أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - خطأ فوق العادة - قصة قصيرة














المزيد.....

خطأ فوق العادة - قصة قصيرة


عبد الفتاح المطلبي
الحوار المتمدن-العدد: 4803 - 2015 / 5 / 11 - 00:43
المحور: الادب والفن
    


خطأٌ فوقَ العادةِ
قصة قصيرة
عبد الفتاح المطلبي
ساءتْ أحوالي وصارَ عيشي وسط البلدِ مستحيلاً مع شِحّةِ مواردي ومزاجيَ المتفلسفِ أحياناً والرافضِ لدعاوَى غض البصر تاركاَ لإيماناتي الصغيرةِ بقوةِ الأشياء أنْ تسوقَني إلى أكثرِ ما يخافهُ الناسُ في الحياةِ وهو أن تجدَ نفسك بين ليلٍ وصبحٍ على شفيرِ الفقرِ والعوزِ وهكذا أحصيتُ ما استطيع توفيرَهُ فوجدتُه لا يكفي إلا للسكنِ في أطرافِ البلدة حيث لا يرغب الناسُ ذوو المزاج الحسَن بالسكن هناك وها أنا أقضي ليلتي الأولى في سكني الجديدِ المكونِ من غرفةٍ ومخزنٍ ملحقٍ بها حولته فيما بعد إلى ما يشبه المطبخ، غرفتي هذه كانت مُطلةً على زريبةٍ للحميرِ منها البُلقُ ومنها السودُ كلٌ جنبَ عربتهِ التي يجرّها صباحاً ومن أولِ نظرةٍ كنت منحازاً إلى الحميرِ البُلقِ أُسَرّحُ نظري إليها معجباً بينما لم أعرْ السودَ أي اهتمامٍ وبوصفي كائنا يتوخى العدل في نفسهِ لُمْتُ هذه النفس على مجانبتها العدل ولو في النظرة بين هذه الكائنات المتآخية منذ زمن بعيد والتي لا تعير بالا إلى ألوانها ولا إلى نظرتي إليها تلك النظرة العنصرية الفاقعة وانحيازي الواضح على الرغم من أنني كأيٍ من سكان هذه الأسقاع أسمرُ اللون ميّالٌ إلى الدُكنة كما خلقنا الله وكما فعلَ ذلك مع الحمير السود، شعرتُ أنني بنظرتي هذه وميلي إلى الحمير البيض قد أؤسس لفتنة بين هذه المخلوقات التي عاشت طويلا غيرَ منتبهةٍ إلى ألوانها وهكذا وجدتني أتأمل ما يجري هناك فاكتشفت أن كل هذه الحمير بيضَها وسودَها تعودُ جميعاً إلى مالكٍ واحدٍ أثارَ انتباهي بسلوكهِ المشين وتعسّفهِ مع حميرهِ السود إذ كان واضحَ الإعتناءِ بحميرهِ البُلق لا يُكلفها بأعمالٍ كثيرةٍ بل يجعل ذلك من نصيبِ الحميرِ السود حتى أنني لاحظتُ أنّ نهيقَ الأبيض منها يخلو من رنّةِ الشكوى ويميلُ إلى الصلفِ قليلاً وكأنه يصرخُ بوجهِ أخيهِ الأسوَد بينما كانتِ الحميرُ السودُ تمارس نهيقَها محملاً بأنينٍ وآهاتٍ وكدتُ أسمعُها تبكي لولا أنّ ذلك لا تفعلهُ الحمير كما يتقنه البشر والأمرُ الآخر أن صاحبها يحرص على أن تكون معالف حميره البلق ممتلئة بالتبن وبكثيرٍ مما تأكله الحميرُ عادةً بينما معالف الحمير السود لا تحوي شيئا يُذكرإلا قليلاًمن قشور البطيخ ، كانتْ بين يدي روايةُ سد هارتا لهسّة الألماني وكان الجوُّ مشبعاً بروائحِها الهنديةِ عندما خفقَ قلبي بشدة ثم تهاوى جسدي النحيل إلى الأرض وكمن يُفيق من غيبوبةٍ في داخلِ حلمٍ كنتُ أرى جسدي ممدداً على الأرض الإسمنتية وبعضَ الناسِ من حول جسدي المُسجّى ثم غبتُ في بعدٍ لولبي لا قرارَ له حتى لفظني كما في الأفلام الماورائية في مكانٍ ما من زريبةِ الحمير التي كنت أتأملها قبل خفقان قلبي وطيراني اللولبي، وجدتني أتسمّعُ إلى من يكلمني من وراء غواش ، وكان يقول: الخطأُ محتملٌ أيها السيد وإن الأمورَ تجري بحسب ِقاعدةِ جَلَّ من لا يُخطئ وما نحنُ إلا مخلوقاته ويجوز علينا الخطأ، على كل حال لم تكن أنت المقصود بقبض روحك وراح يقول لرفيقه لقد تأخرنا يا صاح ، لم يعد جسدُه يصلحُ لروحهِ ، ثم أدار عينيه في زريبة الحمير قائلا ما أمامنا إلا أنْ نودعَهُ في جسدِ هذا الحمار الأسود المحتضر ولما أفقتُ حماراً ذا لونٍ أسودَ كان صاحبُ الزريبة قد أكملَ ربطَ ساقي بحبلٍ إلى عربةٍ يجرّها حمارٌ أبلق لغرض إلقائي إلى قارعة الطريق الذاهبِ إلى البرّيّة ، كان فكايَ طويلين ولساني ثقيلاً لا يصلح للكلام لكنني زفرتُ وشهقتُ ورفستُ الأرضَ ثم استويتُ على قوائمَ أربعٍ مكتشفاً لأولِ مرّةٍ أنّ أولئك الذين كلموني من وراء غواشٍ قد فعلوا بي ذلك مضطرّين ، في اللحظة تلكَ عرفتُ كم انني كنتُ ظالماً عندما كنت منحازا إلى إخوتي البلق والآن علي أن أقنع إخوتي من حمير الزريبة السود بالثورة على ظلم القوي ذلك الذي لا يعدل بسلوكه بيننا وبين إخوتنا البلق ، الحقيقة أنني كنت متحمسا لقضايا الحمير السود بما أملك من روحٍ ثوريةٍ سابقة بيد أن الحمير السود بدت حميراً فقطْ وكم عهدتها دائماً لا تتعاطف مع مشروع مقاومة الظلم الواقع عليها ووجدتني حمارا ثوريا وحيدا بين حميرٍ اعتادت بؤسها و أدمنته إلى حد اللعنةِ وهكذا كان علي أن أواصل ما تبقى لي من حياة بجسد الحمار الأسود متذكراً الأيام الخوالي التي قضيتها متأملاً من غرفتي المطلةِ على زريبة الحمير ومتمنياً أن يُطل على الزريبة أحدٌ ما ليراني كما أنا حماراً من بين حميرٍ كثر .





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,794,539,993
- رفرفة - قصيدة
- فِخاخ
- إرث قديم - قصة قصيرة
- هُتاف -قصيدة
- المستنقع
- مواجع
- غنِّ يا نايّ -قصيدة
- نسر- قصة قصيرة
- دارنا أيها الناس
- تراتيل الناي -قصيدة
- تدجين -قصة قصيرة
- أمريكا.....الدم...قراطية
- آخر الأحلام-قصة قصيرة
- سبايكر
- طواف حول أسوار الكتابة
- يا أنت- قصيدة
- الخرس - قصة قصيرة
- الحكاية كما وردت
- إيزابيلا أنت السبب
- نزيف


المزيد.....




- صخب الفن – التشكيلي فائق حداد
- فيروز تغني لأجل فلسطين: -إلى متى يا رب-.. بعد 50 سنة من -زهر ...
- نوستراداموس يعالج الأرواح في عصر النهضة
- مجلة لندنية ثقافية تحتفي بالذكرى ال20 لرحيل الشاعر الكبير نز ...
- صدر حديثا “الطريق إلى الزعتري” للروائي السوري محمد فتحي المق ...
- ندوة لمناقشة الرواية الفائزة بجائزة زايد للكتاب -أمطار صيفية ...
- أوباما على نتفليكس قريباً
- انفلات امني في تعز والقاتل المجهول يواصل حصد ارواح الابرياء ...
- قبل العاصوف.. إليكم المسيرة الفنية للنجم السعودي ناصر القصبي ...
- الرباح: نظام فوترة الماء والكهرباء المعمول به لا تنجم عنه أي ...


المزيد.....

- الشك المنهجي لدى فلاسفة اليونان / عامر عبد زيد
- من القصص الإنسانية / نادية خلوف
- قصاصات / خلدون النبواني
- في المنهجيات الحديثة لنقد الشعر.. اهتزاز العقلنة / عبد الكريم راضي جعفر
- المجموعة القصصية(في اسطبلات الحمير / حيدر حسين سويري
- دراسات نقدية في التصميم الداخلي / فاتن عباس الآسدي
- لا تأت ِ يا ربيع - كاملة / منير الكلداني
- الحلقة المفقودة: خواطر فلسفية أدبية / نسيم المصطفى
- لا تأت ِ يا ربيع / منير الكلداني
- أغصان الدم / الطيب طهوري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبد الفتاح المطلبي - خطأ فوق العادة - قصة قصيرة