أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام المنفي - المدرسة الملطية . أول المدارس الفلسفية عند الإغريق . -مجموعة مقالات مجمعة-















المزيد.....



المدرسة الملطية . أول المدارس الفلسفية عند الإغريق . -مجموعة مقالات مجمعة-


حسام المنفي
الحوار المتمدن-العدد: 4805 - 2015 / 5 / 13 - 20:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


تمهيد
====
في ظني أن أحدا يتمتع بذرة من الموضوعية والإنصاف ، وقد أتيحت له فرصة الإطلاع على تاريخ الفكر اليوناني لابد أن ينتابه مشاعر الإحترام والتقدير والإعجاب بهؤلاء الفلاسفة والشعراء والفنانين الذين أفنوا حياتهم من أجل إيثار عقل ووجدان الجنس البشري بإبداعاتهم الفريدة وأعمالهم الخالدة في مجالات الفلسفة والشعر والفنون وغيرهم، ليس فقط في العصور القديمة بل امتد أثارهم حتى يومنا هذا . فما زالتا ملحمتي الألياذة والأوديسا(1) لهوميروس تقرءان حتى هذه اللحظة وما زلنا نقرأ على سبيل المثال أديب ملكا لسوفكليس حتى الأن وما زال أرسطو يتمتع بمكانة رفية في عالم الفلسفة وكذلك أفلاطون ودمقريطس وأبيقور وغيرهم . يقول د. أحمد عتمان " إن أي أدب يمتلك شاعرا مثل هوميروس وحده أو سوفكليس أو أرستوفانيس أو حتى كاتبا ناثرا مثل أفلاطون وأرسطو أو خطيبا مثل ديموسثنيس او مؤرخا مثل هيرودوتوس أو ثوكيديديس ، أي أدب يمتلك واحدا فقط من مثل هؤلاء المؤلفين جدير بأن يصبح أدبا عالميا وإنسانيا خالدا ، فما بتانا بالأدب الأغريقي الذي يضم بين مؤلفيه جميع هؤلاء الأدباء . ( 2) .
ولذلك فعلينا جميعا أن ننظر للتراث اليوناني على أنه ثراثا ملك للإنسانية جمعاء بصفته إنتاجا بشريا وإنسانيا ونحن جميا نشترك في هذا الجوهر الإنساني . كما هو الحال بالنسبة لحكمة الشرق القديم المتمثلة في . المثيولوجيا (الأساطير ) المصرية القديمة أو ديانات الشرق الأقصى ( الهندوسية . الكونفوشيوسية. البوذية ) فلابد إذن أن ننظر لكل هذه المعارف على أنها إرث يشترك فيه الإنسانية جمعاء وليس إرثا يختص بأمة واحدة بعينها .
ومن هذه النقطة فنحن نتمنى لو فتحنا نوافذ عقولنا على الثقافة الغربية الحديثة ، ولا ننظر إليها نظرة الريبة والشك بل أحيانا تصل نظرة الريبة والشك إلى نظرةعدائية ليست لها أي مبرر على الإطلاق سوى رغبتنا الدفينة في الإحتفاظ بالقديم حتى إن أصبح هذا القديم مهترأ وباليا ولم يعد يناسب العصر الذي نحيا فيه . ولذلك نقول . إن أردنا أن ننهض بأنفسنا (على الأقل فكريا ) فلابد ان نفتح نوافذ عقولنا لتستقبل كل ما هو جديد كي تتلاقح أفكارنا وثقافاتنا مع أفكار وثقافات الأخرين وخاصة الثقافة الغربية ، ولا نكتفي بما لدينا من مخزون ثقافي ربما لا يكفي لسد رمقنا ، ولذلك يقول د. عاطف العراقي " هل من المعقول أن تتظر إلى الفكر الأوروبي والذي نعتقد من جانبنا أنه أعظم صور الفكر ، هل من المعقول أن ننظر إليه على أنه بضاعة فكرية فاسدة بحيث نقيم بيننا وبينه سدا منيعا " (3) ويستطرد قائلا " إن التراث الماضي قد صنعه مفكرون مثلنا ، صنعه أفراد بشر كانوا معرضين للوقوع في الأخطاء ، فلماذا إذن نقف عند محاولاتهم بحيث نبكي على الأطلال (4) هل من المعقول أن يكون تصورنا للمستقبل محكوما بكتب التراث الصفراء ؟ محكوما بأفكار مجموعة من المفكرين القدامى ؟ إن كتب التراث إذا كنا نجد فيها بعض الأفكار البناءة الممتازة والتي تفيدنا في حياتنا المعاصرة ، إلا أننا نجد في بعضها ألاف الأخطاء والخرافات . ويقول د. طه حسين " إن الحياة الأوروبية ليست إثما كلها ، وإلى أن فيها خيرا كثيرا ، وإلى أن الإثم الخالص لا يمكن من الرقي . وقد ارتقى الأوربيون ما في ذلك شك ، وإلى أن حياتنا الحاضرة وحياتنا الماضية ليست خيرا كلها بل فيها شرا كثيرا ، والخير الخالص لا يدفع إلى الإنحطاط وقد انحطت حياتنا ما في ذلك شك . فحياة الأفراد في كل مكان وفي كل زمان مزاج من الخير والشر مهما تختلف أجيال الناس ومهما تباين ما يحيط بهم من الظروف . (5)
تراني انحرفت قليلا عن الغاية الأساسية التي يرمي إليها هذا المقال ؟ صدقت . فأنا ما كنت أرمي مطلقا عندما هممت على كتابة تلك السطور إلى الخوض في مسائل الإنفتاح الثقافي والعولمة وما شابه ولكن كل ما أردته هو أن أشير ولو مجرد إشارة عابرة إلى تلك الحضارة العظيمة الخالدة ، حضارة اليونان القديمة . لأننا سنتحدث في المقالات القادمة عن المذاهب الفلسفية الإغريقية في العصر الذي يسبق سقراط ، وسنحاول على قدر المستطاع أن نقوم بشرح تلك المذاهب بطريقة قد تعنى على فهم واستيعاب تلك المذاهب .
==================================
أهم خصائص الفلسفة اليونانية القديمة "عصر ما قبل سقراط"
==================================
كانت كلمة فيلوسوفيا ـ philosophia ـ " محب الحكمة " التي يقال عادة إنها لفظة يونانية مشتقة من كلمتين يونانيتين هما : فيلوس philos وتعني صديق أو محب ، وسوفيا sophia وتعني حكمة . كانت هذه الكلمة تطلق على كل فرد يسعى إلى اقتناص الحكمة ، سواء استطاع الوصول إليها عن طريق التأمل العقلي الخالص أو عن طريق العلوم المختلفة التي تعتمد على الحواس كمصدر أساسي من مصادر المعرفة . إلا أن هذا اللفظ أخذ يضيق بعد ذلك على يد فبثاغورس الفيلسوف وعالم الرياضيات الشهير ليصبح حكرا على ذلك النوع من التأمل والتفكير العقلي فيما يصادف الإنسان من مشكلات نتيجة لما يطرحه من تساؤلات حول علاقته بالأخرين من بني جنسه ، وعلاقته بتلك القوى الإلهية الخفية التي أبدعت العالم الطبيعي (6) ويذهب الدكتور مصطفى النشار إلى أن " لفظ الفلسفة لم يكن يدل على ما نعنيه اليوم فقط من تفكير مجرد وتحليل عقلي للمشكلات الإنسانية والميتافيزيقيا (7) بل كان يدل كذلك على أي نشاط عقلي يبذله الإنسان بهدف السيطرة على الطبيعة وفهم ظواهرها الغامضة . ومن ثم كانت " الفلسفة " اسم يطلق على كل ابداعات الإنسان اليوناني في كل الميادين الفنية والأدبية والعلمية والدينية والفلسفية ، فقد كان فيلسوفا كل من يفكر ويتأمل ويبرع في شتى الميادين . وعلى ذلك فالفلسفة كإصطلاح تعني " محبة الحكمة " بهذا المعنى الشامل الذي ظل ملتصقا بها منذ العصر اليوناني وحتى مطلع العصر الحديث الذي شهد بداية الإنفصال الفعلي للعلوم المختلفة عن الفلسفة (8) .
وبعد هذه الإشارة السريعة لمفهوم الفلسفة عند فلاسفة الأغريق القدامى يجدر بنا أن نتجه إلى مناقشة أهم الخصائص التي كانت تتميز بها الفلسفة اليونانية القديمة أي بدأ من أول فيلسوف يوناني وهو " طاليس الملطي " الذي ولد سنة 624ق.م حتى بداية ظهور السوفسطائيين في النصف الثاني من القرن الخامس ق.م ، وهذه الفترة التي تقع بين طاليس والسوفسطائيين هي موضوع بحثنا في هذا المقال وفي عدة مقالات قادمة . وسنناقش في السطور القادمة من هذا المقال مشكلات ثلاث وسنتعرف على موقف الفلاسفة الطبعيين الأوائل من هذه المشكلات وهي مشكلة الطبيعة ،ومشكلة الإنسان ،ومشكلة الألوهية . وسنعتمد في مناقشاتنا لتلك المشكلات على كتاب " تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي " للدكتور مصطفى النشار . وكذلك كتاب " الفلسفة عند اليونان " للدكتورة أميرة حلمي مطر .
(أ) مشكلة الطبيعة : كانت فكرة الطبيعة عند الفلاسفة الطبيعيين الأوائل تعني المادة الأولية التي نشأت عنها كل الموجودات ، ومن من ثم اتجه كل فيلسوف فرضية معينة لينطلق منها مفسرا ومعللا كل مظاهر الوجود المادي برمته . فقد انطلق طاليس من فرضية أن الماء هو أصل الأشياء ، أي أن الأرض وجميع الكائنات الحية بما فيها الأنسان قد انبثقت جميعها من الماء . ثم افترض أنكسيمانس أن الهواء هو العلة الأولى للوجود وليس الماء كما كان يدعي طاليس ، وعند هرقليطس العنصر الرئيسي هو النار ، وكان أكثرهم عبقرية على الإطلاق هو دمقريطس الذي افترض أن العالم بأكمله ما هو إلا نتاج مواد صلبة غاية في الصغر بحيث لا تستطيع العين أن تراها ، أي أنه افترض أن الكون مكون من ذرات ، ومن هنا تتطضح عبقريته وإبداعه وأصالته ، وكان الفيلسوف الأنجليزي فرانسيس بيكون كثيرا ما يمتدح دمقريطس ويثني عليه لأفتراضه هذا الفرض العلمي الخطير ومع ذلك فإن فكرة دمقريطس عن الذرة تختلف كثيرا عن تصور العلم الحديث لها ، واللافت للنظر هنا أن أغلب فلاسفة تلك الفترة قد استندوا في محاولة تفسيرهم لمظاهر الوجود المختلفة إلى عدة فروض أغلبها فروض مادية بحته مما يجعلهم أقرب للعلماء منهم للفلاسفة ولذلك أطلق على المشتغلين بالفلسفة في هذه الفتر " بالطبيعيين الأوائل " لأنه كان جل اهمامهم منصبا على البحث في أصل الكون ونشأته . تقول الدكتورة أميرة حلمي مطر " لم يكن تأثر الفلسفة الطبيعية المبكرة عند اليونان بالمستوى العلمي والفني الذي وصلت إليه الصناعة في عصرهم بأقل من تأثرها بالعوامل الإجتماعية والفكرية الأخرى ، فمعظم فلاسفة هذه الفترة كانوا علماء وكانت لهم مخترعات ومكتشفات علمية عظيمة الأهمية " (9) ويقول برتراند رسل وهو في صدد حديثه عن طاليس أول الفلاسفة الأغريق " ومع ذلك فأمامنا مبرر قوي يحملنا على احترام طاليس ، ولو أنه احترام موجه إليه باعتباره رجلا من رجال العلم أكثر منه فيلسوفا بالمعنى الحديث لهذه الكلمة " (10)
(ب) مشكلةالإنسان : كما رأينا كان البحث منصبا على كل ما يتعلق بالقضايا التي تمس الطبيعة وأن البحث في قضايا الإنسان ، النفس وطبيعتها، ما علاقة النفس بالجسد ، وما هو مصيرها بعد الموت ، الأخلاق ، وما مصدر القيم الأخلاقية ، أهي مطلقة أم متغيرة ، الحرية....إلخ كل هذه الأمور لم تكن تتصدر قائمة اهتمامات الفلاسفة الطبعيين الأوائل وكان جل اهماماتهم كما رأئينا تصب في البحث عن نشأت الموجودات وأصلها وعللها ، ولكن مع ظهور بروتاجوراس الفيلسوف السوفسطائي الشهير الذي قال " الإنسان هو معيار كل شيء " ومن بعده سقراط الذي اهتم هو الأخر بالبحث في قضايا الأنسان ، فحولا مجرى البحث اليوناني من النظر في الطبيعة إلى النظر في الإنسان والبحث في قضاياه ومشكلاته .وقد انقسم الفكر اليوناني منذ هذا التاريخ إلى ما قبل سقراط وما بعد سقراط فيما يرى المؤرخون نظرا لهذا التحول الذي طرأ عليه وهو الإهتمام ببحث طبيعة الإنسان ومشكلاته (11) .
(ج) مشكلة الألوهية : يقول الدكتور مصطفى النشار(12) " اهتم المفكرون اليونان بالبحث في الألوهية ، حيث ولد اهتمامهم بالبحث في الطبيعة وقضايا الإنسان ، ذلك الإهتمام بالتسائل عن القوة المبدعة الخالقة للكون والإنسان . ويمكن القول إن البحث عن الألوهية بصورة مستقلة قد بدأ مع اكسينوفان الشاعر الفيلسوف الذي كان أول من حاول تخليص اللاهوت اليوناني من أثار التفكير الأسطوري الذي صبغه به هوميروس وهزيود في أشعارهم التي صورت الألهة كالبشر يتخاصمون ويتصارعون ويتزاوجون وينجبون بل يقيمون علاقات مع البشر العاديين .
وقد خلص اكسينوفان إلى الإعتقاد بإله واحد وصففه بأنه لا يشبه الإنسان لا في صورته ولا في فكرته وأنه يرى ككل ويفكر ككل ويسمع ككل ، فوعي الإله ليس معتمدا إليه على أعضاء حسية أو على شيء يضاهيها . ولكن فكرة الألوهية أخذت تتبلور وتتشكل أكثر على في عقول المفكرين اليونان على يد سقراط الذي يؤمن بإله واحد كما أكد أفلاطون أيضا بواحدية الإله وأثبت وجوده ببراهين عقلية عديدة ، أما أرسطو تلميذ أفلاطون فقد بلغ في تنزيه الإله شوطا بعيدا ، فاعتبر الإله هو المحرك الأول للكون وهو العلة الفاعلة والغائية للعالم الطبيعي .
وخلاصة القول أن الفترة في تاريخ الفكر اليوناني والتي تبدأ بعام 585ق.م تقريبا وذلك العام الذي تنبأ فيه طاليس بكسوف الشمس وتنتهي تقريبا في النصف الثاني من القرن الخامس ق.م مع ظهور السوفسطائيين وسقراط الذين نقلو البحث الفلسفي من مجال الطبيعة إلى داخل الإنسان نفسه ، وهذه الفترة تتميز بالبحث في الطبيعة وعلل الموجودات وأصل الأشياء وأن مفكرين تلك الفترة لم يهتموا بالبحث في الإنسان وقضاياه المختلفة وأيضا لم يرتقي اهتمامهم في المسألة الإلهية إلى مستوى اهتمامهم بالبحث في المشكلة الطبيعية .
================
أسيا الصغرى ومولد الفلسفة.
================
مع حلول القرن الثاني عشر ق.م وحتى القرن العاشر ق.م تقريبا ، شهدت السواحل الغربية لأسيا الصغرى موجات عديدة من البشر الوافدين من بلاد اليونان الأصلية ، حيث أخذت القبائل اليونانية في الهجرة من موطنهم الأصلي متجهة نحو الشرق حيث السواحل الغربية لأسيا الصغرى والتي أقامت عليها العديد من المدن والمستوطنات الأغريقية . فبدأت تلك الهجرات بالأخيين والأيوليين الذين استوطنوا في الشمال وأشادوا المدن الإثنتي عشرة التي سميت بالمدن الإيولية ، ثم جائت الموجة الثانية من هذا الطوفان البشري في سنة 1000ق.م تقريبا متمثلة في القبائل الإيونية التي أقامت هي الأخرى اثنتي عشرة مدينة جنوبي المدن الإيولية سميت بالمدن الإيونية التي تضم مدينة ملطية التي كانت مهد الفلسفة اليونانية ، ثم جاء الدوريون إلى ساحل أسيا الصغرى ، فاستعمروا أطرافه الجنوبية الغربية ، إلى الجنوب مباشرة من أيونيا ، ولم يقتصر الأمر على هذا ، فقد أخذت بلاد اليونان الصغيرة تمد رقعتها داخل هذه الدائرة من الأمم المحيطة بها حتى لم يكد يبقى جزء من شاطىء البحر المتوسط لم يعمره أبناؤها . فقد انتشر اليونان في كل جزيرة من جزائر بحر ايجة ، وإلى كريت وقبرص ، وإلى مصر وفلسطين وسوريا وما بين النهرين ، وأسيا الصغرى وبحر مرمرة والبحر الأسود ، وإلى شواطىء بحر إيجة وشبه الجزيرة الممندة منه ، وإلى إيطاليا وغالة (فرنسا) وصقلية . وإلى شمال إفريقية (تونس)وقد أنشأوا في هذه الأقاليم جميعها دول مدن مستقلة متفرقة ولكنها يونانية ، تتكلم اللغة اليونانية وتعبد الألهة اليونانية وتكتب الأداب اليونانية وتقرؤها ، وتقوم بنصيبها في تقدم العلوم والفلسفة اليونانية ، وتمارس الديمقراطية على الطريقة اليونانية الأرستقراطية ، وهم حين هاجروا من بلاد اليونان لم يتركوا موطنهم الأصلي ورائهم : بل حملوه معهم ، حتى أرضه نفسها ، فقد أخذوا معهم بعض حفنات من تربة اليونان حتى ينثروها على الأراضي الجديدة أينما ذهبوا، وقد أخذوا معهم أيضا قبس من النار المقدسة التي كانت مرتبطة بمذابح ألهتهم ومعابدهم ، وقد جعلوا حوض البحر المتوسط بحيرة يونانية ومركزاللعالم ، دام على هذا الوضع قرابة ألف عام (13) . ومن أهم النتائج التي ترتب على هذه الهجرات الواسعة الإنتشار هي " مولد الفلسفة في الشرق و على سواحل أسيا الصغرى وخاصة في مدينة ملطية التي أنجبت أول ثلاث فلاسفة ( طاليس ، أنكسيماندر ، أنكسيمانس ) ، وكثيرا من الشعراء والفلاسفة اليونان قد ولدوا في أسيا الصغرى مثل هوميروس ، سافو ، طاليس ، دمقريطس ، فيثاغورس ، أنكساجوراس ... إلخ . بمعنى أننا يمكننا القول بأن العقل الغربي قد امتزجا بالبيئة والمناخ الشرقيين فنتج عن هذا الإمتزاج ولأول مرة في تاريخ البشرية هذا الدرب من دروب التفكير العقلاني الذي نفض من على عاتقه كثيرا من الشوائب التي كانت تعلق به من أساطير وخرافات وممارسات سحرية وطقوس ومعتقدات دينية ...إلخ وعلى حد قول د. مصطفى النشار " أن الفكر اليوناني يمثل نقلة نوعية في تاريخ الفكر الإنساني " .
ولكن ثمة مشكلة أخرى مازالت مسار جدل حتى الأن و ربما لن ينتهي أبدا . ورغم ذلك أرى أنه من المفيد أن نعرض بعض جوانبها في هذا المقال ، لا لأننا نستطيع أن ندلوا بدلونا في هذا الموضوع ولا نسعى بطبيعة الحال لحل هذه المشكلة . ولكن عرض هذه المشكلة لا يخلو من إجابيات وهذه المشكلة هي " هل أصول العبقرية اليونانيه نتاج خالص وأصيل للعقلية اليونانية دون أن تتأثر بثقافات وحضارات الأمم المجاورة لها ؟ أم أنها ضاربة في أعماق الشرق القديم ؟ بمعنى أخر هل العبقرية اليونانية لم تستقي مصادرها وأصولها الأولى من ثقافات وحضارات الشرق القديم (مصر ، بابل ، الهند ).؟ أم أن الحضارة اليونانية أفادت كثيرا من الحضارات الشرقية التي سبقتها زمانيا ؟
فقد تبنى الرأي الأول الفيلسوف الفرنسي "بارتلمي سانتهلير" الذي ترجم كتاب الكون والفساد لأرسطو من اليونانية إلى الفرنسية ونقله من الفرنسية إلى العربية العظيم أحمد لطفي السيد ، وقد استهل " سانتهلير" في مقدمة هذا الكتاب نقاشه في هذه النقطة بعدة أسألة " إلى أي حد كانت أصلية الفلسفة اليونانية ؟ وبأي شيء هي مدينة للبلدان المحيطة بها ؟ وهل استعارت منها ( أي الأمم المجاورة) شيأ ؟ وبعبارة أخرى هل الغرب الذي فتح صدره للحياة العلمية يدين بشيء للشرق الذي هو مخالط له والذي هو معتبر أنه متقدم عليه بكثير في هذا الطريق الوعر الذي حده النهائي الفلسفة ؟ ويجيب "سانتهلير" على هذه التساؤلات بقوله " أجيب من غير تردد (بالسلب) وأن إغريقا لم تدن لأحد غيرها ، وأن المساعدات التي وردتها تكاد تكون من خفة الوزن بحيث يمكن الجزم بأن إغريقا في العلم أيضا كانت ذات إحداث وإبداع ، شأنها في بقية الأشياء الأخرى وإذا كانت تلقت شيأ عن جيرانها فما هو إلا أصول عديمة الصور فصورتها هي وبلغت من تصويرها حد التمام بحيث يمكن القول بحق إنها هي التي أوجدتها في الواقع (14) . ويقول أيضا " نعم إن إغريقا أصيلة على الإطلاق ، أعطت كل العالم ولم يعطها العالم شيأ إلا ما ربما يكون من بذور كانت عقيمة في غيرها فعرفت هي وحدها أن تنبتها " (15) . ولكن في الواقع ثمة أمثلة أخرى تعبر عن موقف مختلف تماما عن الموقف الذي اتخذه "سانتهلير" لتفسير ظهور العبقرية اليونانية على مسرح الفكر الإنساني ومن هذه الأمثلة المؤرخ والفيلسوف الأمريكي ول ديورانت الذي ذهب إلى أن العلوم والفلسفة اليونانية هي ثمرة قد نثر بذورها القدماء المصريون منذ أزمان سحيقة ، أي أن جذور الفكر اليوناني يمكن تعقبها في العلوم المصرية القديمة ، وها هو يقول " وكان معظم اليونان يعتقدون أن عناصر كثيرة من حضارتهم قد جائت من (مصر ) وتعزو قصصهم نشأة كثير من المدن اليونانية إلى رجال من أمثال كدموس ودانوس جائوا من مصر أو نقلوا الحضارة المصرية إلى بلاد اليونان عن طريق فينقية و كريت " (16) . ويقول أيضا " وزار مصر كثيرون من عظماء اليونان المشهورين ، أمثال : طاليس ، وفيثاغورس ، وصولون ، وأفلاطون ، ودمقريطس ، فأعجبوا أشد إعجاب بعظيم حضارتهم وقدمها ، ولم يجدوا فيها : برابرة همجا كالذين يجدونهم في الأقطار الأخرى ، بل وجدوا فيها أقواما كانت لهم حضارة ناضجة ، وفنون راقية ، قبل سقوط طروادة بألفي عام " (17) . ويقول عن فينقية (لبنان) وبابل " وكان أثر فينيقية في اليونان لا يزيد عليه إلا أثر مصر نفسها . فقد كان تجار صور وصيدا المغامرون وسيلة طوافة لنقل الثقافة ، ونشروا في جميع أقاليم البحر المتوسط علوم مصر والشرق الأدنى ، وصناعتهما ، وفنونهما ، وطقوسهما الدينية . ولقد فاق الفينيقيون اليونان في صنع السفن ولعل اليونان قد أخذوا هذه الصناعة عنهم ، وعلموهم كذلك أساليب في طرق المعادن ، والنسيج والصباغة خيرا من أساليبهم . وأخذت بلاد اليونان عن بابل ( العراق) نظام موازينها ومكاييلها ، وساعتها المائية ومزولتها ، ووحدات العملة المتداولة فيها ، وقواعد علم الفلك وألاته ، وسجلاته ، وحسابه ، ولعل معرفة طاليس بعلم الفلك عند المصريين والبابليين هي التي أمكنته أن يتنبأ بكسوف الشمس " (18) .
وفي السطور القادمة سنحاول أن نسلط الضوء ونقترب أكثر من معرفة أهم الأفكار والبادىء التي كانت تتميز بها مدرسة مالطيا "أول التدارس الفلسفية في تاريخ اليونان" وسنحاول أيضا أن نلقي الضوء على أعلام هذه المدرسة ، التي تبدأ بطاليس الذي ولد في الربع الأخير من القرن السابع ق.م مرورا بتلميذه أنكسيمندرحتى نصل إلى أنكيمانس أخر الفلاسفة الملطيين .
=======================
طاليس الملطي . أول الفلاسفة الإغريق .
=======================
فلسفته الطبيعية .
===========
من المعروف أن طاليس هو أول فيلسوف وعالم أنجبته الحضارة اليونانية القديمة وهذا الأمر حتى هذه اللحظة يعتبر من الأمور المسلم بصحتها ، ويكاد يجمع المؤرخون على أن طاليس الذي ولد بمدينة ملطية في أسيا الصغرى سنة 624 ق.م يكاد يتفقون على أن طاليس ليس فقط أول عالم وفيلسوف يوناني بل أول عالم وفيلسوف ظهر على وجه الخليقة ، ذلك لأن طاليس قد حاول أن ينقي منهجه من الشوائب و العوالق التي ما كانت أن تتفق مع نظرته العلمية والفلسفية ، فكان المفكرون والعلماء قبل طاليس كثيرا ما يزاوجون بين دربين مختلفين أو إن شئت فقل "متناقدين" من دروب التفكير ، فكانوا يمزجون بين الأساطير والخرافات والممارسات السحرية والطقوس والمعتقدات الدينية من جهة وبين العلوم والفلسفة (إن كانت ثمة فلسفة في ذلك الوقت) من جهة أخرى، وهذه السمة كانت واضحة ومميزة في الحضارات الشرقية القديمة . علاوة على ذلك فإن طاليس قد انطلق يفسر العالم والوجود من خلال مبدأ مادي بحت وهو " الماء " الذي اعتبره طاليس المادة الأولى التي انبثق منها الوجود بجميع مظاهره المختلفة ، فالماء هو المادة الوحيدة التي يعرفها الإنسان بغير صعوبة في الأحوال الثلاث : الصلبة ، والسائلة ، والغازية . ولذلك على حد قول د. مصطفى النشار ، نجد أن طاليس قد وضع ولأول مرة المسألة الطبيعية وضعا نظريا بعد محاولات الشعراء والاهوتيين ، فشق للفلسفة طريقها ، ووصل إلى هذه الفرضية أن الماء هو المادة الأولى والجوهر الأوحد الذي تتكون منه الأشياء (19). بل نستطيع القول بأن طاليس قد وضع أول لبنة في تشييد وبناء الصرح العلمي العظيم الذي يقوم أساسا على التجربة والمشاهدة الحسية . يقول برتراند رسل " وقوله أن كل شيء مصنوع من الماء ، يمكن اعتباره فرضا علميا ، وليس هو بالقول الهراء ، فمنذ عشرين عاما كان الرأي الراجح هو أن كل شيء مصنوع من الهيدروجين الذي يتألف منه ثلثا الماء . فلئن كان الإغريق يتسرعون في فرضهم الفروض ، إلا أن المدرسة الملطية على الأقل كانت تأخذ باختبار تلك الفروض اختبارا قائما على التجربة الحسية (20) . ويرى أرسطو أن طاليس هو المؤسس الأول للفلسفة الطبيعية حيث يقول " إن طاليس هو مؤسس هذا النوع من الفلسفة ، يقول بأن المبدأ هو الماء وذلك هو السبب في إعلانه أن الأرض تطفو فوق الماء " (21) .
ولكن من أين جائت لطاليس هذه الفرضية ؟ ولماذا اختار الماء على وجه الخصوص ليفسر به العالم ؟ وهنا يحاول أرسطو أن يتحسس الأسباب والدوافع التي أوحت لطاليس هذه الفكرة بقوله " ربما جاء بهذا الرأي بعد أن شاهد . أن غذاء كل شيء رطب ، وأن بذور كل شيء ذات طبيعة رطبة ، وأن مايتولد منه كل شيء هو دائما مبدؤها الأساسي"(22)و ربما نجد الإجابة أكثر وضوحا في قول طاليس نفسه حيث قال " إن النبات والحيوان يتغذيان بالرطوبة ، ومبدأ الرطوبة الماء ، فما منه يتغذى الشيء فهو منه بالضرورة . ثم إن النبات والحيوان يولدان من الرطوبة فإن الجراثيم الحية رطبة ، وما منه يولد الشيء فهو مكون منه . بل إن التراب مكون من الماء ويطغى عليه شيأ فشيأ ، كما يشاهد في الدلتا المصرية وفي أنهر أيونية حيث يتراكم الطمي عاما بعد عام ، وما يشاهد في هذه الأحوال الجزئية ينطبق على هذه الأرض بالإجمال ، فإنها خرجت من الماء وصارت قرصا طافيا على وجهه كجزيرة كبرى في بحر عظيم وهي تستمد من هذا المحيط اللامتناهي العناصر الغازية التي تفتقر إليها ، فالماء أصل الأشياء " . ورغم أن المنهج الذي انتهجه طاليس في تفسير العالم منهج يعتمد على التجربة الحسية ، ورغم أن طاليس قد أرجع جميع مظاهر الوجود إلى عنصر فيزيقي (مادي) إلا أن عنصر الماء نفسه قد اتخذته مذاهب وديانات كثيرة سابقة على طاليس نفسه لتفسير الوجود . فقد قال هوميروس " إن الأقيانوس (23) هو المصدر الأول للأشياء " ومن قبل قالت أسطورة بابلية " في البدء قبل أن تسمى السماء وقبل أن يعرف للأرض إسم كان المحيط مكان البحر " وجاء في قصة مصرية " في البدء كان المحيط المظلم أو الماء الأول حيث كان أتون وحده الإله الأول صانع الألهة والبشر والأشياء " وجاء في التوراة " في البدء خلق السموات والأرض ، وكانت الأرض خاوية خالية ، وعلى وجه القمر ظلام ، وروح الله يرف على وجه المياه " ولم تكن الديانات السابقة على طاليس وحدها التي كانت تعتقد أن الماء هو مصدر الوجود والعنصر الأساسي التي تقوم عليه الحياة ، بل امتدت هذه الفكرة زمانيا إلى ما بعد طاليس بأكثر من ألف عام وامتدت من حيث المكان فسكنت قلب الجزبرة العربية فتحدث عنها القرءان بصيغة واضحة كل الوضوح ( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) هود/7 . وفي سورة الأنبياء " وَ جَعَلْنَاْ مِنَ المَاْءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاْ يُؤْمِنُوْنَ" الأنبياء :30 وفي سورة النور "وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ " النور-45 . ومن هذه النصوص اللاهوتيه يتضح لنا أن طاليس رغم أنه اختلف مع سابقيه في "المنهج" الذي ارتضاه لنفسه لينطلق منه مفسرا طبيعة العالم والوجود إلا أنه اتفق مع كثير من الشعراء واللاهوتيين من حيث "المبدأ" وهو " الماء" . أي أنه في نفس الوقت الذي استغنى فيه عن أي تعبير أسطوري أو رمزي لحدسه واعتماده بصفة عامة على المشاهدة والتجربة ، إلا أنه يبدو شديد الإلتصاق باللاهوتيين والشعراء عندما نظر بنفس المنظور التي كانت تنظر من خلاله المذاهب الدينية في تفسيرها لأصل العالم ونشأته . إذ على الرغم من أن نظريته هذه تبدو فيزيقية(24) خالصة ، إلا أنه من الواضح أنها يمكن الإعتقاد فيها كنظرية لها نفس ما ندعوه بالسمة الميتافيزيقية(25) .
=================
مشكلة الألوهية عند طاليس .
=================
كان طاليس يعتقد أن : كل جزء في العالم حي ، وأن المادة والحياه وحدة لا ينفصل أحد أجزائها عن الأخر ، وأن في النبات والمعادن "نفسا" خالدة كما في الحيوان والإنسان ، وأن القوة الحيوية تتغير صورتها ولكنها لا تموت أبدا ، وأن المغناطيس حي لأن فيه قوة تحريك الحديد . وتنسب لطاليس مقولة "الكون مليء بالألهه" . ولكن علينا أن نقف هنا ونتساءل . هل هذا يعد اعترافا منه بوجود قوة إلهية عليا مفارقة أو كامنة في المادة نفسها ؟ أم أنه كان يقصد معنى أخر مختلف عن المعنى الحرفي الذي جاء في تلك الشذرة ؟ وهنا الإجابة تأتي على حد قول د. مصطفى النشار في كتابه القيم " فكرة الألوهية عند أفلاطون " حيث يقول : وثمة قول أخر ينسبه أرسطو إليه وهو يقول " إن العالم مليء بالألهه" وكان لهذا القول تفسيرات عدة ، فيشير إليه أفلاطون في القوانين . وقد فسره أرسطو في كتابه النفس بأن طاليس ربما عنى بذلك أن للعالم نفسا . وكذلك فسر المؤرخ أيتبوس هذا القول بأن طاليس كان يقول بعقل للعالم ، وجاء شيشرون الذي رأى أيضا أنه كان يقول بعقل إلهي أوجد الأشياء من الماء . وعلى أي حال فإنه يمكن القول بأن هذه العبارة التي وردت على لسان طاليس تعبر عن الإتجاه السائد بين الفلاسفة الطبيعيين أنئذ ، وهو الذي كان يرى في المادة قوة حيوية دافعة(26) . وتتفق د. أميرة حلمي مطر في تفسير تلك المقولة التي نسبت لطاليس مع التفسير الذي قدمه د. مصطفى النشار حيث تقول : غير أن قول طاليس بأن الكون مليء بالألهة يجب ألا يفيد أي نزعة دينية ثيولوجية (27) عند طاليس لأن المادة كانت تتسم عند القدماء بالحياة ولذهذا وصف مذهبه بالنزعة الحيوية ، وهي نزعة سادت معظم مذاهب القدماء في المادة كما سوف يتضح لنا فيما بعد (28) .
================
بعض المقولات المأثورة عنه .
================
وكان طاليس قد برع في علوم الحساب والرياضيات والهندسة والفلك ، وتروي إحدى الروايات أنه وهو في مصر قدر ارتفاع الأهرام بقياس ظلها في الساعة التي يكون فيها ظل الإنسان مساويا لطول قامته (29) . كما أنه درس الفلك ونقله إلى اليونان وحاول تخليصه من ارتباطه بالتنجيم الذي أدخله فيه الشرقيون . وقد أدهش طاليس اليونانيين حينما أفلح بالتنبأ بكسوف الشمس الذي حدث في الثامن والعشرين من مايو عام 585ق.م (30) . وحول هذا التاريخ كما تقول د. أميرة حلمي مطر " بلغ طاليس أوج ازدهاره . وقد اشتهر في عصره بالحكمة وسمي بالحكيم لذلك كثيرا ما يرتبط اسمه بإسم الحكماء السبعة السابقين عليه . وهم بالإضافة إلى طاليس صولون وبرياندروس وكلينوبولس وخيلون وبياس وبيتاكوس (31) . وإليك بعض المأثورة عنه .
فعندما سئل طاليس عن أصعب الأشياء ، فأجاب بقوله : الحكيم الذي جرى مجرى الأمثال : " أن تعرف نفسك " . ولما سئل عن أسهل الأشياء قال : " أن تسدي النصح " وعندما سئل ما هو الله قال : " هو ماليس له بداية ولا نهاية " . وسئل كيف يستطيع الناس أن يعيشوا عيشة الفضيلة والعدالة فأجاب : " ألا نفعل نحن ما نلوم غيرنا على فعله (32) . وقد مات طاليس وهو يشاهد مباراة في الألعاب الرياضية . بعد أن أضناه الحر والظمأ والتعب لأنه كان قد بلغ سن الشيخوخة وذلك في عام 546ق.م .
=========
أنكسيمندروس
=========
كان أنكسيمندر [610 - 547] تلميذا لطاليس وخليفته في رئاسة " المدرسة الملطية" والذي اختلف مع أستاذه طاليس بل انتقده فيما ذهب إليه بإن الماء هو أصل الأشياء ومنبع الوجود ، حيث افترض أنكسيمندر فرضية أخرى مخالفة تماما أو بالأحرى هي أعم وأشمل من الفرضية التي افترضها طاليس ، فقد افترض أنكسيمندر أن " الأبيرون " وليس الماء هو أصل الإشياء وعلتها . وبطبيعة الحال سنشرح بصيغة مبسطة معنى "الأبيرون " وكيف انفصلت عنه العناصر الأربعة التي تكونت منها العوالم والأشياء المختلفة.
كان أنكسيمندر كما ذكرنا في المقدمة تلميذا لطاليس ، وكان هو الأخر كما كان أستاذه معني بالبحث في العلوم الطبيعية وله اسهامات ومخترعات عديدة ومؤثرة في هذا المجال ، في ظل الإمكانات التي كانت متاحة في ذلك الوقت . إذ يقال أنه اخترع "المزولة"(33) أي ألة لقياس الوقت ، وكانت هذه المزولة عبارة عن عصا تغرس رأسيا في الأرض ، وتدل الملاحظة بها على أن طول ظلها يختلف من وقت إلى أخر خلال النهار ويختلف كذلك خلال الأيام بإختلاف الفصول ، فإن أقصر طول للظل يكون في الشتاء وأطوله في الصيف ، وبذلك يستفيد العالم الفلكي من هذه المزولة الشمسية في تحديد ساعات النهار والسنة وفصولها الأربعة (34) .
ويقال كذلك أن أنكسيمندر كان أول من رسم "خريطة" للعالم استنادا على المعلومات التي كان يأتي بها اليونانييون إلى ملطية من زياراتهم ورحلاتهم إلى أنحاء العالم المعروف أن ذاك ، وقد جعل أنكسيمدر بلاد اليونان مركز هذه الخريطة وتحيط بها الأجزاء الأخرى من أوروبا وأسيا ويحيط بهذه اليابسة البحر ويقال إن الملاحين الملطيين كانوا يستخدمون هذه الخريطة في رحلاتهم إلى شتى الثغور المطلة على البحر الأبيض . وقد نسب إلى أنكسيمندر أيضا بعض الإهتمامات السياسية ومشاراكاته الفعالة في الحياة السياسية لمدينته كمعظم فلاسفة اليونان الأخرين (35) .
===========
فلسفته الطبيعية .
===========
كما ذكرنا أعلاه أن فلسفة أنكسيمندر الطبيعية اختلفت عن فلسفة سابقه طاليس اختلافا واضحا . فبينما افترض طاليس أن "الماء" هو أصل الأشياء جميعا ، ذهب أنكسيمندر إلى أن الماء لا يصلح لتفسير العالم والوجود ، بل افترض أن "الأبيرون" هو أصل الكون وعلة الوجود المادي . ولكن ما هو الأبيرون الذي شيد عليه أنكسيمندر مذهبه الطبيعي؟ يقول أنكسيمندر " الأبيرون هو اللانهائي أو اللامحدود ، وهو المادة الأولى للأشياء أو المبدأ الأول للأشياء الكائنة " ويقول " إن العلة المادية والعنصر الأول للأشياء اللانهائي ، وأنها ليست ماءا ولا شيأ من العناصر(36) الأربعة المعروفة ، بل مادة مختلفة عنها لا نهاية لها وعنها تنشأ جميع السموات والعوالم (جمع عالم) " وقد وصف أنكسيمندر هذا اللانهائي بقوله "هذا اللانهائي دائم أزلي" و" اللانهائي خالد لا يفنى " (37) .
معنى هذا أن أنكسيمندر يرى أن الأبيرون . ليس مرادفا لأي عنصر من العناصر الأربعة(الماء ، الهواء ، النار ، التراب) كما قال من قبله طاليس أن (الماء)وهو عنصر من العناصر الأربعة هو أصل الأشياء وعلة وجودها ، وليس كما ذهب من بعده تلميذه أنكسمانس بأن (الهواء) هو علة الأشياء جميعا، بل تلك العناصر جميعها متماهية ومتفانية في الأبيرون ذاته ، وأن الأبيرون لا نهائي (الكم) ؟ أي أنه غير متعين في شيء ، وهو أيضا غير محدود لأنه يحتوي جميع العناصر والعوالم . وأنه أيضا غير محدد من جهة (الكيف )؟ أي أنه غير محدد الصفات بمعنى أنه مجرد ومنزه من كل صفة نحاول إلصاقها به . وأنه أيضا قديم أزلي غير مخلوق فلاشيء قبله ، وأنه خالد لا يفنى . ولكن ما سبب رفض أنكسيمندر للماء أو أي عنصر من العناصر الأربعة كعلة أولى للوجود وتمسكه في المقابل بفكرة الأبيرون على انه أصل الأشياء ومبدأ وجودها ؟ لأن المبدأ الأول لا يمكن أن يكون معينا (محددا) وإلا لم نفهم أن أشياء متمايزة تتركب منه ، أي إن كان المبدأ الأول ذو طبيعة واحدة ومحددة ومعينة فكيف يصدر عنه جميع الأشياء المتباينة والمتمايزة (أي الإضداد) . وكما ذكر "برتراند راسل" أنه كان لأنكسيمندر حجة يدلل بها على أن العنصر الأول لا يمكن أن يكون ماءا ولا عنصرا أخر غير الماء مما نعرف، لأنه إذا كان بين هذه العناصر عنصر أولي لاكتسح العناصر الأخرى(38) ، ويروي عنه أرسطو أنه قال : إن هذه العناصر المعروفة لنا يعارض بعضها بعضا ، فالهواء بارد والماء رطب والنار حارة ، وعلى ذلك فلو كان أحد هذه العناصر لا نهائيا ، لزالت العناصر الباقية اليوم ، وإذن فلابد أن يكون العنصر الأول محايدا في هذا الصراع الكوني . وبناءا على هذا قال(39) أنكسيمندر [ بأن المبدأ هو الأبيرون أي اللامحدود واللانهائي] ولذلك يقول د. مصطفى النشار " ويعد هذا تقدما خطيرا في الفلسفة الملطية ، ذلك لأنه ولأول مرة أخذت خطوة للإنتقال من الملموس إلى المجرد . فلقد أدرك أنكسيمندر أن المبدأ المديم لكل الظواهر المحدودة لا يمكن أن يكون هو نفسه محدودا ، فأساس الوجود برمته لابد أن يختلف عن عناصر الواقع وأن يكون ذا طبيعة أخرى(40) . ولكن على حد إستيعابي وفهمي لمذهب أنكسيمندر أستطيع القول : رغم أن أنكسيمندر جرد الأبيرون من كل الصفات وأحاله إلى كائن مجرد من أي صفة ، إلا أنا الأبيرون يبقى في ذاته ذو جوهر مادي بدليل أن العناصر الأربعة المنبثقة من الأبيرون والتي تكونت عنها العوالم هي عناصر فيزيقية (مادية) . وربما يتعارض هذا التفسير مع رؤية د. النشار عن مفهومه للمجرد ، إذا كان يقصد (بالتجريد) التجريد المادي ، الذي يحيل مفهوم الأبيرون إلى فكرة مجردة أو روح منزهه من كل ما هو مادي .
===========
كيف يتكون العالم؟
===========
لقد تصور أنكسيمندر أن نشأة العالم عن الأبيرون اتخذت مراحل أو أطوار ثلاثة.
أولا : مرحلة الأبيرون نفسه . ذلك السديم الأول الذي لا يحده شيء وهو مزيج من الإضداد ( الحار والبارد والرطب واليابس) جميعا بصورة غير محددة الكم وغير محددة الكيف(41) .
ثانيا : مرحلة يسود حكم "الضرورة" أو "العدل" أو ما يسمى "قانون العدالة" ؟ أي أن العناصر الأربعة (النار ، الماء ، الهواء ، التراب) عندما تنفصل عن الأبيرون فإنها تكون ذات نسب متساوية حيث لا يطغى أي عنصر من العناصر الأربعة على العناصر الأخرى . يقول برتراند رسل . والظاهر أن الفكرة التي أراد أنكسيمندر أن يعبر عنها هي هذه : لابد أن يكون هناك نسبة معينة من النار ومن الماء ومن التراب في العالم ، لكن كل عنصر من هذه العناصر(وقد تخيلها ألهة) لا يني عن السعي في سبيل اتساع رقعة ملكه ، غير أن ثمة نوعا من الضرورة أو القانون الطبيعي لا ينفك يرد التوازن إلى حيث كان ، فحيث كانت نارا -مثلا- ترى الأن رمادا ، والرماد من التراب ، هذه الفكرة عن العدالة ، والعدالة هنا معناها عدم مجاوزة الحدود المفروضة منذ الأزل(42) .
ثالثا : أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة تكون العوالم والكائنات من تلك العناصر الأربعة . على أن أنكسيمندر كان ينظر إلى نشأة هذه الكائنات والعوالم على أنه ظلم وتعد وكسر للقانون . كيف ؟ قلنا قبل ذلك أن العناصر الأربعة كانت موجودة بنسب متساوية تماما ولا يستأثر عنصر معين بنسبة أكبر عن باقي العناصر ، ولكن في حالة الوجود أو في حين تكون العوالم والأشياء نصبح أمام كسر للعدالة لأن أي كائن أو موجود مادي لابد أن تطغى عليه صفة معينة من صفات العناصر الأربعة . ببساطة شديدة فإننا لو نظرنا إلى النار مثلا سيتضح لنا أن صفة الحرارة هي الغالبة عليها ، وإذا نظرنا إلى الماء أو أي مادة من المواد الرطبة سنكون أمام مادة يغلب عليها صفة السيولة ، وإذا نظرنا إلى جبل مثلا سيتضح لنا أن صفة اليبوسة أو الصلابة تغلب على مادته ............. وهكذا. والسبيل الوحيد للتكفير عن خطيئة الوجود أو الميلاد هو الرجوع أو الفناء في الأبيرون مرة أخرى ، وهذه النظرة للوجود شبيهة بظرة الديانة "الأورفية" التي كانت تنظر لوجود الإنسان على أنه عقوبة عليه أن يكفر عنها وأن السبيل الوحيد لسعادة الروح هو التخلص من سجن البدن . ويقول د. النشار " ويرى أخرون أنه قال بذلك لأن تكون أي كائن من الكائنات يقضي أن يتغلب أحد العناصر على غيره حيث أن الكائن يتكون من صراع الإضداد (الحار والبارد واليابس والرطب) وهي صفات العناصر الأربعة . ومن ثم فإن قانون العدالة وما يجب أن يكون يعود فيسري مرة أخرى لأنه عندما يولد عالم جديد من العوالم اللانهائية فالعدالة تقضي على عالم أخر بالفناء لأن كل عالم يولد لابد أن يكفر عن خطيئة الميلاد بأن يفنى ليولد عالم جديد وهكذا باستمرار(43) . وعلة هذه الحركة الأزلية (أي حركة الأبيرون) التي تحمل في طياتها عوامل الوجود والفناء هي (الدوامة) الخالدة الكامنة في (مركز) الأبيرون ذاته ومنها صدرت الأكوان(44) .
=================
نظرية التطور عند أنكسيمندر .
=================
وقد افترض أنكسيمندر أن الحياة قد تولدت في البيئة الرطبة وكانت جميع الأحياء في البداية أشبه بالأسماك ذات الغلاف السميك وكذلك تطور الإنسان عن نوع من الأسماك أو احتضنته الأسماك حتى أمكنه الحياة على سطح الأرض الجافة(45) . تقول د. أميرة حلمي مطر " بهذه النظريات الطبيعية التي شملت تكوين العالم ، واتسعت أيضا لتفسير نشأة الأحياء يكاد أنكسيمندر يكون أول فلاسفة التطور في تاريخ الفلسفة وسبق لبلاس وداروين بمئات السنين من الزمان(46) . ويقول الفيلسوف الإنجليزي برتراند رسل : وكان ثمة حركة منذ الأزل ، تمت في غضونها نشأة العوالم ، ذلك أن هذه العوالم (كما اعتقد أنكسيمندر) لم تخلق كما تقول اليهودية والمسيحية ، بل تطورت ، وكذلك حدث تطور في مملكة الحيوان ، فنشأت الكائنات الحية من العنصر الرطب حين أخذت الشمس تبخره ، والإنسان- كأي حيوان أخر- هو سليل الأسماك ، ولابد أن يكون الإنسان قد هبط من صنوف من الحيوان تختلف عنه لأنه كان من المستحيل عليه -بسبب طفولته الطويلة- أن يحتفظ ببقائه في أول مراحل التطور لو كان عندئذ على صورته الراهنة(47) .
===========================
أنكسيمانس . "أخر فلاسفة المدرسة الملطية" .
===========================
لقد ذكرنا أعلاه ، أن مدينة ملطية كانت إحدى المدن الإيونية الإثنتي عشرة التي كانت تقع على الساحل الغربي لأسيا الصغرى(48) ، وقد قدر لهذه المدينة العريقة أن تنجب أول الفلاسفة والعلماء الأغريق وهو "طاليس"(49) الذي كان يفترض أن الماء هو مبدأ الوجود ، ثم جاء بعد ذلك تلميذه ومواطنه "أنكسيمندر"(50) الذي خالف أستاذه وذهب إلى أن الأبيرون هو أصل العالم وليس الماء كما افترض طاليس . وها نحن نصل إلى أخر قطب من أقطاب المدرسة الملطية وهو "أنكسيمانس"(51) تلميذ أنكسيمندر وصيديقه المقرب والذي عاش على الأرجح فيما بين عامي 588 و 524 ق.م .
وعلى كل حال فإنه كان أصغر من أنكسيمندر ، وكان حسب رواية ثيوفراسطس (371 ق.م. – 287 ق.م.) رفيقا له . ورغم ذلك فقد عاد إلى أراء طاليس حول طبيعة الأرض ، فقال إنها أشبه بقرص مسطح قائم على قاعده ، وأنها(أي الأرض) تطفو على الهواء كدائرة مسطحة وكذلك الكواكب ، كما قال بعدد لانهائي من الأكوان مثل سابقه أنكسيمندر(52) وقد أنكر حركة الشمس ليلا من تحتها واستبدل حركة جانبية حولها . وقد علل اختفاء الشمس من الماء إلى الصباح بأن جبالا شاهقة تخفيها عن الأنظار من جهة الشمال أو أنها أبعد عن الأرض في الليل منها في النهار(53) . وكان يعتقد أن الهواء يحيط بكل شيء " فكما أن روح الإنسان -لكونها هواء - تمسك جسده ، فكذلك ترى النفس(بفتح الفاء) والهواء يحيطان بالعالم كله " فقد يظهر أن العالم يتنفس(54).
--------------------
فلسفته الطبيعية .
--------------------
قلنا قبل ذلك أن المدرسة "الملطية" بل والمذاهب الفلسفية الأخرى في الفترة التي تقع فيما بين ظهور طاليس في أوائل القرن السادس ق.م وحتى ظهور السوفسطائيين في منتصف القرن الخامس ق.م . نقول : كانت المذاهب الفلسفية اليونانية في هذه الفترة كانت مذاهب أنطولوجيا (وجودية) ، تحاول تفسير الوجود ورد الظواهر الطبيعية إلى مبدأ محدد أو علة أولى . سواء كان هذا المبدأ الأول ، مبدأ ماديا كما كان الحال عند طاليس وأنكسيمانس ...إلخ أو كان مبدأ عقليا كما هو عند المدرسة الفيثاغورية حيث اعتمد فيثاغورس على الرياضيات والهندسة لتفسير الوجود . وقد قلنا أن طاليس قد افترض الماء كعلة أولى للوجود وأن أنكسيمندر قال بالأبيرون ، ولكن ما هي الفرضية التي افترضها أنكسيمانس لتفسير الظواهر الكونية ؟ لقد ذهب أنكسيمانس إلى القول بأن "الهواء" هو أصل الأشياء ومبدأ وجودها ، يقول د . مصطفى النشار : كتب أنكسيمانس كتابا واحدا لم يتبق منه سوى عبارة واحدة . وقد نقلها عنه ثيوفراسطس في ثنايا قوله " إنه كان صاحب انكسيمندر وذهب مثله إلى أن المادة الأولى واحدة لا نهائية . ومع ذلك لم يقل كما قال أنكسيمندر أنها لا معينة بل قال إنها معينة (محددة) وهي الهواء " وثمة فقرة أخرى تقول " إن الجوهر الأول واحد لا نهائي ولكنه محدد الكيف ، إنه الهواء ، منه نشأت الأشياء الموجودة والتي كانت وسوف تكون ، ومنه أسضا نشأت الألهة وكل ما هو إلهي وتفرعت باقي الأشياء " ويستطرد د. النشار قائلا : وإذا تساءلنا عن السبب الذي جعل أنكسيمانس يرفض رأي صاحبه (أنكسيمندر) عن اللا محدود كمادة أولية واختياره العودة من جديد إلى القول بأحد العناصر وهو الهواء المحدد من جهة الكيف على الأقل فربما تخيلناه يعلل ذلك - فيما يقول كولنجوود - بأن أية مادة أولية لا محدودة هي مجرد عدم لا يمكن أن يكتشف فيه شيء أو يقال عنه شيء . ومن المستطاع قول شيء إذا نحن استعضنا المادة الأولى الأولية اللامحدودة بالهواء(55) .
خلاصة القول :
(أ) أن المادة الأولى عند أنكسيمانس واحدة لا نهائية من حيث الكم .
(ب) ورغم ذلك فإنها معينة (محددة) من حيث الكيف وهي الهواء .
(ج) وأن المادة الأولى لايمكن أن تكون مجردة من جميع الصفات وإلا كانت هي والعدم سواء . فوجود المادة الأولية مرهون بما نخلعه عليها من صفات ، ولا يمكن أن نفترض وجود شيئا ما إلا إذا كان هذا الشيء يتميز بصفات معينة تمنحه هويته الخاصة وجوهره المتميز . فعلى سبيل المثال . فإننا لا نستطيع أن نثبت وجود شخص ما إلا من خلال الصفات العرضية مثل لون البشرة ، لون الشعر ، الحجم ، الطول.....إلخ ، وإذا قمنا بتجريد هذا الشخص من تلك الصفات فلن يتبقى منه شيئا أي سيصبح عدما لا وجود له .
(د) أن المادة الأولى (الهواء) انبثقت منها جميع الأشياء بما فيها الألهة وكل ما هو إلهي ، وكذلك الروح ، فروح الإنسان هواء تمسك جسده وتحيط به من كل جانب(56) .
ولكن كيف تصور أنكسيمانس نشأة العالم عن الهواء؟
كان يرى أنكسيمانس أنه عن الهواء تصدر جميع الأشياء بما في ذلك الألهة على أساس حركته وبفعل ظاهرة التكاثف(57) والتخلخل(58) ، فالهواء في حركة دائبة لأنه لو كان ساكنا لما حدث تغير ما ، واختلافه في في الموجودات الموجودة المتكثرة يكون بفعل التكاثف والتخلخل ، كيف ؟ فعندما يتخلخل فإنه يتحول إلى نارا وإذا تكثف صار ماءا وإذا تكثف الماء أكثر يتحول إلى تراب وإن زاد تكثفه صار صخرا(59) . تقول د. أميرة حلمي مطر :لقد كان لفلسفة أنكسيمانس تأثير يفوق يفوق سابقيه (طاليس وأنكسيمندر) لما في مذهبه من بساطة ووضوح ، فقد أخذ عنه الفيثاغوريون فكرة تنفس العالم وحياته ، وأخذ عنه ديوجين فكرة الهواء مبدأ للوجود(60) .
===========================================
(1) هوميروس أول الشعراء الأغريق وقد ظهر على الأرجح في القرن التاسع قبل الميلاد وشعره ذات طابع ملحمي يتغنى فيه بأعمال الأبطال ويمجد من خلاله ألهة الأوليمب . وتبلغ الإليذة ( حوالي خمسة عشر ألف بيتا ) أما الأديسا ( حوالي إثنتي عشر ألف بيتا ) انظر د. أحمد عتمان . الأدب الأغريقي تراثا إنسانيا وعالميا .
(2) د. أحمد عتمان . الأدب الأغريقي تراثا إنسانيا وعالميا . ص15 .
(3) د. عاطف العراقي . الفيلسوف ابن رشد ومستقبل الثقافة العربية ص50 .
(4) نفس المصدر ص218 .
(5) د. طه حسين . مستقبل الثقافة في مصر ص47 .
(6) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي . المجلد الأول ص32 .
(7) الميتـافـيزيقـا كلمة مشتقة من الكلمـة الإغريقيـة "Metata Physika"، ومعناها (ما بعد الطبيعة). أي البحث في ما وراء الطبيعة مثل الله وصفاته ، النفس ، العقل وطبيعته ... إلخ .
(8) المصدر السابق .
(9) د. أميرة حلمي مطر .الفلسفة عند اليونان ص39 .
(10) برتراند راسل . تاريخ الفلسفة الغربية المجلد الأول ص61 .
(11) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي . المجلد الأول ص70 .
(12) المصدر نفسه ص71 .
(13) ول ديورانت . قصة الحضارة . المجلد السادس ص135 .
(14) أرسطو طاليس . الكون والفساد ص77 . تقديم بارتلمي سانتهلير . ترجمة أحمد لطفي السيد .
(15) المصدر السابق ص87 .
(16) ول ديورانت . قصة الحضارة المجلد السادس ص129 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة محمد بدران .
(17) نفس المصدر .
(18) نفس المصدر ص131 .
(19) د. مصطفى النشار . فكرة الألوهية عند أفلاطون ص39. مكتبة الأنجلو مصرية .
(20) برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . المجلد الأول ص63 . الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(21) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي . الجزء الأول ص104 . دار قباء للطباعة والنشر .
(22) ول ديورانت . قصة الحضارة . المجلد السادس ص252 . ترجمة : محمد بدران . الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(23) أوقيانوس (بالإنجليزية: Oceanus) أَو (بالإنجليزية: Okeanos) يُشيرانِ إلى المحيط، في الأساطير الإغريقية وهو إله ابن اورانوس وجايا أحيانًا كما أنه والد إلهات النسيم. وأوكيانوس Okeanos تعني بالإغريقية المحيط، لأوقيانوس كإله في الميثولوجيا الإغريقية الكثير من الحكايات والقصص المختلفة. ويكيبيديا الموسوعة الحرة .
(24) الفيزيقا : هي العلم الذي يدرس كل ما يتعلق بالمادة و حركتها و الطاقة ، وتحاول أن تفهم الظواهر الطبيعية والقوى والحركة المؤثرة في سيرها ، وصياغة المعرفة في قوانين لا تفسر العمليات السالفة فقط بل التنبؤ بمسيرة العمليات الطبيعية بنماذج تقترب رويدا رويدا من الواقع .
(25) الميتـافـيزيقـا . كلمة مشتقة من الكلمـة الإغريقيـة "Metata Physika"، ومعناها (ما بعد الطبيعة). أي البحث في ما وراء الطبيعة مثل الله وصفاته ، النفس ، العقل وطبيعته ... إلخ .
(26) د. مصطفى النشار . فكرة الألوهية عند أفلاطون ص41. مكتبة الأنجلو مصرية .
(27) ثيولوجيا : الإلهيات (بالإنجليزية: Theology) (باليونانية θ-;-ε-;-ο-;-ς-;-, theos, "أي الله أو الإله", + λ-;-ο-;-γ-;-ι-;-α-;-, logia, "كلمة," "قول") هي دراسة منطقية منهجية تتعلق بالدين والروحانية والآلهة. ويكبيديا الموسوعة الحرة .
(28) د. أميرة حلمي مطر . الفلسفة عند اليونان ص76 . دار النهضة العربية .
(29) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي . الجزء الأول ص100 . دار قباء للطباعة والنشر .
(30) نفس المصدر ص101 .
(31) د. أميرة حلمي مطر . الفلسفة عند اليونان ص46 . دار النهضة العربية .
(32) ل ديورانت . قصة الحضارة . المجلد السادس ص253 . ترجمة : محمد بدران . الهيئة المصرية العامة للكتاب .
(33) ول ديورانت . قصة الحضارة . الكتاب السادس ص254 . الهيئة العامة للكتاب . ترجمة محمد بدران .
(34) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص109 . دار قباء للطباعة والنشر .
(35) نفس المصدر .
(36) العناصر الأربعة هي : الماء والتراب والنار والهواء . وصفاتها : الرطب و اليابس و الحار و البارد .
(37) نفس المصدر ص110 .
(38)برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . الكتاب الأول ص65 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة د. زكي نجيب محمود .
(39) د. مصطفى النشار . فكرة الألوهية عند أفلاطون ص42 . مكتبة الأنجلو مصرية .
(40) نفس المصدر .
(41) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص111 . دار قباء للطباعة والنشر .
(42) برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . الكتاب الأول ص65 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة د. زكي نجيب محمود .
(43) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص112 . دار قباء للطباعة والنشر .
(44) د. أميرة حلمي مطر . الفلسفة عند اليونان ص48 . دار النهضة العربية .
(45) نفس المصدر ص50 .
(46) نفس المصدر .
(47) برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . الكتاب الأول ص65 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة د. زكي نجيب محمود .
(48) انظر مقالنا " أسيا الصغرى ومولد الفلسفة "
(49) انظر مقالنا " طاليس الملطي . أول الفلاسفة الإغريق "
(50) انظر مقالنا "أنكسيمندروس [610 - 547] ق.م "
(51) يعتبر البعض أن أخر فلاسفة المدرسة الملطية ليس أنكسيمانس ولكن هرقليطس الأفسوسي ، رغم أنه لا ينتمي لمدينة ملطية ولكن اعتبار البعض أنه ينتمي للمدرسة الملطية يرجع إلى أنه افترض النار المبدأ الأول للوجود على غرار طاليس وأنكسيمندر وأنكسيمانس .
(52) د. أميرة حلمي مطر . الفلسفة عند اليونان ص52 . دار النهضة العربية .
(53) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص118 . دار قباء للطباعة والنشر .
(54) برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . الكتاب الأول ص65 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة د. زكي نجيب محمود .
(55) د. مصطفى النشار . تاريخ الفلسفة اليونانية من منظور شرقي ص118 . دار قباء للطباعة والنشر .
(56) برتراند رسل . تاريخ الفلسفة الغربية . الكتاب الأول ص65 . الهيئة المصرية العامة للكتاب ترجمة د. زكي نجيب محمود .
(57) يمكن أن يرجع للتكثيف أو التكثف على أنه :
التغير في حالة المادة لشكل أكثر كثافة، مثل تغير الغاز إلى سائل.
(58) تخلخل الهواءُ : صار أقل كثافة ، ترفق أو تمدد .
(59) د. أميرة حلمي مطر . الفلسفة عند اليونان ص51 . دار النهضة العربية .
(60) نفس المصدر ص52 .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,793,254,872
- أنكسيمندروس [610 - 547] ق.م
- طاليس الملطي . أول الفلاسفة الإغريق
- مدخل الفلسفة اليونانية القديمة . عصر ما قبل سقراط .
- الإضطهاد الديني . وإغتيال الكلمة
- انتكاسة عقل
- جيوردانو برونو . والمحرقة
- محنة -ابن رشد-
- قتل الحلاج . وتحريم الفلسفة
- هيباتيا . شهيدة التعصب الديني
- سقراط . الرجل الذي جرؤ على السؤال
- مبحث في الجانب الأبستمولوجي -نظرية المعرفة- في الفلسفة الحدي ...
- أنكساجوراس . والحجر الأسود
- العلم والدين بين الفكر القديم والفكر الحديث
- نظرية المعرفة من منظور فلسفة ابن سينا
- الغزالي واهدار قيمة العقل
- العقل في فلسفة ابن رشد


المزيد.....




- التونسيون يشيعون جثمان المعارضة السياسية البارزة مية الجريبي ...
- لماذا بنى مسيحي مسجدا في الإمارات؟
- بالفيديو.. حريق ضخم على الحدود بين السعودية والإمارات
- الصدر يلتقي العامري لتشكيل -حكومة أبوية- على وجه السرعة
- إيطاليا تنفي أنباء عن تحضيرها لعملية عسكرية في ليبيا
- القنصليات الفرنسية بالجزائر تتشدد في منح التأشيرات
- الحوثيون ينفون تقدم قوات هادي بالحديدة
- بالفيديو والصور: نادال "يستعيد عرش روما" بتحقيق لق ...
- يطاردهم القانون والمجتمع.. مغاربة: إفطارنا رمضان حق لا جريمة ...
- الحكومة تدين استمرار الانقلابيين في اختطاف واحتجاز المساعدات ...


المزيد.....

- المعرفة عند أرسطو / عامر عبد زيد
- الفن والسلطة والسياسة : هيدجر ، عن المؤامرة والشعر / رمضان الصباغ
- القيم الفنية والجمالية فى الموقف الاكسيولوجى / رمضان الصباغ
- جينالوجيا مفهوم الثقافة كآلية لتهذيب الإنسان / نورالدين ايت المقدم
- ( قلق الوجود والجمال المطلق ( ما بعد لعنة الجسد وغواية الحض ... / أنس نادر
- الحوار العظيم- محاكاة في تناقض الإنجاز الإنساني / معتز نادر
- سلسلة الأفكار المحرمة / محمد مصري
- في التفسيرات البيولوجية لتقسيم الأدوار الإجتماعية على أساس ا ... / محمود رشيد
- في مفهوم السلطة / مي كمال أحمد هماش
- قيم النظرية البراجماتية ردا على البروفيسور اربان / رمضان الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام المنفي - المدرسة الملطية . أول المدارس الفلسفية عند الإغريق . -مجموعة مقالات مجمعة-