفين في نظرته للمرأة.. "فجرّار" يرى أن إبراهيم عمريّ المذاهب. يتنقل من جمالٍ إلى جمال تنقل النحلةِ من زهرة إلى أخرى،.. فهو عاشق جمال ما وجد إليه سبيلاً.. أما "المتوكل" فيشكك في رجولته.. ويرى أنه في حديثه عن المرأة أنما كان يتحدث عن نقصه.
فهل هاتان المقولتين صحيحتان؟!
أرى أن في كل مقولةٍ منهما بعض الصحة.. والكثير من الخلط..
"فجرار" ويشاركه في رأيه "البدوي الملعثم" في كتابه "إبراهيم طوقان.. وطنياتة ووجدانياتة" رأيهم ليس صحيحاً على إطلاقه.. لأن إبراهيم وبعد البحث والتنقيب في كلّ ما كتب أو كُتبَ عنه قد أحبّ امرأة واحده والتي رمز إليها بـ(م.ص) وعندما ؤئد حبهما بزاوجها وبفعل الإحباط واليأس الذي أصابه خاصة بعد انقطاع حبل اللقاء بينهما، قد مال إلى العمريه الممزوجة بالنواسيه.. لأن هذه الفترة شهدت ادمانة الخمر أيضاً.
أما قبل ذلك فقد كان إبراهيم أقرب إلى العذرية.. المشوبة بالرومانسية. حيث ربط بين المحبوبة والطبيعة فرحاً خلاقاً مبدعاً فيه الجدة المستحدثة عن عتاقة متأصلة.. فإبراهيم الفرع الرومانسي هو ابن تلك الأرومة العذرية المتأصلة في حواضر الحجاز وألطاف.
أمّا المتوكل:
فقوله صحيح إذا أطلق على الفترة المتأخرة من حياة طوقان بعد أن هده المرض.. وأتعبه مقاومة المشروع الصهيوني في الاذاعه الفلسطينية.. وآذاه تأمر من يجب أن يساندوه في الاذاعه الفلسطينية ضده.
أما قبل أن يهده المرض فلا اعتقد أن ما ذهب إليه المتوكل صحيحاً. وكأني بالمتوكل أعتمد في رأيه على قصائد الشرارات التي هي من الأدب المكشوف التي لا يمكن نقاشها الآن.. فالشرارات إفراز شبابي نزق أتحته "دار الندوة" في بيروت.. وهو تعبير عن التفتح الغريزي لشبابٍ ضجت نزواتهم مع تفتح شاعريتهم.. لأثبات الذات في مجال الشعر أكثر من أنها تعبير عن نقص جنسي.
امرأة فجرت النبع:
نعم لقد كان لبيروت الانفتاح.. والجمال.. والطبيعة والأنثى أثر على شعر إبراهيم الغزلي.. رفرفت روحه طائراً مغرداً متنقلاً من ففن إلى ففن.. لكن الغضن الذي ارتضاه إبراهيم مهداً لروحه ومتحجاً لنفسه.. تلك "الكنيّه" "ماريا صفوري" ما ست بطولها القارع، وخطواتها الرشيقة.. وهندامها الأنيق.. وجهها الخمري خمره معتقة في دنانها.. بوجهها المنسق إكليل ورد… رسم الربُ على شفتيها ابتسامة بالخلق..تتحول نزقاً وتوتراً أمام أعين الرقباء.. نزقاً مشوباً بالدلال..
نعم فتحت بيروت ذراعيها لإبراهيم.. فَعَبَّ من ذلك الجمال.. حتى وقعت عيناه على (م.ص) فاقفرت بيروت من النساء الاها.. وتحرك في نفسه الطير الغرد..فملكت عليه وروحه.
فمن أيّ فصيلةٍ من النساء كنت يا ماريا؟! وكيف أوقعت طائر الشعر في شباكك؟! وهل كان إبراهيم غِرّاً وقع في أول شبك جمالي رأه؟! كيف استطعت أمتلاك قلبٍ يحملُ وطناً؟!.
• كل ما أعرفه أن إبراهيم لم يكن غِرّاً.. وأنْ لا شباك نصبت، لكن قلب الشاعر مُسَّ مسّاً عنيفاً بجمال مارّيا وتَميُّزها.. فاختار طائعاً أن يقتحم عالها .. ولكنها قاومت خوفاً.. ثُمَّ استجابت لعواطفها.. التي حاولت في البداية أن تطمسها فكان ينتظرها على الشباك حتى تمر..يقول:
بكوري عند شباكي
لانشق طيب ريّاك

واخشى أن يرف الـ
جفنُ فيحرمني محياك

لقد قرأ إبراهيم في جمال الوجه.. بيت أستاذه المتنبي حيث يقول:
هي والبد يغنيها تورد وجهها
إلى كل من لافت وأن لم توردِِ

لقد أحبها إبراهيم حباً لا رجعة فيه حيث يقول:
ادّعي الهجّر كاذباً وغرامي
في قرار من الفؤاد مكِينِ

يا مَعين الجمال قطرةَ ماءِ
أو أفيضي ابتسامة تحييني

• إن من يقرأ قصيدة "في المكتبة" يجد أن الشاعر قد أودعها خلجات نفسه، مكنون ضميره تجاه "م.ص" التي فجرت مياه النبع من صُمِّ الصخر.
وأنا أدهش ممن يراه عُمرياً.. أو نرجسياً.. أو معبراً عن عقدة نقصه.. أعجب من هؤلاء.. ألم ينتبهوا إلى عدد القصائد والمقطوعات التي كتبها في "م.ص" لقد حاولت إحصاءها فوجدتها تقارب الاربعين بين قصيدة ومقطوعة… بمعنى أن معظم شعره الغزلي كان فيها ولها.. لقد حيل بينه وبين زواجها بفعل الدين والطبقية والنظره المحافظه.. طبعاً من قبل الأهل.. لقد كان يذهب مسافراً من نابلس إلى الكرمل يجدده الأمل بنظره.. مرةً يطال هذه النظرة ومراراً لا يَطالها.
لقد أحبّ وأخلص في حبه أقرأ هذين البيتين:
فقدتك لكني فقدت ثلاثة
سواك فؤادي والامانَّي والهدى

وابقيت لي غير القتوط ثلاثة
هواك وسقمي والحبيب المؤبدا

لقد فاتح أخاه أحمد في هذا الموضوع… لكن أحمد كان يعلم بأن قراراً قد قُطِعَ من الأهل بالرفض.
• لقد تزوجت مارّيا عام 1930 من شكري اليأس سلمان –المقدسي- ولكنّ حبل المودّه لم ينقطع بين الحبيبين.. حيث يروى "البدوي الملثم" في كتابه "إبراهيم طوقان.. وطنياته ووجدانياته" في عام 1932 حضر إبراهيم من نابلس إلى القدسٍ لزيارة صديقه أبي سلمى.. اٌعتمر غرفته فلم يجده.. فتولاه غم شديد.. ففتح كتاب الأغاني وكتب على احدى حواشيه هذه الأبيات
أخي المقدرّ أنيّ
أحوم دهري عليكا

هريتَ نعليَ هلاّ
اعترني نعليكا

لإنْ لقيتك فاعلم
(…..) دنيك (…..)

وخرج فلقي أبا سلمى في مقهى "فيَنّا" ثم سارا معاً في شارع "مأمن الله" وأذا بهما يلتقيان بحسناء "ِكفرَكنه" فتركه أبو سلمى واقفاً ومشى.. وهذا ما سر إبراهيم"
هذه الحادثة أن صدقت تدل على أن العلاقة بينهما لم تنقطع بزواجها.. وأن العلاقة لم تكن علاقة فحش… إن طبيعة القصائد التي كتبها.. وطبيعة رأي إبراهيم بها كانت علاقة روحيه بعيداً عن التجسيم.. والماديان.. لقد وصف إبراهيم جمالها بأنه جمال روحي معنوي.. أذن العلاقة لم تنقطع.. خاصة أن إبراهيم عمل فتره طويلة في الإذاعة في القدس…
أما الكواعب التي عرفها إبراهيم في حياته.. فلم يشكلن في حياته وشعره أكثر من غزالات ندى في يوم صيف قائظ، تزول بارتفاع الشمس في الأفق وإن إبراهيم قد تعامل مع النساء كقول أستاذه البحتري:
نقل فؤادك حيث شئت الهوى
ما الحب الا للحبيب الأول

كم منزلٍ في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

أما "مارغريتا" الأندلسيه.. فقد أعجب بدمائها العربية.. وكأني به لم يحبها كامرأة وإنما أحب تاريخ العرب الماضي البادي على محياها.. فكأن إبراهيم في اللاوعي يتغزل.. بماضي العرب في الأندلس من خلالها.
لقد رأي إبراهيم بعين بصيرته مأساة الأندلس في طريق التكرار إلى فلسطين، وسنرى في شعره الوطني.. أنه سيكشف لنا عما سيحصل.. وكل ما كان يخشاه حصل وبعد سبعٍ من السنين طباقاً.
لقد تكالبت على جسدك النحيل شعلتا الذكاء والإبداع.. فاحترْقتَ باللهب.. يا روح إبراهيم المتعالية في اللانهائي.. أطلي علينا من عليائك.. وارسمي فرحَك على ضفاف أرواحنا الحائرة..الظامئات.
فسلام عليك روحاً مخضَلَّة بازهار الربيع… وجسداً معانقاً الترابُ الذي أحب.. وقلباً نابضاً بالحب…متسعاً للوطن الكبير من الماء حتى الماء… وبي ظمأ لفهم روحك.. لا ترويه دجله.. والفرات..
فسلام عليك بين الصديُقين والأبرار..
وطنياته:
إبراهيم شاعر وطني غنى للشهداء ومجّد الدفاع عن الوطن.. وحذّر من غدٍ سيئ آت.. استبق الأحداث بعين بصيرته عصره وحدس إحساسه، فكان بحق زرقاء بكى أمجاد الأمة وتاريخها.. لم يعرف التحزب ولم ينصر فريقاً على فريق.. وكان انتصاره للوطن.. استلهم وطنيته من مصدرين.. من عائلته التي لم تَبِعْ قطُ أرضاً للغرباء.. فكان بمثابة وعزِّ له وشموخ والمصدر الثاني من روحه القومية العروبيه التي أخذها من أساتذته في نابلس إبراهيم الخماش، الشيخ فهمي هاشم، ثم على يد نخله زريق وقسطنطين زربق في القدس.
ثم على يد الكثير من الشخصيات القومية الأدبية.. في بيروت.
أما وطنياته فكانت ذات وجهين:
• وجه داخلي حذّر فيه الناس من الخطر الداهم.. وبين فساد الساسة، وفحضَّ على العمل.. ونبّه للخطر الخارجي.. وهاجم الأحزاب.. والصحف.. والتي أسهمت في إشاعة جو الفرقة في أوساط الناس.
لقد كان إبراهيم بحق زرقاء اليمامة.. رأى النكبة قبل حدوثها وتوقع أهوالها أنظر ماذا يقول:
أمامك أيها العربي يومٌ
تشيب لهوله سود النواصي

• وجهه خارجي: حيث كشف خداع المستعمر.. وكشف غامض سياسته.. كما بين كيف يكيل المستعمر بمكيالين.. ومجد في الثلاثاء الحمراء شهداء الثورة..
أنها القصيدة تعدّ بحق صرخة في ضمير العالم والإنسانية لو كان لهذا العالم ضمير وقد قسمها إلى ثلاثة أقسام.
1. القسم الأول يكشف فيه وجه المستعمر الحقيقي وزيف ادّعائه.
2. الساعات الثلاث: والتي تمثل تحدي الأعناق للحبال.. والاكُفّ للمخارز.
3. وفي الخاتمة.. يذرف دمع الشعب على قبور الشهداء.. ويهدد المستعمرين.
أمّا في" الحبشي الذبيح" فهو من اوائل مستخدمي الرمز.. فالحبشي الذي يذبح ليس سوى الشعوب الضعيفة التي توضع على مؤائد أصحاب الأظافر والأبيات كي تقسم… فالحبشي وليمة العيد.. ما هي إلا الشعوب المقهورة التي تنهب وتسلب دون أن يكون لها الحق في الدفاع عن إنسانيتها المقهورة..
أن الحلاوة في فم متلمظٍ
شرَه ليشربَ ما الضحية تسكبَ

هي فرحة العيد التي قامت على
ألمِِ الحياةَ وكلُّّ عيدٍ طيبُ

لقد أدرك إبراهيم سخف الساسة منذ عشرات العقود، فالقوة لا تُردَعُ بغير القوه. وقد سَخِرَ ممن ادّعو بأنهم ينالون حقوقهم عن طريق المسالمة والسياسة.
يا من تعلَّلَ بالسياسةِ ظنّها
لَطُفَتْ ولأن عَصِيَّها الجبارٌ

ما لطفها؟ ما اللين ذاك؟ ولكن
مستعمرون وكلًّ استعمار

أما سماسره الأرض.. وبائعوا الأوطان فقد صب عليهم نار عضبه
بإعوا البلاد إلى اعدائهم طمعاً
بالمال لكما أوطانهم باعوا

يا بائع الأرض لم تحفل بعاقبةٍ
ولا تعلَّمْتَ أن الخصمَ خدّاعُ

لقد حنيت على الأحفاد والهفي
وهم عبيدُ، وخدامٌ واتباعُ

اعداؤنا منذ أن كانو (صبارفةٌ)
ونحن منذ هبطنا الأرضَ زراعُ

لقد كان شعر إبراهيم لهباً على الأعداء غُرَباءَ ومستغربين.. وذلك نتاجاً طبيعياً لحوادث ألمت بفلسطين.. فكانت حملته على صنائع الاستعمار والذين مكنوه من الوصول إلى ماربه.. لقد كان شعره النذير القوي بما سيؤول إليه أمرهم بعد قليل من السنين.. لقد كانوا على شفا هاوية فأنذرهم منها.. ولكن اندلس جديدة قدْ ولدت بعد بضع سنين من وفاته..
لقد بُحَّ صورتك..وانهد عزمك.. وأنت تصرخ.. والقوم عنك لاهون.. فأضاعوا وضيعو وطناً عزيزاً أبياً هو بمثابة خاصرة الوطن.. ومهد الأديان ولكنك:
لقد أسمعت لو ناديت حياً
ولكن لا حياة لمن تنادي

وختماً
فسلام عليك يومَ ولدت.. ويومُ مت.. ويوم قلت.
هُوِ بالباب واقف
والردى منه خائف

فاهدائي يا عواصف
خجلاً من جراءته

صامتُ لوتكلما

لفظ النار والدما

قل لمن عاب صمته
خلق الحزمُ ابكما

جميل عبد الله دويكات
ملتقى بلاطة الثقافي









رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,147,483,647
- خذيني الى موتي لزياد خداش : صعلكة قصصية على ارصفة مدينة الشع ...


المزيد.....




- مشاكل الشباب في «فاميليا» للمؤلفة نورهان أبو بكر
- السبت: حفل توقيع كتاب للدكتورة ريما دروبي -أنا.. أنا-
- تأملات فى الثورات العربية والعالمية
- تسونامي ثقافي يعصف بمنطقة الخليج
- كيف تساهم الهند في تشكيل صناعة السينما في هوليوود؟
- لفتيت يتباحث بإشبيلية مع وزير الداخلية الفرنسي
- دراسات عن أعلام من الحلة في الفكر والثقافة والأدب – 3
- -إلفيس بريسلي الأوبرا- يحتفل بعيد ميلاده الـ 55
- فيديو طرد مذيعة تونسية لفنانة لبنانية يشعل مواقع التواصل الا ...
- انطلاق مهرجان الكويت لمسرح الشباب العربي


المزيد.....

- تسيالزم / طارق سعيد أحمد
- وجبة العيش الأخيرة / ماهر رزوق
- abdelaziz_alhaider_2010_ / عبد العزيز الحيدر
- أنثى... ضوء وزاد / عصام سحمراني
- اسئلة طويلة مقلقة مجموعة شعرية / عبد العزيز الحيدر
- قراءة في ديوان جواد الحطاب: قبرها ام ربيئة وادي السلام / ياسين النصير
- زوجان واثنتا عشرة قصيدة / ماجد الحيدر
- بتوقيت الكذب / ميساء البشيتي
- المارد لا يتجبر..بقلم:محمد الحنفي / محمد الحنفي
- من ثقب العبارة: تأملات أولية في بعض سياقات أعمال إريكا فيشر / عبد الناصر حنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - جميل دويكات - إبراهيم طوقان:طائر الشِّعرِ المغردِّ بالنور.. والنار