أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - اليسار المصرى والعروبة















المزيد.....


اليسار المصرى والعروبة


طلعت رضوان

الحوار المتمدن-العدد: 4794 - 2015 / 5 / 2 - 01:01
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



مشى أغلب الماركسيين المصريين وراء البكباشى عبد الناصر، وصدّقوا أكاذيبه عن (الاشتراكية العربية) رغم أنّ أعضاءً من بعض التنظيمات الشيوعية كتبوا تحليلا (وهم داخل المُعتقلات) أنّ ما حدث من مصادرة الأموال وتأميم الشركات والمصانع كان (رأسمالية الدولة) وإذا كانت الدولة هى (ضباط يوليو1952) فالأدق أنّ الضباط حلوا محل أصحاب الشركات والمصانع. وبالرغم من ذلك ظلّ أغلب الماركسيين (وخصوصًا الذين عملوا فى مؤسسات الدولة بعد الافراج عنهم) يكتبون عن عبد الناصر ((نصير العمال والفلاحين)) رغم أنّ النقابات العمالية واتحاد العمال تحت إشراف المباحث، وكيف يكتبون عن (زمن الفلاح السعيد) مع سيطرة الجمعيات التعاونية الزراعية (الحكومية) على كل شأن من شئون الفلاح ، مثل الحصول على البذور والرى والكيماويات (بعد كارثة السد العالى الذى حرم التربة الزراعية من الطمى ، ورفض عبد الناصر الاقتراحات البديلة التى تؤدى أغراض السد بدون حرمان الأرض من الطمى) وبسبب أجهزة القمع الناصرية (الإدارية والبوليسية) حدثتْ هبات فلاحية عديدة باعترف الناصرى/ الماركسى المحترم عريان نصيف الذى كتب ((فى فترة الحكم الناصرى قامت هبات فلاحية فى باسوس ، كمشيش ، أوسيم ، الحواتكة ، مطاى ، بنى صالح، شبرا ملس والعشرات من قرى مصر)) (مأساة الفلاح فى زمن الانفتاح - كتاب الأهالى - رقم 69- مارس2001- ص38) أما الأكذوبة الثانية التى أطلقها عبد الناصر وروّج لها إعلامه فهى (الوحدة العربية) وتوأمتها (القومية العربية) فى محاولة لوأد (القومية المصرية) وكما هلــّـل أغلب الماركسيين ل (إنجازات) عبد الناصر (الاجتماعية) كذلك هلــّـلوا ل (الوحدة العربية) و(القومية العربية) وعندما كنتُ أتناقش مع أصدقائى الماركسيين المؤمنين بالعروبة ، وأقول لهم إنّ شعبنا مصرى وليس عربيًا ، كان ردهم (الوحيد والمُـتطابق) ((أنت هكذا تدعو للتفرقة والتجزئة.. وهذا لصالح إسرائيل))
ولكن بعد مُـتوالية الهزمات والكوارث التى حلــّتْ على شعبنا بسبب الحكم الناصرى (هزيمة56، حرب اليمن من 62- 67، كارثة بؤونة/ يونيو67) بخلاف تبديد أموال شعبنا على الأنظمة العربية (التدخل فى العراق وسوريا) بعد هذه الكوارث ، وخاصة هزيمة 67، راجع بعض الماركسيين أفكارهم وقناعاتهم ، خصوصًا فيما يتعلــّـق بمسألة (العروبة) وكان من بينهم – كمثال – د. فوزى منصور فى كتابه (خروج العرب من التاريخ) الذى انتهى من كتابته عام1988 باللغة الإنجليزية ثم صدرتْ الترجمة العربية عن مكتبة مدبولى- عام93. فى المقدمة كتب د. منصور أنه كتب هذا الكتاب لأنه يخشى أنْ يكون مصير العرب مثل مصير الهنود الحمر. بل إنّ ((هذا المصير ينتظرنا رغم كثرة مواردنا وإتساع أراضينا ووفرة أموالنا)) كما أنّ مأساة العرب تتمركز حول كثرة الانقسامات والحروب الدائرة بين العرب ، وانصرافهم عن الخطر الصهيونى القابع فى دارهم إلى المعارك و(الانقلابات) العائلية. بل وتحالف بعضهم الصريح والضمنى مع العدو الأصيل الأجنبى ضد اخوتهم . وأنّ التحالف مع العدو ظاهرة قديمة فى تاريخ العرب.
وأنا اخترتُ كتاب د. منصور لأنه رغم تحليله والأسباب التى ساقها عن مستقبل العرب (وخروجهم من التاريخ) فإنه يتمسّـك بأمل أنْ العرب قد يلحقون آخر عربة فى قطار التقدم كما فعلتْ الشعوب المُـتحضرة ، وهذا (الأمل) أسّسه على نصيحة عليهم أنْ يعملوا بها وهى ((ليس للوطن العربى ككل ولا للأجزاء المُـكوّنة له ، مستقبل خارج مشروع توحيدى قومى)) (ص175) أى أنه ردّد كلام الناصريين حول (القومية العربية) وبالتالى فإنّ شهادته غير مجروحة ، ولا يمكن اتهامه بأنه (عدو للعروبة) كما وصفوا كل من نادى ب (القومية المصرية) بل إنه أدان ((الحملة الخبيثة التى أطلقها السادات المُعادية للعروبة)) (ص176)
ولكنه كان أمينـًا وهو يشرح أسباب (خروج العرب من التاريخ) من ذلك أنّ الأنظمة العربية تتكامل مع المركز الرأسمالى العالمى ، من خلال تدفق الأموال العربية الفائضة إلى الرأسمال العالمى . ثمّ تدفق تلك الأموال فى الاتجاه العكسى ، فى شكل قروض وتسهيلات ائتمانية. وعلى هذا النحو تـُستخدم فوائض الأموال العربية المُعاد تدويرها فى تحقيق تكامل أكثر تبعية للدول العربية مع النظام الرأسمالى العالمى . ثم شرح عدة أنواع من التبعية. ومقابل هذه التبعية فإنّ الدول الرأسمالية الكبرى تحمى عروش الحكام العرب ، كما حدث عندما اضطر النظام السعودى عام 1983(وكان فى أوج رخائه النفطى) إلى الاستنجاد بدولة أوروبية لكى تـُرسل له جنود المظلات لتخليص النظام السعودى من تمرد مسلح نظــّمه فريق من رعايا المملكة السعودية. رغم أنّ السعودية كان بها أسلحة فى مخازنها دفعتْ فيها بلايين الدولارات (179، 180) ورغم كل ذلك فإنّ د. منصور لم يفقد الأمل ((فى بناء الأمة العربية المُوحـّدة)) (ص24) كتب ذلك رغم ادراكه واعترافه بحالة العجز العربى الذى عبّر عنه قائلا ((إنّ الدولة (الصغيرة) إسرائيل خاضتْ خلال أربعين عامًا أربعة حروب مع جيرانها. وتخلــّـلتْ تلك الحروب وأعقبتها غارات وضربات وغزوات.. وفى جميع المواجهات الكبرى الأربع كان نصيب الجانب العربى الهزيمة.. وفى كل مرة تكون الهزيمة أكبر من سابقتها . وكان العرب يُـقـدّمون فى كل مرة عذرًا أشد قبحـًا ، بينما يُحقق العدو (الامبريالى) الإسرائيلى مزيدًا من المكاسب . واعترف بأنّ إسرائيل – حتى بعد حرب73 ((دولة مُـهيمنة فى المنطقة وقائمة بذاتها وليس بوصفها مجرد وكيل عن الدول الامبريالية المُساندة لها)) فكان د. منصور بذلك يرد على الأكذوبة الناصرية أنّ إسرائيل ((الولاية الأمريكية رقم51))
ود. منصور شهادته غير مجروحة – كذلك – لأنه ردّد كلام العروبيين أنّ اللغة العربية هى اللغة (الأم) لسكان المنطقة العربية (ص34) وهذا غير صحيح فى ضوء علم اللغويات ، لأنّ (لغة الأم) هى اللغة التى يتكلمها الطفل قبل بلوغ سن المدرسة ، لذلك فإنّ شعبنا المصرى – كمثال – لا يتكلم اللغة العربية فى حياته اليومية. حتى شيوخ الأزهر لا يتكلمونها فى البيوت والأسواق كما كتب طه حسين فى كتابه (مستقبل الثقافة فى مصر) الصادر عام 1938. كما أنّ د. منصور تجاهل الأكراد والأمازيغ والنوبيين . ولكنه كان أمينـًا وموضوعيًا عندما تناول (الأقليات) الدينية والعرقية فكتب ((ومن الواضح أنّ أهمية (الأقليات) الواعية بذاتها ووجودها كأقليات مُـتمايزة ، سيتوقف بالأساس على ما ستفعله (الأمة العربية) بنفسها : هل ستكون أمة تترك نفسها للتعصب الدينى والانغلاق الإثنى واللغوى؟ أم ستـُجـدّد نفسها لتـُصبح مجتمعًا مُـتسامحـًا مفتوحـًا ، مُـستعدًا لإشباع المطالب المشروعة للأقليات بالتمتع بالاستقلال الذاتى الثقافى ، خصوصًا عندما تكون هذه الأقليات مُركــّزة فى مناطق جغرافية مُحـدّدة؟ (ص41) وهنا يتأكــّـد أنّ د. منصور خرج عن الخط العروبى الرافض لحق هذه الأقليات بالاحتفاظ بتراثها ولغاتها مثل الأمازيغ والأكراد والنوبيين . ولكنه سرعان ما عاد إلى الخط العروبى عندما ردّد الكلام العروبى/ الناصرى فكتب أنّ ((قوى خارجية - خاصة إسرائيل - تستخدم بصورة محمومة كل الوسائل المُـتاحة لدفع الوطن العربى إلى خيار تقسيم نفسه إلى دويلات تبعًا لتوزيع الأقليات ، خصوصًا الأقليات الدينية)) وإذا كانت (القوى الخارجية) تسعى للتقسيم (وهذا حق) فماذا فعلتْ الأنظمة العربية لتفادى هذا التقسيم؟ أما البديل الذى يقترحه – لتفادى هذا التقسيم (من وجهة نظره) فهو (وجود أمة عربية) ثم إذا به يستخدم لغة العلم فى تناقض مع ما سبق فكتب ((فمن ذا الذى يستطيع أنْ يُـنازع فى وجود أمة مصرية منذ عصور التاريخ القديم ؟ وهى أمة مُوحـّدة ليس فقط بسبب اللغة والثقافة والإقليم المُستقر والمُحـدّد المعالم وإنما أيضًا بسبب الاعتماد على نهر واحد)) (من 40- 43)
أما عن الفرق بين العرب ومصر، فإنّ دخل العرب (الموارد وفق المُـصطلح العصرى) كان يعتمد على منظومة الريع من مصدريْن أساسييْن : الجزية والخراج. وفى العصر الحديث ظلّ نفس النمط الريعى ولكن تغيّر مصدره ليكون النفط (67) ولأنّ العرب ومن تبعهم من الخلفاء المسلمين ، لم يسعوا لترسيخ دعائم (دولة المواطنة) لذلك كثرتْ الحروب الأهلية ، لذلك عندما وصل العباسيون للسلطة ، حدث خلال فترة قصيرة (60 سنة) أنْ وقع ما لا يقل عن 12 انتفاضة مُسلــّـحة ، وتحوّلتْ أحيانـًا إلى حرب أهلية دامتْ ما يزيد عن العام ، معظمها لأسباب اقتصادية. وفى كثير من هذه الانتفاضات انضم العرب (الذين عملوا بالزراعة) إلى صفوف الفلاحين المصريين . وقد شنّ الخليفة المأمون حملات عسكرية لإخماد الثورات المصرية. ولكن قوات المأمون مُـنيتْ بسلسلة من الهزائم . وكان قادة قوات الخليفة من العرب يفرون على إثر كل هزيمة ، وينضمون إلى أقاربهم وأصدقائهم من المتمردين (ضد المأمون) الذى أرسل أخاه المعتصم على رأس فرقة عسكرية مكونة من الترك لإخماد الثورة. وكانت هذه هى الثورة المسلحة الثامنة. وبعد ذلك بعاميْن كان على القائد العام لجيش الخلافة (وهو تركمانى من فرغانة) أنْ ياتى إلى مصر لإخماد العصيان العام الذى استمرّ عاميْن واشترك فيه جميع المصريين : المسلمون والمسيحيون : من الصعيد ومصر السفلى ومن الإسكندرية ، فاضطرّ المأمون أنْ يأتى بنفسه ليـُشرف على العمليات العسكرية ضد الثوار. ولكن د. منصور تعمّد إخفاء حقيقة أنّ أعظم هذه الثورات كانت ثورة البشموريين ، وأنّ زعماء الكنيسة المصرية هم الذين دلوا المأمون على مكان الثوار.
ونظرًا لبنية الموروث العربى القائم على الاعتداء والنهب ، لذلك استمرّتْ تلك البنية العقلية فى العصر الحديث ، حيث استمر نظام العشيرة والقبيلة وتوارث الحكم، وبالتالى الجمود ، حيث أنّ نظام الحكم يظل داخل الأسرة ، ثم تنشأ الصراعات داخل الأسرة الحاكمة. كما أنّ الاستعمار البريطانى كان وراء تثبيت الملوك على العروش ، ومن ذلك أنه بعد معاهدة 1853 والمعاهدات اللاحقة التى أعقبتها – والتى وصل عددها إلى ما يزيد عن 200 معاهدة وقعتها بريطانيا مع 26 مشيخة أنشأتها على شاطىء عدن وحضرموت ، كفلتْ هذه المعاهدات الحماية الكاملة للحكام العرب وأسرهم ضد شعوبهم وضد منافسيهم على السواء. وترتب على ذلك : 1- حلّ الحكم المطلق (القبلى) محل الديمقراطية 2- أصبحتْ المنازعات حول الحدود التى ليس لها أساس تاريخى ، منازعات مُـنتشرة وسائدة بين العرب ، وحتى الحدود المُـعترف بها تحوّلتْ إلى منازعات حدودية (اليمن والسعودية نموذجـًا) 3- أصبحتْ شروط المواطنة فى هذه الدول شروطــًا تحكمية (أى لا علاقة لها بالمفهوم العلمى لمعنى المواطنة) 4- أنشئتْ نزعة جديدة محلية بصورة مصطنعة لتحل بدلا من الشعور العام بالإنتماء لشعب واحد ، وإنْ يكن موزعـًا على عدة قبائل . وبينما هذه النتائج غير ضارة (نسبيًا) عندما كان الأمر يتعلق بمساحات صحراء جرداء ، فقد ازداد الأمر تعقيدًا بعد اكتشاف البترول، وأصبحتْ (المواطنة) تعنى الحصول على الثروات الضخمة للأسر الحاكمة. وخاصة مع دولة مثل السعودية التى توحـّـدتْ مع المصالح والمخططات الأمريكية وخضوعها لها، بعيدًا عن قضيتىْ (التوحد القومى) و(التحرر القومى) العربيتيْن (من ص115- 120)
ويُلاحظ أنّ د. منصور- فى الفقرة الأخيرة ردّد نفس الكلام عن أكذوبة العروبة، خاصة عندما أضاف أنّ ((التحرر العربى والوحدة القومية تمّ قمعهما بعنف من الامبريالية (من وجهة نظره) ولم تنتعشا من جديد إلاّ فى منتصف الخمسينيات تحت تأثير قيادة عبد الناصر الذى أثبتَ أنّ الامبريالية يمكن أنْ تـُهزم)) وأنّ الامبريالية الأمريكية معادية للقومية العربية لإضعاف الدعوة للوحدة العربية (ص121، 122) وهذا الكلام هو نفس الكلام الذى ردّده النشيد الرسمى الناصرى/ العروبى ، وهو نشيد ضد لغة العلم لأنّ الاستعمار العالمى (خصوصًا الأنجلو/ أميركى) مع (ذوبان) شعوب المنطقة داخل البوتقة الجهنمية (للوحدة العربية) ليتم القضاء على خصوصية كل شعب ، والدليل على ذلك أنّ بريطانيا هى التى أنشأتْ جامعة الدول العربية ، وأنّ المخابرات الأمريكية هى التى أنشأتْ محطة إذاعة (صوت العرب) فى مصر، وليس فى الجزيرة العربية. ويعترف د. منصور بأنّ الأنظمة العربية تابعة للإدرة الأمريكية، فإذا كان الأمر كذلك، وإذا كانت أميركا ضد القومية العربية (كما يقول) فلماذا لم تـُقاوم تلك الأنظمة المخطط الأمريكى المُعادى للقومية العربية؟ وأكثر من ذلك عندما كتب أنّ الامبريالية أقنعتْ السعودية – مثلا - أنّ الطبيعة الثورية المحتومة للوحدة العربية مآلها أنْ تكتسح الأشكال البالية لأجهزة الدولة ، وتدفع بطبقات وقوى اجتماعية جديدة أكثر تقدمًا ، ولذك فإنّ السعودية رفضتْ وقاومتْ (الوحدة العربية) انطلاقــًا من مفهوم (عالمية الإسلام) (ص128، 129) وبالتالى يكون من حق العقل الحر أنْ يطرح هذا السؤال : أين تكمن المشكلة ؟ ومَنْ السبب فى (مُـعاداة القومية العربية) : الامبريالية العالمية أم الأنظمة العربية التى انقسمتْ إلى أنظمة مع (القومية العربية) وأنظمة مع (الأممية الإسلامية) ؟
وتعرّض د. منصور لتجربة الجزائر، وأنّ 8 سنين من الكفاح ضد فرنسا، وأكثر من مليون شهيد ، فماذا حدث ؟ ماحدث أنه ((على الرغم من الثروات النفطية التى نعمتْ بها أخفقتْ فى تحقيق حلمها وهى تنتكس شيئـًا فشيئـًا إلى حالة لا تختلف كثيرًا عن جيرانها)) (ص130) ولكن ما لم يقله د. منصور أنّ الجزائر (والأدق الشهداء من الشعب الجزائرى) تخلــّـصوا من الاستعمار الفرنسى ليحل محله الاستعمار الأمريكى ، فما دخل (معادة القومية العربية) هنا ؟ فى حين أنّ جوهر المأساة (سواء فى الجزائر وغيرها) هو الخضوع للتبعية الأمريكية. وهذا ما عبّرت عنه السيدة لويزا حنون رئيسة حزب العمال الجزائرى فى مؤتمر صحفى حيث قالت إنّ (ديك تشينى) نائب الرئيس الأمريكى بوش الابن يمتلك 60% من رأسمال شركة الأنابيب الجزائرية (أهرام 30/3/2003) إذن فجوهر المأساة (التبعية) والسؤال الذى تغافل عنه د. منصور وغيره من الماركسيين/ العروبيين هو: هل (معاداة الامبريالية للقومية العربية) – لو صحّ هذا الزعم - يمنع أو يتعارض مع أنْ يكون لكل دولة استقلالها وإرادتها الحرة (المُـنفردة) لتحدى الاستعمار العالمى ، كما فعلتْ بعض الشعوب والأنظمة فى أميركا اللاتينية ؟ سؤال يتجنــّـبه الماركسيون بما فيهم د. منصور الذى – بعد أنْ شرح تجربة محمد على ودوره فى النهضة المصرية- كتب ((والدرس الذى ينبغى استخلاصه من تلك التجربة هو وعى أوروبا بما يُمكن أنْ تـُشكــّـله الوحدة العربية من خطر على مصالحها ومطامعها الامبريالية)) (ص133) أى أنّ د. فوزى مُصمّم على أنّ (العروبة) تـُشكــّـل خطرًا على الامبريالية. ثمّ عزّز رأيه بأنْ أضاف ((ولا ريب أنّ الصحوة للقومية العربية ، وإمكان تحقيق الوحدة العربية على أيدى حاكم تقدمى حازم (عبد الناصر) كان من الأسباب الرئيسية – إنْ لم يكن السبب الرئيسى- وراء مواجهة أووبا له)) (134)
إنّ ما ذكره د. فوزى نقيض ما حدث : حيث أنّ قانون الاستثمار قبل يوليو52 كان يُحدّد نسبة رأس المال الأجنبى ب49% وبعد سيطرة الضباط حدث العكس فأصبح 51% باعتراف د. فخرى لبيب (وهو ماركسى) فى كتابه (الشيوعيون وعبد الناصر) بل واعترف د. فوزى بأنّ الامتيازات التى حصل عليها رأس المال الأجنبى بعد يوليو52، كانت أكبر من الامتيازات قبل استيلاء الضباط على السلطة. وبهذا وجد الضباط أنفسهم فى تحالف وثيق مع رأس المال الدولى ، وبصفة خاصة هيئة المعونة الأمريكية وصندوق النقد الدولى والبنك الدولى.. إلخ (ص143) وعندما طنطن النظام الناصرى بالمشروع الوهمى (صواريخ القاهر والظافر) كان (الخبراء) من ألمانيا الغربية التى كان يسبها فى خطبه ، وليس من ألمانيا الشرقية ، وعندما أراد عبد الناصر تمويل مشروع السد العالى ، لجأ – فى البداية - للبنك الدولى ، وهو مؤسسة استعمارية ، فلماذا لم يلجأ إلى الدول العربية لتمويل مشروع السد وهو زعيم العروبة ؟ والأمثلة كثيرة وكلها تؤكد أنّ عبد الناصر (نبى العروبة) لم يكن كما وصفه د. فوزى ب (الحاكم التقدمى الحازم الذى تحدى الامبريالية) كما أنه ردّد كلام العروبيين حول أخطاء الفترة الناصرية ومن بينها (البيروقراطية التى التفــّتْ حول عبد الناصر) ولكنه لم يذكر لماذا سمح عبد الناصر لتلك البيروقراطية أنْ تلتف حول رقبة نظامه وتخنقه. وإنما اكتفى بأنْ ردّد كلام أعداء الحضارة المصرية عندما وصف تلك البيروقراطية بأنها (بيروقراطية فرعونية) (ص145) ولكنه كان أمينـًا عندما ذكر أنّ عبد الناصر استلم مصر وهى دائنة لبريطانيا ب 300 مليون جنيه استرلينى (الرقم الصحيح 400مليون عند كثيرين من المؤرخين) فإذا بالوضع يُصبح العكس خلال 18سنة (فترة حكم عبد الناصر) فتتحول مصر إلى دولة مدينة ب 36 ألف مليون دولار (ص146)
وكيف كان تحدى الامبريالية ، بينما النظام الناصرى (والأنظمة العربية) تابعة للرأسمال الأوروبى كما ذكر د. منصور فى أكثر من صفحة بل ((والتكامل مع المركز الرأسمالى العالمى)) (ص179) وأنهى كتابه قائلا ((وفى الجملة يُمكن القول إنّ وحدة عربية تقودها البورجوازية القومية سوف تكون فى أحسن الأحوال تكرارًا – على النطاق الكلى – لنمط التطور الجزائرى بالإتجاه المُلازم له للارتداد إلى التبعية)) (ص195) ولخـّص د. سمير أمين الوضع العربى فى جملة شديدة الكثافة فى دراسته عن كتاب (خروج العرب من التاريخ) فكتب ((وبتركيز شديد أقول إنّ العالم العربى الإسلامى شكــّـل عالمًا خـّراجيًا مُـكتملا ، سمته الرئيسية المركزية الشديدة للسلطة وما ترتب عليها من اندماج الطبقة الخـَراجية ودولتها)) (ص201) وإذا كان عنوان كتاب د. فوزى (خروج العرب من التاريخ) قد أزعج العروبيين وانتقدوه بشدة ، فإنّ د. فوزى ليس ضد العروبة ، لأنه كتب كثيرًا – فى نفس الكتاب عن الأمل فى (خروج حضارى) قبل أنْ (يخرج العرب من التاريخ) ولكن الروشتة التى وضعها هى نفس الروشتة العروبية ((ليس للوطن العربى ككل، ولا للأجزاء المُكوّنة له ، مستقبل خارج مشروع توحيدى قومى)) (ص157) كتب ذلك رغم أنه كتب فى مقدمة الكتاب أنّ العرب قد أداروا ظهورهم للتاريخ ، ووفق نص كلامه ((فالتاريخ قد يصبر على قوم فى هزائمهم ، وقد يمد يده لمن يتخلف عن الركب ، أما الذى لا يتسامح التاريخ فيه أبدًا ، فهو أنْ يُدير القوم ظهورهم له ، ويمضوا مُـتباعدين عنه ، وذلك تحديدًا هو ما يفعله العرب)) (ص6، 7)
***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,689,464,671
- الغزالى وابن رشد
- نصر أبو زيد : الواقع والأسطورة
- نوبار الأرمنى : عاشق مصر
- الأرمن : صراع الإبادة والبقاء
- شركات السلاح والمؤسسات الدينية
- تقدم الشعوب وتخلفها ونظرية التكيف
- العلاقة بين العروبة والإسلام
- خصوم لويس عوض والعداء للغة العلم
- الصهيونية أعلى مراحل اليهودية
- آفة الولاء السياسى والدينى
- الهوان العربى والفكر الأبوى
- اليمن بين الماضى والحاضر
- العروبة والجحيم العربى
- الشخصية القومية والدين (3)
- الشخصية القومية واللغة (2)
- الثقافة واللغة والدين والشخصية القومية
- الجثة : قصة قصيرة
- العروبيون والحضارة المصرية
- التواصل الحضارة : الموسيقى المصرية نموذجًا
- أخناتون : الفرعون المارق


المزيد.....




- بالفيديو.. تصريح لشيخ الأزهر حول وضع العرب والبرادعي وأيمن ن ...
- الأوقاف الأردنية تحذر من فرض واقع جديد على المقدسات الدينية ...
- رد قوي من المرشد الأعلى في إيران على -صفقة القرن-
- 4 مرشحين لتشكيل الحكومة العراقية... والرئيس يمهل القوى الشيع ...
- نصر فريد واصل : الأصل في الإسلام عدم تعدد الزوجات
- شيخ الأزهر منتقدا رئيس جامعة القاهرة: نشتري الموت ولا نصنع - ...
- تداول تصريح شيخ الأزهر -شخصيتنا انتهت كعرب- بتويتر.. أيمن نو ...
- رئيس الشؤون الدينية التركية: القدس عاصمة فلسطين الأبدية
- حركة التوحيد المغربي يدعو أحرار العالم للتكتل لمقاومة صفقة ت ...
- شاهد..السعودية تحذف اسم -محمد- من القرآن لتُرضي اليهود


المزيد.....

- للتحميل: التطور - قصة البشر- كتاب مليء بصور الجرافكس / مشرفة التحرير ألِسْ روبِرْتِز Alice Roberts - ترجمة لؤي عشري
- سيناريو سقوط واسقاط الارهاب - سلمياً - بيروسترويكا -2 / صلاح الدين محسن
- العلمانية في شعر أحمد شوقي / صلاح الدين محسن
- ارتعاشات تنويرية - ودعوة لعهد تنويري جديد / صلاح الدين محسن
- ماملكت أيمانكم / مها محمد علي التيناوي
- السلطة السياسية، نهاية اللاهوت السياسي حسب بول ريكور / زهير الخويلدي
- الفلسفة في تجربتي الأدبية / محمود شاهين
- مشكلة الحديث عند المسلمين / محمد وجدي
- كتاب ( عدو الله / أعداء الله ) فى لمحة قرآنية وتاريخية / أحمد صبحى منصور
- التدين الشعبي و بناء الهوية الدينية / الفرفار العياشي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - طلعت رضوان - اليسار المصرى والعروبة