أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي حسين يوسف - رواية ( الطلياني ) لشكري المبخوت , واحقية الفوز بالبوكر















المزيد.....

رواية ( الطلياني ) لشكري المبخوت , واحقية الفوز بالبوكر


علي حسين يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 4806 - 2015 / 5 / 14 - 12:07
المحور: الادب والفن
    


منذ ان كتب نجيب محفوظ روايته الملحمية ( اولاد حارتنا ) , والى الان , ما زالت حكاية الصراع بين الدين والقيم الثابتة من جهة , والعلمانية والفكر المتمرد من جهة اخرى تمثل محورا مهما من محاور النتاجات الابداعية العربية .
وتأتي رواية : ( الطلياني ) للتونسي شكري المبخوت لتمثل شاهدا حيا آخر على فاعلية هذا الصراع الحركي بين قيم الثبات ( دينية او اجتماعية ) , وقيم التغيير , على الرغم من ان ذلك الحراك قد يبدو مضمرا , ومخفيا بين طيات الاحداث التي تلون اغلبها بطابع سياسي .
وبغض النظر عن اهلية هذه الرواية ومدى استحقاقها لجائزة البوكر الاخيرة في ( ابو ظبي ) , وصعوبة البت في ذلك الامر لغياب المقارنة بينها وبين الروايات المتنافسة الاخرى , يمكن القول ان من المعايير الابرز في هذه الرواية التي جعلها تنال رضا اعضاء لجنة التحكيم واستحسانهم , ثم منحهم اياها جائزة البوكر من بين ست روايات عربية اخرى ــ على ما نعتقد ــ يتمثل جرأتها بطرح موضوعة الصراع بين فكرين , او ايديولوجيتين : سلفية وعلمانية , على المستوى الفردي , او المستوى الاجتماعي السياسي .
لكن قصة الصراع المحكية سردا هذه في رواية المبخوت ربما تثير اكثر من تساؤل , وتؤشر اكثر من ملاحظة , وتستوقف القارئ في اكثر من محطة وهو يجوس مفصليات الاحداث , ويتتبع سيرها , وقد يتوصل القارئ من خلالها الى ان المسكوت عنه في هذه المنتج يفوق ما قرأه على سطوح الصفحات التي تجاوزت ال 340 صفحة .
تأتي دلالة العنوان الظاهرة ( الطلياني ) ــ اي الذي يشبه الايطاليين بجمالهم ووسامتهم ــ لتستحث السؤال الاول على المبادهة , فلم الطلياني ( الاوربي ) بالتحديد ؟ لم ادار المؤلف وجهه صوب الشمال ليقترض صفة الجمال لبطله ( عبد الناصر) من هناك , وهو العربي بنسبه وجماله ؟ لم اشاح بوجهه عن الجمال التونسي المتوسطي ؟ الا يضمر هذه وعيا مبطنا بإنهزام الذات العربية امام الآخر , وسطوة الاخير على خياراته ؟ الا يشي اللجوء الى الغرب او الشمال نفورا , وربما تمردا على مقتنيات الذات, بوصفها اصبحت مقتنيات بالية امام مستجدات الذات الغربية او الشمالية ؟ الا يشي هذا ببداية للمعركة الكامنة بين الانا العربية المرفوضة , والاخر الغربي الجذاب في لا وعي الكاتب ؟ .
والمؤلف منذ السطور الاولى اعلن ان بطله ــ الذي لا بد ان يكون اثيرا لديه بوصفه مخلوقا من مخلوقاته التخيلية ــ رجل يكن العداء الطاغي للتدين فلم يكن يؤمن بصلاة او دعاء او اي طقس ديني , بل كان ملحدا متمردا .
لكن الكاتب حينما اراد الولوج في تفاصيل روايته بدا وكأنه كان محملا بفكرة قبلية فرضت نفسها عليه فرضا تمثلت بالإسراع في بيان موقفه من الصراع المذكور , مما اوقعه بشيء من التكلف وعدم الانسيابية .
فبالانتقال الى الفصل الاول الذي يمثل بداية الرواية , قد يتبين القارئ وبسهولة مدى التكلف والافتعال والتصنع في هذه الافتتاحية او البداية , فحينما احوج القص الكاتب الى اظهار زيف المدعين والمتسترين بسربال الدين , اختار لتلك الغاية رجل الدين ( علالة ) , فأراد من خلال هذا الشخص ان يحدد موقفه من هؤلاء المنافقين اولا , ولتحديد هوية بطله الفكرية الثانية ... الافتعال بدا واضحا في صنيعه هذا من خلال الاعتداء الذي تعرض له هذا الرجل على يد بطل الرواية المثقف اثناء مراسيم دفن والد الاخير الحاج محمود , هذا التناقض تجسد في المفارقة بين ثقافة البطل عبد الناصر ومهنيته القانونية , وانشغاله بالفكر والممارسة السياسين , وبين ما قام به من تصرف غير لائق بالاعتداء على رجل الدين المذكور في موقف قد يكون من المستبعد جدا ان يقوم فيه انسان عاقل بتصرف اهوج احرج الجميع كالذي فعله عبد الناصر , وهو الرجل المثقف . وهذا ما يدفعنا الى التساؤل مجددا عن العلاقة المبطنة بين المثقف العربي العلماني , ورجال الدين , هذه العلاقة التي بات من الصعب ان تظهر واضحة نقية خالية من النفاق والزيف لأسباب تتعلق بالمثقف العربي الذي قد يخاف سطوة رجل الدين ويخشى الفتك به من قبل القاعدة الشعبية العريضة التي تتبعه , وقد يكون هذا النفاق والخوف مبررا خاصة اذا كان السلطة الحاكمة ممثلة بالتيارات الدينية , وقد يلجأ المثقف العربي ان اراد ممارسة شجاعته بنقد المؤسسة الدينية او احد رجالاتها الى الحيلة والمراوغة , ومن اكثر هذه الحيل شيوعا التركيز على نموذج ديني لا يحظى بالشعبية الواسعة او مرفوض من لدن المؤسسة الدينية نفسها ليصب عليه جام غضبه , وهذا ما فعله المبخوت في روايته هذه , حينما اختار شخصية : علالة لتمثل الرجل الذي يتظاهر بالتدين والتقوى على الرغم من دناءة طبعه وخسة افعاله , فقد راود هذا المدعي بطل الرواية نفسه حينما كان طفلا عن نفسه اكثر من مرة , فضلا على ان زوجته كانت امرأة تمارس العهر ربما بعلم منه .
وبالانتقال الى فصول الرواية الاخرى قد يلحظ القارئ وبسهولة الافكار المسبقة التي تحكمت في مسيرة السرد , فمن اجل ابراز العداء المتأصل بين الفكر الليبرالي الذي يمثله البطل عبد الناصر وبين الفكر الديني الذي يمثله المنضمون الى التيارات الاخوانية والسلفية والمتأثرون بها , حاول الكاتب ان يخلق صورة ارتاها مناسبة لكل منهما , لكن المتأمل قد يلاحظ وبسهولة ميل الكاتب الى ابراز الوجه الحسن لمن يمثل الليبرالية ... بوصفه الوجه الذي يتكفل بصناعة المستقبل , وقيادة الشعوب , وبإزاء ذلك قام برسم صورة قاتمة للجهة الاخرى , الذي توجها بصورة الرجل علالة الذي يمثل الزيف على حقيقته , والادعاء الاجوف بكل مظاهره .
وعلى الرغم من مشاهد الجنس مع صديقاته : زينة ونجلاء ومريم , وزوجة الشيخ المذكور , وغيرهن , والمواقف الخاصة التي تتعلق ببطل الرواية عبد الناصر , والراوي صديقه , واخيه صلاح الدين , ووالده الحاج محمود , واخواته , والاخرين غيرهم , يمكن القول ان رواية الطلياني تؤرخ حقبة مهمة من تاريخ تونس في منذ بداية التسعينات , من خلال انشغال ابطالها بالهم السياسي والاحداث التي جرت في المنطقة, فالرواية عبارة عن قصة مجموعة من الطلاب ــ ومن بعد المتخرجين ــ اليساريين في احدى الجامعات التونسية يشغلهم الوضع السياسي بعد انقلاب زين العابدين على ابي رقيبة , فينخرطون في معتركه مما يعرضهم للسجن والتعذيب والمطاردة , اذ يبدو ان الاحداث في المنطقة العربية وفي تونس بالتحديد , التي عاصرها القاص , وكان شاهدا عليها , وقارئا مدققا لها بوصفه استاذا جامعيا , القت بثقلها عليه , وفرضت كتابتها بطريقة سهلة , لا تشعر القارئ بأي عناء من ناحية تعاقب الاحداث وتتبعها , او من ناحية البناء اللغوي والاسلوبي الذي امتاز بفصاحته ودقته اللغوية , فالرواية يمكن ان تعد من الروايات الواقعية السهلة القراءة , التي لا تتعب القارئ في ملاحقة ابطالها وتحركاتهم , ولا ترهقهم في تداخل سردها , والتواء عباراتها , ولا تأخذهم في تهويمات لغوية متخيلة , فقد اعتمد القاص طريقة السرد المباشر عن طريق الراوي العليم , وقد تحركت مفاصل الرواية بطريقة متناسقة منسابة , لا يشعر القارئ معها بملل او ضجر, وكأنها يعيدنا الى الرواية التقليدية التي الفتها الذائقة العربية في العقود الماضية .
لكن السؤال الاهم هنا هو : لم هذا الوضوح كله , والسهولة , والمباشرة ؟ , للجواب يمكن القول ان هذه الرواية تمثل الرواية الاولى لكاتبها , وبذلك لا يمكن الحكم على طريقته بالكتابة , او بيان سبب اختياره الطريقة التي عرض فيها احداث روايته , فالمبخوت استاذ جامعي , ورئيس جامعة , ربما كل ذلك طبع شخصيته بطابع اكاديمي واضح ودقيق , وبما ان المبخوت ناقد ادبي فقد جعل منه هاجسه النقدي متتبعا لأحداث بلده تونس التي ارتأى ان يوثقها بطريقة مغايرة تلبي هواجس الجمال عنده , ومن محصلة هذين الملمحين في شخصية الكاتب يمكن ان نجد سمات الدقة والضبط في تسلسل الاحداث , وقوة الاسلوب , والروح النقدية العالية واضحين في هذه الرواية , الى الحد الذي يمكن القول معه ان المبخوت دحض المقولة التي يرددها البعض : ان الناقد اديب فاشل , فها هو ذا بوصفه ناقدا اكاديميا يكتب رواية بهذا المستوى من التقنية والجودة . لكن يبقى السؤال الاكثر الحاحا يفرض نفسه , فهل نجح المبخوت بوصفه مثقفا عربيا في طرح رؤيته الفلسفية التي تتمثل في الصراع بين قيم السلفية والليبرالية ؟ .





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,563,084,031
- الشعرية ... تحولات المصطلح والتاريخ
- اهم مصادر دراسة الشعر العراقي ... القديم والحديث
- اهم مصادر دراسة الشعر العرقي ... القديم والحديث
- الملامح الاشكالية للمنجز الثقافي العراقي بعد 2003 المنجز ال ...
- قصيدة النثر عند نامق عبد ذيب ... معالم وعتبات
- القراءة والعشق والجنون
- الكتابة عن تجربة المرض
- حينما تنزف التراتيل انفاسه يتجذر الاسى ... قراءة في مجموعة ( ...
- الاختلاف المرْجيء بين الصوت والصمت
- من تمثلات الشعر الكربلائي المعاصر
- الشعرية العراقية المعاصرة وحساسية القراءة المطلوبة
- حينما تبوح ذاكرة البيدق باعترافاتها , قراءة في رواية من اعتر ...
- الذات في خطاب الشكل الشعري المعاصر ... قراءة في النص الشعري ...
- الكشف الشعري والنفاذ الى حقائق الاشياء ..... قراءة في نصوص ع ...
- المجاوزة الرؤيوية في الشعر ... قراءة في الاعمال الورقية للدك ...
- مشكلة السوابق واللواحق في ترجمة المصطلح
- ازمة الخطاب الموجه في الفضائيات العراقية
- غياب الإفادة من التطورات الحاسوبية لخدمة اللغة العربية
- المعجم العربي وازمة الدقة المصطلحية
- حلم ... (قصة قصيرة )


المزيد.....




- المغرب ينضم إلى الشبكة الدولية لهيئات مكافحة الفساد
- الفنانة اللبنانية نادين الراسي تنفجر غضبا في شوارع بيروت
- العربية: احتراق مبنى دار الأوبرا في وسط بيروت جراء الاشتباكا ...
- الشوباني يعلق أشغال دورة مجلس جهة درعة بسبب تجدد الخلافات
- الموت يفجع الفنان المصري أحمد مكي
- بالفيديو... لحظة سقوط الليدي غاغا عن المسرح
- أنباء وفاة كاظم الساهر تصدم الجمهور... وفريق العمل ينشر توضي ...
- قائد الطائرة يتلقى “عقوبة رادعة” بسبب الممثل محمد رمضان !
- لبنان...فنانون وإعلاميون يتركون المنصات وينزلون للشارع
- رقصة مثيرة تسقط -ليدي غاغا- من على المسرح


المزيد.....

- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو
- انماط التواتر السردي في السيرة النبوية / د. جعفر جمعة زبون علي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي حسين يوسف - رواية ( الطلياني ) لشكري المبخوت , واحقية الفوز بالبوكر